في النار والطباخ والقدور
النار مؤنثة من ذوات الواو لأن تصغيرها نويرة والجمع نور وأنوار ونيران انقلبت الواو ياء الكسرة ما قبلها وليس في الأرض شجرة إلا وتقدح منها النار إلا العناب، وهي على أنواع عند العرب نار القرى وهي اعظم النيران ونار السلامة توقد للمسافر إذا قدم سالما غانما، ونار الزائر والمسافر وذلك انهم إذا لم يحبوا الزائر والمسافر أن يرجع أوقدوا خلفه نارًا وقالوا أبعده الله وأسحقه ونار الحرب يوقدونها على مكان عال لمن بعد عنهم ونار الصيد يوقدونها للظباء فتغشى أبصارهم ونار الأسد كانوا يوقدونها إذا خافوه لأنه إذا رآها حدق إليها وتأملها ولم يستطع الهجوم على ما حولها ونار الحلف لا يعقدون إلا عليها يطرحون فيها الملح والكبريت فإذا استشاطت قالوا هذه النار قد تهددتك ونار تهددتك ونار الغدر كانوا إذا غدر الرجل بجاره أوقدوا له نارًا بمنى أيام الحج وقالوا هذه غدرة فلان ونار الفداء كانت ملوكهم إذا سبوا قبيلة وطلب منهم الفداء كرهوا أن يعرضوا النساء نهارًا لئلا يفتضحن ونار الوسم التي يسمون بها الإبل لتعرف أبل الملوك فترد الماء أولا ونار الحرتين كانت ببلاد عبس تسطع من الحمرة بالليل فبعث الله خالد بن سنان وهو أول نبي بعث من ولد إسماعيل وقد قدمت ابنته على النبي ﷺ فبسط لها رداءه وقال بنت نبي ضيعه قومه فحفر لتلك النار بئرًا فأدخلها فيها والناس ينظرون ثم اقتحم فيها حتى غيبها وخرج منها، وقد بالغ مهيار الديلمى في وصف نار القرى:
ضربوا بمدرجة الطريق خيامهم يتقارعون على قرى الضيفان
ويكاد موقدهم يجود بنفسه حب القرى حطبا على النيران
وقال أبو طاهر البغدادي:
خطرت فكاد الورق يسجع فوقها أنّ الحمام لمغرم بالبان
[ ١٤٧ ]
من معشر نشروا على هام الربا للطارقين ذوائب النيران
وقال صردر:
قوم إذا حيى الضيوف جفانهم ردّت عليهم ألسن النيران
وقال ابن سنا الملك:
لنيرانه في الحي أي تحرق على الضيف أن أبطأ وأي تلهب
وأين هؤلاء القوم الكرام من الذين يقول فيهم الأخطل:
قوم إذا استنتج الأضياف كلبهم قالوا لاّمهم بولى على النار
فتحبس البول شحا أن تجود به فما تبول لهم إلا بمقدار
لا يخفى ما في هذا البيت الأول من المعائب وقد ولع الأدباء بحلاها وما فيها من المعاني وقال مجير الدين بن تميم:
وكأنما النار التي قد أوقدت ما بيننا ولهيبها يتضرم
سوداء أحرق قلبها ولسانها بشفاهة للحاضرين تكلم
وقال آخر:
انظر إلى النار وهي مضرمة وجمرها بالرماد مستور
شبه دم من فواخت ذبحت وفوقه ريشهن منثور
وقال آخر:
كانون يطفى برده كانوننا ما بين سادات كرام حذق
بأرقام حمر البطون ظهورها سود ينضنض باللسان الأزرق
وقال ظافر الحداد:
تأمل ففي الكانون أعجب منظر إذا سرحت في فحمه جمرة النار
كما ميل الزق المروّق ساكب فدب احمرار الخمر في قلل القار
وقال آخر:
كان كانوننا سماء والجمر في وسطه نجوم
ونحن جن بجانبيه والشرر الطائر الرجوم
وقال آخر:
كأنما دخاننا إذ بدا لعين من ينظره من قريب
ذوائب من غادة سرحت وقد بدا فيها بياض المشيب
وقال آخر:
كأنما النار في تلبها والفحم من فوقها يلظيها
زنجبية شبكت أصابعها من فوق نازنجة تغطيها
وقال آخر:
كأن نضيد الفحم فوق شراره إذا النار مست جلده فتلونا
يذكر أيام السحاب التي جرت بمنيته لما تأودّ أغصنا
فأنبت منها الآبنوس بنفسجا وأثمر عنابا وأورق سوسنا
وقال الشيخ صفي الدين الحلى:
البحتري منذ ما فارقتموه غدا يحثو التراب على كانونه الخرب
لو شئتم أنه يضحى أبا لهب جاءت بغالكم حمالة الحطب
وقال ظافر الحداد:
كأن سواد الفحم من فوق جمره وقد جمعنا فاستحسن الضدّ بالضدّ
