إمام اللغة والإعراب، وكَعبة الآداب، أوضح منها كُل إبهام وفضح دون الجهل بها محل الأوهام، وكان أحد ذوي الإعجاز، وأسعد أهل الاختصار والإيجاز، نَجم والأندلس في إقبالها، والأنفس أول تهمُّمِها بالعلم واهتِبَالها، فنفقت له عِندهم البضاعة، واتفقت على تفضيله الجماعة، وأشاد الحكم بذكره، فأورى بذلك زِناد فِكره، وله اختصار العين للخليل وهو معدوم النظير والمثيل ولحن العامة وطبقات النحويّين وكتاب الواضح وسِواها من كل تأليف مخجل لمن أتى بعده فاضح، وله شعر مصنوع ومطبوع، كأنما يتفجَّر من خاطره يَنبوع، وقد أثبت له منه ما يُقترح، ولا يطرح، فمن ذلك قوله:
[ ٢٧٦ ]
كيف بالدين القويم لك من أمِّ تَميمِ
ولقد كانَ شِفَاءً من جَوَى القَلْبِ السَّقيمِ
يُشْرِقُ الحُسْنُ عَلَيْهَا في دُجَى اللَّيلِ البَهِيمِ
وكتب مراجعًا:
أغْرَقَتني في بُحُورِ فِكْرٍ فَكِدْتُ مِنهَا أموتُ غَمَّا
كَلَّفَتني عامِضًَا عَوِيْصَا أرجمُ فيه الظنونَ رَجْما
ما زلتُ أسْرو السجوفَ عَنْه كَأنَّني كاشِفٌ لِظَلْما
أقربُ من لَيْلِهِ وأنْأى مُسَتبْصِرًا تارةً وأعْمى
حتى بدا مُشْرِقُ المُحَيَّا لمّا اعتلى طالعًا وتَمَّا
لله من مَنْطِقٍ وَجيزٍ قد جَلَّ قَدْرًا ودقَّ فَهْما
أخلصتُ لله فيه قولًا سلّمتُ لله فيه حُكْما
إذ قلتُ قَولَ امرئٍ حَكيم مراقبٍ للإله عِلْمَا
الله ربّي وليُّ نَفْسي في كُلِّ بُؤْسٍ وكُلّ نُعْمَى
وكتب إلى أبي مسلم بن فهد، وكان كثير التَّكبُّر، عظيم التَّجبُّر، مُتعثِّرًا لسانه، مُقفِرًا من المعالم جِنانه:
[ ٢٧٧ ]
أَبَا مُسْلم إنَّ الفَتَى بفؤادِهِ ومِقْوَلِهِ لا بالمراكب واللّبْسِ
وليس رواء المرء يُغني قُلامَةً إذا كان مَقْصورًا على قِصَر النَّفْسِ
وليس يفيد العِلْم والحِلْم والحِجَى أبا مُسْلِم طول القعود على الكرسي
واستدعاه الحكم المستنصر بالله أمير المؤمنين، فعجّل إليه وأسرع، وفرع لديه من رُبَى الآمال ما فَرع فلمّا طالت نَواه، واستطالت عليه لوعتُه وجَواه، وحنَ إلى مستقرّه بإشبيلية ومثواه، استأذن الحكم في اللُّحُوق بها، فلوَّمه ولواه فكتب إلى من كان يألفه ويَهواه:
وَيْحَكِ يَا سَلْمَ لا تُرَاعي لا بُدَّ للبَيْن من مَسَاع
لا تحسبيني صَبرتُ إلاّ كَصَبْرِ مَيْتٍ على النَّزَاعِ
ما خَلَقَ الله من عَذَابٍ أشدَّ من وَقْفَة الوِدَاعِ
ما بينها والحِمَام فَرْقٌ لولا المناحاتُ والنواعي
[ ٢٧٨ ]
إن يَفْتَرِقْ شَمْلُنَا وَشِيكًَا مِنْ بَعْد ما كان في اجتماعِ
فَكلُّ شَمْلٍ إلى افْتِرَاقٍ وكلُّ شَعْب إلى انصداعِ
وكلُّ قُرْب إلى بعَادٍ وكلُّ وَصْل إلى انقطاعِ