قال أرسطاليس: أول الصناعات الضرورية الصيد، ثم البناء، ثم الفلاحة، وذلك لو أن رجلًا سقط في فلاة لا أنيس بها ولا زرع لم يكن همه إلا حفظ قوام نفسه بالغذاء، فليس يفكر إلا فيما يصيد، فإذا صاد واغتذا يفكر بعد ذلك إلا فيما يسكن فيه وهو البناء، فإذا تم له فكر حينئذ فيما يزرعه ويغرسه.
وقال إبراهيم بن إسحاق المصعبي بمياء الملوك العمارة ولا يحسن بهم التجارة.
وقال ابن كلدة جميع خصال الدار المستخسة أن تكون على طريق نافذ وماؤها يخرج منها وليس عليها مشترف وحدودها لها وتكون بين الماء والسوق ويصلح فناؤها لحط الرحال وبل الطين ووقوف الدواب وإن كان لها بابان فذاك أمثل وينبغي أن يكون أيضًا في طرف البلد لأن الأطراف منازل الأشراف.
وقال البحتري، توفي سنة أربع وثمانين ومائتين:
عجب الناس لاعتزالي وفي الأط راف تلفى منازل الأشراف
وقعودي عن التلفت والأر ض لمثلي رحيبة الأكناف
ليس عن ثروة بلغت مداها غير إني امرء كفاني مفافي
قيل: وإنما كانت الأطراف منازل الأشراف لأنهم يتناولون ما يريدونه بالقدر ويصل إليهم من يريدهم بالحاجة إليهم.
وقيل لرجل في أي موضع من القرآن الأطراف منازل الأشراف فقال قوله تعالى: ﴿وجاء من أقصا المدينة رجلٌ يسعى يا قوم اتبعوا المرسلين﴾ فهنا أشرفهم وكان ينزل أقصى المدينة.
وقيل ليس في الأرض بخيل ولا جواد إذا ابتاع دارًا إلا بنى فيها شيئًا وهدم شيئًا وإن قل لأن حاجته ومنافعه ومرافق المالك الأول لا يستويان، قال الجاحظ رأيت بخلاء في نهاية البخل يسرفون في الإنفاق على البنيان.
وقال الحكماء لذة الطعام والشراب ساعة ولذة النوم يوم ولذة المرأة شهر ولذة البنيان دهر كلما نظرت إليه تجددت لذته في قلبك وحسنه في عينك.
وقال ناصر بني أمية في مبانيه العظيمة بمدينة الزهراء بالأندلس:
هم الملوك إذا أرادوا ذكرها من بعدهم فبألسن البنيان
إن البناء إذا تعاظم شأنه أضحى يدل على عظيم الشان
ولما دخل الرشيد إلى منبج قال لعبد الملك بن صالح الهاشمي وكان لسان بني العباس هذا البلد مقر لك، فقال يا أمير المؤمنين هو لك ولي بك، قال كيف منازلك به، قال دون أهلي وفوق منازل غيرهم، قال وكيف صفة مدينتك، قال عذبة الماء طيبة الهواء قليلة الأدواء، قال كيف ليلها قال سحر كله وهي تربة حمراء وسنبلة صفراء وشجرة خضراء وفياف فيح بين قيصوم وشيح، فقال الرشيد والله هذا الكلام أحسن منها.
ولما بنى عيسى بن جعفر قصره بالرصافة دخل إليه عبد الصمد فقال بنيت أجل بناء بأطيب فناء وأوسع فضاء على أحسن بهاء بين صحار وحيتان وضباء، فقال كلامك أحسن من بنائها.
وكان ابن جعفر بن سليمان الهاشمي يقول العراق عين الدنيا والبصرة عين العراق والمربد عين البصرة وداري عين المربد.
وقال بعض أهل التجربة إذا ابتنى أحدكم دارًا فليترك في واجهتها ثلمة تقيها شر عين الكمال.
قلت: ولا بأس بإيراد نبذة مما يتعلق بكرى الدار.
