بيتُ شِعر ونَباهة، وأبو بكر ممّن تنبّه خاطره للبدائع أيَّ انتِبَاهة وله أدبٌ باهِر ونَظم كما سَفرت أزاهر، وقد أثبت له جمالًا (يبلغ آمالًا، فمن ذلك قوله وقد اجتمعنا في ليلة لم يُضرَب لها وعد، ولم يَغرُب عَنها سَعد، وهو قَعديّ، قد شبّ عن طوق الأنس في النَّدي، وما قال خالي عمرو ولا عديّ والكهولةُ قد قَبضتهُ، وأقعَدتهُ عن ذلك وما أنهَضتهُ:
إمامُ النَّثْرِ والمَنْظُومِ فَتْحُ جَميعُ النَّاسِ لَيْلٌ وهو صُبْحُ
له قَلَم جَلِيلٌ لا يُجَارَى يقر بِفَضْله سَيفٌ وَرُمْحُ
[ ٣٨٠ ]
يُبَاري المُزْنَ ما سحَّتْ سَماحًا وإن شحَّت فليسَ لديهِ شُحُّ
وكان مرتسمًا في عسكر قُرطبة، وكان ابن سراج يأتي بكلّ ما يبغي خيفَةً من لِسانه، ومُحافَظة على إحسانه، فلمَّا خرج إلى أُقلِيش خرج معه، وجعل يُساير من شيَّعه، فلما حصلوا بَفحصِ سُرَادِق، وهو موضع توديع المُفارق للمفارق، قرب منه أبو الحسين بن سِرَاج لوداعه، وأنشده في تفرّق الشّمل وانصِدَاعه:
هُمُ رَحَلوا عنَّا لأِمْرٍ لهم عَنَّا فما أحَدٌ منهم على أحَدٍ حَنَّا
وما رحلوا حتى استقادوا نُفُوسَنَا كأنَّهُم كانوا أحقَّ بِهَا مِنَّا
فيا ساكني نَجْدٍ لتبعد داركمْ ظنَّنا بكم ظَنًَّا فأخلفتم الظَّنَّا
غدرتُم ولم أغْدُرْ وخُنْتُم ولم أخنْ وقلتم ولم أعْتِب وجُرْتُم وما جُرْنا
وأقسمتم أن لا تخونونَ في الهَوَى فَقَدْ، وذِمام الحُبِّ خُنْتم وما خُنَّا
تُرَى تَجْمعُ الأيّامُ بيني وبَيْنَكُم ويجمُعَنا دَهْرٌ نَعُودُ كما كُنَّا
فلمّا استتمّ إنشاده لحق بالسُّلطان واعتذر إليه بمريض خلّفه وهو يخاف تَلفه، فأذن له بالانصراف، وكتب إلى أبي الحُسين بن سِرَاج:
[ ٣٨١ ]
أما والهَدايا ما رَحَلْنَا ولا حُلْنا وإن عنَّ من دون التَّرحُّلِ ما عَنَّا
تَرَكْنَا ثوابَ الغزو والقَصْدِ للعِدَا على مَضَضٍ منّا وعدنا كما كُنَّا
وليس لنا عنكم على البَيْنِ سَلْوَةٌ وإن كان أنْتمْ عندكمْ سَلْوةٌ عَنَّا
وجَمعتَنا عَشيَّة بَربَض الزّجالي بقُرطبة، ومعنا لُمَّه من الأخوان، وهو في جُملتهم، مناهض لأعيانهم وجُلَّتِهم، بفضل أدبه، وكثرة نَسبه، فجعل يرتجل ويروي وينثر محاسن الآداب ويَطوي، ويمتعنا بتلك الأخبار، ويقطعنا منها جانب اعتبار ويطلعنا على إقبال الأيّام وعلى الإدبار، ثم قال:
أيا ابن عبيد اللهِ يا ابن الأكارمِ لقد بخّلَتْ يُمْنَاك صوبَ الغمائِم
لك القَلَمُ الأعْلى الذي عَطَّل القَنَا وفلّ ظُبَاتِ المُرْهَفَاتِ الصَّوارِمِ
وأخْلاقُكَ الزُّهْرُ الأزاهرُ بالرُّبَى ترفُّ بشؤبوبِ الغُيُوثِ السَّواجِمِ
بَقِيتَ لتشييد المكَارمِ والعُلَى تُظَاهِرُهَا بالسَّالِفِ المُتَقَادِمِ
واجتمع عند أبيه لُمَّة من أهل الأدب، وذوي المَنازلِ والرُّتب، في عَشيَّة غَيم أعقَب مطرًا، وخَطَّ فيه البَرق أسطُرًا، والبَردُ يتساقط
