ولو علمت فرق الوزارة رتبة تنال بمجد في الحياة لنالها
[ ١٩٩ ]
والأنبياء ﵈ لم يستغنوا عن الوزراء فكيف الملوك والأمراء وقد نطق القرآن بوزارة هرون لموسى ﵇ في قوله تعالى (رب اشرح لي صدري * ويسر لي أمري * واحلل عقدة لساني * يفقهوا قولي * واجعل لي وزيرًا من أهلي * هرون أخي * اشدد به أزري * وأشركه في أمري) ثم قال في نظام الآية الكريمة وعلى نسق الكلام (قد أؤتيت سؤلك يا موسى) فدل على أنه جعله وزيره وصاحب سره وشريكه وافصح عن حسن موقع الوزارة وجلالتها ووقوع الحاجة إليها وكان آصف بن برخيا وزير سليمان بن داود ﵉ والمستولى على أموره وكان نبينا المصطفى ﷺ يقول أن وزيرين من أهل السماء ووزيرين من أهل الأرض فأما اللذان من أهل السماء فجبريل وميكائيل ﵉ وأما اللذان من أهل الأرض فأبو بكر وعمر ﵁ وقال ﷺ إذا أراد الله بملك خيرًا قيض له وزيرًا صالحًا أن أنسى ذكره وأن نوى خيرًا أعانه أو أراد شرًا كفه وكان انوشر وان يقول لا يستغنى أعلم الملوك عن الوزير ولا أجد السيوف عن الصقال ولا أكرم الدواب عن السوط ولا أعقل النساء عن الزوج.
فصل فيما ينبغي للوزير أن يأتيه: اعلم أن الملوك لا يشبهون الآدميين إلا بالصور فأما بالطباع والأخلاق والهمم فلا لأنهم لا يشاكلونهم ولا يشابهونهم والملك وإن كان كريمًا سخيًا بعيد الهمة كثير المحاسن فإنه لا يخلو ولا يشابهونهم والملك وإن كان كريمًا سخيًا بعيد الهمة كثير المحاسن فإنه لا يخلو قط من أربع خصال الحسد والحقد والملال والحرص على المال فينبغي أن يكون الوزير أعقل الناس وأحزمهم وأدهاهم وأبعد غورًا فيجب عليه أن يداري أأخلاق الملك كما يداري السباح الماء المغرق والولدان أولادهم الصغار والحاوى الحية ويتحفظ من غائلته كما يتحفظ من السبع والنار القوية والمجنون الذي بيد السيف المسلول ويجب أن لا يملك ما يصلح للملك من الأعلاق النفسية إلا ما في نفسه إن يهديه إليه ويخدمه به وينبغي له أن يظهر ويشيع جميع ما يملكه وتحويه يده للملك وأنه إنما يمسكه ويحفظه من أجله ويجب عليه إن لا يسرف في الإهداء ولا يتخرق في بذل ما في يده وكما لا يشيع النار من الحطب لا يشيع الملك من الأموال ولا بد للوزير من الاستظهار بالذخائر الخفية وقد قال الحكيم لوزير كان يستكثر من اعتقال الضياع ويغالي به عليك بحفظ الدنانير التي تشتري بها روحك من الملك فربما فعل ألف دينار ما لا تفعله ضياع ومستغل بمائتي ألف.
