فقيه مُستنبِط، ونَبيه بقياسه مُرتبط، ما تكلم تقليدًا، ولا تعدّى اختراعًا وتوليدًا، ما
تمنَت به الأندلس أن تكون كالعِراق، ولا حنّت الأنفس معه إلى تلك الآفاق، أقام بوطنه، وما بَرح عن عَطنه، فلم يشرب ماء الفُرات، ولم يَقف عيشة الثَّمرات، ولكنّه أربى على مَنْ مِنَ ذلك غُذي، وأزرى على من هنالك قد نُعل وحُذي، تفرّد
[ ٢٧٩ ]
بالقِياس واقتبس نار المعارف أي اقتباس، فناظر بما نطق به وقاس، وصنف وحبّر حتى أفنى الأنفاس، ونبذ الدّنيا وقد تصدّت له بأفتن مُحيَّا، وأهدت إليه أعبق عرف وريّا، وخلع الوزارة وقد كسته مُلاها، وألبسته حُلاها، وتجرّد للعِلم وطَلبه، وجد في اقتناء نُخبه، وله تآليف كثيرة، وتصانيف أثيرة منها: الإيصال إلى فهم كتاب الخِصَال وكتاب الإحكام لأصول الأحكام وكتاب الفصل في الملل والأهواء والنحل وكتاب مراتب العلوم وغير ذلك، مما لم يظهر مثله من هنالك مع سرعة الحِفظ وعفاف اللِّسان واللَّحظ، وفيه تقول خلف بن هارون:
يَخُوضُ إلى المَجْدِ والمَكْرُمَات بحارَ الخطوب وأهوالَهَا
وإنْ ذُكِرتَ للعُلاَ غايةٌ تَرَقَّى إليها وأهْوَى لَهَا
وله في الأدب سَبقٌ لا يُنكر، وبديهةٌ لا يُعلم أنه روَّى فيها ولا فكر، وقد أثبت من شعره ما يُعلم أنه أوحد، وما مثله فيه أحد، فمن ذلك قوله:
[ ٢٨٠ ]
وذي عَذَل فيمن سبانيَ حُسْنُه يُطيل مَلامي في الهَوَى ويقُولُ
أمِنْ حُسْن وَجهٍ لاحَ لم ترَ غَيْرَه ولم تدرِ كيف الجِسْمُ أَنتَ قَتِيلُ
فقلتُ له أسرفتَ في اللَّوْم فاتّئد فعنديَ ردٌّ - لو شاءُ - طَوِيلُ
ألم ترَ أنّي ظاهِريٌّ وأنَّني على ما بدا حتَّى يقومَ دَلِيلُ
وله أيضًا:
هل الدَّهْرُ إلاّ ما عرفنا وأَنْكرنا فجائعه تبقى ولذَّاتُه تَفْنَى
إذا مكنت فيه مَسَرَّةُ ساعةٍ تَوَلَّت كمرِّ الطَّرْف واستخلفت حُزْنَا
إلى تَبِعَاتٍ في المَعَاد ومَوْقِفٍ نَوَدُّ إليه أنَّنا لم نكن كُنَّا
حَصَلنَا على همّ وإثم وَحَسرَة وفات الذي كنّا نَلذُّ به عنّا
حنينٌ لِمَا وَلَّى وشغْلٌ بِمَا أتَى وهمّ بها يَغشَى فعينًك لا تَهْنَا
كأنَّ الذي كُنَّا نُسّرُّ بكَوْنِهِ إذا حَقَّقَتْه النَّفسُ لَفظٌ بلا مَعْنَى
وله أيضًا:
ولي نَحْو أكْنافِ العِرَاق صَبَابَةٌ ولا غَرْوَ أن يَستْوحِش الكَلِفُ الصّبُّ
فإن يُنزِل الرحمنُ رَحْلي بَيْنهم فحينئذ يبدو التّأسُّف والكَرْبُ
[ ٢٨١ ]
هُنَالك تَدْري أنّ لِلْعَبد قِصَّةً وأنّ كسادَ العِلْم آفَتُه القُرْبُ
وله أيضًا:
لا تَشْمَتَنْ حاسدي إنْ نَكبَةٌ عَرَضَتْ فالدّهْرٌ ليس على حَالٍ بِمُتَّركِ
ذو الفضل طورًا تراه تَحْتَ مَيْقَعَةٍ وتارةً قد يُرَى تاجًا على مَلِكِ
وله أيضًا:
لِئنْ أصْبَحتُ مُرْتَحِلًا بِشَخْصي فَرُوحي عِنْدكم أبدًا مقيمُ
ولكنْ للعِيَان لطيفُ مَعْنى لذا سأل المعاينةَ الكليمُ
[ ٢٨٢ ]