في بيت الخلاء المطلوب
قال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد ﵀ الخلاء بالمد في الأصل هو المكان الخالي كانوا يقصدونه لقضاء الحاجة ثم كثر حتى تجوز به عن غير ذلك ثقال أنس بن مالك (كان النبي ﷺ إذا دخل الخلاء قال اللهم إني أعوذ بك من الخنث والخبائث بضم الخاء والباء جمع خبيث والخبائث جمع خبيثة استعاذ من ذكور الشياطين وإناثهم قال بعضهم إذا كمكل للإنسان في داره حسن ثلاثة مواضع لم يبال فيما فاته منها وهي: مجلس السكن والدهليز والكنيف.
وفيه يقول المأموني:
بيت إذا ما زاره زائر فقد قضى أعظم أوطاره
يدخله المولى ببز كما يدخله العبد بأطماره
وهو إذا ما كان مستصقًا مروّة الإنسان في داره
وكان جعفر الصادق يقول من سعادة المرء سعة داره وحسن مجلسه ونظافة متوضاه.
حكى عن بعض الحمقى أنه استدان سبعمائة درهم وأنفقها على كنيف داره فبلغ ذلك بعض أصحابه الظرفاء فقال ليت شعري ما الذي يريد يخرى فيه وحكى أبو الفرج الأصبهاني في أخبار العرجي عن الأصمعي قال مررت بكناس يكنس كنيفًا وهو يغني:
أضاعوني وأي فتى أضاعوا ليوم كريهة وسداد ثغر
فقلت أما سداد الكنيف فمعلوم وأما سداد الثغر فلا علم لنا بك كيف أنت فيه وكنت حديث السن وأردت العبث به فأعرض عني مليًا ثم أقبل علي وأنشد:
[ ١٨٦ ]
وأكرم نفسي أنني إن أهنتها وحقك لم تكرم على أحد بعدي
فقلت له والله ما أكرمتها وما يكون من الهوان أكثر مما أهنتها به فبأي شيء أكرمتها فقال بلى والله وإن من الهوان لشر ما أنا فيه فقلت وما هو قال الحاجة إليك وإلى أمثالك فانصرفت وأنا أخزي الناس.
ومن أداب المضيف أنه يرى الضيف بيت الخلاء، قال ملك الهند إذا أضافك أحد فأره الكنيف فإني قد ابتليت فوضعت في قلنسوتي.
نادرة: قيل إن رجلًا حكى قال كنت بائتًا في بيت بين جماعة وكنت ضيفًا فتحركت بطني في أثناء الليل فقمت فلم أجد موضعًا فطفت في البيت فإذا أنا بمهد طفل فأخذت الطفل في حجري ثم خريت في المهد ثم رجعت لأرد الطفل في المهد فإذا به قد خري في حجري أضعاف ما خريت في مهده فما جرى على كاتبه أعظم.
قلت: الطبيعة مكافئة.
ومثلها حكي أن دعبل بن علي الخزاعي دعا أبا هفان فأطعمه ألوانًا كثيرة الحبوب وسقاه نبيذًا حلوًا وغمز الجواري أن لا يدلوه على بيت الخلاء ثم تركه ونام فلما أجهده الأمر قال لبعض الجواري أين الخلاء فقالت الأخرى ما يقول سيدي قالت يقول غنوني فغنت:
خلا من آل عالية الديار فمثوى أهلها منها قفار
فغنت هذه وضربت هذه وزمرت هذه وشربوا أقداحًا وسقوه فقال قد أحسنتم وجددتم غير أنكم لم تأتوا على ما في نفسي وسكت فلما أجهده الأمر قال لعل الجارية بغدادية لم تفهم ما قلت لها ثم التفت إلى أخرى وقال لها فداك أبوك أين المستراح فقال الأخرى ما يقول سيدي قالت يقول غنوني فغنت:
واستريح إلى ليلى فاذكرها كما استراح عليل من شكيه
فغنت هذه وضربت هذه وزمرت هذه وشبوا أقداحًا وسقوه فقال أحسنتم وجددتم غير أنكم لم تأتوا على ما في غرضي ثم قال لعلها ما فهمت ثم قال لإحداهن فداك أبوك أين الحش فقالت الأخرى ما يقول سيدي قالت يقول غنوني فغنت:
وحاشاك أن أدعو عليم وإنما أردت بهذا القول أن تقبلي عذري
فغنت هذه وضربت هذه وزمرت هذه وشربوا أقداحًا فقال أحسنتم وجددتم غير أنكم لم تأتوني على مقصدي ثم أجهده الأمر فقال لعلها كوفية ثم قال للأخرى فداك أبوك أين الكنيف فقالت الأخرى ما يقول سيدي قالت غنوني:
تكنفني الوشوان من كل جانب ولو كان واش واحد لكفاني
فغنت هذه وضربت هذه وزمرت هذه وشربوا أقداحًا فما تمالك حتى وثب وحل سراويله وذرق في وجوههن فتصارخن فانتبه دعبل فقال ما شانك يا أبا هفان فقال:
تكنفني السلاح فأضجروني على ما بي بنيات الزواني
فلما قل عن حالي اصطباري رميت به على وجه الغواني
فقام دعبل فدله على الخلاء فدخل واغتسل وخلع عليه بعد أن ضحك منه ضحكًا عظيمًا، وما اظرف قول الشيخ جمال الدين بن نباتة:
أمط بالدوا ثياب الأذى وطب في الرواح به والغدو
وكرر أحاديث بيت الخلاء ولكن على رغم أنف العدو
ولبعضهم يستحث:
يا قاعدًا متفكرًا لمن الولاية بالعراق
ارحم فديتك مدنفًا قد لف ساقًا فوق ساق
نادرة: قال رجل لآخر يمدحه أنت من بيت الطهارة فقال الرجل دعني من هذا المدح فقال صدقت الشكر في الوجه ذم ولكن أنا أذكرك في الخلاء.