ومن نكن هذا الكتاب أن الملك يريد كل حسن وطيب لنفسه ويستأثر به على والده وولده ولذلك يقال من ملك استأثر وكان معاوية يقول وددت لو أن الدنيا في بيضة نيمرشت فأحسوها حسوة واحدة لا يشكني فيها أحد، ودعا الفضل بن مروان المعتصم إلى داره واحتفل واحتشد في إحسان الدعوة فلما حضر المعتصم ورأى مروءته وتجمله عمل فيه الحسد عمله فانقبض ورئى في عينه ولم ينشط لطعام ولا شراب وزعم أنه يشتكي بطنه ففطن الفضل لما دهاه وأراد أن يوهم أن تلك الآلات مستعارة من دار أمير المؤمنين ليطفئ نار حسده فتقدم إليه وقال يا أمير المؤمنين إنما استعرت أكثر هذه الأشياء من دار أمير المؤمنين وقد أرهقني الخزانون والفراشون باسترجاعها فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمر بامهالى في ردها فعلت فضحك المعتصم وقال قل لهم لا يسترجعونها اليوم ثم نشط للطعام والشراب، ومما ورد في تجنبها قال المأمون لأحمد بن أبي خالد هل لك في أن أستوزرك فقال دعني يا أمير المؤمنين يكون بيني وبين الغاية درجة يرجوها الصديق ويخافها العدو فلست أريد البلوغ النهاية لئلا يقول عدوى قد بلغها وليس إلا الانحطاط، وكان ابراهيم بن المدبر إذا أعرضت عليه الوزارة أنشد قول العتابي:
يلوم على ترك الغنى بأهلية طوى الدهر عنا كل طرف وتالد
رأت حولها النسوان يرفلن كالدما مقلدة أجيادها بالقلائد
يسرك أن قد نلت ما نال جعفر من الملك أو ما نال يحيى بن خالد
وأن أمير المؤمنين أغصني بغصتها بالمرهفات البوادر
ذرينى تجتبينى منيتي مطمئنة ولم أتجشم هول تلك الموارد
وأن عليات الأمور مشوبة بمستودعات في بطون الأساود
[ ٢٠٠ ]
فصل في لطائف كلام الوزراء أبو سلمة الخلال زير السفاح كان يقول خاطر من ركب البحر وأشد منه مخاطرة من داخل الملوك، أبو عبد الله وزير المهدي يقول الرجال تحت ألسنة الأقلام خير الكلام ما دل وقل، يحيى بن خالد وزير الرشيد ما رأيت باكيًا أحسن تبسمًا من القلم ما رأى أحد في ولده ما يجب إلا رأى في نفسه ما يكره، الفضل بن يحيى وزيره أيضًا جرى بين يديه يوم مدح الناس أباه لجوده فقال وما قدر الدنيا حتى يمدح من يجود بكلها فضلًا بعضها ولما عزل بأخيه جعفر قال ما انتقلت عنى نعمة صارت إلى أخي ولا عزبت عنى رتبة طلعت عليه، جعفر بن يحيى وزيره أيضًا شر المال ما لزمك اثم مكسبه وحرمت الأجر من انفاقه، الفضل بن الربيع وزير الرشيد والأمين كما يقول ما أظن النعمة إلا مسخوطًا عليها أما ترونها أبدًا عند غير أهلها، الفضل بن سهل وزير المأمون من توقيعاته الأمور بتمامها الأعمال بخواتيمها والصنائع باستدامتها، أخوه الحسن بن سهل وزير المأمون أيضًا، عجبت لمن يرجو من فوقه كيف يحرم من دونه وقيل له لا خير في السرف فقال لا سرف في الخير ومن كلامه لا يصلح للتصدير إلا واسع الصدر، أحمد بن أبي خالد وزيره أيضًا بالأقلام تساس الأقاليم وكتب إلى صديق له يستدعيه يوم الالتقاء قصير فأعن عليه بالبكور وكتب إلى المأمون مع هدية بعثت إلى أمير المؤمنين قليلا كثيره، محمد بن يزداد وزيره أيضًا ليس في الحب مشورة ولا في الشهوات خصوصة ومن توقيعاته أبواب الملوك معادن الحاجات وليس لاستنجاحها إلا الصبر والملازمة، الفضل بن مروان وزير المعتصم الكاتب كالدولاب إذا تعطل تكسر، ما رأيت أقرب رض من سخط ولا أسرع ما بين قرب وبعد من الملوك، محمد بن الفضل الجرجاني وزير المتوكل عاتبه المتوكل يومًا على اشتغاله بالملاهي فقال يا أمير المؤمنين إن مقاساة هموم الدنيا لا