الفصل الأول: فيما يحتاج إليه كاتب الإنشاء من الأخلاق والأدوات والآلات.
الفصل الثاني: في أعيان كتاب الإنشاء قديمًا وحديثًا ونبذة مما لهم من المكاتبات.
الفصل الأول قال أبو حيان التوحيدي يجب على الكاتب أن يكون حافظًا لكتاب الله تعالى لينتزع من آياته وأن يعرف كثيرًا من السنة والأخبار والسير حافظًا لكثير من الرسائل والكتب وأن يكون تناسب الألفاظ متشابه الخط ذكيًا عارفًا بما يحتاج إليه خبيرًا بالحلى والشيات مضطلعًا لعب الكتابة له في يد السواد وعمل في الحساب وأن يكون له يد في عمل الشعر نظيف لطيف المركب ظريف الغلام لقيق الدواة حاد السكين صقيل الكاغد صلب الأقلام متوددًا إلى الناس مخالطهم غير متكبر عليهم ولا منقبض منهم دمث الأخلاق رقيق الحواشي ترف الأطراف عذب النجايا حسن المحاضرة مليح النادرة غير قنف ولا متعجرف ولا متكلف للألفاظ الغريبة ولا متعسفًا للغة الغويصة. انتهى كلام أبي حيان. وقال أبو الحسين محمد بن أحمد أظنة قدامة منزلة الكاتب التي يستحق بها أن يكون كاتبًا في قوله وفعله ومحاورته وفطنته وحجاجه وأن يكون مطبوعًا على المعرفة محنكًا بالتجربة عالمًا بحلال الكتاب والسنة وحرامهما ومتشابههما وناسخهما ومنسوخهما وبالأزمنة والأدوار في اختلافها وتعاقبها وبالملوك في سيرها وأقدارها وبالخطوط وأنسابها وأقلامها في تصاريفه وجهاته وبوادي الكلام ومقاطيعه في فواتح الوصف وخواتم الوقف وفصول التمام ورسوم الكتب وأقدار الرجال وتأليف الأوصاف ومشاكلة الاستعارة وإثبات المعنى بشكله من القول والعلم بالنظائر والأشباه والتثبت بالشواهد والأمثال حتى ينصب البيان أشخاصًا ماثلة ويقيم للقول صورًا ناطقة تنبئ عن أحوالها وتدل على منازلها مع التخلق بأخلاق الدين والتحلي بحلية الكرم وإثبات محاسن الأمور والأحمال في الصبر والطلاقة ولبسة اللب والوفاء واجتناب الدنانا والنقائض في الشره والارتشاء والقلق وقال محمد بن أيوب بن سليمان عميد الرؤساء وأبو طالب وزير للقائم حال كونه أولى عهد كان مترسلًا بليغًا متفننًا صنف كتابًا في الخارج وهو القائل الكتب سبعة.
أولهم الكامل الذي ينشئ ويملى ويكتب.
الثاني الأعزل وهو الذي ينشئ ويملى وخطه رديء.
الثالث المبهم الذي يكتب خطًا مليحًا ولا يد له في الإنشاء.
الرابع الرقاعي يجيد رقعة يكتبها ولا خط له في التطويل.
الخامس المختل وهو الذي له حفظ ورواية ويعجز عن الإنشاء فهذا نديم.
السادس المخلط وهو الذي يأتي بالدرة والبعرة ويقرن بينهما.
[ ٢٠٣ ]
السابع السكيت شبه بالمتأخر في الجلية فربما جهد نفسه وأتى بمعنى، توفى سنة ثمان وأربعين وستمائة، وقال الشيخ الإمام سيد كتاب الإنشاء شهاب الدين أبو العباس أحمد بن فضل العمري في كتابه الذي سماه مسالك الأبصار في ممالك الأمصار أن كتابة الإنشاء كانت في المشرق خلافة بني العباس منوطة بالقدماء وربما انفرد بها رجل وذكر ابن عبدوس في مواضع من كتابه من ديوان السر وديوان الترسل ثم كانت آخر وقت أفردت واستقل بها كتاب لم يبلغوا مبلغ الوزارة وكان في المشرق يسمى كاتب الإنشاء ثم لما كثر عددهم سمى رئيسهم رئيس ديوان الإنشاء ثم بقي يطلق عليه تارة صاحب ديوان الإنشاء وتارة كاتب السر وهي إلي الأحب وعند ابنه وعند الناس أذل وكان في دول السلاجقة وملوك الشرق يسمى ديوان الطغراوية وبه سمى مؤيد الدين الطغراي والطغراء هي الطرة وهي التي تكتب فوق البسملة بالقلم الغليظ تتضمن ألقاب الملك وهي لفظة أعجمية وكانت تقوم مقام خط السلطان بيده على المناشير والكتب ويستغني بذلك عن أن يكون للسلطان علامة بخطه علامة بخطه لكثرة وثوق الناس بصاحب هذه الرتبة وأهل المغرب يسمون رئيس ديوان الإنشاء صاحب القلم الأعلى وأهل هذه الرتبة لم يزل لهم الاختصاص والقرب أكثر من كل عام وخاص تحتاج الأمراء إلى مداراتهم وتقصر الوزراء مع علو الرتبة في الوزارة عن مباراتهم يجتمعون بالملك إذا أرادوا على عدد الأنفاس وهم معنى الدولة وعليهم عولة كل الناس وما كانت الملوك تكاتب الخلفاء ببغداد إلا على هذا الديوان أعني ديوان الإنشاء وكانت تسميه الديوان العزيز ولهذا كانت كتبتهم تستفتح أدام الله أيام الديوان العزيز إشارة إلى ديوان الإنشاء وعليه كان يطلق هذا الاسم وله بهذا من الشرق ما له ومن الفخر ما يجرّ على السماء أذياله انتهى كلام القاضي شهاب الدين، وذكر الثعالبي في كتابه لطائف المعارف أن إدريس ﵇ أول من خط بالقلم وكان يوسف ﵇ يكتب لعزيز مصر وكان هرون ويوشع يكتبان لموسى ﵉ وكان سليمان يكتب لأبيه داود ﵉ وكان آصف يكتب لسليمان ﵇، وروى أن النبي ﷺ استكتب عبد الله بن الأرقم وكان يجيب عنه للملوك واستكتب أيضًا زيد بن ثابت وكان يكتب الوحي ويكتب الملوك وكان إذا غاب عبد الله بن الأرقم وزيد بن ثابت واحتاج أن يكتب إلى أمراء الأجناد والملوك أو يكتب لإنسان بقطيعة أمر من حضر أن يكتب وكتب له عمر وعثمان وعلى المغيرة بن شعبة ومعاوية بن أبي سفيان وخالد بن سعيد بن العاص وعبد الله بن سعد بن أبي سرح وحنظلة بن الربيع.
