شاعر سمح، مُتقلِّد بالإحسان مُتَّشح، أمّ الملوك والرؤساء، ويمّم تلك العزَّة القَعساء، فانتجع مواقع خَيرهم، واقتطع ما شاء من مَيرهم، وتمادت أيَّامه إلى هذا الأوان، فجالت به في ميدان الهَوان، فكسد نَفاقه وارتدّت آفاقه، وتوالى عليه حرمانه وإخفاقه، وأدرَكته وقد حَنتهُ سُنُونه، وانتظرته مُنونه، ومحاسنه كعهدها في الاتّقاد، وبُعدها من الانتقاد، وقد أثبتّ له ما يعذبُ جَنىً وقِطَافًا، ويستعذب استِنزالا واستِلطَافًا، فمن ذلك قوله يستنجد الأمير الأجلّ أبا إسحاق ابن أمير المسلمين:
قُل للأمير ابن الأمير بل الذي أبدًا به في المَكْرُمَاتِ وفي النَّدَى
والمُجْتَنَى بالزّرق وهي بَنَفْسَج ورد الجراح مُضَعَّفا ومنضَّدَا
[ ٣٧٥ ]
جاءتك آمال العفاة ظَوَامِئًَا فاجْعَلْ لها من ماءِ جودِكَ مَوْرِدَا
وانثر على المِدَّاحِ سبيك إنَّهم نثروا المَدَائِحَ لُؤْلُؤًَا وَزَبَرْجَدَا
فالناس إن ظَلَموا فأنت هو الحِمَى والنَّاس إن ضلّوا فأنتَ هو الهدى
أخبرني وزير السلطان أنّ هذه القطعة لما ارتفعت، اعتنت بجملة الشعراء وشَفَعتْ، فأنجز لهم المَوعُود، وأورق لهم ذلك العُود، وكثر اللّغط في تَعظيمها، واستجادة نظيمها، وحصل له بها ذكر، وانصقل له بسببها فكر.
وله من قطعة يصف بها سَيفًا:
كلّ نَهْرٍ تَوقَّدَتْ شَفْرَتَاه كاتَّقَادِ الشِّهَاب في الظَّلْمَاءِ
فهو ماءٌ قد رُكِّبَتْ فَوْقَ نَارٍ أو كَنَارٍ قد رُكِّبت فوقَ ماءِ
وكتب إليّ مُعزّيًا عن والدتي، وإلى الله تعالى عليها الرحمة:
على مثله من مصاب وجَبْ على من أُضيب به المنتجَب
[ ٣٧٦ ]
وَقَلْبٍ فَرُوقٍ وخِلْبٍ خَفُوقٍ ونفسٍ تشبّ وهمٍّ نَصَبْ
فقد خَشَعَتْ للتُّقَى هَضْبَةٌ ذوائبها في صَمِيمِ العَرَبْ
من الجَاعِلاَتِ محارِيَبها هَوادِجَهَا أبدًا والقَتَبْ
من القائماتِ بظلِّ الدُّجَى ولا مَنْ تُسَامِرُ إلاّ الشُّهُبْ
فكم ركعةٍ أثرها في الدّجى تناجي بها ربَّها من كَثَبْ
وكم سَكَبتْ في آوان السّجُودِ مَدَامِعَ كالغَيْثِ لمّا انْسَكَبْ
وقد خَلَّفّتْ وَلَدًا باسِلًا فَصِيحًا إذا ما قرا أو كَتَبْ
تِفَلُّ السيوفُ بِأقْلاَمِهِ ويُكْسَرُ صُمُّ القَنَا بالقَصَبْ
وكان القائد أبو عمرو عثمان بن يحيى بن إبراهيم - أعزّه الله - أجلَّ من جال في خَلَد، واستطال على جَلَد، رشأ يُحيي الصبَّ باحتشامِه، ويستردٌّ البَدر بلثامه، ويزري بالغُصن تثنّيه، ويثمر الحسن لو دّنّت قطُوفُه لِمُجتنيه مع لوذَعيَّةٍ تخالها جِريَالا، وسَجيَّة يختال فيها الفَضلُ اختيالا، وكان قد بَعُدَ عن أُنسِنَا بحمص،
