بَلنسيّ الدّار، نفيس المقدار، لم أعلم له بشَرف، ولم أسمع له عن سَلف، ورد إشبيلية سنة خمسٍ وسبعين وأربعمائة، فاتّصل بابن زهر، فناهيك من حظ مِسك أذفر، ومن وَجه صُبح أسْفر، أدرك به الرَّغائب، وتملَّك بِسببَهِ الحاضر والغائِب، وكان مجلوّ المؤانسة حلو المجالسة، وقد أثبتُّ له بعض ما وجدته له في الغِلمان
[ ٣٥٦ ]
وأنشدته في ذلك الزّمان:
إنْ ذَكَرْتَ العَقِيقَ هاجكَ شوقٌ رُبّ شَوْقٍ يُهيجُهُ الإذكارُ
يا خليليّ حدُّثاني عن الرَّكْ ب سُحَيْراَ أأنْجَدوا أم أغَاروا
شغلونا عن الوَداعِ وولَّوا ما عليهم لو ودّعوا ثُمَّ ساروا
أنا أهْواهُمْ على كُلَّ حَالٍ عدلوا في هواهمُ أم جاروا
وعلق بإشبيلية فتى يُعرف بابن المكر، صار به طريحًا بين أيدي الفِكر، ومازال يُقاسي هواه، ويُكابد جَواه، حتى اكتسى خدّه بالعِذار، وانمحت عنه بهجة آذار، فقال:
الآنَ لمَا صَوَّحَتْ وَجَنَاتُهُ شَوْكًا وأوضْحَتْ سَلْوَة العُشَّاقِ
واستوْحَشتْ تِلْكَ المحاسنُ واكتستْ أنوارُ وَجْهِكَ واهِنَ الأخْلاقِ
أمسيتَ تَبْذلُ ليّ الوصَال تَصَنُّعًَا خُلُقُ اللّئيمِ وشيمةُ المَذَّاقِ
[ ٣٥٧ ]
هلاّ وَصَلْتَ إذْ الشّمائلُ قَهْوةٌ وإذ المُحيَّا روضةُ الأحْداقِ
فلكم أطلتَ غَرامَ قَلْبٍ مُوجَعٍ كَمْ قد ألبَّ إليكَ بالأشْوَاقِ
ما كُنْتَ إلاّ البَدْرَ ليلةَ تَمِّهِ حتّى قَضَتْ لك ليلةٌ بمَحَاقِ
لاح العِذَارُ فقلتُ وَجْدٌ نَازِحٌ إنّ ابن دَأيَة مؤذنٌ بفِرَاقِ
وله فيه مناقضًا لهذا الغرض، معارضًا للوعة سُلّوه الذي عرض:
أجيلُ الطَّرْفَ في خَدٍّ نَضِيرٍ يردّد ناظري نَظَري إليهِ
إذا رَمِدَتْ بِحُمْرَتِه جُفُوني شَفَاها منه أخْضَرُ عارِضَيْهِ