[ ٣٨٢ ]
كدُرٍّ من نِظَام ويتراءى كثنايا غادةٍ ذات ابتسام، وهو غلام ما نضا بُردَ شَبابه، ولا انتضى مُرهف آدابه، فقال معرّضًا بهم، ومتعرّضًا لتحقق أدبهم:
كأنَّ الهواَء غديرٌ جَمَد بحيث البروق تُذيبُ البَرَدْ
خُيوطٌ وقَدْ عُقِدَتْ في الهواء وراحةُ ريحٍ تحُلُّ العُقَدْ
وشرب في دار ابن الأعلم في يومٍ لم يرَ الدَّهرُ فيه إساءه، وليل نسخ نور أُنسه مساءَه، ومعهم جُملة من الشعراء، وجماعة من الوزراء منهم أبناء القَبطُرنَة، فوقع بينهم عتاب وتَعذال، وامتهان في ميدان المُشاجرة، وابتذال آل به إلى تجريد السّيف، وتكدير ما صَفا بذلك الخَيف فسكنوه بالاستنزَال، وثنوه عن ذلك ووالوا الكؤوس في ودَادِه وكفوا بذلك بعض احتداده، حتى مالت به نشوته، وحالت بينه وبين حَتفه سَلوتُه، فقال:
قُلْ للوزيرينِ أنّي مُخْلِصٌ لَهُمَا في السِّرِّ والجَهْرِ من عُودَيْهِمَا عُودي
وشاهدُ الصِّدقِ لي ما في ضَمِيرِهِمَا فليس يُخْلص ودّ غيرُ مَوْدُودِ
وحَضر مَعهم في مَجلسٍ سِواه، انتشر به من المحاسن ما كان طواه، فبنيا هم يأخذون بأطراف الأحاديث، ويغدون في تلك الدَّمَاثيث، إذ قعد إليهم رجل طويلُ اللّحية، قصير الإدراك، قليل
[ ٣٨٣ ]
التخلّي والأتراك، فكلٌّ عاينَ سُخفَه، فحاول وَصفه، فما وافق أحدهم المَعنى، وما كان فيه ممطر ولا مَغنى فقال:
ولحيةٍ في طولها ميلُ قصّر عن إدّرَاكِهَا الطَّوْلُ
وقال تهنِئَةً بنَيرُوز:
هو النَّيرُوز أمَّك للتَّهَاني وللْبُشْرَى بمُقْتَبل الزَّمانِ
فهنَّاكَ المهيمنُ ما حبَاهُ ويحبوه على ناءٍ ودانِ
فإنْ تكُ سابقًا في كُلِّ فَضْلٍ كما سَبَق المبرِّزُ في الرِّهَانِ
سبقت فما تُضَاهى في سَنَاءٍ أشفّ به الشُّجَاعُ على الجبانِ
حَلَلْتَ من العُلَى أعلى مَحَلٍّ تَقَاصَرَ عن عُلاّهُ الفَرْقَدَانِ
فَظَاهر بالمكارمِ والمَعَالي مظاهرةَ المُهنَّدِ للسِّنَانِ
لهمتَ بكُلِّ مَكْرُمَةٍ وبرّ إذا ما هام غيرُك بالغَوَاني
وسُدْتَ العالمين نهىً وعُلْيَا مُذاعًا في الأقاصي والأدَاني
وحِلْمًا راجحًا بهضابِ رَضْوَى وَعَزْمًا مثلَ بارقةِ اليمانِ
وجودًا فائِضًا في كُلِّ حينٍ إذا ضَنَّ الحيا والمِرْزَمَانِ
[ ٣٨٤ ]
ونثرًا مُعْجِزًا في كُلِّ فَنٍّ وَنَظْمًا غَضَّ من نَظْم الجُمَانِ
فَمَنْ عَبْدُ الحميد ومن عليٌّ ومن سَالِمْ أو الحسنُ بنُ هاني
ومن أوسُ بنُ حارثةٍ وقُسٌّ وقيسٌ وأبنه والأحْمَرَانِ
فدُمْتَ مُهنًَّا في كُلِّ حينٍ عزيزَ الجارِ مألوفَ المَغَاني
[ ٣٨٥ ]
تمّ القسم الثالث من كتاب مطمح الأنفس ومسرح التأنس في مفاخر أهل الأندلس وبتمامه كمل الكتاب، بعون الله الملك الوهاب في ثالث شهر ربيع الأول سنة ثمان وثلاثين، على يد كاتبه علي بن أحمد الدناصيّ، اللهمّ اغفر له ولمن علّمه، ولوالديهما ولكل المسلمين.
[ ٣٨٦ ]