[ ٣٧٧ ]
وانتضى من تلك القُمص، وكان بثَغر الأُشبُونة أدام الله حِراسَتها فسدَّهُ ولم ينفرج لنا من الأنس بَعدَه ما يسدُّ مَسدَّهُ، إلى أن صَدَر، فأسرع إلينا وابتدَر، فالتقينا وبتناها ليلة نام عنها الدهر وغَفَل، وقام لنا بما شِئنَا فيها وتكفَّل، فبينا نحن نفضُّ خِتامَها ونَنفُض عنّا غِبَار الوَحشة وقَتَامها، إذ أنا بابن لسان هذا وقد دخل أذنه علينا فأمرناه بالنزول والتقيناه بترحيب، وأنزلناه بمكان من المسرّة رحيب، وسقيناه صغارًا وكبارًا، وأريناه إعظامًا وإكبارًا، فلمّا شَرب طرب، وكلّما كَرَعها،
التحف السَّلوَة وتدرَّعها، وما زال يشرب أقدَاحًا وينشد فينا أمدَاحًا، ويفدي بنفسه، ويَستهدي الاستزداة من أُنسه فهتكنا الظلام بما أهداه من البديع، واجتَلينَا محاسنه كالصَّريع وانفصَلت لَيلتُه عن أتمّ مسرَّة، وأعمّ مبرّة، وارتحل عثمان أعزه الله تعالى إلى ثغره، وأقام برهة من دهره، فمشيت بها إليه مجدّدًا عَهدًا، ومتضلِّعًا من مؤانسته شهدا، فكتب ابن لسان هذه القطعة من قصيدة، يذهب إلى
[ ٣٧٨ ]
شكره، ويجتهد في تجديد ذكره:
ما شام إنسانُ إنسانٍ كَعُثْمَانِ ولا كبغيته منْ حُسْنِ إحْسَانِ
بَدْرُ السيادةِ يبدو في مَطَالعِهِ من المَحَاسنِ مَحُفُوفًَا بِشُهبَانِ
له التَّمامُ وما بالأُفْقِ من قَمَرٍ متمّمٍ دونَ أنْ يُرْمى بنُقْصَانِ
به الشَّبِيبَةُ تَزْهَى من نَضَارِتِهَا كما تساقطَ طَلٌّ فَوْقَ بُستَانِ
مصفر الحسن للأبْصَارِ نَاصِعُهُ كأنَّه فضَّةٌ شِيبَتْ بِعِقْيَانِ
نُبِّئْتُ عَنْهُ بأنباءٍ إذا نَفَحَتْ تعطّلت نَحَاتُ المِسْك والبَانِ
قامت عليه براهينٌ تُصدِّقُهَا كالشَّكْلِ قامَ عليه كُلُّ بُرْهَانِ
قد زادها لأبن عُبَيْد الله من وَضَحٍ ما زادت الشَّمسُ نورَ الفجرِ للراني
بالله بلّغه تَسْليمي إذا بَلَغَتْ تلك الركاب وعجّل غير ليَّانِ
وليتَ أنّي لو شاهدتُ أُنْسكما على كؤوس وطاساتٍ وكيزانِ
فألْفِظُ الكَلِمَ المَنْثُورَ بَيْنكما كأنَّما هو من دُرٍّ ومَرْجَانِ
لله درّك يا ذا الخُطَّتين لَقَد خططتَ بالمدحِ فيه كلَّ ديوانِ
كلاكما البحرُ في جود وفي كرم أو الغمامةُ تقشيعٌ لظْمَآنِ
[ ٣٧٩ ]
إن كانَ فارسَ هيجاءٍ ومُعْتَركٍ فأنتَ فارسُ إفْصَاحٍ وتِبْيَانِ
فاذكر أبا نَصْرٍ المعمورَ مَنْزِلُهُ بالرّفْدِ ما شِئْتَ من مَثْنَى ووُحْدَانِ
قصائدا لأخي وُدٍّ وإن نَزَحَتْ بك الرّكابُ إلى أقصى خُرَاسَانِ