عِلقٌ خطير، وروض أدبٍ مَطير، غاص في طلب الغريب حتى أخرج دُرَّه المَكنون، وبهرج بافتنانه كل الفُنون، وله نَظم تتمنّى الثُّريا أن تُتوَّج به وتتقلّد، ويودّ البدر أن يكتبَ فيه ما اخترع وولّد، زهت به الأندلس وتاهت وحاسنت ببدائعه الأشمس وباهت فحسد المغرب فيه المَشرق، وغصّ به من بالعراق وشَرق، غير أنه نبت به أكنافُها، وشَمخت عليه أنافُها، وبرئت منه، وزوى الخير فيها عنه، لأنه سَلك مسلك المعرّي، وتجرّد من التديّن وعُرِّي، وأبدى
[ ٣٢٢ ]
الغُلُوَّ، وتعدَّى الحقَّ المَجلُوَّ، فمجَّتهُ الأنفس، وأزعجته الأندلس، فخرج على غير اختيار، وما عرج على هذه الديار إلى أن وصل الزّاب واتصل بجعفر بن الأندلسيّة مَأوى تلك الجنسيّة فناهيك من سَعد ورد عليه فكرع ومن باب ولج فيه وما قَرع، فاسترجع عنده شبابه، وانتجع وَبله وربابه، وتلقّاه بتأهيل ورُحب، وسقاه صوب تلك السُّحب، وأفرَط في مدحه له في الغُلوَّ وزاد، وفَرَّغ عنده تلك المزاد، ولم يتورَّع، ولا ثناه ذو وَرع، وعلى هذه الهِنَة فله بدائع يُتحيَّرُ فيها ويُحار ويُخال لرقَّتِها أنها أسحار، فإنه اعتمد التهذيب والتحرير، وأتَّبع فيها الفَرزْدق مع جرير،
وأمّا تشبيهاته فخرق فيها المُعتاد، وما شاء منها اقتاد، وقد أثبتّ له ما تحنّ له الأسماعُ، ولا تتمكّن منه الأطماع، فمن ذلك قوله:
[ ٣٢٣ ]
ألَيْلَتَنا إذْ أرْسَلَتْ وارِدًا وَحْفَا وبتنا نرى الجوزاء في أُذنِهَا شَنْفَا
وباتَ لنا ساقٍ يقومُ على الدُّجَى بِشَمْعَةَ صُبْح لا تُقَطُّ ولا تُطْفَا
أغنّ غضيض خفّف اللينُ قدَّهُ وَثَقّلَتِ الصَّهبَاءُ أجفَانَه الوُطْفَا
ولم يُبْقِ إرْعاش المُدَامِ له يَدَا ولم يُبْقِ إعنات التَّثنّي له عِطْفَا
نزيفٌ نَضَاه السُّكر إلاّ ارتجاجة إذا كَلَّ عنها الخِصْرُ حمّلها الرِّدْفَا
يقولون حِقْفٌ فَوقَهُ خَيزُرَانَةٌ أمَا يَعرِفُونَ الخَيزُرانةَ والحِقفَا
جعلنا حشايانا ثيابَ مُدَامِنَا وَقَدَّتْ لنا الأزهارُ من جِلدِهَا لُحْفَا
فمن كَبِدٍ توحي إلى كَبِدٍ هَوَى ومن شَفَةٍ تومي إلى شَفَةٍ رَشْفَات
ومنها:
كأن السَّماكين اللّذين تراهُمَا على لِبْدَتَيهِ ضَامِنَانِ له حَتْفَا
فذا رَامِحٌ يهوي إليه سِنَانُه وذا أعْزّل قد عّضَّ أنْمُلَهُ لَهْفَا
كأنَّ سُهَيْلًا في مطالعِ أُفقهِ مُفَارِقُ إلْفٍ لم يَجِد بَعْده ألْفَا
كأنَّ بني نَعْشٍ وَنَعْشًَا مَطَافِلٌ بِوَجرَة قد أضْلَلنَ في مَهْمَةٍ خَشْفَا
كأنَّ سُهَاها عاشقٌ بين عُوّدٍ فآونة يدو وآونة يَخْفَى
[ ٣٢٤ ]
كأنَّ قُدَامى النّسرِ والنّسرُ واقِعُ قُصّصنَ فلم تَسْمُ الخوافي به ضَعْفَا
كأنَّ أخاه حين حوَّمَ طائرًا أتى دون نِصْف البَدْر فاختطف النَّصْفَا
كأنَّ ظلام الليل إذْ مال ميلة صريعُ مُدَامٍ بات يشربُها صِرْفَا
كأنّ عًمُودَ الصُّبْحِ خاقانُ مَعْشرٍ من التُّرك نادى بالنّجاشيّ فاستخْفَى
كأنّ لواَء الشَّمسِ غُرَّةُ جَعْفَرٍ رأى القِرنَ فازدادَتْ طلاقته ضِعْفَا