غدائر خود فرقتها وقد غدت على خفر من تحتها حمرة الخد
فلما تناهى صبغه خلت أنه فصوص عقيق أو جنى زهر الورد
إلى أن حكى بعد الخمود رماده غبارا من الكافور في قطع الند
كتب النصير الحمامي ملغزا إلى السراج الوراق:
وما اسم ثلاثى به النفع والضرر له طلعة تغنى عن الشمس والقمر
وليس له وجه وليس له قفا وليس له سمع وليس له بصر
يمد لسانا يختشى الرمح بأسه ويسخر يوم الحرب بالصارم الذكر
يموت إذا ما قمت تسقيه قاصدا وأعجب من ذا ذاك من الشجر
أيا سامع الأبيات دونك حلها وغلا فنم عنها ونبه لها عمر
ومن التغزلات اللطيفة بذكر النار قول الشيخ شمس الدين بن الصائغ:
قد أدعوا القلب لا دعوا حرق فظل في الليل مثل النجم حيرانا
راودته يستعير الصبر بعدهم فقال أني استعرت اليوم نيرانا
قال علاء الدين الوداعى:
يا مودعا بوادعه في مهجتي نارا تؤججها يد التذكار
أبكيت طرفي بعد أدمعه دما وكذا يكون بكاء أهل النار
قال صفى الدين الحلى: لا غرو أن يصلي الفؤاد ببعدكم نارا تؤججها يد التذكار
قلبي إذا غبتم يصور شخصكم فيه كل مصوّر في النار
وأنشدنى الشيخ عز الدين الموصلي لنفسه:
يا مقلة الحب مهلا فقد اخذت بثارك
وأنت يا وجنتيه لا تحرقيني بنارك
[ ١٤٨ ]
وكتب الشيخ جمال الدين بن نياتة مع نقل أهداه ونهى انه تهجم ونقل منقلا لطيف الصنعة جليلا إذا تأمل نفعه إذا هبت الشرر في ليل فحمه ولعبت يد الرياح بأزاهر ضرمه فكأنه معدن ياقوت أحمر أو نبت جلنار بزهر يروق البصائر والأبصار وإلا يكن فيه على الحقيقة جلنار ففيه جلنار طالما جدت معاشرته ولذت في الليالي الشتوية مسامرته واطلع من أفقه نجوما سعيدة القران وتلا على الريح والثلج (يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران)، والرأي أعلا في قبول إهدائه والله يجعل ما في قلبه في قلوب أعدائه، قرأت في كتاب روضة الجليس ونزهة الأنيس تأليف الفاضل بدر الدين حسن بن زفر المتطبب الأربلي حكى عن سليمان بن محمد المهدي الصقلي قال كان بسوسة أفريقية عليه ويعرض عنه كثيرًا فبينما هو ذات ليلة منفرد بشرب الخمر وحده غلب عليه السكر وذكر معشوقه وأجرى بخاطره ما كان يفعله به من التجنى فقام من حينه فاخذ قبس نار وجعله عند باب الغلام ليحرق عليه فلما دارت النار بالباب بادر بإطفائها وقبضوا عليه واعتقلوه فلما أصبحوا نهضوا به إلى القاضي واعلموه بفعله فقال له القاضي لأي شيء أحرقت باب هذا الغلام فأنشأ يقول:
لما تمادى على بعادى وأضرم النار في فؤادي
ولم أجد من هواه بدا ولا نعينا على السهاد
حملت نفسي على وقوفى ببابه حملة الجواد
قطار من بعض نار قلبي أقل من الوصف من رقادى
فأحرق الباب دون علمى ولم يكن ذاك من مرادى
قال فاستظرف القاضي واقعته وشعره ورحمه وتحمل عنه ما أفسده من باب الغلام وقال الشيخ جمال الدين بن نباته في وصف حصار بالنار فما كان إلا ريثما ابتسمت لهم النار عن الموت العابس وعاملتهم من إعجال وقودها باليابس وجاءت بما ينضج ملابس الجلود وجلود الملابس وعاجلتهم من منفعة الغوث قبل العطب وأصلتهم نارا تبت بها أيدي الأبراج حمالة الحطب وإذا بأبدان البدانات القائمة قد قعدت والأبراج لتلاوة الحرب قد سجدت فهنالك هجمها المسلمون هجوم الليث الكرار وقطعت ألسنة السيوف المجادلة حجج رقاب الكفار وقال القاضي الفاضل في مثله فولجت النار موالج تضيق عنها الكفر ويعجز عنها الأبر وخولف المثل في أن السعادة لتلحظ الحجر وأغنى ضوء نهارها سؤال كل أمعة أن تسأل هذا وذاك ما الخبر إلى أن بدا ضوء الصباح وكأنه منها أمتار وانشق الشرق فكأنه من عصفرها صبغ الأزار إلى أن سرى ذا النقوب إلى المقاتل ودب سكرها