ذكر ابن بدرون في شرحه لقصيدة ابن عبدون عند ذكر كسرى وبنائه للسور المذكور في الباب السادس من هذا الكتاب ولما بنى كسرى هذا السور هادته الملوك وراسلته، فمنهم ملك الصين كتب إليه من يعقوب ملك الصين صاحب قصر الدار والجوهر الذي في قصره نهران يسقيان العود والكافور والذي توجد رائحة قصره على فرسخين والذي تخدمه بنات ألف ملك والذي في مربطه ألف فيل أبيض إلى أخيه كسرى أنوشروان وأهدى إليه فارسًا من در منضد علينا الفارس والفرس من ياقوت أحمر وقائم سيفه من الزمرد منضد بالجوهري وثوبًا حريرا صينيًا وفيه صورة الملك على إيوانه وعليه حلته وتاجه وعلى رأسه الخدام بأيديهم المذاب المصورة من ذهب تحمله جارية تغيب في شعرها يتلألأ جمالها وغير ذلك مما تهديه الملوك إلى أمثالها.
[ ٢١٤ ]
وكتب إليه ملك الهند: من ملك الهند وعظيم ملوك الشرق وصاحب قصر الذهب وإيوان الياقوت والدر إلى أخيه كسرى أنوشروان ملك فارس صاحب التاج والراية وأهدى إليه ألف من عود يذوب في النار كما يذوب الشمع ويختم عليه كما يختم على الشمع وجامًا من الياقةت الأحمر فتح شبر مملوء من در وعشرة أمنان كافور كالفستق وأكبر من ذلك وجارية طولها سبعة أذرع تضرب أشفار عينيها إلى وجنتيها كأن بين أجفانها لمعان البرق مع إتقان شكلها مقرونة الحاجبين لها ضفائر شعر تجرها وفراشا من جلود الحيات ألين من الحرير وأحسن من الوشي وكان كتابه في لحاء الشجر المعروف بالكاذي مكتوب بالذهب الأحمر وهذا الشجر يكون بأرض الهند والصين وهو نوع من النبات عجيب ذو لون حسن وريح طيبة تكاتب فيه ملوك الصين والهند.
وكتب إليه ملك التبنت من ملك تبنتان ومشارق الأرض المشاخبة للصين والهند إلى أخيه المحمود السيرة والقدر ملك المملكة المتوسطة الأقاليم السبعة كسرى أنوشروان وأهدى إليه أنواعًا مما تحمل من عجائب أرض تبنت منها مائة جوشن ومائة ترس مذهبة وأربعة آلاف من المسك في نوافج غزلانه.
وأهدى يعقوب بن الليث الصفار صاحب خراسان إلى المعتمد هدية في بعض السنين من جملتها عشر بزاة منها بازي أبلق لم ير مثله ومائة مهر وعشرون صندوقًا على بغال عشرة فيهم ظرائف الصين وغرائبه ومسجد فضة برواقين يصلي فيه خمسة عشر إنسانًا ومائة من مسك ومائة عود هندي وأربعة آلاف درهم.
وأهدت ملكة فرنجية إلى المكتفي بالله في سنة ثلاث وتسعين ومائتين خمسين سيفًا وخمسين رمحًا وخمسين فرسًا وعشرين ثوبًا منسوجًا بالذهب وعشرين خادمًا صقليًا حسنًا وعشرة كلاب كبار لا تطيقها السباع وست بازات وسبعة صقور ومضرب حرير يجمع ثلاثة وعشرين ثوبًا معمولًا من صوف يكون في صدف يخرج من البحر يتلوّن بجميع الألوان كقوس قزح يتلون كل ساعة لونًا وثلاثة أطيار تكون في أرض إفرنجية إذا نظرت إلى الطعام المسموم صاحت صياحًا منكرًا وصفقت بأجنحتها ليعلم ذلك من حالها وخرزا يحتذب النصول فتخرج من غير ألم وقدم الرسول بكتابها وهديتها وكان في فصل من كتابها وعرفت أن بينك وبين ملك قسطنطينية صلة وأنا أوسع منه سلطانًا وأكثر جندًا وأشد سطوة وملكي على أربعة وعشرين مملكة لسانها لا يشبه الآخر وفي مملكتي وطاعتي رومية الكبرى.