وله أيضًا:
فُتِقَتْ لكم ريحُ الجِلادِ بِعَنْبَرٍ وأمدَّكُم فَلَقُ الصَّبَاحِ المُسْفِرِ
وجَنْيتُمُ ثَمَرَ الوقائعِ يانِعًا بالنًّصْرِ من عَلَقِ الحديد الأحْمرِ
أبني العَوالي السّمهريّة والسيو ف المشرفيّة والعديد الأكْثَرِ
من مِنْكُمُ المَلِكُ المُطَاعُ كأنَّه تحت السَّوابِغِ تٌبَّعٌ في حِمْيَرِ
[ ٣٢٥ ]
جيش تقدّمه الليوث وفوقها كالغيل من قصب الوشيج الأخضر
وكأنَّمَا سَلَبَ القَشَاعِمَ ريشَها ممَا يشقّ من العَجَاجِ الأكّدَرِ
لحق القبول مع الدبورِ وسارَ في جمع الهِرَقْلِ وَعزْمة الإسْكَنْدَرِ
في فتية صَدَأُ الحديدِ لباسُهُم في عبقريّ البيد جِنَّةَ عَبْقَرِ
وكفاه من حُبِّ السَّمَاحَة أنَّهُ منه بموضع مُقلَةٍ من مَحْجِرِ
نَعْمَاؤه من رَحْمةٍ ولِبَاسُه من جنّة وعطاؤه من كَوْثَرِ
وله أيضًا من قصيدة في جعفر بن عليّ:
[ ٣٢٦ ]
ألاَ أيّها الوادي المقدّس بالنّدى وأهلِ النَّدَى قلبي إليك مشوقُ
ويا أيّها القصرُ المنيفُ قِبَابُه على الزّابِ لا يُسْدَدْ إليك طريقُ
ويا مِلكَ الزابِ الرفيعَ عِمَادُهُ بقيتَ لجمع المَجْدِ وهو فريقٌ
فما أنْسَ لا أنْسَ الأميرَ إذا غَدَا يروع بحورًا ملكه ويروقُ
ولا الجودَ يجري من صفيحة وَجْهه إذا كان من ذاكَ الجبينِ شروقُ
وهزّته للمجْدِ حتّى كأنَّما جرت في سجاياهُ العذابِ رحيقُ
أما وأبي تلك الشّمائل إنّها دليلٌ على أنَّ النِّجَارَ عتيقُ
فكيف بصَبْرِ النّفس عنه ودونه من الأرض مغبَرّ الفجاج عميقُ
فكن كيف شاَء الناسُ أو شئتَ دائِمًا فليس لهذا المُلْك غيرك فُوقُ
ولا تشكرِ الدُّنْيَا على نيل رُتْبَةٍ فما نلتها إلاّ وأنتَ حَقِيقَ
وله من قصيدة:
خليليّ أين الزّابُ مِنّي وجعفرُ وجنّةُ عَدْن بِنْتُ عَنهَا وكوثرُ
فقبلي نأى عن جنّة الخُلْد آدمٌ فما رَاقَهُ من جانبِ الأرض مَنْظَرُ
[ ٣٢٧ ]
لقد سَرَّني أنَّي أمرُّ بباله فيخبرني عنه بذلك مُخْبِرُ
وقد ساَءني أنّي أراه بِبَلدَةٍ بها مَنسك منه عظيمٌ ومشْعَرُ
وقد كان لي منه شفيع مُشفَّعٌ به يمحص الله الذنوبَ ويغْفِرُ
أتى الناسُ أفواجًا إليكَ كأنَّما من الزّاب بيت أو من الزّاب مَحْشَرُ
فأنت لمن قد مزّق الله شَمْلَه ومعْشَره والأهلَ أهلٌ ومَعْشَرُ
وله أيضًا:
إلا طرقتنا والنجومُ ركود وفي الحيّ أيْقاظ وهُنَّ هُجُودُ
وقد أعجل الفجر الملمّع خطْوَها وفي أُخرياتِ اللّيل منه عمودُ
سَرَتْ عاطلًا غَضْبَى على الدرّ وحْدَه ولم يدرِ نَحْرٌ ما داهاهُ وجيدُ
فما بَرحَتْ إلاّ ومن سِلْك أدْمُعي قلائد في لبّاتها وعقودُ
ويا حُسْنَها في يوم نضّت سوالِفًا تريع إلى أترابها وتحيدُ
ألم يأتِهَا أنّا كبرنا عن الصّبا وأنا بَلينا والزمانُ جديدُ
ولا كالليالي ما لهُنَّ مواثقٌ ولا كالغواني ما لهنّ عهودُ
ومنها:
ولا كالمعزّ ابن النبي خليفة له الله بالفخرِ المبينِ شهيدُ
[ ٣٢٨ ]
وله أيضًا:
قد مررنا على مغانيك تِلْكِ فرأينا بها مَشَابِهَ مِنْكِ
