المعروف بالرّمادي
شاعر مُفلق، انفرج له من الصناعة المُغلق، ووَمض له برقُها المؤتَلِق وسال به طبعه كالماء المُندَفِق، فأجمع على تفضيله المُختلف والمُتَّفق، فتارةً يُحزن وأخرى يُسهل، وفي كلتيهما بالبديع يَعلُّ وينهل، فاشتهر عند العامة والخاصة بانطباعه في الفريقين، وإبداعه في
[ ٣١١ ]
الطريقين، وكان هو وأبو الطيب متعاصرين، وعلى الصّناعة متغايرين، وكلاهما من كِندة وما منهما إلاّ من اقتدح في الإحسان زندَه، وما قصر عنه في إحسان، ولا جاز بينهما تفضيل إنسان، وتمادى بأبي عمر، طلق العمر، حتى أفرده صاحبه ونديمُه، وهُرِيق شبَابُه واستشنَّ أديمُه، ففارق تلك الأيام وبَهجتها، وأدرك الفتنة فخاض لُجَّتها، وأقام فَرِقًا من هَيجانِها، شَرِقًا بأشجانِها ولحقته منها فاقه نَهكتهُ، وبعُدت عنه الإفاقة حتى أهلكته، وقد أثبتُّ من محاسنه ما يُعجبُك سَردُه، ولا يُمكنك نقدُه، فمن ذلك قولُه:
شَطَّتْ نَوَاهم بِشَمْسٍ في هَوادِجِهِم لولا تَلألُؤُهَا في ليلهنَّ عَشُوا
شَكَت محاسنَها عيني وقد غدرت لأنّها بضمير القلب تَنْجَمِشُ
شَعرٌ وَوجٌ تَبَارى في افْتِخَارِهِمَا بِحُسْنِ هذا وذاك الرّوم والحَبَشُ
شَكَكْتُ في سَقَمي منها أفي فُرُشي منها نُكِسْتُ وإلاّ الطيف والفرش
[ ٣١٢ ]
وله أيضًا:
في أيّ جَارِحَةٍ أصُونُ مُعّذِّبي سَلِمَتْ من التَّعْذيب والتَّنكيلِ
إنْ قُلتُ في عيني فَثمَّ مَدَامعِي أو قلت في قَلْبي فثمَّ غَلِيلي
لكن جعلت له المسامع مَسْكِنَا وحَجَبْتُه عن عَذْل كُلِّ عَذُولِ
وثَلاثُ شيْبَاتٍ نَزَلْن بِمَفْرِقي فَعَلِمْتُ أنَّ نُزُولهنّ رَحيلي
طلعت ثلاثٌ في طلوع ثلاَثةٍ واشٍ ووجِ مراقبٍ وثقيلِ
فعذلتني عن صبوتي فَلئِن ذَلَلْ تُ فقد سمعتَ بِذلَّة المَعْذُولِ
إنْ كُنتَ ودَّعْتَ التّصابي عن قِلىً وَبَدْت برأسي حُجَّة لِعَذُولِ
فقد اغتدي والصُّبْح في تَوْريسِهِ تَقْضي العيونُ له بوجه عليلِ
بأقبِّ لون الآبنوسِ مُفضَّض في غُرّةٍ منه وفي تَحْجيلِ
مُستَغْرِقٌ لِصِفَاتِ زَيْد الخَيل وال غنويّ والمربيّ والضِّلّيلِ
[ ٣١٣ ]
يَزْهَى بتحليةِ اللَّجام كما زَهَى مَلِكٌ مُحلَّى الرأسِ بالإكليلِ
فله المَلاحِظُ مِنْ حَبِيبٍ هَاجِرٍ للصّب أو مُتكبِّرٍ لذَلِيلِ
ومنها:
وكأنّما فلَّ الخطوبَ بحازمٍ فلَّ الجياد بحدّه المفلولِ
حتى إذا صُدْنَا الوحوش فلم ندع مِنْهُنَّ غيرَ مَعَالمٍ وطلولِ