[ ٢٠٤ ]
آداب الكتابة روى عن الشعبي أنه قال كتب النبي ﷺ أربعة كتب أولها باسمك الله ونزلت سورة هود وفيها (بسم الله مجراها ومرساها) فكتب بسم الله ثم نزلت سورة بني إسرائيل وفيها (قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن) فكتب بسم الله الرحمن ثم نزلت سورة النمل وفيها (إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم) فكتبها، وروى أن الفصل الخطاب الذي أعطى داود الذي أعطى داود أما بعد وروى أن أول من قالها كعب بن لؤي وهو أول من سمى يوم الجمعة وكان زيد بن ثابت يكره أن يكتب بسم الله ليس لها سين وكان إذا رآها بغير سين محاها وروى أن عمر بن الخطاب (ضرب عمرو بن العاص لما كتب إليه بغير سين وقيل له فيما ضربك فقال ضربني في سين وعن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ أنه قال إذا كتب أحدهم فليتربه فإن التراب مبارك وهو أنجح للحاجة ولوى عنه ﷺ أنه كتب كتابين إلى قريتين فأترب أحدهما ولم يترب الآخر فأسلمت القرية التي أترب كتابها وقال الحسن بن وهب كاتب رئيسك بما يستحق ومن دونك بما يستوجب وكاتب صديقك كما تكاتب حبيبك فإن غزل المودة أرق من غزل الصبابة قال الوادعى في تذكرته إن القاضي تاج الدين ابن نبت الأعز ﵀ كان إذا كتب كتابًا بدأ في ترميله بالبسملة لتعم بركتها سائر الكتاب وإن يخزن ذلك الرمل ويحتفظ به ولا يرميه في الأرض وقال بزرجمهر من لم يختم كتابه فقد استخلص صاحبه وإذا كتبت فأعد النظر فيه فإنما تختم على عقلك وعن عبد الله بن عباس (في قوله تعالى (إني ألقى إليَّ كتاب كريم) قال مختوم وفض الكتاب إذا كسر ختمه ومعنى الفض في اللغة التفريق والكسر ومنه لا يفضض الله فاك.
العنوان فيه خمس لغات أفصحها عنوان ويقال علوان وعينان وعنيان وجمع عنوان عناوين وجمع علوان علاوين والعنوان وهو أثر الكتاب ممن هو والي من هو صحوا باشمط عنوان السجود به والقلم لا يقال له قلم إلا إذا بري وإلا فهو أنبوبة.
ومن أحسن ما قيل فيه قول السيد الفاضل شمس الدين بن الصاحب موفق الدين علي بن الآمدي نقلته كذا من خط الوادعي:
تمشي البراعة والمداد وراها ظل على شمس الطروس ينوع
عوض المعاني لو يلوح لمسلم هذا المعاني راح وهو صريع
لو لم تكن ألفاظه خطية ما راح سراب اللفظ وهو منيع
ألفاظه رقت بوجنة طرسه فكأنهن وقد جرين دموع
قلم مسحّى الخطاب لنطقه في المهد من يمناه وهو رضيع
وغدا كليميا وقد ضاهى العصا فغدا يروق بفعله ويروع
باللفظ حاكته الشموس وبالضيا حاكته في حال المداد شموع
قد لازم القرطاس وهو منور والطل يهوى الروض وهو مريع
نور ونور حظه وكلامه هذا يضئ به وذاك يضوع
وله أيضًا رحمه الله تعالى:
ليمناه ذو طرف كحيل إذا بكى تبسم ثغر الخط من دمعه عجبا
وقد راح مشقوق اللسان متى جرى بثغر الدوى اللعس أبدى اللما عذبا
وآوته في سنه سمّ أرقم إذا ما علا أعواد كف جلا خطبا
ويحقر فعل الخط بين كتائب تلاقت إذا ما خط في يدك الكتبا
حكى السمر قد أحيت للبيض خده فطاعن به إن شئت واضرب به ضربا
قال الشيخ الإمام مجد الدين الروذا وروى عبد الحميد بن أبي الفرج الهمداني الفقيه الشاعر المفنن مولده سنة تسع وتسعين وخمسمائة وتوفى بدمشق سنة سبع وستين وستمائة من نظمه في وصف القلم من قصيدة مدح بها الوزير القمى مؤيد الدين وزير الدولتين الناصر والمستنصر كذا نقلته من خط محيي الدين بن عبد الظاهر من كتابه المسمى بالنجوم الدرية في الشعراء العصرية:
لك من نبات الماء أصفر للعدا من رأسه المسود موت أحمر
خجل القنا من فعله حتى غدا مثل النساء يرى عليه المعجر
يصفونه ورد العلا وورده أبدا كعيش الحاسدين مكدر
ظلمات نفس خاضها بروية من ماء الحياة كأنه الاسكندر
متقيد يعدو وينطق ساكتا متحكم في الدهر وهو مسخر
يا راكعًا لبس السواد وساجدا يتلو بني العباس وهو مزئر
قد خر رأسك واللسان لبثه سر العلا وأسود منك المنظر
[ ٢٠٥ ]
هب أن جسمك من جواك نحوله أو أن لونك للنحافة أصفر
مركوبك البحر الجواد وما له من كبوة تلفى لماذا تعثر
وأنشدني من لفظه لنفسه سيدي وأخي تقي الدين بن حجة الحموي:
له يراع سعيد في تقلبه إن خط خطًا أطاعته المقادير
محبر وبتحرير العلوم إذا جرى يرى منه تحرير وتحبير
غصن عليه طيور العلم عاكفة وحانس النور من أوراقه النور
وأشقر يده البيضاء غرته له إلى الرزق فوق الطرس تيسير
بل اسمر عينه السوداء تلحظنا وهدب أجفانها تلك التشاعير
أو سهم علم بأطراف السطور غدا مريشا وله في الفضل تأثير
كذا محابره سود العيون فإن دانت أياديه قلنا الأعين الحور
