مُحرِز الخصل، مبرّز في كل معنى وفَصل، متميزّ بالإحسان متحيّز إلى فئة البيان، ذكيّ الخَلد مع قوّة العارضة والمنّة الناهضة حضر مجلس بعض القضاة، وكان مشتهر الضبط، منتهرًا لمن انبسط فيه بعض البسط، حتى إن لأهله لا يتكلمون فيه إلاّ رَمزًا، ولا يخاطبون إلاّ إيماءً فلا تسمع لهم رِكزًا، فكلّم فيه خصمًا له كلامًا
[ ٣٣٢ ]
استطال به عليه لفضل بيانه وطلاقة لسانه، ففارق عادة المجلس في رفض الأنفة، وخفض الحجّة المؤتنفة، وهزّ عِطفَه، وحسر عن ساعده، وأشار بيده مادًّا بها لوجه خَصمه، خارجًا عن حدّ المجلس ورسمه، فهمّ الأعوان بتقويمه
وتثقيفه ووَزعهم رهبة منه وخشية، حتى تناوله القاضي بنفسه، وقال له: مهلًا عافاك الله، اخفض صوتك، واقبض يدك، ولا تفارق مركزك، ولا تَعدُ حقَّك، وأقصر من أسبابك، وإدلالك بآدابك، فقال له: مهلًا يا قاضي، أمن المُخدَّرات أنا فاخفض صوتي واستُر يدي، وأغطّي معاصمي لديك؟ أم من الأنبياء أنت فلا يُجهرُ بالقول عندك؟ وذلك لم يجعله الله إلاّ لرسوله (ﷺ) لقوله تعالى: (يَا أيُّهَا الذِينَ آمنوا لا تَرْفَعوا أصْوَاتكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ، وتَجْهَرُوا له بالقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أنْ تَحْبَطَ أعمالُكًمْ وأنْتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ) ولست به ولا كرامة، وقد ذكر الله أن النفوس تُجادِل في القيامة في موقِف الهول الذي لا يَعدِ له مقام، ولا يشبه انتقامه انتقام،
[ ٣٣٣ ]
فقال تعالى: (يَوْمَ تَأتي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا). . . إلى قوله تعالى: (وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ)، لقد تعدّيت طورك، وعلوت في مَنزِلتِك، وإنما البيان بعبارة اللّسان، وبالنطق يستبين الحقّ من الباطل، ولابد في الخصام من إفصاح الكلام، وقام وانصرف، فبُهِت القاضي ولم يُحِر جوابًا.
وكان في الدولة صدرًا من أعيانها، وناسق دُرَرِ تِبيانها، نفق في سوقها وصنّف، وقرّط محاسنها وشَنَّف، وله الكتاب الرائق المُسمّى بالحدائق، وأدركه في الدّولة سَعي، ورفض له فيها الرَّعي، واعتقله الخليفة وأوثقه في مكان أخيه فلم يومض له عَفو، ولم يَشُب كَدر حالهِ صَفو، حتى قضى مُعتقلًا، ونعى للنائبات نَعيًا مُثكِلًا، وله في السجن أشعار كثيرة، وأقوال ومبدعات منيرة، فمن ذلك ما أنشده أبو محمد بن حزم يصف خيالًا طَرقه بعدما
[ ٣٣٤ ]
أسهره الوجد وأرّقه:
بأيِّهِمَا أنَا في الشُّكْرِ بادي بشكر الطّيف أم شكر الرُّقادِ
سَرَى وازدادَ في أملي ولكن عففت فلم أجد منه مُرَادي
وما في النّوم من حَرَجٍ ولَكِنْ جريتُ من العَفَافِ على اعْتِيَادي
وله أيضًا:
وطائعةِ الوصالِ عَفَفْتُ عَنْهَا وما الشيطانُ فيها بالمُطَاعِ
بَدَتْ في الليل سافِرةً فباتَتْ دياجي الليل سافرة القِنَاعِ
وما من لَحْظَةٍ إلاّ وفيها إلى فتن القلوب لها دواعي
فملّكت النّهى جَمَحات شوقي لأجري بالعَفَافِ على طِبَاعي
وبتّ بها مبيت الطّفل يظما فيمنعه الفِطَامُ من الرِّضَاعِ
[ ٣٣٥ ]
كذاك الروض ليس به لِمِثْلِي سوى نَظَرٍ وشمٍّ من مَتَاعِ
ولستُ من السوائم مهملاتٍ فاتَّخِذُ الرّياضَ من المَراعي
وله أيضًا:
للروضِ حُسْنٌ فَقِفْ عليه واصْرِفْ عنان الهوى إليهِ
أما ترى نَرْجِسًَا نَضِيرًَا يرنو إليه بِمُقْلَتَيْهِ
نشر حبيبي على رُبَاهُ وصُفْرَتي فَوْقَ وَجْنَتَيْهِ
وله أيضًا:
بِمُهْلِكَةٍ يستهلك الحَمْد عَفْوَها ويتركُ شَمْلَ العَزْمِ وهو مُبَدَّدُ
ترى عاصِفَ الأرْواحِ فيها كأنَّه من الأين يمشي ظالِعٌ أو مُقَيَّدُ