بين المفاصل وغدت الجدران قائمة والبلا سار في أعقابها متجلدة والنار تحت ثيابها وقال أيضًا وقد أحمته إلى أن أحرقته وصرح الشرك وقد خاضته إلى أن أغرقته وأن الخندق بركة والبرجى لها فوارة وأن الله اعد للعدو نارا في الآخرة وأحرقهم في الدنيا بشراره وان العدو تحصن من البرج بكثيب بنفسج احرقه الله بجلنار وقال سيدي تقي الدين بن حجة في حريق دمشق هذا وكم مؤمن خرج من دياره حذر الموت وهو يقول النجاة وطلب الفرار وكلما دعاه قومه لمساعدتهم على الحريق ناداهم وقد عدم الاصطبار (ويا قوم مالي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار)، وقال ابن سناء الملك:
يا فالق الصبح من لألاء غرته وجاعل الليل من أصداغه سكنا
لا غرو أن أحرقت نار الهوى كبدى فالنار حقا على من يعبد الوثنا
القول على الطباخ وينبغي أن يكون عند الرئيس والملك طباخ حاذق إذا لم يشته طعامًا صنع له ما يشتهيه وقيل كل طعام أعيد إلى القدر فهو فاسد وكل غناء خرج من تحت السبال فهو بارد قال بعضهم كنت جالسًا عند بعض ولاة الطوف وقد جاءه الغلمان برجلين فقال لحدهما من أبوك فقال:
أنا ابن الذي لا ينزل الدهر قدره وأن نزلت يومًا فسوف تعود
ترى الناس أفواجًا إلى باب داره فهم قيام حولها وقعود
فقال ما كان أبو هذا إلا كريمًا ثم قال للآخر من أبوك فقال:
أنا ابن من ذلت الرقاب له ما بين مخزومها وهاشمها
خاضعة أذعنت لطاعته يأخذ من مالها ومن دمها
فقال الوالي ما كان أبو هذا إلا شجاعًا وأطلقهما فلما انصرفا قلت للوالي أما الأول فكان أبوه يبيع الباقلى المصلوقة وأما الثاني فكان أبوه حجامًا فقال الوالي:
كن ابن من شئت واكتسب أدبا يغنيك مضمونه عن النسب
[ ١٤٩ ]
إن الفتى من يقول ها أنا ذا ليس الفتى من يقول كان أبي
قلت: وأنشدني سيدنا ومولانا القاضي شهاب الدين بن حجر ﵀ للشيخ بدر الدين الصاحب في مليح يطوف بالفول:
أنا ابن الذي في الليل تسطع ناره كثير رماد القدر للعب يحمل
يدور بأقداح العوافى على الورى ويصبح بالخير الكثير يقوّل
قال محمد بن العفيف في مليح طباخ:
رب طباخ مليح فاتر الطرف غرير
مالكي أصبح لكن شغلوه بالقدور
وقال الصفدي: كافى بطباخ تملك مهجتى فعذاب قلبي في هواه سرمد
وكأنما أنا منصب قادمه نار تشب وزفرة تتصعد
وقال المعمار:
كافى بطباخ تنوع حسنه ومزاجه للعاشقين يوافق
لكن مخافى من جفاه غدت منه قلوب في الصدور خوافق
وقال أيضًا مواليا:
هويت طباخًا بالصبحة اخدميه حلو المزاج كانوا بن تركيه
ولو أطارف نواعم بيض زيديه لها معانى على الأخوان مخفيه
وقال بعضهم ما على الشيخ المسن أضر من أن يكون له طباخ حاذق وجارية حسناء لأنه يكثر من الطعام فيسقم ومن النكاح فيهرم وقال إبراهيم المعمار:
وطباخ بمنصبه افتخار وقدر قد علا في الناس وافى
٣أياديه على الأخوان مدّت وكم قلب له بالودّ صافى
وكم آمنوا به من خوف جوع سيعطى الآمن في يوم المخاف
دخل ابن الفضل الشاعر يومًا على الوزير ابن هبيرة وكان نقيب الإشراف وكان مبجلا وكان ذلك في يوم شديد الحر من شهر رمضان فقال له الوزير أين كنت فقال في مطبخ سيدي النقيب فقال له ويحك أيش عملت في شهر رمضان في المطبخ فقال كسرت الحر فيه يا مولانا فتبسم وخجل النقيب الفرزدق:
وقد علم الجيران أن قدورنا ضوامن للأرزاق والريح رفرف
ترى حولهن المعتقين كأنهم على صنم في الجاهلية عكف
وقال أمية بن أبي الصلت: وكأنها بفنائه للضيف مترعه زواجر
وكأنهن بما سجن وما حمين به ضرائر
وقال الفرزدق يهجو:
لو أن قدرا بكت من طول ما حبست على الجفون بكت قدر ابن عمار
ما مسها دسم مذ نض مدمعها ولا رأت بعد نار القين من نار