ومن ظرائف الهدايا ما أهدته شجرة الدر جارية المتوكل وكان يميل إليها ميلا كبيرًا ويفضلها على سائر حظاياه فلما كان يوم المهرجان أهدى إليه حظاياه هدايا نفيسة واحتفلن في ذلك فجاءت شجرة الدر بعشرين غزالًا تربية عليهن عشرون سراجًا صينيا على كل غزال خرج صغير مشبك حرير فيه المسك والعنبر والغالية وأصناف الطيب ومع كل غزال وصيفة بمنطقة ذهب وفي يدها قضيب ذهب وفي رأسه جوهرة فقال المتوكل لحظاياه وقد سر بالهدية ما فيكن من تحسن مثل هذا وتقدر عليه فحسدنها وعملن على قتلها بشيء سقينه لها فماتت.
عبد الملك بن صالح بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب أبو عبد الرحمن الأمير ولي المدينة للرشيد ثم ولي الشام والجزيرة للأمين وجه الرشيد فاكهة في أطباق خيزران وكتب إليه أسعد الله أمير المؤمنين وأسعد به دخلت إلى بستان أفادنيه كرمك وغمرته لي نعمك قد أينعت أشجاره وتهدّلت ثماره فوجهت إلى أمير المؤمنين من كل شيء على القدرة والإمكان في أطباق القضبان ليصل إلي من بركة دعائه مثل ما وصل إلي من بركة عطائه فقال رجل يا أمير المؤمنين لم أسمع بأطباق القضبان فقال يا أبله كنى عن أنشدني في المجدي فضل الله بن مكانس وقد أهدى له والده تحفًا جليلة:
تناهيت في بري إلى أن هديتني وقد كنت قبل اليوم في الغي ساريا
وأهديت لي ما حير الفكر حسنه فلا زلت في الحالين للعبد هاديا
[ ٢١٥ ]
التحف النفيسة الأثمان ذكر الأصمعي قال حدثت أن برمك جد يحيى بن خالد كان زوارًا للملوك وكان يتطيب فحدث أنه صار إلى ملك الهند فأكرمه وآنس به وأحضر له طعامه قال فأكلت حتى انتهيت فقال لي كل فقلت لا والله أيها الملك ما أقدر على أن أزداد شيئًا فقال يا غلام هات القضيب قال فوهمت وظننت أني أخطأت فلم يلبث أن جاءه بقضيب فأخذه الملك وأمرّه على صدري فكأنني لم آكل شيئا قط ثم أكلت أكلًا كثيرًا حتى انتهيت فقال كل فقلت ما أقدر على ذلك فأخذ القضيب وفعل مثل ما فعل فكأني لم آكل شيئًا قط ثم أكلت حتى انتهيت فقال لي كل فقلت ما أقدر على ذلك فأراد أن يمرّ القضيب فقلت أيها الملك إن الذي دخل يحتاج إلى أن يخرج فقال صدقت وأمسك عني فسألته عن القضيب فقال تحفة من تحف الملوك ثم خرجت من عنده فأتيت الأصبهد فقربني وأكرمني وكان جالسًا في مجلس على البحر وفي يده خاتم ياقوت أحمر يغلب نوره نور الشمس قد أضاء المجلس منه فلم أزل أنظر إليه فلما رآني أفعل ذلك نزعه من يده ورمى به في البحر فوردت علي أعظم مصيبة وقدرت أني قد جنيت جناية ووجمت فلما رآني قال ما لك قلت أحسب أنك أنكرت نظري إلى الخاتم فألقيته في البحر قال لا وضحك ودعا بسفط فأخرج منه سمكة من فضة في رقبتها سلسلة طويلة فألقاها في البحر فغاصت ثم ظهرت بالخاتم في فيها فجذبها وأخذ الخاتم وردّه إلى إصبعه فورد علي ما حيرني ولم أعرف سببه ثم خرجت وأتيت الشام ولقيت هشام بن عبد الملك فأكرمني ورحب بي وسألني عن خبري فأخبرته فأمرني أن أتخذ له انتجات أرداها، قال الشيخ الأنتجات هي أخلاط تربت في العسل مثل الأترج والاهليلج ونحوها.
رجع: فتشاغلت بعملها فبينما أنا في بعض الأيام في منزلي قد نزعت ثيابي وأخذت إصلاح حالي وما أمرني به إذا بغلمانه قد هجموا علي وقالوا أمير المؤمنين يطلبك فأردت أن أغتسل وألبس ثيابي فقالوا كما أنت فأخذت بصورتي وأحضرت في مجلسه فلما دخلت من الباب قال اتركوه اذهب اذهب لا تقربني معك سم الله وأخرجوه فأخرجت وعدت إلى منزلي وأنا على حال حيرة من انزعاجه فاغتسلت وتنظفت ولبست ثيابي ثم رحلت إليه دخلت إلى حضرته وسألته عما كان منه فقال لي كان معك سم أو عبثت بشيء من السموم فقلت لا والله إلا أني كنت أعمل تلك الانتجات التي أمر أمير المؤمنين بها ولم تدعني الغلمان إلى أن أغتسل وكان من جملتها الأفيون وهو سم قال ما أشك في ذلك قلت فكيف علم أمير المؤمنين ذلك قال في عضدي كبشان من الياقوت إذا لقيني إنسان معه سم أو قدم إلي ما فيه سم انتطحا فلما وقعت عيني علي انتطح الكبشان فعلمت أن في يدك شيئًا من السم، نقلت هذه الحكاية من مجموعه بخط سيدنا وشيخنا شمس الدين محمد بن الكتبي الشهير بالتريكي ﵀.