ومن وقف على رسالة السيف والقلم للشيخ جمال الدين بن نباتة رأى من هذه المعاني العجائب ولولا اطالتها لأثبتها في هذا الباب ولقد ظرف إلى الغاية شمس الدين الواسطي حيث قال:
مازال بقلبه لهيب النار إذا صير جسمه خيالًا سارى
الله يقلبه فما يعلم ما قاساه الواسطي إلا الباري
وأنشدني أخي تقي الدين بن حجة الحموي يصف سكينًا أهداها له بعض الأصحاب وهو سكين قطع الملوك بها أوصال الجفا وأضافها إلى الأدوية فحصل بها البرء والشفاء وتالله ما غابت إلا وبلغت الأقلام من تغييرها إلى الجفا أنها لسان كل عنوان ما شاهدها موسى إلا وسجد في محراب النصاب وذل بعدما خضعت له الرؤوس والرقاب إن هجعت بجفنها كانت أمضى من الطيف وكم لها من خاصية جازت بها على حد السيف تنسى بحلاوة العسال ولا يظهر لطول طائله وتغني عن آلة الحرب بإيقاع ضربها الداخل كم مرت بشكلها المحلى فتركت المعادن عاطلة ولم يكن للحديد في هذه الواقعة مجادلة فلو لمحها الفاضل لتحقق أن خاطر سكينه كل أو شاهدها ابن نباتة لما أقر برسالة السيف وقل إلى أن دخلت إلى القراب كانت قد سبكت على الدخول أو أبرزت من غيمه كان على طلعتها الهلالية قبول كم أيقظت طرف القلم بعدما خط وعلى الحقيقة ما رأى مثلها قط ما أسفر صبح نصلها في ليل نصابها الذي دجا إلا تغزلت وقلت ما أحسن طرة الصبح من تحت أذيال الدجى تطرف بأشعتها الباهرة عين الشمس وباقامتها الحد حافظت الأقلام على مواظبة الخمس وكم لها من عجائب تركت جدول السيف في بحر غمده غريق لو سمع بها من قبل ضربه لما حمد التطريق لازالت صدقات مهديها تحف بما يذبح نحر فقرى وتأتي في كل حين بما يشفى من داء الفقر ويبرى بمنه وكرمه.
كتب مولانا محمد بدر الدين الدماميني إلى المرحوم أمين الدين صاحب ديوان الإنشاء بالشام ملغزًا في دواة:
كتبت وأعذاري إليك تقرر ونطقي بها يا كاتب السر يجهر
أتتك أبيات المعاني فرضتها وحكت حبير اللفظ فهو محرر
وحليت أهل الفضل إذ كنت خاتما له فعليك الآن يعقد خنصر
وما أنت إلا البحر جاش عبابه ولكن رأينا منك حلما يجسر
فما كلمة أفديك دام اعتلالها وفيها دواء إن اعتراها ثغير
ويحفظها ذو السر وهي التي وشت وذلك من عاداتها ليس ينكر
وما مسها إلا وجاب بنفسها وصحف تر المقصود بالنفس يظهر
وتحمل سمر الخط رايات ملكها على الرأس عباسية حين تخطر
كحيلة طرف تعشق العين شكلها وحسن مرآها إذا ما تحبر
مؤنثة كم ذكرتنا بلوتها عهود الصبا والشيء بالشيء يذكر
إذا هجرت يبدو المشيب برأسها وفي الوصل تذى أدمعًا تتحدّر
وكم قد أرانا ريقها من مسلسل يلذ به في الذوق ورد ومصدر
وكم لاقت الأحبار منها محاسنا فغادت لها الجهال بالعي تحصر
مسودّة أن ترض فالعيش أخضر وإن سخطت فالموت لا شك أحمر
ويعذب للسمر الرقاق رضابها فتنهل منه موردًا لا يكدر
لقد أحكمت والنسخ مازال دأبها بذلك قد جاء الكتاب المسطر
وما هي إلا ذات متربة غدت وكم ذا غنى عن قصدها ليس يفتر
إذا امتدت الراحات وهي مثيرة إلى نحوها أمست على المد تقصر
ولسنا نراها غير سائلة ولم تفه بسؤال فاعترانا التحير
[ ٢٠٦ ]
فانعم بحل اللغز يا خير منعم فأنت به والله أجدى وأجدر
ولازالت الأقلام تسعى لشكركم على رأسها طول المدى لا تقصر
فكتب الجواب إليه بعد أيام:
مواقع أقلام لها الفضل ينشر وروضة آداب لها القلب يجبر
تحرر معنى حسنها نسج وحدة فيا حبذا الإسكندري المحرر
يطول على الأفهام شقة شاوها فكل بليغ عن مداها يقصر
أتت سهلة الألفاظ ممنوعة الذرى حماها من العلياء لا يتسور
تشير إلى الحبلى التي عز وضعها فأحشاؤها فيها الأجنة تقبر
ينامون لا تغشاهم سنة الكرى فإن هب فرد ظل يسعى ويحصر
وإن أرشفته من سلاف رضابها تهادى به نشوان يمشي ويعثر
وأما إذا أعتموا السواد فكلهم خطيب له فوق الأنامل منبر
يسيل دموعًا في مجال سجوده فيخضل من رياه روض محبر
وينطق عن علم وطول نباهة وعما أراه في الأنام يعبر
يطاول سمر الخط أنى تشامخت سموا ومع هذا على الطول يقصر
وكل بني الآداب تلقى بيوتهم تقام به بين الأنام وتعمر
وأكرم بما قد ولدته وأنشأت وربت ويكفيها بذلك مفخر
نجية فكر أن جلست ووجهها تجاهي وجاهي عندها ليس يحقر
وقد فتحت فاها فقالت وقصرت فأما استقالت فهي في ذاك تعذر
فلا زلتم أهل الكمال وجبركم لذي النقص مثلي منه حظ موفر
بمدحكم الأقلام يضحك سنها بحق وأفواه الدوى تعطر
قال بعض الفضلاء إذا أردت أن تضمن كتابا سرًا فخذ لبنا حليبا واكتب به في القرطاس فإذا أراد قراءته المكتوب إليه فليذر عليه رماد القراطيس سخنًا فإنه يظهر ما كتب وإن شئت كتبت بماء الزاج الأبيض فإذا وصل إلى المكاتب فليمر عليه شيئًا من ماء العقص وإن شئت بالعكس وإن شئت أن يقرأ ليلًا ولا يقرأ نهارًا فاكتبه بمرارة السلحفاة.
