في ذم الحجاب
خال بن عبيد الله القشيري كان يقول لحاجبه فلا يحجبن عليّ أحد فإنما الوالي يحتجب لثلاث: شر يكره أن يطلع عليه غيره، أو ريبة يخاف انتشارها، أو بخل يكره معه أن يسأل شيئًا.
ووقف رجل على باب أبي دلف فأقام به حينًا لا يصل به فتلطف في رقعة أوصلها إليه وكتب فيها:
إذا كان الكريم له حجاب فما فضل الكريم على اللئيم
فأجابه:
إذا كان الكريم قليل المال ولم يعذر تعلل بالحجاب
وأبواب الملوك محجبات ولا تستكثرن حجاب باب
وقال علاء الدين الوادعي يعتذر إلى بعض أصحابه:
إن كنت يا أكرم الصحاب حجبت لما طرقت بابي
فأنت قلبي ولا عجيب إذا غدا القلب في حجاب
وقال زين الدين بن الوردي (توفي سنة خمسين وسبعمائة) يلوم نفسه على زيارة أقوام:
مذ زرتهم صحبة وودا ألفيتهم مغلقين بابا
سعيي إلى بابهم جنون مني فاستأهل الحجابا
[ ٨ ]
وقال بعض الحكماء لبعض الملوك: لا تمكن الناس من كثرة رؤيتهم لك فإن أجرأ الناس على الأسد أكثرهم له رؤية.
وقال آخر كثرة الأذن مجلبة الابتذال وهيبة الملوك في الاحتجاب وكان يقال المبذول مملوك والممنوع متبوع.
ولله در ابن المعتز وما أحسن قوله:
كما يخلق الثوب الجديد ابتذاله كذا يخلق المرء العيون اللوافح
وقيل لبعض الحجاب متى تفرغ ولايتك فقال متى حضر طعام مخدومي وأين هذا من قول القائل:
جزت على باب صديق لنا وبابه من دونه مقفل
وحول تلك الدار غلمانه قد أحدقوا بالباب واستكملوا
فقلت ما يصنع مولاكم قالوا سمعنا أنه يأكل
قلت فلما يفتح مولاكم قالوا بلى رأس الذي يدخل
وقيل لبعضهم: هل تغديت عند فلان؟ قال لا ولكنني مررت ببابه وهو يتغدى، قال فكيف علمت؟ قال رأيت غلمانه بأيديهم قسى البندق يرمون الطير في الهوى.
وقال بعضهم:
رأيت أبا زرارة قال يومًا لحاجبه وفي يده الحسام
لئن وضع الخوان ولاح شخص لأختطفن رأسك والسلام
فقال سوى أبيك فذاك شيخ بغيض ليس يردعه الكلام
فقال وقام من حنق إليه بقد لام يزد فيه القيام
أبي وأبو أبي والكلب عندي بمنزلة إذا حضر الطعام
فما في الأرض أقبح من خوان عليه الخبز يحضره الزحام
وما أحسن قولا القاضي الفاضل:
بتنا علبى حال يسر الهوى وربما لا يمكن الشرح
بوابنا الليل فقلنا له إن غبت عنا هجم الصبح
وله في بواب يلقب بالبحري:
وهب أن هذا الباب للرزق قبلة فها أنا وقد وليته دونكم ظهري
وهب أنه البحر الذي يخرج الغنى فكل خرافي الشط في لحية البحري
وقال كمال الدين بن النبيه (توفي سنة تسع عشرة وستمائة) لما سمع قول الفاضل:
قلت لليل إذا حباني حبيبا بغناء يسبي النهى وعقارا
أنت يا ليل حاجبي فامنع الص؟ ؟بح وكن أنت يا دجى برد دارا
وقال ناصر الدين بن النقيب:
ماذا على بواب دراكم الذي لا إذن يعطينا ولا يستأذن
لو ردنا ردًا جميلًا عنكم أو كان يدفع بالتي هي أحسن
وللشيخ شهاب الدين بن أبي حجلة في غير المعنى:
يا رب إن النيل زاد زيادة أدت إلىهدم وفرط تشتت
ما ضره لو جاء على عاداته في دفعة أو كان يدفع بالتي وأنشدني الشيخ العلامة عز الدين الموصلي لنفسه (المتوفي سنة تسع وثمانين وسبعمائة، وأخبرني أن مولده أربع وعشرين وسبعمائة):
قد سلونا عن الحبيب بخود ذات وجه به الجمال تفنن