قامت قوائمه لنا بِطَعَامِنَا غضَّا وقام العُرْف بالمِنْدِيلِ
ومنها:
ومكبّل لم يجترم جرمًا ولا دانت سحائبه بغير كبولِ
متدرّع بالوَشْي إلاّ أن مَدْ رَعه يُحَاك عليه غير طويلِ
فكأنّ بَلقِيسًا عليها وَشْيُها في الصَّرح رافعةٌ لفضل ذيولِ
[ ٣١٤ ]
متقلّب كتقلُّبِ المُرْتَاع يَقْسِمُ لَحْظَهُ في الجَوْل بعد الجَوْلِ
حتى إذا ما السِّربُ عَنَّ لِطَرْفِهِ أو ما نجا فيتيه خَلِّ سبيلي
أرْ سَلْتُه في إثرهنَّ كأنَّهُنْ عصينَ لي أمْرًا وكان رَسولي
ولت سراعا ثم شد وراءها فكأنّه بطل وراء رعيلِ
عجلت فأدركها ردى في إثرها إنّ الردى قيد لكُلّ عجولِ
فقضى على سبعين ضار خطمه هو عقدة التعبير في التمثيل
ومنها:
حتى إذا حَمَل السّحابَ بجيدِهِ لم تَحْتَمِلْهُ فَرائِضُ المَحْمُولِ
وله أيضًا يتغزل:
أوْمَى لتقبيل البِسَاطِ خُنُوعَا فوضعت خَدّي في التُّرَاب خُضُوعَا
ما كان مذهبُهُ الخنوعَ لِعَبْدِهِ إلاّ زيادةَ قَلْبه تَقْطِيعَا
قولوا لِمَنْ أخَذَ الفُؤَادَ مُسلَّمًَا يَمْنُنْ عليَّ بردِّهِ مَصْدُوعَا
العَبْدُ قَدْ يَعصَى وأحْلِفُ أنَّني ما كُنْتُ إلاّ سامعًا ومُطيعَا
مولاي يَحْيى في حياةٍ كاسْمِهِ وأنا أمُوتُ صَبَابَةً وَوَلُوعَا
[ ٣١٥ ]
لا تنكروا غيثَ الدموع فكلّ ما ينحلُّ من جسمي يكون دموعا
وكان كَلِفًا بفتى نصرانيّ، استسهل لباس زُنَّاره، والخلود معه في ناره، وخلع برودَه لِمُسُوحِه، وتسوّغ الأخذ عن مسيحهِ، وراح في بيعته، وغدا من شيعته، ولم يشرب نصيبه، حتى حطّ عليه صليبه، فقال:
أدِرْهَا مِثْلَ ريقك ثمّ صَلِّبْ كعادتكم على وَهْمي وكاسي
فيقضي ما أمَرْتَ به اجّتِلابًَا لمسروري وزاد خُنُوع راسي
وله أيضًا في مثله:
ورأيتُ فَوْقَ النَّحْرِ در عًا فَاقِعًَا من زَعْفَرَانِ
فَزَجَرْتُه لونًا سَقَا مي بالنَّوى والزَّجر شاني
يا مَنْ نأى عنّي كَمَا تَنْأَى العيون الفَرْقَدَانِ
فأرى بعيني الفرقدي ن ولا أرَاهُ ولا يَرَاني
[ ٣١٦ ]
لا قُدِّرَتْ لك أوْبَةٌ حتى يَؤوُبَ القَارِظَانِ
هل ثَمَّ إلاّ الموتُ فَرْ دًَا لا تكون مَنيَّتَانِ
وله أيضًا ﵀:
أشربِ الكَأسَ يا نصيرُ وهاتِ إنَّ هذا النَّهَارَ من حَسَنَاتي
بأبي غُرَّةُ تَرَى الشَّخْصَ فيها في صَفَاءٍ أصْفَى من المِرْآةِ
يَنْزحُ النّاس نحوها بازدحامٍ كازدحام الحجيج في عَرَفَاتِ