قال الشيخ شهاب الدين بن العطار فيما يكتب على الدواة:
أنا دواة يضحك الجود من بكاء يراعي جل من قد براه
دلوا على جودي من شفه دا من الفقر فإني دواه
وأنشدني شمس الدين الجرائحي لنفسه:
أنا دواة كبحر جود في الفضل قل للسخي عني
فلو غدا كفه سحابا عند العطا يستمد مني
وقال ضياء الدين المناوي يصف حبرًا:
وعندي حبر ودّت العين لونه سوادا وترضاه الحسان خضابا
غدا سائلًا من فرط سقم ورقة وأصبح للسمر الرقاق رضابا
كأني لما بت أشكو صبابتي إلى الليل بالأشواق رق وذابا
وكتب الشيخ برهان الدين القيراطي صحبة حبر أهداه:
ليراعكم أهديت إنسان النظر وشباب طرس شاب من فرط الكبر
أرسلته عبدًا دعوه عنبرًا إذا فاح طيب نشره بين البشر
أقلامه أخذته حال كتابة سبحا وألقته على طرس درر
ويودّ مرسله إلى أبوابكم لو زاد فيه سواد قلب أو بصر
ليل وإن أبدى لنا ألفاظكم في صبح طرس أبيض قالوا سحر
وأنشدني المرحوم فخر الدين بن مكانس:
لداود الرئيس الحبر فضل وأنس عم أبناء الوجود
أتانا منه حبر فابتهلنا وقلنا نعم أحبار اليهود
وقال ابن الوردي فيمن انقلب حبر على ثوبه:
انقلب الحبر على ثوبك فأبشرت بالأرب
فحبر كل كاتب ربح إذا هو انقلب
وأنشدني القاضي أمين الدين محمد الأنصاري صاحب ديوان الإنشاء بالشام لنفسه في لوح الموقعين المرصد للصاق الأوصال على لسانه:
قطعوني وكنت منبر سجع طال ما في الرياض أسبغت ظلا
فبكسرى جبرت بين الموالي وبقطعي جعلت للوصل أهلا
وفيها له أيضًا:
طرحوها كأنهم ليس يدرون فضلها
وهي من أصل دوحة أسبغ الله ظلها
ابن نباتة وكتبها على مرملة:
عملت لمن جود أقلامه ربيع ومنطقه بارع
إذا طلع الخط رملته فيا حبذ الرمل والطالع
وقال السيد الفاضل شمس الدين بن الصاحب موفق الدين علي بن الآمدي مجاوبًا لمن كاتبه في ورقة رزقا:
أرسلت زهر الروضة الغناء في مثلها من رقعة رزقاء
[ ٢٠٧ ]
فكأنما هي من أديم سمائنا قدت وفيها أنجم الجوزاء
رزق جلا درر القريض بحسنه كالوسم يحلو مبسم اللمياء
أو مثل منعطف الخليج وقد وصفا فتمثلت أزهاره في الماء
وله:
أنت أرسلت بالكتاب سما تبرز الشهب قبل وقت الزوال
فيه كل نقطة مثل نجم وبه كل جزمة كهلال
وله:
كلمات لضحكها قد بكى الدر وهل منكر بكا اليتيم
حسد المسك نفسه فغدا أسود ذا زفرة بخد لطيم
وله:
وذي مقول يخفى الكلام فإن رقى إلى أذن قرطاس ففيها يحدث
عقود بلا سلك ببحر طروسه ولا عقد في سجره وهو ينفث
وقال:
جادت رياض الطرس سحب يراعه لما صدرن من النهي عن أبحر
فكست غصون طروسه ورقابها أكمام لفظي بالمعاني مثمر
وقال أبو الفتح محمد بن قادوس الدمياطي:
مداده في الطرس لم بدا قبله الطرس ومر يزهد
كأنما قد حل فيه اللما وذاب فيه الحجر الأسود
الفصل الثاني
[ ٢٠٨ ]
في أعيان كتاب الإنشاء قديمًا وحديثًا ونبذة مما لهم من المكاتبات، عبد الحميد بن يحيى كان يقول لو كان الوحي ينزل على أحد بعد الأنبياء لنزل على بلغاء الكتاب وذكر البلاغة فقال هي ما رضيته الخاصة وفهمته العامة، إسماعيل بن صبيح، كاتب الرشيد لم يسمع في الجمع بين الشكر والاستزازة أحسن وأوجز مما كتب به إلى يحيى بن خالد في شكر ما تقدم من إحسانك شاغل عن استبطاء ما تأخر منه، عمرو بن مسعدة، كاتب المأمون وكان يقول قليل دائم خير من كثير منقطع وكتب إلى المأمون كتابي هذا وفي قبلي من أجناد أمير المؤمنين وقواده في الطاعة والانقياد على أحسن ما يكون عليه طاعة جند تأخرت أرزاقهم وأختات أحوالهم فقال المأمون لأحمد بن يوسف لله در عمرو ما أبلغه ألا ترى إلى ادماجه المسألة في الأجناد وإعفائه سلطانه من الإكثار، إبراهيم بن العباس الصولي، كاتب المستعصم والواثق والمتوكل كان يقول المتصفح للكتاب أبصر بمواقع الخلل فيه من منشئه، الحسن بن وهب، سئل عن مييته فقال سريت البارحة على عقد الثريا ونطاق الجوزاء فلما تنبه الصبح نمت ولم أستيقظ إلا