تتأتى إلا باستجلاب شيء من السرور، سليمان بن وهب وزير المهدي، أنى أغار على أصدقائي كما أغار على حرمي ونظر يومًا ي المرآة فرأى شيبًا كثيرًا قال عيبًا لا عدمناه، الحسن بن مخلد وزير المعتمد كان يقول أعوذ بالله من نحس الأربعاء وحد الأحد وكان يقول أمر أمثالنا يأتي جملة ويذهب جملة فلم لا يتعجل اللذات قبل فوتها ويتمتع بصفو الزمان قبل كدره، ألطف م أحسن من المطع الطويل، أبو الحسن ابن الفرات وزير المقتدر، ما أريد الوزارة إلا لصديق أنفعه أو لعدو أقمعه وكان يقول إني لآلف كل شيء حتى الطريق ومن كلامه ما رأيت أحدًا على بابي وفي داري ليس لي عنده إحسان إلا استحييت منه وصرفت غاياتي إلى أرفاقه وتحصيل مراده ولولا حب المروءة ما رغبت في الرياسة والوزارة، أبو علي بن مقلة وزير المقتدر والقاهر والرضي كان يقول إذا أحببت تهالكت وإذا أبغضت أهلكت وإذا رضيت أثرت وإذا غضبت تأثرت وكان يقول أنا في وزارتي أقدم على العظائم كلها إلا على اثنين ازالة النعم وهتك الحرم، أبو جعفر أحمد بن سيرزاد وزير المستكفي، الاصاغر يهفون والأكابر يعفون إياك والإفراط الممل والتفريط المخل، أبو عبد الله الجبهاني الكبير وزيره أيضًا كان يقول جمال المرء في لسانه وجمال المرأة في عقلها ومن كلامه حسن الذكر ثمرة العمر، أبو الفضل ابن العميد وزير ركن الدولة، خير القول ما أغناك جده وألهاك هزله العاقل من أفتح من كل أمر خاتمته وعلم من بدء كل شيء عاقبته، الصاحب أبو القاسم بن عباد وزير فخر الدولة وعد الكريم الزم من دين الغريم، قد يبلغ الكلام حيث يقصر السهام، الآمال ممدودة والأنفاس معدودة، ومن كلامه يا أسفي على رداء من الأيام رقيق ما لبسناه حتى خلعناه وروض من الزمان مريع ما حللناه حتى فارقناه.
قلت لم اسمع في رقة العيش ألطف من قول الشيخ شمس الدين بن الصائغ الحنفي رحمه الله تعالى:
لست أنسى رقة العيش الذي زاد في الرقة حتى انقطعا
[ ٢٠١ ]
رجع أبو النصر بن أبي زيد الراضي قال في امتهانه لبعض الأعداء ما عسى أن يبلغ عض النملة ولسع النحلة ووقوع البقة على النخلة ومن كلامه الهدية ترد باء الدنيا والصدقة تر د بلاء الآخرة، أبو اسحاق ابراهيم بن حمزة وزير ابي على المسجوري قال ينبغي للأصاغر أن يتقدموا على الأكابر في ثلاثة مواطن إذا ساروا ليلًا وإذا خاضوا سبلًا أو لقوا خيلًا، أبو الحسن الأهوازي العدل أقوى جيش والأمن أهنى عيش الأحن حصد المحن، عبد الله بن يحيى بن خاقان كان يقول إذا دهانا أمر تمثلناه في أصعب حالاته فما نقص منه كان سرورًا يتعجله، نقلت من تاريخ الصاحب كمال الدين بن العديم وهو تاريخه الكبير المسمى بغية الطلب في تاريخ الصاحب كمال الدين بن العديم وهو تاريخه الكبير المسمى بغية الطلب في تاريخ مدينة حلب بسنده إلى يحيى بن خاقان ثقال حضرت الحسن بن سهل وقد جاءه رجل يستشفع فيه في حاجة فقضاها فأقبل الرجل يشكره فقال له الحسن بن سهل علام تشكرنا ونحن نرى أن للجاه زكاة كما أن للمال زكاة ثم أنشأ يقول:
فرضت على زكاة ما ملكت يدي وزكاة جاهي أن أعين وأنفعا
فإذا ملكت فجد ما لم تستطع فاجهد بفضلك كله أن تشفعا
الصاحب عون الدين حيحى بن الهبيرة وزير المستنجد صاب كتاب الإفصاح حكى عنه أنه لما أدركته الوفاة أغمى عليه ثم أفاق فوجد أهله يبكون فقال ما شأنكم فقالوا بكينا لكونك خدمت الملوك والخلفاء فقال مذ دخلت في عمل السلطان إلى يومي هذا ما خجلت أحدًا من خلق الله وأرجو من كرم الله تعالى أنه لا يخجل هذه الشيبة.