ورجعنا عن التهتك فيه ودفعنا بالتي هي أحسن
رجع إلى ما كنا فيه: قال الناشئ الأصغر (المتوفي سنة ست وستين وثلاثمائة):
ليس الحجاب بآلة الأشراف إن الحجاب مجانب الإنصاف
ولقل ما يأتي فيحجب مرة فتعود ثانية بقلب صاف
وقال أبو الحسين الجزار (مولده سنة إحدى وستين وستمائة، ووفاته سنة اثنتين وسبعين وستمائة):
أمولاي ما من طباعي الخروج ولكن تعلمته من خمولي
وصرت لديك أروم الغنى فيخرجني الضرب عند الدخول
وألم بهذا الأديب شمس الدين الضفدع فقال:
وافا إلى خدمته العبد كي يحظى بتقبيل يد أو قبول
واستأذن الخادم في قربه منكم لأن البعد ستر يحول
فكاد أن يخرجه الضرب عن غناك بالإيقاع قبل الدخول
٣أوحى إليه منه قولًا فما بلغ عنه ما يقول الرسول ونقلت من خط فخر الدين بن مكانس للجمال ابن عبد الغني:
أتيت إلى بابك يا سيدي أهنيك بالعيد مع من يهني
فأخرجت من بعد ذاك الدخول وقد جئت يعني مدلًا بأني
مغن ويخرج بعد الدخول وتأبى الطباع خروج المغني
حكي عن أبي الحسين الجزار أنه جاء إلى باب الصاحب زين الدين بن الزبير فأذن للناس كلهم ولم يؤذن له فكتب في ورقة:
الناس قد دخلوا كالأير أجمعهم والعبد مثل الخصي ملقى على الباب
[ ٩ ]
فلما قرأها ابن الزبير قال لحاجبه اخرج إلى الباب وناد يا خطي ادخل فلما سمع أبو الحسين قول الحاجب يا خصي ادخل فقال هذا دليل على السعة.
وهذا جميعه مأخوذ من قول الآخر:
أيدخل من يشاء بغير إذن وكلهم كسيد أو عوير
وأبقى من وراء الباب حتى كأني خصيه وسواي أير
وقال بعض الشعراء وقد منعه بواب اسمه بصاقة من الدخول
يا من سما في المكرما ت وفاق أرباب الممالك
أعجب لأمر بصاقة منع الدخول لباب خالك
وهو المعين على الدخو ل إذا تعسرت المسالك
وقال جحظة:
ولي صاحب زرته للسلام فقابلني بالحجاب الصراح
وقالوا تغيب عن داره لخوف غريم ملح وقاح
ولو كان عن داره غائبًا لأدخلني أهله للنكاح
وقال آخر:
وكل خفيف الشأن يسعى مشمرًا إذا فتح البواب بابك أصبعا
وتحن الجلوس الماكثون توقرا حياء إلى أن يفتح الباب أجمعا
وأنشدني صاحب الأمالي:
كم من فتى تحمد أخلاقه ويسكن العارفون في ذمته
قد أكثر الحاجب أعداؤه وأحقد الناس على نعمته
حكى أبو السعادات بن شجري في شرح الحماسة أن أنس بن زنيم الهذلي وفد على عمرو بن عبد الله بن التميمي في جماعة من الشعراء فصده الحاجب عن الدخول وأذن لغيره من الشعراء فلما طال حجابه كتب إليه أبياتًا منها:
لقد كنت أسعى في هواك وأبتغي رضاك وأعصي أسرتي والأدانيا
حفاظًا وإمساكًا لما كان بيننا لتجزيني يومًا فما كنت جازيا
أراني إذا ما شمت منك سحابة لتمطرني عادت عجاجًا وسافيا
أأقصى ويدنى من يقصر رأيه ومن ليس يغني عنك مثل غنائيا
فلما قرأ الأبيات عنف حاجبه ثم أذن له وقال له ويحك ما هذا، قال فعل حاجبك وطول مقامي وأنت تعطي من أقبل وأدبر، فقال يا هذا أشهدت معي موذاة هجر قال لا، قال ألك من يد تضربني بها أو تستحق علي ما طلبت قال نعم كنت أجلس بين يديك وأسمع حديثك فأنشر محاسنه وأطوي مساوئه، فقال وأبيك إن في هذا لما يشكر كم أقمت بالباب، قال أربعين يومًا فأمر له بأربعين ألف درهم.