قال صاحب كتاب المباهج مما وجد في خزائن الملوك والخلفاء والوزراء من الجوهر النفيس الدرة اليتيمة وسميت بذلك لأنها لم يوجد لها نظير حملها إلى الرشيد مسلم بن عبد الله العراقي فباعها عليه بتسعين ألف دينار وكان للمتوكل فص ياقوت أحمر وزنه ستة قراريط اشتراه بستة آلاف دينار، وكانت له سبحة فيها مائة حبة جوهر وزن كل حبة مثقال اشتريت كل حبة منها بألف دينار.
وأهدى بعض ملوك الهند إلى الرشيد قضيب زمرد أطور من ذراع وعلى رأسه تمثال طائر ياقوت أحمر لا قدر له نفاسة قُوِّم هذا الطائر على حدته بمائة ألف دينار.
ودفع مصعب بن الزبير حين أحس بالقتل إلى مولاه زياد فصًا من الياقوت الأحمر وقال له بخ بهذا وكانت قيمته الف ألف درهم وسقط من يد الرشيد في أرض كان يتصيد فيها فاغتم لفقده فذكر له فص ابتاعه صالح صاحب المصلى بعشرين ألف دينار فأحضره ليكون عوضًا عما سقط منه فلم يره عوضًا عنه ووهب المأمون للحسن بن سهل عقدًا قيمته ألف ألف درهم وقوّم الجوهر الذي سلم من النهب عند فتنة المأمون بألف الف ألف ومائة ألف وستة عشر ألف درهم ووجد في تركة السيدة بنت المعز العبيدي طست وإبريق من البلور ومدهن ياقوت أحمر وزنه تسعة وعشرون مثقالًا وكان الناس يستعظمون الطست والإبريق إلى أن قبض على أبي محمد البازوري وزير المستنصر العبيدي فوجد عنده تسعون طستًا بأباريقها من صافي البلور وجيده كبارًا وصغارًا فهان عليهم ما استعظموه.
[ ٢١٦ ]
وكان لمحمود بن سبكتكين صاحب غرنة كنصاب المرأة من الياقوت الأحمر إذا ركب قبض عليه بيمينه فتبين طرفاه من جانبي يده بحيث ينظر إليهما الناس ووجد في خزائن مروان بن محمد مائة جذع أرضها بيضاء فيها خيوط سود وحمر سعتها ثلاثة أشبار وأرجلها ذهب فيقال إنها صنعت على شكل المشتري من أكل منها لا يشبع.
ووجد أيضًا في خزائنه جام من زجاج فرعوني غلظ أصبع وفتحه شبر ونصف في وسط صورة أسد ثابت وأماه رجل قد برك على ركبتيه وقد أغرق السهم في القوس وكان فيما أخذ من خزائن قصر العاضد العبيدي بعد وفاته الحبل الياقوتي وكان وزنه سبعة عشر درهمًا أو سبعة عشر مثقالًا ولما انهزم أبو الفوارس بن بهاء الدولة البويهي من أخيه سلطان الدولة قصد يمين الدولة محمود بن سبكتكين فبلغ محمود أنه باع جوهرتين كانتا على جبهة فرسه فاشتراهما نصير الدولة صاحب ديار بكر بعشرة آلاف دينار فقال من غلطكم ترككم على جبهة الفرس مثل هذا وقيمته ستون ألف دينار.
وأهدى صاحب قلعة اصطخر إلى السلطان الملك العادل ألب أرسلان السلجوقي قدح فيروزج فيه منوامسك مكتوب عليه جم شاد أحد ملوك الفرس الأول.
وأخذ يوسف بن تاشفين من عبيد بن المكين الصنهاجي وكان ملك أفريقية لما قبض عليه سبحة فيها أربعمائة حبة جوهر كل حبة قومت بمائة دينار ووجد في ذخائر العبيديين لما أخذ الملك منهم عشرة آلاف قطعة بلور محكم تفاوتت قيمتها من ألف دينار إلى عشرة دنانير ووجد فيها قطعة بلخش وزنها ثلاثة وعشرون قيراطًا.