هاتِهَا يا نصيرُ إنَّا اجْتَمَعْنَا بقلوبٍ في الدين مُختَلِفَاتِ
إنّما نحن في مجالس لَهْوٍ نشربُ الرّاحَ ثُمَّ أنْتَ مُواتي
فإذا ما انقضت دِنَانَةُ ذا اللَّه واعتمدنا مواضع الصَّلَواتِ
لو مَضَى الدَّهْرُ راح وقَصْفٍ لَعَدَدْنَا هذا من السَّيئاتِ
وشاعت عنه أشعارٌ في دولة الخلافة وأهلِها، سدّد إليهم صائبات نَبلها، وسقاهم كؤوس نَهلها، أوغَرت عليه الصدور، ونَفرت عليه المنايا ولكن لم يساعدها المقدور، فسجنه الخليفة دهرًا، وأسلكه من النَّكبة وعْرًا، فاستعطفه أثناء ذلك واستلطفه، وأجناه كلّ
[ ٣١٧ ]
زهر من الإحسان وأقطفه، فما أصغى إليه، ولا ألغى موجدته عليه، وله في السجن أشعار صرّح فيها ببثِّه، وأفصح فيها عن جُلِّ الخَطب لفقد صبره ونكثه، فمن ذلك قوله:
لك الأمنُ مِنْ شَجْوٍ يزيد تَشَوقُّي
ومنها:
فوافوا بنا الزهراء في حال خالع ال أئِمةِ لاستيغالهم في التَّوثٌّقِ
وحولَي مِنْ أهْلِ التأدُّبِ مَأتَمٌ ولا جُؤْذرٌ إلاّ بثوبٍ مُشَقَّقِ
فلو أنّ في عيني الحمام كرَوْضِهَا وإنْ كَانَ في ألوانه غير مُشفقِ
ونادَى حِمَامي مُهْجتي لتغَافَلت فهلا أجابت وهو عندي لمحنق
أعينيَّ إنْ كانت لدمعيَ فَضْلَةٌ تثبّت صَبْري ساعةً فتدَّفقي
فلو ساعدت قالت أمِنْ قِلَّة الأسى تنقّت دُمُوعي أمْ مِنَ البَحْرِ تَسْتَقي
ومنها:
تكلّفني أنْ أُعْتبُ الدَّهْرَ أنَّها لجَاهِلَةٌ من لي بأعتاب محنقٍ
وقالت: تظنّ الدَّهْرَ يَجْمعُ بيْنَنا فقلتُ لها: مَنْ لِي بظنّ مُحقَّقِ
ولكنّني فيما زجرتُ بِمُقْلَةٍ زجرتُ اجتماعَ الشّمْل بعد التفرّقِ
[ ٣١٨ ]
فقد كانت الأشْفَارُ في مثل بُعْدِنَا فلمّا التقتْ بالطّيفِ قالت سَنَلْتَقي
أباكيةً يومًا ولم يأتِ وَقْتُهُ سينفدُ قَبْلَ اليوم دمعُكِ فارْفِقِي
ومُذْ لَمْ تريني أنت في ثوب ضائع لعمري لقد حفّت بعيّ مُمَزّق
وقال أيضًا في السجن:
نُسَائِلُهَا هلاّ كَفَاكِ نُحُولُه ونَصْبَتُه أوْ دَمْعُهُ وهمُولُهُ
تَكَنَّفَهُ هَمّانِ شَجْوٌ وصَبْوَةٌ فَبُلِّغَ واشِيه المُنَى وعَذُولُهُ
فإنْ تَسْتَبِنْ في وَجِهْهِ هَمَّ سِجْنه فقد غابَ في الأحشاءِ عنكَ دَخيلُهُ
معنّى بكتمان الحبيب وحُبِّه فإنْ يقتل الكِتْمَان فهو قَتِيلُهُ
ومنها:
وَاقْبَلنَ مِنْ نَحْو الحبيبِ كأنَّمَا تحاشد نحويي جَفْنُهُ ونصُولُهُ
دعوني أشمُّ بالبابِ برقَ أحبَّتي قوامًا فَلَمْ يسمع بذاك وكيلُهُ
