في الباذهنج وترتيبه
قال القاضي محي الدين بن عبد الظاهر في باذهنج مطل على البحر
أنا نعمى من ابتهج أنعش الروح والمهج
وعن البحر يا نسي؟ ؟م حدث ولا حرج
وقال ابن سناء الملك (توفي سنة ثمان وستمائة):
وباذهنج علا علاء ولكنه قد هوى هواء
دام عليك النسيم فيه وكأنه يطلب الشفاء
وقال أبو الحسن عبد الكريم الأنصاري:
ونفحة باذهنج أسكرتنا وجدت بروحها برد النعيم
أتينا من أنيق الشكل سمح تراه مثل راووق النديم
صفا وجرى الهوى فيه رقيقًا فسميناه راووق النسيم
ومما يحسن أن ينشد على لسان الباذهنج قول بعض العرب:
إذا الريح من نحو الحبيب تبسمت وجدت لرباها على كبدي بردا
وإني بتهباب النسيم موكل طروب وبعض القوم يحسبني
وللشيخ برهان الدين القيراطي:
يا طيب نفحة باذهنج لم يزل بهوائه لنفوسنا تنفيس
مغرى بجذب الريح من آفاقها فكأنه للريح مغناطيس
وللشيخ شهاب الدين بن أبي حجلة:
وباذهنج لا خلت ديارنا من أنسه
كأنه ميتم يلقى الهوى بنفسه
وله:
وباذهنج غدا في الجو منظر من فوق منظره تبدو على سنن
فانظر فديتك يا محبوب رفعته واستنشق الريح من تلقاه يا سكني
وله:
يا باذهنجي كم كذا تعلو على بان الحمى
ابديت حمقًا زائدًا رفعت رأسك للسما
وله مضمنًا:
ودار حكت قصر السمؤل فاغتدت تباهي ببنيان لها وتقول
أرى باذهنجي في الهواء ارتفاعه يعز على من راحه ويطول
وله مضمنًا:
يا باذهنجي أما ترثي لذي حرق يبدي لهيب الجوى مذبات يخفيها
عودتنا صدقات من لطيف هوى فامنن علي بريح منك يجريها
وله مضمنًا:
يا باذهنجي لا برحت من الهوى مثلي على حب الديار مولها
داري بحبك دائمًا مشغوفة خلقت هواك كما خلقت هوى لها
وله:
وباذهنج تره كغصن بان ترنح يهتز عند العطايا لأنه يتريح
وله ملغزًا فيه:
وذي جناح طوله أضعاف ما في العرض
ما جار في شرع الهوى وحكمه إذ يقضي
ولم يطر مع كونه بين السما والأرض
وقال أبو الفتح بن قادوس يهجوه:
لك باذهنج قلب صب له نفس يصاعد لوعة الحرق
مات النسيم به فأجمعنا نبكي عليه بأدمع العرق
ولصدر الدين بن عبد الحق (توفي تقريبًا سنة ثمانين وسبعمائة):
في الباذهنج لا تنم فما لمرضاه دوى
لا يأمن الشخص الذي يسرق في الليل الهوى
ولشهاب الدين بن أبي حجلة:
وباذهنج ريحه تضرم نيران الجوى
مدحته جهلًا به فراح مدحي في الهوى
وله مضمنًا فيه:
هجا الشعراء جهلًا باذهنجي لأن نسيمه أبدا عليل
فقال الباذهنج وقد هجوه إذا صح الهوى دعهم يقولوا
وقال شهاب الدين السنبلي المالكي (توفي سنة أربع وستين وستمائة):
وباذهنج إذا حر المصيف أتى أهدى النسيم وقد رقت حواشيه
مصغ إلى الجو ما ناجاه فحة إلا ونم عليه فهو واشيه
وأكثر الناس ولوعًا بالباذهنج القاضي الفاضل فإنه قال من رسالة: إني من مدة سنتين وما قاربهما وهي المدة من تاريخها فرح بهجرة وكرى وعلو سعر شعري قد نظمت مائتين وخمسين ألف بيت من الشعر بشهادة عيانها وحضور ديوانها مثل قولي في باذهنج شديد الحرور كأنما يتنفس نفس مصدور ما يناهز ألف بيت كل مقطوع منها يخرع العقول اختراعه ويعفي المحاسن بديع ابتداعه.
ومثل قولي في رجل طويل الآذان كأنهما في رأسه خفان أو قد عجل له منهما نعلان، ما يقارب ألف بيت تجاوزت بهما وأوريت وما أدخلت منها الشاعر إلى بيت.
ومثل قولي في رثاء الوطن الذي درجت من وكره وخرجت فلم أخرج عن ذكره ما يناهز عشرة آلاف بيت ومثل قولي:
في مدايح منصوصه وأهاجي مخصوصه
[ ١٩ ]
وللشيخ برهان الدين القيراطي ملغزًا فيه:
أهواءنا المختلفة قد أصبحت مؤتلفة
في شامخ بأنفه على العوالي أنفه
وذي جناح لم يطر ولك طير ألفه
جناحه طول المدى يبدي علينا رفرفة
كم من كئيب عاشق أهدى له مشرفه
ولا يزال مرسلًا لنجوه ملطفه
في الريح ضاع قول من على هواه عنفه
عليله الصحيح كم شفى قلوبًا دنفة
وروحه لطيفة وذاته منحرفة
عن قلبه الدين أرى حب الهوى قد صرفه
ولم يكن مع الهوى أعطافه منعطفه
هواه تحت طوعه كيف يشاء يصرفه
كم عممت غمامة هامته المنكشفة
ما زال غير ساكن ساكنه مذ ألفه
وكلما لاح له من الهواء التقفه
فنى الوليد ذاته بذاته مؤتلفه
سكانها سميها في الغرب يبدي حيفه
فيه تشتي عصبة قد اصبحت مصيفه
ببدر ذو الرشد ولا ينسبه إلى السفه
حمدت مع تبذيره وبذله تصرفه
وكل ما أسرف في بلد شكرنا أسرفه
ونصفه مع جبل ملك سطاه متلفه
تصحيف ثلثيه جلت فض حديثه الشفة
وثلثه حر فإن بلل حرف فدع من حرفه
أنفاسه كم أودعت محاسنًا مستلطفة
كم رنحت من غصن ذي قامة مهفهفة
معلتة وهو الصح؟ ؟يح عند من قد عرفه
وثوبه البيض لا يزال يبدي صلفه
آخره مصنف لعالم قد صنفه
وبيت سلطان غدا يصون فيه تحفه
يكنى بسدسي لفظه عصابة مستنكفة
وسدسه أرى السما والأرض والماء يألفه
فاكشف معمى قلبه فمثلكم من كشفه
نهار ذهنكم محى من الظلام سدفه
يجري لحل المشكلا ت لم يخف توقفه
وبحركم در وما صادفت فيه صدفة
وللرقاب قلدت هباتك المؤلفة
كل البرايا نكرة وأنت فيهم معرفة
وخذ عروسًا شنفت مذ جليت مشنفة
زهير لو بان له زهر جلاها قطفة
أغشى سناء طرفها إذا لاح طرف طرفه
حديقة حاسدها يرعد مثل السفعه