شاعرٌ مادح، وعلى أيك النَّدى صادح، لم يُنطِقهُ إلاّ مَعن
[ ٣٣٦ ]
أو صُمَادح فلم يَرِم مثواهُما، ولم ينتجِع سِواهُما، واقتصر على المريَّة، واختصر قطع المهامه وخوض البريّة، فعَكف فيها ينثر دُررَه في ذلك المنتدى، ويرتشف أبدًا ثُغُور ذلك النَّدى، مع تميزه بالعلم، وتحيّزه إلى فئة الوَقار والحِلم وانتمائه إلى أية سَلف، ومذهبه مذاهب أهل الشَّرف، وكان له لسن، ورُواء (حسن)، يشهدان له بالنباهة، ويقلدان كاهله ما شاء من الوجاهة، وقد أثبتُّ له بعض ما قذفه من دُررِه، وفاه به من محاسن غُررِه، فمن ذلك قوله:
إلى الموتِ رَجْعي بعد حين فإنْ أمُت فقد خُلِّدَتْ خُلْدَ الزمانِ مناقبي
وذكريَ في الآفاقِ طارَ كأنَّهُ بكلّ لسانٍ طيبُ عذراَء كَاعِبِ
ففي أيّ عِلْمٍ لمْ تبرَز سَوَابقي وفي أيّ فَنٍّ لم تُبرِّز كتائبي
وحضر مجلس المُعتصِم بحضور ابن اللَّبَّانة، فأنشد فيه
[ ٣٣٧ ]
قصيدًا أبرز به من عُرى الإحسان ما لم يَنفَصِم واستمرّ فيها، يستكمل بدائِعهَا وقوافيها، فإذا هو قد أغار على قصيد ابن الحدّاد الذي أوله:
عُجْ بالحِمَى حيثُ الخِمَاصُ العينُ
فقال ابن الحدّاد مُرتَجِلًا:
حاشا لعدلك يا ابن مَعْنٍ أن يُرَى في سِلْكِ غيري دُرّيَ المَكْنُونِ
وإليْكَهَا تشكو استلابَ مطيِّها عُجْ بالحِمَى حيثُ الخِمَاصُ العينُ
فاحْكُمْ لها واقطعْ لِسَانًا لا يَدًَا فلسانُ من سَرَق القريضَ يَمِينُ
وله أيضًا:
يا غَائِبًا خَطَراتُ القَلْبِ مَحْضَرُهُ الصَّبْرُ بَعْدَكَ شيءٌ لستُ أقْدرُهُ
تركتَ قَلْبي وأشواقي تُفَطِّرُهُ ودَمْعُ عيني وأحداقي تُحَدِّرُهُ
لو كُنْتَ تُبْصِر في تُدْمير حالَتَنا إذَنْ لأشْفَقْتَ مِمَّا كُنْتَ تُبْصِرُهُ
فالعينُ دونكَ لا تَحْلى بلذَّتِهَا والدَّهْر بَعْدَك لا يَصْفو تَكَدُّرُهُ
[ ٣٣٨ ]
أخْفي اشْتِيَاقي وما أطويهِ مِنْ أسَفٍ على المَرِيَّةِ والأنفَاسُ تُظْهِرُهُ
وله أيضًا:
إنّ المدامعَ والزفير قد أعْلَنَا ما في الضَّمِيرْ
فعلامَ أُخْفي ظَاهِرًا سَقَمي عليَّ به ظَهِيرْ
هَبْ لي الرِّضَى من سَاخِطٍ قَلْبي بساحَتِهِ الأسِيرْ
وله أيضًا:
أيُّها الواصِلُ هَجْري أنا في هِجْرانِ صَبْري
ليتَ شِعْري أيُّ نَفْعٍ لك في إدْمَانِ ضُرّي
وله أيضًا:
يا مُشْبِهَ الملك الجَعْدي تَسمِيَةً وَمُخْجِل القَمَرِ البَدْريِّ أنْوارا
وله أيضًا:
تُطَالُبِني نَفْسي بما فيه صَوْنُهَا فلأعْصي ويَسْطُو شَوْقُهَا فَأطِيعُهَا
وواللهِ ما يَخفَى عليّ ضَلالُهَا ولكنَّها تَهْوَى فلا أسْتَطِعُهَا
[ ٣٣٩ ]
وله أيضًا:
اسْتَودعُ الرحمنَ مُسْتَودَعي شَوْقًا كَمِثلِ النَّار في أضْلُعِي
أتركُ من أهوَى وأمضي كَذَا واللهِ ما أمضي وقَلْبي مَعِي
ولا نَأى شَخْصُكَ عن ناظِري حِيْنًَا ولا نطُقكَ عن مَسْمَعي
وقال أيضًا:
لعلّكَ بالوادي المُقَدَّسِ شاطئُ فكالعَنْبرِ الهِنْديَّ مات أنَا واطِئُ
وإنّي في ريَّاكَ واجِدُ رِيْحِهِمْ فروح الهَوَى بين الجَوانِحِ ناشِئُ
ولي في السُّرَى من نَارِهم ومنارِهِمْ هداةٌ حداةٌ والنُّجُومُ طَوَافِئُ
لذلك ما حنَّت رِكابي وَحَمْحَمَتْ عِرَابي وأوْحَى سيرُها المُتَبَاطِئُ
ويا حبَّذَا من آل لُبْنَى مواطنٌ ويا حبَّذَا من أرضِ لُبْنَى مواطِئُ
ولا تَحْسبوا غِيَدًا حَوَتْهَا مَقَاصِرٌ فتلك قلوبٌ ضَمَّنَتْها جَآجِئُ
وفي الكِلَل اللاّتي لِعزّة ظَبيْةٌ تَحِفُّ بها زُرْقُ العوالي الكوالِئُ
أفاتكةُ الألحَاظِ نَاسِكَةُ الهَوَى وَرَعْتِ ولكن لحظُ عَينَيْك خَاطِئُ
وآل الهوى جَرْحَي ولكن دماَءهُم دموعُ هَوَامٍ والجروحُ مآقِئُ
[ ٣٤٠ ]
وكيف أُعَاني كَلْمَ طَرْفِكَ في الحَشَا وليس لتمزيقِ المُهَنَّدِ رافئُ
ومن أين أرْجُو بُرَء نَفْسي من الهَوَى وما كُلُّ ذي سُقْمٍ من السُّقْمِ بارِئُ
وله أيضًا:
بَخَافِقَةِ القُرْطَينِ قَلْبُكَ خافِقُ وعن خَرَسِ القَلبينِ دَمْعُك نَاطِقُ
وفي مَشْرق الصُّدْغّينِ للبَدْرِ مَغْربٌ وللفكر حالاتٌ وللعين شارِقُ
وبين حَصَى الياقوتِ ماءُ وَسَامة مُحَلاَّةٌ عنه الظباء السوابقُ
وَحَشْوُ قِبَابِ الرَّقْمِ أحْوَى مُقَرْطَقٌ كما آسُ رَوْضٍ عِطْفُهُ والقَراطِقُ
غَزَالٌ رَبيبُ في المَقَاصِرِ كانِسٌ وَخُوطٌ لبيبٌ بالغرائر وارِقُ