رافع راية القَريض، وصاحب آية التَّصريح فيه والتعريض، أثام شرائِعه وأظهر بدائِعه، إذا نظم أزرَى بنظم العقود، وأتى بأحسن من رَقم البُرود، وكان أليف غِلمان، وحليف كُفرٍ لا إيمان، ما نطق مُتشرِّعًا ولا رمق مُتورَِعًا، ولا اعتقد حَشرًا، ولا صدّق بعثًا ولا نشرًا، تنسّك مجونًا وفتكًا، وتمسّك باسم التقى، وقد هتكه هتكًا، لا يبالي كيف ذهب ولا بما تمذهب، وكانت له أهاجي جرّع بها صَابا،
[ ٣٦٩ ]
ودرّع منها أوصَابا، وقد أثبتُّ له ما يُرتشَف ريقًا، ويُشربُ تحقيقًا، فمن ذلك قوله يتغزّل:
من لي بِغُرَّةِ فاتنٍ يَخْتَال في حُلَلِ الجَمالِ إذا بَدَا وحِلَّيهِ
لو شمت في وَضَحِ النَّهارُ شَعاعَها ما عادَ جًنْحُ اللّيلِ بَعْدَ مضيّهِ
شَرِقَتْ لآلي الحسن حتى خَلَّصَتْ ذَهَبيَّةُ في الخَدِّ مِنْ فِضيِّهِ
في صَفْحَتَيْهِ من الجَمَالِ أزَاهِرٌ غذيتْ بوسميّ الحَيَا ووليّهِ
سَلَّتْ مَحَاسِنُهُ لقتلِ مُحبِّهِ من سحرِ عَيْنَيْهِ حُسَامَ سميِّهِ
وله فيه:
كَيْفَ لا يَزْدادُ قَلْبي من جَوَى الشّوْق خَبَالا
وإذا قُلْتُ عليٌّ بَهَرَ النَّاسَ جَمَالا
[ ٣٧٠ ]
هو كالغُصْنِ وكالبَدْ رِ قَوامًا واعْتِدَالا
أشرقَ البَدْرُ كَمَالا وانْثَنَى الغُصْنُ اختيالا
إنَّ من رامَ سُلُوّي عَنْهُ قَدْ رامَ مُحالا
لستُ أسْلو عن هَوَاهُ كانَ رُشْدًا أو ضَلالا
قُلْ لمن قصَّر فيهِ عَذْلَ نَفْسي أو أطَالا
دون أن تُدْركَ هذا تَسْلُبُ الأُفْقَ الهِلالا
وكنت بمَيُورقة وقد حلّها مُتَّسمًا بالعبادة، وهو أسرَى إلى الفجور من خيال أبي عُبَادة، وقد لبس أسمالا، وأنس النّاس منه أقوالا لا أفعالا سجوده هُجُود، وإقراره بالله جُحود، وكانت له رابطة لم يكن للوازمها مُرتَبِطًا، ولا بسكناها مُغتَبِطًا، سمّاها بالعقيق، وسمّى فتى كان يعشقه بالحمّى، وكان لا يتصرّف إلا في صفاته، ولا يقف إلاّ بعَرفاته، ولا يؤرّقه إلاّ جَواه، ولا يشوقه إلاّ هَواه (فدخلت عليه يومًا لأزوره وأرى زوره)، فإذا (أنا) بأحد دُعاة محبوبه ورواة
[ ٣٧١ ]
تشيبيه، قال له: كنت البارحة بحماه، وذكر له خبرًا ورّى به عنّي وعمّاه، فقال:
تَنَفَّسَ بالحِمَى مطلولُ أرْضٍ فأوْدَع نَشْره نَشْرا شمَالا
فصبَّحَت العُيُونُ إليَّ كَسْلى تجرّر فيه أردانا خِضَالا
أقولُ وقد شممْتُ التُّرْبَ مِسْكا بنفحتها يَمينًا أو شمالا
نسيمٌ جاَء يَبْعَثُ مِنْكَ طيبًا ويشكو من محبَّتِكَ اعتلالا
ولما تقرّر عند ناصر الدولة من أمره ما تقرّر، وتردّد على سمعه انتهاكه وتكرّر، أخرجه من بلده ونفاه، وطمس رسم فسوقه وعفاه فأقلع إلى المشرق وهو جار، فلمّا صار من ميورقة على ثلاث مجار، نشأت له ريح صرفته عن وجهته، إلى فقد مُهجته، فلمّا لحق بميورقة أراد ناصر الدولة استباحته، وإبراء الدين منه وإراحته
[ ٣٧٢ ]
ثم آثر صفحه، وأخمد ذلك الحَنَق ولَفحه، وأقام أيامًا ينتظر ريحًا علّها تُزجيه، ويستهديها لتخلّصه وتنجيه، وفي أثناء بلوته، لم يتجاسر على إتيانه أحد من إخوته، فقال يخاطبهم:
أحِبَّتَنا الألَى عَتَبوا عَلَيْنَا فأقْصَرنا وقد أزِفَ الوَدَاعُ
لقد كُنْتُم لنا جَذَلًا وأُنْسًَا فهل في العيش بعدكمُ انتفاعُ؟
أقول وقد صدرنا بعد يوم أشوقٌ بالسفينة أم نِزَاعُ
إذا طارَتْ بِنَا حامَتْ عليكم كأنَّ قلوبَنا فيها شِرَاعُ
وله يتغزّل:
بني العَرَبِ الصَّميمِ ألا رَعَيْتُمْ مآثِرَكُمْ بآثارِ السَّمَاحِ
رفعتم ناركم فعشا إليها بِوَهْنٍ فارسُ الحيِّ الوقاحِ
[ ٣٧٣ ]
فهل في العقب فضل تنضحوه به من محض ألبانِ اللّقَاحِ
لعلّ الرِّسل شَابَتْهُ الثَّنَايا بشهد من نَدَى نور الأقَاحِ
وله أيضًا:
وكأنما رَشَأُ الحِمَى لمّا بدا لك في مضلَّعةِ الحديد المعْلَمِ
غَصَب الغمام قِسِيَّةُ فأراكَهَا من حُسْنِ مِعْطَفه قويمَ الأسْهُمِ
وله أيضًا:
نظرتُ إليه فاتَّقاني بمُقْلَةٍ تردّ إلى نَحْري صدورَ رماحِ
حَمَيْتَ الجفونَ النوم يا رَشَأ الحِمَى وأظلمت أيامي وأنت صَبَاحي
وله أيضًا:
قالوا تُصيبُ طيورَ الجوِّ أسْهُمُهُ إذا رماها فَقُلْنا عندنا الخبرُ
تعلَّمتْ قوسُها من قوسِ حاجِبِه وأيّد السّهمَ من ألْحَاظِهِ الحَوَرُ
يروح في بردة كالنَّقْسِ حالكةٍ كما أضاء بجُنْحِ الليلة القمرُ
وربما راقَ في خضراَء مُورِقَةٍ كما تَفَتَّحَ في أوْرَاقِهِ الزَّهَرُ
[ ٣٧٤ ]