ولشهاب الدين ابن أبي حجلة:
ألا قل لشمس الدين صاحبنا العبسي أتينا مرارًا نحو بابك بالأمس
فإن حجبتك الجدر عنا فربما رأينا جلابيب السحاب على الشمس
وقال شرف الدين بن عنين (ومولده سنة تسع وأربعين وخمسمائة ووفاته سنة ثلاثين وستمائة):
أين غلمانك الممطيفون بالبغ؟ ؟لة والرافعون للأثواب
ردك الدهر كالنداء على الني؟ ؟يل لا حاجب ولا بواب
وعلى ذكر الحاجب فما أحسن قول القائل في مليح قلندري:
بدا في حلق الحواجب فتنة فقلت لعقل ذاهل فيه ذاهب
حبيبي بحق الله قل لي ما الذي دعاك إلى هذا فقال مجاوبي
وعدت بوصل العاشقين تعطفًا فلم يثقوا فاسترهنوا قوس حاجبي
وقال السراج الوراق فيه:
عشقت من ريقته قرقف وما له إذ ذاك من شارب
قلندريا حلقوا حاجبا منه كنوز الخط من كاتب
سلطان حسن زاد في عدله فاختار أن يبقى بلا حاجب
وقف بعض المطابيع على باب بعض الأمراء والطعام قد حضر فخرج حاجب الأمير إلى الباب فقال أيها المطبوع ألك حاجة، قال نعم قال ما هي؟ فقال له إذا دخلت فاقرئ خبر الأمير السلام.
وما أظرف في ذم الحاجب قول السراج الوراق:
لا ذقت ذل حجاب ولا وقوفًا بباب
فقد حنقت وقد قا م شارب البواب
ورحت أجري وصحف؟ ؟ت موضعين لما بي
وقال زين بن الوردي:
يقول بوابه إذا رأى بالباب مني وقفة الحائر
له محارلايم بها شغلة قلت محاريم بلا آخر
وقال السراج الوراق مضمنًا:
وقطب عند دخولي إليه فتم له القبح معنى وصورة
ولولا الضرورة ما زرته على الرغم مني وعند الضرورة
وقال جمال الدين ابن نباتة:
حجبتني فازددت عندي علبا برغم من أقبل كالعاتب
وقلت لا أعدم من سيدي من كان عيني فغدا حاجبي
[ ١٠ ]
وقال محمد بن العفيف (مولده سنة اثنتين وستين وستمائة، ووفاته سنة سبع وثمانين وستمائة):
ولقد وقفت ضحى ببابك ارتجي باللثم للعتبات حق الواجب
وأتيت أطلب زورة أحظى بها فرددت يا عيني هناك بحاجبي
وقال الشهاب فتيان الشاغوري (مولده سنة ثلاثة وخمسمائة، ووفاته سنة خمسة عشرة وستمائة):
وافيت تهنية الوزير فلم أجد لي في الدخول ببابه من مسعد
لم أحظ إلا بالقيام لمن أتى فحصلت منك على المقيم المقعد
قصد جماعة من الطفيلية وليمة فقال رئيسهم: اللهم لا تجعل البواب لكازًا في الصدور دفاعًا في الظهور طراحًا للقلانس، هب لنا رأفته ورحمته وبشره وسهل علينا إذنه، فلما دخلوا تلقاهم المضيف، فقال الرئيس عزة مباركة موصول بها الخصب معدوم بها الجدب فلما جلسوا على الخوان قال جعلك الله كعصى موسى وخوان إبراهيم ومائدة عيسى في البركة، ثم قال لأصحابه افتحوا أفواهكم وأقيموا أعناقكم وابسطوا الأكف وأجيدوا اللقم ولا تمضغوا مضغ المتعللين الشباع المتخمين واذكروا سوء المنقلب وخيبة المضطرب خذوا على اسم الله تعالى.
وقال زين الدين بن الوردي:
ماذا تقولون في محب عن غيره أبوابكم تخلا
وجاءكم زائرًا عفيفًا عن مالكم هل يجوز أم لا
وقال جمال الدين بن نباتة:
ما يقول المقام أيده الل؟ ؟هـ ولا زال للسعود يحوز
في ولي ببابكم ترك الخل؟ ؟ق ووافى يجوز أم لا يجوز
كان الشيخ عز الدين بن عبد السلام إذا قرأ عليه الطالب وانتهى يقول اقرأ من الباب الذي تليه ولو سطرًا فإني لا أحب الوقوف على الأبواب.
وللنصير الحمامي بيتان كتبهما إلى السراج الوراق على يد غلام يدعى إبراهيم وهما:
عبدك إبراهيم وافى بهما وفي بها معنى لمن يعقل
وهو على الباب ومقصوده وفيك فهم أنه يدخل