بلبسي قيص الشمس ومدح صديقًا له فقال خلق له كما يشتهي إخوانه ووصف مغنيًا فقال كأنه خلق من كل قلب فهو يغني بكل ما يشتهه، أحمد بن سليمان، أحسن الكلام ما لا تمجه الآذان ولا تتعب فيه الأذهان، بديع الزمان الهمذاني، من إنشائه الحمد لله الذي بيض القار وسماه الوقار وعسى الله أن يغسل الفؤاد كما غسل السواد، وله قد يوحش اللفظ وكله ود ويكره الشيء وليس منه بد هذه العرب تقول لا أبالك ولا يقصدون الذم وويل أمه للأمر إذا أهم وسبيل أولي الألباب في هذا الباب أن ينظر في القول إلى قائله فإن كان وليًا فهو المولى وإن كان خشن وإن كان عدوًا فهو المبلى وإن حسن من إنشاء أبي القاسم علي بن الحسين المعروف بالمغربي، ووصلت الرقعة فاستجفيت النسيم العذب بالإضافة إلى لطافتها واستثقلت محل عقود اللؤلؤ بالقياس إلى خفة موقعها، وله وكتب هذه الأحرف وقد أظل البلاد ثلج ذكرني قول الصنوبري ورد الربيع مورد مبيض والورد في كانون أبيض إلا أنه انتقل إلى ضد طباعه معي واستأنس إلى عكس خلقه فإنه مع برده أحدث لي شوقًا إلى سيدنا ألهب جوانحي وصبابة نحوه أضرمت جوارحي حتى عاد بياضه في عيني سواد التذكرة وسقياه ظمأ برحا قلبي بتصوره على أن قلبي مزحوم من جهته مما يزدحم فيه من كآبة جفائه وصبابة بعده ونائه، وله وعرفت في هواجس الفكر ووسواس الذكر حتى نسيتكم من شدة المذكر ولقيتكم من حدة التصور وحتى وعدت كأني أجد في فمي عبقًا من تقبيل ذلك الوجه الناضر وفي عيني لمعا من سناء ذلك الجمال الباهر والله تعالى أسأل أن يسقط بيننا في تشاكي ألم الفراق إسناد القلم بمشافهة الفم للفم، القاسم الحريري، قال الشيخ صلاح الدين الصفدي في كتابه نصرة الثائر على المثل السائر سمعت الشيخ شهاب الدين محمود حين قرأت المقامات عليه يحكى عن القاضي الفاضل أنه أراد معارضتها ووضع ثلاث عشرة مقامة عارض كل فصل فيها بمثله حتى جاء إلى قوله أعني الحريري في المقامة الثالثة عشرة أعلموا يا مآل الأمل وثمال الأرامل أني من سروات القبائل وسريات العقائل لم يزل أهلي وبعلي يحلون الصدر ويسيرون القلب ويمطون الظهر ويولون اليد فلما أردى الدهر الأعضاد وفجع بالجوارح الأكباد وانقلب ظهر البطن نبأ الناظر وجفا الحاجب وذهبت العين وفقدت الراحة وصلد الزند ووهنت اليمين وضاع اليسار وبانت المرافق ولم يبق لنا ثنية ولا ناب فمذ أغبر العيش الأخضر وازوّر المحبوب الأصفر اسود يومي الأبيض وابيض فؤادي الأسود حتى رثى لي العدو الأزرق فحبذا الموت الأحمر فقال القاضي الفاضل من أين يأتي الإنسان بفضل يعارض هذا ثم أنه قطع ما عمله من المقامات ولم يظهرها أو كما قال وناهيك بمن يقول مثل القاضي الفاضل في حقه مثل هذا ويعترف له بالعجز وأما أنا فكلما قرأت هذا الفصل أجد له نشوة ولا نشوة الراح وبهجة ولا بهجة الساري بضوء الصباح، أبو الحسن بن بسام عارض إذا سمع استوسلت البحار ونجم إذا طلع تضالت الشموس والأقمار وسائق لا يمسح وجهه إلا بهيادب الغيوم وصارم لا يحلى غمده إلا بأفراد النجوم، القاضي السعيد، هبة الله بن سنا الملك وإن للشوق بحرا وقلبه والله الغريق بأمواجه وجرا وصدره المظلم بسراجه وأقل بد للهموم
[ ٢٠٩ ]
عنده أنها حلته في عنفوان الشباب بحلية الأشيب وجعلته سادجا من الشعر الأسود وإن كان في وسط العمر المذهب كما قال أبو عبادة ذهبية الصبوات من أعوامه، وله فالإسلام من طلقاته والكفر مجاهد ولكن باتقائه وسيوفه تحسن في الأجسام البسط وفي الأرواح القبض ورماحه تكاد لطولها تمسك السماء أن تقع على الأرض، وله لا جمع الله عليك المصيبتين فراق الأحباب وفراق الثواب ورزقك من الإعانة على ما تعانيه ما يفضل عنك إلى أن تخلعه عليّ وترسله إليّ، وله وازهد في دنيا تنبت الحمام وتحصد الأجسام وتقصف أغصان الأشباح وتقطف أزهار الأرواح وأذهل عن الذهول وأحسن ضيافة النصح بالقبول.
