الفَرَضيّ القاضي
كان حافظًا عالمًا كَلِفًا بالرَواية، رحل في طلبها، وتبحّر في المعارف بسَببِها مع حظ من الأدب كثير، واختصاص بنظيم منه ونثير،
[ ٢٨٤ ]
حجّ وبرع في الزّهادة والورع، فتعلّق بأستار الكعبة يسأل الله الشهادة، ثم فكّر في القتل ومرارته، والسيف وحرارته، فأراد أن يرجع ويستقبل الله فاستحيا، وآثر نعيم الآخرة على شقاء الدُّنيا، فأُصيب في تلك الفتن (مكلومًا)، وقُتل مظلومًا.
أخبرني من رآه في جملة القتلى وهو بآخر رمق، فسمعه يقول بصوتٍ ضعيف: (لا يُكلم أحَد سبيل الله - والله أعلم بمن يُكلم في سبيله - إلا جاء يوم القيامة وجُرحه يَثعبُ، اللّون لون دمٍ والرّيح ريح مسكٍ) كأنه يعيد الحديث على نفسه ثم قضى.
ومما قال في طريقه، يتشوّق إلى فريقه:
[ ٢٨٥ ]
مَضَتْ لي شهورٌ مُنذُ غِبْتُم ثلاثةٌ وما خِلْتُني أبْقَى إذا غبتم شَهْرا
وما لي حياةٌ بعدكم استلذُّهَا ولو كان هذا لم أكن في الهَوَى حُرّا
ولم يُسْلِبني طولَ التنائي عليكم بلى زَادَني وَجْدًا وجَدَّدَ لي ذِكْرَا
يُمَثّلكُم لي طول شوقي إليكم ويُدْينكم حتى أناجيكم سِرّا
سَأسْتَعْتِبُ الدَّهْر المفرّقَ بيننا وهل نافعي أنْ صِرْتُ أستَعْتِبُ الدَّهْرا
أعلِّلُ نَفْسي بالمُنْى في لِقَائِكُمْ وأسْتَسهِل البَرَّ الذي جُبْتُ والبَحْرَا
ويُؤنِسُني طيّ المراحلِ عَنْكُمُ أروحُ على أرضٍ وأغْدو على أُخرَى
وتالله ما فارقتكم عن قِلَىً لكم ولكنّها الأقدار تَجْرِي كما تُجْرَى
رعتكم من الرحمن عينٌ بصيرةٌ ولا كَشَفَتْ أيدي النَّوَى عَنْكُمُ سِتْرَا
وله أيضًا:
إنّ الذي أصْبَحتُ طَوْعَ يَمِنيهِ أنْ لم يَكُنْ قَمَرًا فليس بدونِهِ
ذُبّي له في الحبّ من سُلْطَانه وسِقَامُ جِسْمي من سِقَام جُفُونِهِ