عارَضتْها المَهَا الخواذل سِرْبًَا عِنْدَ أجْرَاعِهَا فلم تَسَلْ عَنْكِ
لا يرع لِلْمَها بذلك سِرْبٌ أشبهتك في الوصف إن لم تَكُنْكِ
كن عذيري فقد رأيت مَعَاجي يوم تبكي بالجزع ولهى وأبْكي
بحنين مرجّع وتشكٍّ وأنين موجّع كتشكي
وله من قصيدة يمدح بها جعفر بن علي بن رمان:
قفا فلأمر سَرَيْنَا ولا نَسْري وإلاّ نرى مشي القَطَا الوارد الكُدْرِ
قفا نتبَّينْ أيْنَ ذا البرق منهم ومن أيْن تأتي الريح طيّبة النَّشْرِ
لعلّ ثَرَى الوادي الذي كنت مرّة أزورهم فيه تضوّع للسَّفْرٍ
وإلا فما وادٍ يسيلُ بِعَنْبَرٍ وإلاّ فما تَدْري الركاب ولا ندري
[ ٣٢٩ ]
أكلّ كِناس بالصّريمِ تظنّه كِناس الظباءِ الدُّعْج والشُّدُنِ العُفْرِ
وهل عجبوا أنّي أُسَائِلُ عَنْهُمُ وهم بين أحناءِ الجوانحِ والصَّدْرِ
وهل علموا أنّي أُيَمِّمُ أرْضَهُمْ ومالي بها غير التَّعسُّفِ من خُبْرِ
ولي سَكَنٌ تَأتي الحَوادِثُ دُونَهُ فَيبعُدُ عن عيني ويَقْربُ من فِكْري
إذا ذَكَرَتْهُ النَّفْسُ جاشت بذِكْره كما عثر الساقي بِجَامٍ من الخَمْرِ
فلا تَسْألاني عن زماني الذي خَلا فوا لعصر إنّي بَعْدَ يحيى لفي خُسْرِ
وآليت لا أُعطي الزمانَ مقادتي إلى مثل يحيى ثم أُغْضي على الوتْرِ
حنيني إليهِ ظَاعِنًَا وَمُخَّيمًَا وليس حنينُ الطّير إلاّ إلى الوَكْرِ
وله من قصيدة:
فَتَكَاتُ طرفكِ أم سيوفُ أبيكِ وكؤوسُ خمركِ أم مراشفُ فيكِ
أجلادُ مُرْهَفَةٍ وفتكُ مَحَاجِرٍ لا أنْتِ راحِمَةٌ ولا أهْلُوكِ
يا بنتَ ذي السَّيْفِ الطّويل نِجَادُهُ أكَذَا يجوزُ الحكمُ في ناديك
عيناكِ أم مَغْنَاكِ مَوْعِدُنَا وفي وادي الكَرَى ألقاكِ أمْ واديكِ
وقال أيضًا:
أحبب بهاتيك القِبَابِ قِبَابَا لا بالحُداةِ ولا الرِّكابِ رِكَابَا
[ ٣٣٠ ]
فيها قلوبُ العاشقين تَخَالُها عَنَمًا بأيدي البيض أو عُنَّابا
والله لولا أن يُعنِّفُني الهوى ويقول بَعْضُ العاذلين تَصَابى
لَكَسرْتُ دُمْلُجَها بضيقِ عِنَاقِهَا ورشفتُ من فِيهَا البَرُود رُضَابا
بِنْتُمْ فلولا أن أُغيِّرَ لِمَّتي عَبَثًا وألقاكم عليّ غِضَابَا
لخصبتُ شَيْبًا في مفارق لِمَّتي ومحوتُ محو النَّقْس عنه شَبَابا
وخضبتُ مُبْيضّ الحداد عليكمُ لو أنّني أجدُ البياضَ خِضابا
وإذا أردت على المشيبِ وِفَادَةً فاحثُتْ مطيَّك دونه الأحْقَابَا
فلتأخذنّ من الزمانِ حمامةً ولتبعثَنَّ إلى الزمان غُرَابَا
ومنها:
قد طّيب الأقطار طيب ثنائه من أجل ذا تجد الثغورَ عِذَابَا
لم تُدْنني أرضٌ إليكَ وإنَّما جئتُ السَّماَء ففتّحتْ أبْوابَا
[ ٣٣١ ]
ورأيتُ حولي وَفْدَ كلِّ قبيلةٍ حتّى توهّمتُ العِرَاق الزّابَا
أرْضًَا وطئتُ الدُّرَّ من رَضْرَاضِهَا والمِسْكُ تُرْبًا والرِّيَاضُ جَنَابَا
ورأيتُ أجْبُلَ أرْضِهَا مُنقَادَةً فَحَسِبْتُهَا مَدَّتْ إليكَ رِقَابَا
سدّ الإمامُ بها الثُّغُورَ وَقَبْلهَا هزم النَّبيُّ بقومِكَ الأحزَابَا