وإذا رأيت جنازة محمولة فاعلم بأنك بعدها محمول
[ ٢١٠ ]
وكيف لا يحمل المملوك تلك الأشواق وهي تقربه من المولى بالتخيل إذا أبعدته الأيام ويمثل له المقام الكريم فيقابله كل ساعة بالسجود ويشافهه بالسلام ويرفع ناظره فلولا نظرة إليه لكانت عينه مطرقة وستور أهدابه مسبلة وأبواب جفونه مغلقة ولولا اشتغالها بمطالعة طلعته لالتهبت من دموعها بمياه محرقة فهو منها في نار وجنة مغلول بغلة مطوق بمنه، وله ولقد أنساه فراق المولى حروف المعجم فما يعرف منها حرفا وعاقب خاطره الذي كفر بالبلادة فأسقط عليها من سمائه كسفا شوقا ما خطر مثله على قلب بشر ودمع ما مر على بصر إلا ومرَّ بالبصر ولسان لا ينفك من الدعاء على يوم الفراق ومن دعاء على ظالمه فقد انتصر ضياء الدين بن الأثير الجزري ودولته هي الضاحكة وإن كان نسبها إلى العباس وهي خير دولة أخرجت للدهر ورعاياها خير أمة أخرجت للناس ولم يجعل شعارها من لون الشباب إلا تفاؤلًا بأنها لا تهزم وإنها لا تزال محبوة من أبكار السعادة بالوصل الذي لا يضرم، وله يصف بناء مرتفعًا إذا أضرم برأسه قبس ظنه المتأمل نجمًا وإذا استدار عليه قوس السماء كان في كبده سهما، وله في القلم فهو الملقب بالجواد المضمر وإذا أخذت السوابق في إحضارها بلغ الغاية وما أحضر وله لون يحقق فيه القول النبوي لو جمعت الخيل في صعيد واحد لسبقها أشقر فإن الأشواق عن الحمام خليفة وإذا كانت حركة الفلك شوقية فما الظن بالقلوب الضعيفة، القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر يصف بطيخًا حلبيًا أهدي إليه فشاهد إهابه وكأنما جمع من زهر الأقاح وكأن كل واحد منه قنديل وعروقه فتيلة الأصباح وكأن كبراه بطن خميص من له من مجموع اللب حنين وكأن صغراه رأس كم منها أن فصلت جبين يقسم كل رأس منه رئيس من الأناسي وقصر أيمانه في الاستحسان عليه فما يقول ألا وحق رأسي، ومن أنشأه نعلمه بفتوحات استطعم الأيمان حلاوتها من أطراف المران واستنطق الإسلام عبارتها من ألسنة الخرصان ذلك بفتح حصن الأكراد الذي كان في خلق البلاد الشامية عضه لم تسمع بمياه السيوف المجردة وشجن صدرها لم تقاومه أدوية العزائم المفردة طالما أكسب البلاد رعبًا ورهبًا وطالما اسمتارى من أخلاق الأمصار حلبا، ومن إنشائه بكتاب يأمر في بإبطال الحشيش بعد الخمر يعلم أن المنكرات التي أمرنا أن تملأ الصحائف بأجرها ونفرغ الصحائف وأن لا يخلو بيت من بيوتها من كسر أو زحاف قد بلغنا الآن أنها اختصرت وأن كلمة الشيطان بالتعويض عنها قد نصرت وأن أم الخبائث ما عمقت والجماعة التي كانت ترضع ثدي الكأس قد أرتعت بعدما فطمت وإنها في النشأة ماحيت إبليس مسعاها وإنها لما أخرج المنع عنها ماءها من الخمر أخرج لها من الحشيش مرعاها وإنها استراحت من الخمر واستغنت لما تشتريه بدرهم عما كانت تبتاعه من الخمر بدينار وإن ذلك فشا في كثير من الناس وعرف في عيونهم ما يعرف من الاحمرار في الكأس وصاروا كأنهم خشب مسندة سكرى وإذا مشوا يقدمون لفساد أذهانهم رجلا ويؤخرون أخرى ونحن نأمر أن تحتت أصولها وتقتلع ويؤدب غارسها حتى يحصد الندامة مما زرع وتطهر منها المساجد والجوامع ويشتهر مستعملها في المحافل والمجامع حتى تنتبه العيون من هذا الوسن وحتى لا تشتهى بعدها خضرا ولا خضراء الدمن، ومن إنشائه من كتاب إلى الفرنج وقد أخذت شواني السلطان وخيولهم المركب ومراكبنا الخيول وفرق من يجريها كالبحار وبين من يقف به في الوجول وبين من يتصيد بالصقور من الخيل العراب وبين من إذا افتخر قال تصديت بغراب فلئن أخذتم لنا قرية مكسورة فكم أخذنا لكم قرية معمورة وقد قال الملك وقلنا والله أعلم أن قولنا هو الصحيح واتكلنا واتكل وأين من توكل على الله ممن اتكل على الريح، ول وأما فلان فإنه شمر الذيل وامتطى هربا أشهب الصباح وأحمر الشفق وأصفر الأصيل وأدهم الليل، وله فكم شاهدنا من قتلاهم كل مهيب الهامة حسن الوسامة قد فض الرمح فاه فقرع السن على الحقيقة ندامة، وله من منشور كتبه للأمير جمال الدين المحمدي عند إخراجه من الاعتقال أوله الحمد لله الذي أظهر جمال الدين المحمدي، وله من منشور كتبه ليسري عن السلطان المنصور وجرينا في الإحسان إليه على القياس وإن كان من أكابر أصحاب الظاهر، ومن إنشائه يقبل اليد التي لو تجسدت القبل فيها لنظمت سبحا ولو أثرت فيها كتأثير الوضوء كانت حجولا ووضحا ولا برحت القبل التي قبلتها
[ ٢١١ ]