ووجد فيما أفاء الله على السلطان محمود بن سبكتكين لما فتح الهند قطعة ياقوت أحمر زنتها أربعمائة وخمسون مثقالًا، وكان فيما أخذ لمؤيد الملك بن نظام الملك من الجواهر قطعة بلخش وزنها أحد وأربعون مثقالًا.
وحكى الواقدي في فتوح السند أن عبيد الله العبيدي عامل معاوية على السند غزا بلد القيفال فأصاب منه مغانم كثيرة وأن ملك القيفال بعث إليه يطلب الفداء وحمل إليه هدايا كان فيها قطعة مرآة يذكر أهل العلم أن الله تعالى أنزلها على آدم لم كثر ولده وانتشروا فكان ينظر فيها فيرى من بعد منهم على الحالة التي هو عليها من خير وشر فحملها عبد الله إلى معاوية فبقيت في ذخائر بني أمية إلى أن انتقل الملك منهم إلى بني العباس فصارت عندهم في الذخائر.
بدنة عبدة: ذكر أصحاب التواريخ أن عبد الله بن يزيد بن معاوية بن أبي سفيان مات وخلف عاتكة بنت يزيد وكانت تحت عبد الملك بن مروان فلما ماتت عاتكة أوصت بأن يفرق مالها على أولاد أخيها فقسم عبد الملك تركتها بين عشامة وعبدة فتزوج عبد الملك عشامة وعزوج هشام عبدة فرآها يومًا هشام وقد ألقت حليها وإذا في نحرها خال فبكى وقال لأنت هي فقالت وما معنى هذا القول فقال إنا نروى أن امرأة خليفة وابنة خليفة في جيدها خال تذبح كما تذبح الشاة فقالت لا يجزيك الله إن كان الأمر صحيحًا فلا حيلة لي في دفع القضاء وإن لم يكن فلا معنى لتعجيل الهم فلما قتل عبد الله بن علي بن أمية واستباح أموالهم أخذ بدنة عبدة وبعث بجواهر إلى السفاح فعرضها على امرأته أم سلمة بنت يعقوب المخزومية فقالت ما لي لأرى بدنة عبدة فكتب إليه بذلك وأمره بإنفاذ بدنة عبدة فأنفذ إليه بدنة عبدة وزعم أنها هي فعرضها على امرأته فقالت ليست هي هذه بدنة الرائقة جارية هشام وحبة واحدة من بدنة عبدة أفضل من هذه كلها وعلامتها أن في ظهرها وصدرها خطين من كبار الياقوت الأحمر فكتب أبو العباس إلى عبد الله يعزم عليه في البعث ببدنة عبدة فكتب إليه بذلك فكره أن يبعث بعبدة لئلا تقر عليه ولم يجد بدًّا فبعث بها ودس بعض أجناده وقال إذا صرت بموضع كذا فاقتلوها فلما صارت بموضع من طريق الشام يعرف اليوم بجب عبدة وأرادوا قتلها قالت لهم إن كنتم عزمتم على هذا فاتركوني حتى أصلي وأستتر فتركوها فصلت وشدّت إزارها على يديها ورجليها وأبرزت لهم نحرها فذبحوها وكتب عبد الله إلى السفاح إني أنفذت عبدة فقتلها بعض الأعراب بالطريق فلما أوقع أبو مسلم الخراساني بعبد الله وهرب منه وأخذ ماله وأنفذه إلى المنصور أخذ البدنة فكانت في خزائن بني العباس إلى أن صارت إلى زبيدة بنت جعفر ثم بعث بها ذلك المتوكل إلى ابنة عبد الله بن طاهر التي زوجها من المعتز ولده.
[ ٢١٧ ]
وذكر القاضي الرشيد بن الزبير في كتابه العجائب والطرف كان المعتز بالله قد التمس من أمه قيتحة خمسين ألف دينار ينفقها في الجند فذكرت أنها لا تملك حبة واحدة فظهر لها بعد قتل ابنها في سنة خمس وخمسين ومائتين وكانت قيتحة قد استخلفت فوجد لها خزانة فيها ألف ألف دينار وثلاثة أسفاط في أحدهم زمرد لم ير مثله قط وفي الآخر نصف مكوك حب كبار لؤلؤ وفي الآخر كالجة فصوص ياقوت أحمر فقوم ذلك فكانت قيمته ألفي ألف دينار وكانت غلتها في كل سنة عشرة آلاف ألف دينار والله أعلم.