فمن ذلك ما حكى أن رجلًا دخل حجرة يكتريها فقال أين المطبخ فقل له في الجيران من يطبخ لك ويكفيك المؤنة، فقال أين المخبز فقيل إذا اختمر العجين خبزوا لك أيضًا، قال فبيت الخلاء فقيل بالقرب خربة تقضي فيها الحاجة، قال فالسطح فقيل على الباب ساحة يطيب فيها النوم في الصيف، قال فأنا في دار وما أعلم بروحي فأستمر ما أنا فيه وأربح الأجرة.
وقال الحكيم بن سعيد قال لي ملك بسرنديب صف لي معايش أهل البصرة فقلت قوم منهم لهم فضول منازل يكرونها وقوم لهم أرقاء يستعملونها وقوم لهم رءوس أموال يغدون إلى أسواقهم فيأكلون فضولها وقوم لهم نخيل يأكلون ثمارها فقال من كان معاشه من كرى فلئام الناس ومن استعمل الأرقاء فكلاب الناس والين يغدون إلى أسواقهم فذئاب الناس ولكن أصحاب النخل، وقال بعضهم:
قد رضينا من الزمان بقوت وثبوت ومسكن لا زيادة
ورضينا من الإله بما ير ضى ومن غيره تركنا الإرادة
غير أنا نروم خاتمة الخيـ ـر فإن يسرت فتلك السعادة
[ ١ ]
لطيفة: ذكرها الحريري في كتابه الموسوم بتوشيح البيان أن أحمد بن المعدل كان يجد بأخيه عبد الصمد وجدًا شديدًا على تباين طريقتهما لأن أحمد كان صوامًا قوامًا وكان عبد الصمد سكيرًا خميرًا وكانا يسكنان دارًا واحدة ينزل أحمد في غرفة أعلاها وعبد الصمد أسفلها فدعا عبد الصمد ذات ليلة جماعة من ندمائه وأخذ في القصف واللات والعزف حتى منعوا أحمد الورد ونغصوا عليه التهجد فاطلع عليهم وقال: ﴿أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض﴾ فرفع عبد الصمد رأسه وقال: ﴿وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم﴾ .
قلت: وعلى ذكر الغرفة فا ألطف ما ذكره علاء الدين الوداعي في تذكرته قال: رأيت مكتوبًا على غرفة يصعد منها إلى سطح قبة الصخرة المقدسة قوله تعالى: ﴿أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلامًا﴾ فعجبت من اتفاقها وكأني لم أسمعها، ورأيت أيضًا في طاقة زجاج بقبر طالوت ﵇ بسفح قاسيون قوله تعالى: ﴿الله نور السموات والأرض﴾ وهذا من عجيب ما يكتب على طاقة زجاج.
نادرة: كان بعضم في دار بكري فقال لصاحبها اعمر لي السقف فإنه يفرقع إذا مشينا عليه فقال لا بأس عليك فإنه يسبح الله، فقال أخشى أن تدركه الرقة فيسجد.
وطلب بعضهم دارًا للكرى فدلوه على دار فدخل غيرها فوجد واحدًا ينيك أمرد فاستحى وقال هل عندكم دار للكرى فقال له ما أحمقك نحن من الضيق بعضنا على بعض.
كان بعض النحويين له مال كثير وليس له سكن يأوي إليه فقيل ابن بيتًا، فقال والله لا بنيت ما اتفق النحويون على إعرابه.
ومما قاله المرحوم القاضي فتح الدين بن الشهيد الذي كان مولده بالرملة سنة ثمان وعشرين وسبعمائة وقد توفي مقتولًا بالقاهرة سنة ثلاث وتسعين سبعمائة وكتبه على عمارة له:
بنيت على وقف المكارم والعلى فللفتح أبوابي وصدري للضم
سناالملك يبدو في موشح زينتي ومن أجل ذدار الطراز على كمي
ومما كتبه على الرفرف قوله:
رفعت كماشا الترفه رفرفًا أزين سمائي بل أزين سماحي
فلا بدع أن الناس يهوون بهجتي ويمشون في ظلي وتحت جناحي