ساجدة والأفواه إلى مسرعتها واردة حتى يقال والمابسم يقبلها أحباب في حياض أم زهر في رياض ويروق في غمام أم درر في بحر طام، ومن إنشاء قوام الدين بن زيادة يهنئ الوزير البلدي، وأفاض عليه من صنوف تشريفاته خلعا خاع بها قلوب الأعادي من أعماق الصدور وطلع فيها من آفاق البدور كأنما أنشئت من عيون عين الصيرم وغزلانه أو غشيت بعصر الشباب وريعانه فالبسها من حلاء سربال الجلال وجرتها على المجرة أذيال الاختيال وقلده سيفًا عقد النصر بلوائه وتعلم المضامن آرائه أهدى في قلوب العدى من الأوجال لا ينصل نصله من خضاب القراب ولا يغمد إلا في قراب الرقاب وأمضاه صهوة صافن أسرع من تأدية الأسماع إلى الأفهام وأوحى من مضاحكة البرق خلال سجف الغمام يسبق مطارح نظره بمواقع حافره ويهجي ظلال ظله بأهلة أثره بشكل رأيه فيه إذا تدرع في شوطه واشتد أطرف رديء أم طرف يرتد كأن بركة سهم وسنبكة وهم أو يحف بقوادم شهاب أو عنده علم من الكتاب ولاطفه بدواه وهي دوام العدم وأداة النعم ومنبع الكرم ومرتع أرزاق الأمم يستشف للآلئ الأداء من قرارها ويصفق أمواج الحكمة والبلاغة من أقطار ثنائها تكشف يراعها يردع كل روع ويتبع أمره كل متبوع قد حمل من أعباء الخلافة وحمى الأسد رضيعًا والملك فطيمًا يصوب بكرم الغيوث الغوادي ويصول بقرم الليوث العوادي:
يمحو ويثبت أرزاق العباد بها فما المقادير إلا ما محا ودحا
من إنشاء الصدر عز الدين بن سينا من بشارة للديوان العزيز بكسر عساكر الفرنج من عكا عن السلطان الملك الصالح نجم الدين أيوب في سنة اثنين وأربعين وستمائة، فلا روضة إلا درع ولا جدول إلا حسام ولا غمامة إلا نفع ولا وبل إلا سهام ولا مدامة إلا دما ولا نغم إلا صهيل ولا معربد إلا قاتل ولا سكران إلا قتيل حتى أنبت كافور الرمال شقيقًا واستحال بلور الحصباء عقيقًا وازدحمت الجنائب في الفضا فجعلته مضيفا وضرب النقع في السما طريقا وعاد الفارس بالدماء غريقا:
وضاقت الأرض حتى كاد ربهم إذا رأى غير شيء ظنه رجلا
[ ٢١٢ ]
ومن إنشاء القاضي تاج الدين ابن الأثير: والمنجنيقات تفوق إليهم سهام قسيها وتخيل إليهم أنها ساعية إليهم بحبالها وعصيها وهي في الحصون من ألد الخصوم وإذا أمت حصنا حكم بأنه ليس بإمام معصوم ومتى امترى خلق في آلات الفتوح لم يكن فيها أحد من الممترين وإذا نزلت بساحة قوم فساء صباح المنذرين تدعى إلى الوغى فتكلم وما أقيمت صلاة حرب عند حصن إلا كان ذلك الحصن ممن يسجد ويسلم، ومن إنشاء سيد كتاب الإنشاء وإمام البلغاء القاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي البيساني: فقم عنا بهذه الفريضة وطر في تلك المضار ورفه قوادمنا المهيضة وأدر وعلينا أن نشرب وقل وعلينا أن نطرب وانفرد بالحرب وعلينا النظارة وأعطنا السلب وباشر أنت الغارة وأنفذ إلينا كل يوم من أقمصة يوسف قميصا ولكن قميص البشارة، وله من شفاعة وعلى المذكور ديون كثيرة والدين عثرة الصراط والقبر على المطلوب سم الخياط فإن رأى مولانا أن ينظر إليه بما يفك أسره ويغني فقره فهناك الإطلاق بالحقيقة أو الأسر والغنى بعد العرض على الله أو الفقر فبهذا عرفتم يا أهل المعروف من آل أيوب وكذا كان يوسفكم ﵀ يقضي كل حاجة في نفس يعقوب، وله والجو يتنفس عن صدر مسجور كصدر المهجور وصاليه في نحو هذه الطب جار ومجرور والمهامة قد سرفها ملأ السراب وزخرفها بحر ماء ولد لغير رشده وعلى غير فراش السحاب وحر الرمل قد منع حث الرمل ونحن في أكثر من جموع صفين ألا أننا نخاف وقعة الجمل ووردنا ماء هذه العيون وهو كماء المحابر يغترف منه المجرم مثل عمله ويرسله سهما فلا يخطئ تفرة مقتله وهو مع هذا قليل كأنه حادث به الآماق في ساحات النفاق لا في ساعات الفراق فيا له من ماء لا تتميز أوصافه من التراب ولا يرتفع به فرض التيمم كما لا يرتفع بالسراب ولا يعدو ما وصف به أهل الجحيم في قوله (وإن يستغيثوا يغاثو بماء كالمهل يشوى الوجه بئس الشراب) فنحن حوله كالعوائد حول المريض يعللون عليلًا لا يرد الجواب بل يندبون ميتًا قد حال بينهم وبينه التراب يجهز للدفن ونعشه المراد ويحفر عليه ليقوم من قبره وذلك خلاف المعتاد وفي غير من قد وارت الأرض فاطمع على أنه لو كان دمعًا لما بل الأجفان ولو كان مالا لما رفع كفة الميزان وإن امرؤ روحه في جلد غيره وهو المراد وخصمه من غير جنسه وهو النار التي في غير الزناد لجدير أن يغري به إغراؤه وإن يلام على مفارقة الأحبة ويقال هذا جزاؤه، وله) إلى أن ترد كتب العسكر وأعلامها من مدات ألفاته ورؤوس العدى قطعات همزاته والأيام التي لا أشاهد فيها الوجه لا أحسبها من العمر والأيام التي لا يصل فيها ركابه لا أحسبها من الدهر ولا يخنصر علي على عمري ولا يغالطني