يعمُّ فلا يألوا حصَارًا لَعلَّهُ سيودي فيودي بثه وأليلُهُ
فلو كان في هذا الحصار سميُّه لأنساه طول السّبع في اليوم طوله
لقد راعني سِجْني فَشطَّ ولو دَنَا من السجن لم يسهل عليّ دُخُوله
يعزُّ على الورْدِ النّضير حُلُولُه ولم يكُ عِنْدَ المُسْتَهام نُزُولُه
[ ٣١٩ ]
وله أيضًا:
على كبَري تهمي السَّحَاب وتَذرف ومن جَزَعي تبْكي الحمامُ وتَهْتِفُ
كأن السّحابَ الواكفاتِ غَوَاسلي وتلك على فقدي نوائحُ هُتَّفُ
إلا ظعنت ليلى وبان قطينُها ولكنّني باقٍ فلوموا وعنِّفوا
وآنستُ في وَجْهِ الصَّباح لبَيْنها نحولا كأنّ الصّبحَ مثليَ مُدْنَفُ
وأقربُ عَهْدٍ رَشْفَةٌ بلَّتْ الحَشَا فعاد شتاءً باردًا وهو صَيِّفُ
وكانت على خَوْفٍ فولَّتْ كَأنَّها من الرِّدْفِ في قيد الخلاخل تَرْسُفُ
وله أيضًا:
مُقْلَتي ضَرَّجَتْكِ بالتّوريدِ فدعي لي قلبي ومنها استفيدي
هذه العينُ ذَنْبُهَا ما ذَكَرْنَا أيّ ذَنْبٍ لقلبيَ المعمودِ
لو تردّت بحجّة العين ماذا لم تعاقب بالدمع والتَّسْهيدِ
بَلَغَ الياسمينُ في القَدْرِ أنْ قَدْ لفّ من خدِّها بوَرْدٍ نَضِيدِ
كلّ شيء أتُوبُ عَنْهُ ولا تو بة لي من هوى الحسانِ الغِيدِ
من لعَانٍ مِنْهُنَّ غير طَليقٍ وسقيمٍ مِنْهُنَّ غير مَعُودِ
شهدت أدْمُعي بوجدي وزوّرْ نَ لشاني إذ خانه مَجْلودي
أيُّها اللائمي على الحُبِّ مَهْلًا هل تُلامُ الحِمَامُ في التَّغْرِيدِ
[ ٣٢٠ ]
وله أيضًا:
فَقَدَتْ دموعي يُوسُفًَا في حُسْنه فغدوتُ يَعْقُوبًا بِسدَّةِ وَجْدِهِ
وعَمِيتُ مِمَّا قِدْ لَقِيتُ من البُكَا حتّى مَسَحْتُ على الجُفُونِ بِبُرْدِهِ
وله أيضًا:
قَبَّلتُهُ قُدَّامَ قِسِّيسه شَرِبْتُ كاساتٍ بِتَقْدِيسهِ
يَقْرعُ قَلْبي عِنْدَ ذِكْري لَهُ من فَرْطِ شَوْقي قَرْعُ نَاقُوسِهِ
وسُجن معه غلام من أولاد العبيد فيه مَجال، وفي نفس متأملة من لوعته أو جَال، فكتب يخاطب الموكّل بباب السِّجن بقطعة منها:
حبيسك ممّن أتْلَفَ الحُبُّ قَلْبَهُ ويلذعُ قَلْبي حُرقَةٌ دُونَها الجَمْرُ
هلالٌ وفي غير السماءِ طُلُوعهُ وريمٌ ولكن ليس مَسْكَنَهُ القَفْرُ
تأمَّلْتُ عينيهِ فخامرني السُّكرُ ولا شكّ في أنّ العيونَ هي الخَمْرُ
أُنَاطِقُهُ كيما يقولَ، وإنَّما أُنَاطِقُهُ عَمْدًَا لينتثر الدُّرُّ
أنا عبده وهو المليكُ كما اسمُهُ فلي مكنه شَطْر كامل وله الشَّطْرُ
[ ٣٢١ ]