حكي أن بعض الكتاب كان يلقب بجعيص فلقيه بعض حرفائه فقال له أوحشتني يا جعيص وأين كنت فأنشده:
وحيث ما كنت من بلاد فلي إلى وجهك التفات
قلت: وضمن هذا الشيخ بدر الدين بن الصاحب فقال:
يا كعبة الله إن رحلنا وطال ما بيننا الشتات
فحيث ما كنت من بلاد فلي إلى وجهك التفات
[ ١٨٧ ]
(رجع) كان لبعض المغفلين دار فقال له الساكن إن الكنيف قد انفتح فقال له صاحب الدار نظرت إليه من أيام وأردت أن أتغدى به قبل أن يتعشى بي فسبقني، قلت الشيء يذكر بلوازمه نقلت من خط الفاضل المؤرخ الناظم الناثر الرحال صاحب المؤلفات المبدعة نور الدين علي بن سعيد من كتابه الذي سماه بالمغرب في أجلاء المغرب قال في ترجمة أبي العباس أحمد بن القاسم وهو الذي يقول فيه ابن تقي في موشحته المشهورة التي منها أمًا ترى أحمد في مجده العالي لا يلحق أطلعه الغرب فأرنا مثله يا مشرق وجرت له معي حكايات أكرمها حكايته وقد وفد عليه مرة فوجده قد عج عن لارتياح وأقلع عن شرب الراح وكانت له عادة بإحضاره المجلس راحته عندما يصل فخطب ذلك منه فأعلمه بتوبته وتكلف له مجلسًا فيه أصحابه ومن يشرب من أقاربه وحضر هو فيه عازمًا على المؤانسة دون المشاركة في شراب فقال ابن تقي موشحته المشهورة:
نديمًا قد طا ب عن له وأنشد
وأردد عليه الكأ س عساه يرتد
فارتد عن توبته وشرب كأسه من نوبته وأتى من المطايبة والطرب ما قر به عين الظرف والأدب ولما أخذ السكر من ابن تقي قام المستراح وفي وسطه كيس فيه جملة من الذهب الذي جرت عادة أبي العباس أن يصله به في كل سفرة وما اجتمع له من غيره فحله وحطه في كوة المستراح حتى يقضى شغله ثم فرغ ومضى ونسي الكيس لما كان فيه من السكر ونام فلما اصبح وصحا قلب ليطلب الكيس فلم يجد شيئًا ونظر إليه أبو العباس فقال له ما لك فأخبره فقال أنا أخذته منك البارحة لئلا يضيع منك وإذا احتجت إليه دفعته لك واستفهمه عن عدد ما فيه فأخبره فلما دخل إلى منزله جعل في كيس من عنده ذلك العدد ودفعه إليه وابن تقي لا يشك أنه ذهبه ثم ودعه وانصرف ولما اجتاز عليه في سفرة ثانية حضر في ذلك المجلس ليلة على مثل تلك الحالة فلما سكر قام إلى المستراح ثم تفكر في حالة السكر أنه كان قد حل هناك سراويله ووضع الكيس في الكوة فمد يده إلى الكوة وجد الكيس بعينه فأخذه وجعله في وسطه ثم عاد لشربه والمجلس غاص محتفل بالأعيان فبكى ابن تقي وكدر المجلس فظن أبو العباس أنه جرى عليه ما أوجب ذلك فقال له ما يبكيك هل نابك أمر أكشفه عنك فقال والله ما أبكي إلا حسرة على العالم أنه لا يخلد مثلك فيه وحكى الحكاية فقال أبو العباس ما كان يسعني في ذلك الوقت إلا ما فعلته لأني خفت أن يكون ضاع لك فتتهم به أحد ندمائي ويشيع ذلك ولابد من غرمه لك لئلا تنصرف خائبًا فكان الأولى غرمه دون أن يفتضح أحد من أصحابنا فقبل الأرض ودعى لي وهذه إحدى مكارمه جدد الله عليه الرحمة وجازاه بما هو أهله في جنة الفردوس من النعمة آمين آمين.
سألني بعض المخاديم أن انظم له أبياتًا تكتب على الخريشت الذي جدده بعد حريقه وانهدامه في الواقعة المشهورة الخواجا بدر الدين محمد بن الخواجا شمس الدين محمد اتبن المزلق أدام الله سعدهما بباب البريد بالجامع الأموي وكان والده قد بيضه:
يا بقعة لقضا الحوايج أسست لازال سعدك دائمًا يتزيد
لمحتك من بدر وشمس نظرة فغدا قرانًا سعده لك يرصد
جددت فعل الخير يا بن مزلق لازال فعل الخير منك يجدد
عشرون بيتًا قد قصدت رويها يا خير من يروي ومن يتقصد
كانت مسودة وقد بيضتها فالماء للأبيات منها ينشد
وإذا نظرت إلى البقاع وجدتها تشقى كما تشقى الرجال وتسعد