في حساب دهري، وله وقد أحسنت الحضرة في بشراي بكتابة في كتابها فقد طلع طيفًا للحبيب الزوار ونجمًا لفجره ولا أقول الفرار وعليه أبقاه الله سلام أنور مما بعد الفجر وأشرق مما تحت الخمار وأجلب للسرور مما قبل الخمار، وله ذكر الله ذلك العهد بخير ما ذكرت العهد بخير ما ذكرت العهود ولعن الله الفرنج المحتدقين وقتل أصحاب الأخدود فقد قطعوا طرقات المسار وأطالوا عمر الأبكار وسبكت نار مقاساتهم الدينار فجعل الله أعلام الكافرين لمن عقبى الدار، وله وظننا أننا به بل بدعائه قد دخلنا الجنة لما نلناه من خمرها الذي هو لذة للشاربين وأنا خالطنا أهلها فأشخاص المعاني من الحروف على سرر متقابلين ووثقنا بأن لنا منه الدعا الذي نأوي منه إلى كنز عتيد والرأي الذي أنزله الله هو والحديد فيهما بأس شديد، وله) رب إني لا أملك إلا نفسي وهاهي في سبيلك مبذولة وأخي وقد هاجر إليك هجرة نرجوها مقبولة وولدي وقد بذلت لعدوك صفحات وجوههم وها أنا على محبوبك بمكروه فيهم ومكروههم ونقف عند هذا الحد ولله الأمر من قبل ومن بعد فيا عصبة محمد ﷺ أخلفه على أمته بما تطمئن منه مضاجعه ووفه الحق فينا فأنا والمسلمون عندك ودائعه، وله ودعا المسلمون برؤوس عدوهم في رؤوس القنا وقد اجتنوا ثمراتها ورواحهم في صدور الظباء قد أطفئوا لمائها جمراتها فأنبتت سنابك الخير سماء من العجاج نجومها الأسنة وطارت إليهم عقبان من الخيول قوادمها القوائم ومخالبها الأعنة وتصويت عيون السمر إلى قلوبهم كأنما تطلب سوادها وقصدت أنهار السيوف أكبادهم فكأنما أرادت أن تروي جيادها ونصبت للملك
[ ٢١٣ ]
خيمة حمراء كأنما وضع على الشرك عمادها وتولت حفظ أطنابها الرجال فكأنهم أوتادها، وله وقد كان يقال إن الذهب لإبريز لا يدخل عليه آفة وإن يد الدهر البخيل عنه كآفة وأنتم يا بني أيوب أيديكم آفة نفائس الأموال كما أن سيوفكم آفة نفوس الأبطال فلو ملكتم الدهر لامتطيتم لياليه أذاهم وقلدتم أيامه صوارم ووهبتم شموسه وبدوره دنانير ودراهم وأيام دولتكم أعراس وكان ما تم فيها على الأموال ما تم والجود في أيديكم حاتم ونفس حاتم في نقش ذلك الخاتم، وله) وما أحسب الأقلام جعلت ساجدة إلا لأن طرسه محراب ولا أنها سميت خرساء إلا قبل أن نفث سيدنا في روعها رائع هذا الصواب ولا لأنها اضطجعت في دويها إلا ليبعثها ما ينفخ من روحه من مرقدها ولا سودت رؤوسها إلا أنها أعلام عباسية تناولتها الحضرة بيدها لا جرم أنها تحمي الحمى وتسفك دمًا وتحقن دمًا وتتوشح بها يده عنانًا ويرسلها فيعلم الفرسان أن في الكتاب فرسانًا وتقوم الخطباء بما كتبت تعلم الأسنة أن في الأيدي كما في الأفواه لسانًا ولقد عجبت من هذه الأقلام تخر ألسنتها شقًا فتنطق فصيحه وتجدع أنوفها بريًا فتخرج صحيحة تحلي مليحة وما هي إلا آية في يد سيدنا البيضاء موسومة وما مادتها في الفصاحة إلا علوية ولولا الغلو لقال علوية، وله ففضه عن فضة مسها ذهب وفاوضها عن نار ذكاء لو لم يمازجه ماء الطبع لهب منه أي لهب وخمد له كل ملتهب القريحة وقصرت يده فإن نواه قيل له (تبت يدا أبي لهب) وأغاربه على القلوب فرجع وهي بالأشواق محتوية الفضل مأخوذة السلب فكم فيه من فقرة قيل لها يا أخت خير أخ يا بنت خير أب وله وأما الثلوج التي وصفها ذلك البيان فأحجها بل أهداها إلى الصدور فأثلجها فقد ثملت البلاد وكأنما نشر عليها المولى غرضه وسرني أن يرد لك الفضاء فضة فأراني النجوم في هذه السنة وقد ناصحت في خصبها فنزلت وقد ناصحت في خصبها فنزلت بأنفسها وبرزت ظاهرة في النهار بجواريها وخنسها وأجدر بها أن تكون سنة يغسل وضر الكفر يصابون ثلجها وتنير العزمة الناصرية من هذه الرغوة صريع فلجها، وله وبينا أنا من الخمول في مهبط رمس إذ رفسئ التمويل إلى مطلع شمس وبينا أندب أفعال بني الأصفر في عسقلان وجفوة أبيهم يعني الدينار لي في مصر فما يراني إلا وكان عليه من سكته عوذاتها مني يعتصم وكأنما يصفر خوفًا مني وهو إلى الغير يبتسم إذ صرت أنفضه من بنان أبي الطيب من دنانير شمسه وربما أثقله بعد الضرب إلى النفي لا إلى اعتقال الكيس وحبسه، وله وإن أدعى سحر البيان أن يقضي أيسر حقوقه ويثمر ما يحب من شكر فروعه وعروقه لكنت أفضح باطل سحره وأذيقه وبال أمره وأصلب الخواطر السحارة على جذوع الأقلام وأعقد ألسنتها كما تعقد السحرة الألسنة عن الكلام، وله أشكو بعد قلبي جسمي فقد ضعفت قوته وقوى ضعفه ونسجت عيه همومي ثوبًا دون الثياب وشعارًا دون الشعار من الحرب الذي عاد بيني وبينه وأسقم يدي من جسمي وأستخدمها تحرث أرضه فإن لم يكن لاضه.