فصل في لطائف هذا الباب، قالب عض الفضلاء:
غزال قد غزا قلبي بألحاظ وأحداق
له الثلثان في قلبي وثلثا ثلثه الباقي
وثلثا ثلث ما يبقى وثلث الثلث للساقي
وتبقى أسهم ست تقسم بين عشاق
هذا الشاعر قسم قلبه إلى أحد وثمانين سهمًا جعل لمحبوبه منها الثلثين وذلك أربع وخمسون سهمًا يبقى الثلث وهو سبع وعشرون زاده ثلثيه وذلك ثمانية عشر فصار له اثنان وسبعون يبقى ثلث الثلث وهو تسعة زاده منها ثلثي ثلثها وهو اثنان بقي من الثلث واحد أعطاه للساقي بقي من التسعة ستة قسمها بين العشاق فحصل لمحبوبه أربعة وسبعون سهما وللساقي سهم وللعشاق ستة الجميع احد وثمانون.
وقال أبو عبد الله محمد بن جابر المغربي نزيل حلب المحروسة:
قسم القلب في الغرام بلحظ يضرب القلب حين يرسل سهمه
هذه في هواه يا قوم حالي ضاع قلبي ما بين ضرب وقسمه
وقال شيخنا عز الدين الموصلي:
نسبة قلبي للهوى قسمت فكرى وكم للعين من ضربه
ضاع حسابي ولقيت الأسى بالضرب والقسمة والنسبه
وقال الصلاح الصفدي:
عملت مع الزمان حساب بعدي وسقت الأصل من يوم الفراق
وكنت أظننى غلقت قسطي فقد طلعت على له بواقي
وأنشدني فخر الدين بن مكانس لنفسه مضمنا:
عملت مالي ارتفاع سقته غلط الحاصل راح في مضمونه مالي
وكلما نلت منة عزم ومن نكد من غفلتي ونوالي سوء أعمالي
وأنشدني من لفظه لنفسه في نكبة حصلت له وأجاد:
وما تعلقت في السرياق منتكسا لجرمة أوجبت تعليم ناسوتي
لكنني مذ نفثت السحر من كلمي عذبت تعذيب هاروت وماروت
وقال المعماري:
ولي رفيق جهول خالي من الآداب
أقول لما أراه في جملة الكتاب
سبحان رازق هذا رزقا بغير حساب
وقال الشيخ جمال الدين بن نباتة:
لفلان في الديوان صورة حاضر وكأنه من جملة الغياب
لم يدر ما نحرومه وجريده سبحان رازقه بغير حساب
وأنشدني الشيخ المحدث لفصيح البارع الرحال غرس الدين خليل الافقهسي لابن حربي المغربي:
يا ناصبا علم الحساب حبالة لقناص ظبي ساحر الألباب
أن كنت ترزق بالحساب وصاله فالله يرزقنا بغير حساب
وما أظرفق قول حسام الدين الحاجري:
صح حساب السحر في طرفه إذ كان ف جفنيه جمع الكسور
وقال ابراهيم المعمار ولطف:
ومليح قال صفني لازداد سرورا
كم حوى جفني معنى قلت ألفا وكسورا
وقال التقي السروجي:
[ ٢٠٢ ]
خدمت بذاك الوجه للشعر ناظرا لعلي أمسي واليا منة ولاته
وأصل حسابي ضبط حاصل وصله وتقبيله مستخرج من جهاته
وقال برهان الدين القيراطي:
خدمت بالاغرال أبوابه لما تبدى حسنه الباهر
ولي من الدمع على خدمتي جراية أطلقها الناظر
وقال ابراهيم المعمار:
لملانا الوزير ندى بأس واحسان به سمحت حياتي
فيرضينا بألفاظ وكذب محالات على كل الجهات
وظرف ابن الوردي في قوله:
وكنت إذا رأيت ولو عجوزًا تبادر بالقيام على الحرارة
فأضحى لا يقوم لبدر تم كأن النحس قد أعطى الوزاره