من بني يحيى بن يحيى اللّيثي، وهذه ثِنيّة علم وعقل، وصحة ضبط ونقل، كان علم الأندلس، وعالمها النَّدُس، ولي القضاء
[ ٢٥٩ ]
بقُرطبة بعد رحلة رحلها إلى المشرق، وجمع فيها من الروايات والسّماع كل مفترق، وجال في آفاق ذلك الأفق، لا يستقر في بلد، ولا يستوطن في جَلد ثم كرّ إلى الأندلس فَسَمت رُتبَتُه، وتحلَّت بالأماني لبَّته، وتصرّف في وِلاياتٍ أُحمِد فيها منَابُه، واتصلت بسببها بالخليفة أسبابُه، وولاّه القضاء بقُرطبة، فتولاه بسياسة محمودة، ورياسة في الدين مُبرمة القوى مجهودة والتزم فيها الصّرامة في تنفيذ الحقوق، والحَزامة في إقامة الحدود،
والكشف عن البيّنات في السّرّ، والصّدع بالحق في الجَهر، لم يستلمه مُخادع، ولم يَكِده مُخاتل، ولم يَهب ذا حُرمة ولا داهن ذا مَرتِبة، ولا أغضى لأحد من أسباب السّلطان وأهله حتى تحاموا جانبه، فلم يجسر أحد منهم عليه، وكان له نصيب وافر من الأدب، وحظّ من البَلاغةِ إذا نظم وإذا كتب، ومن مُلَح شِعره ما قاله عند أوبته من غربته:
كَانْ لم يَكُ بَينٌ ولم تَكُ فُرقَةٌ إذَا كانَ مِنْ بَعْد الفِرَاقِ تَلاَقِ
كأن لم تُؤرَّق بالعِرَاقين مُقْلَتي ولم تَمْر كفّ الشَّوْقِ ماَء مَآقِ
ولم أَزُرْ الأعرابَ في جَنْب أرْضِهم بِذَاتِ اللّوى من رَامةٍ وبِرَاقِ
[ ٢٦٠ ]
ولم أصْطَبح بالبيدِ من قَهوَةِ النَّدى وكَأْسٍ سَقَاها في الأزاهرِ ساقِ
وله أيضًا:
ماذا أُكابِدُ من وُرْق مغرّدة على قَضِيبٍ بذاتِ الجِزْعِ ميّاسِ
رَدَّدْنَ شَجْوًا شَجَا قَلبِ الخليِّ فَهَل في عَبْرة ذَرَفَتْ في الحُبّ من باسِ
ذَكَّرْنَهُ الزَّمَن الماضي بِقُرطُبَة بين الأحبّةِ في أَمْنٍ وإينَاسِ
هُمُ الصَبَّابَةُ لولا هِمّة شَرُفَت فَصيَّرتْ قَلبَه كالجندلِ القاسي
وله أخبار تدلّ رِقة العراق، والتغذّي بماء تلك الآفاق، فمنها أنه خرج إلى حضور جنازة بمقابر قريش، ورجل من بني حُدَير كان يواخيه له منزل، فعزم عليه، في الميل إليه، وعلى أخيه فَنَزلا عليه، فأحضر لهما طعامًا، وأمر جارية له بالغناء، فغنّت تقول:
طَابَتْ بطيبِ لِثَاتكَ الأقْدَاح وَزَهَا بِحُمْرةِ خَدّك التُّفَّاحُ
[ ٢٦١ ]
وإذا الربيعُ تَنَسَّمَتْ أرْواحه طابت بطيب نسيمك الأرواحُ
وإذا الحَنَادِسُ ألْبَسَتْ ظلماؤها فضياء وجهك في الدُّجى مِصْبَاحُ
فكتبها القاضي في ظهر يده وخرج من عنده، قال يونس بن عبد الله: فلقد رأيته
يكبّر للصلاة على الجنازة والأبيات مكتوبة على ظهر كفّه.
وكان يُلقَّب بالمقربلة، فرفَعت إليه امرأة متظّلمة كتابًا تتظلم فيه من المعروف بالقباحة خال وليّ العهد الحكم، تذكر أنه غصبها حقًا لها يجاوره في ضيعته ورسمت الكتاب بعيبه وذمّه والدّعاء عليه، كل ذلك تسميّه بلقبه، فلم يفكّ القاضي كتابها لضعفه واضطرابه، فأخذ القاضي مَظلَمَتها من لسانها، وكرّم المشكو به لعظمته بأن أخر الإرسال فيه، وكتب إليه على ظهر كتابها، يحيل عليه
[ ٢٦٢ ]
فيما تضمّنه من الشكوى ويحضّه على إنصافها، وأرسلها بالكتاب إليه، فلما قرأه أجابه تحت الفصل الذي كتبه إليه يحيل على وكيله ويتبرأ من إساءته إلى المرأة دون بّينة يكلّفها ولا يمين، ويعدّد على القاضي فيما قابله به، فساء ذلك القاضي، وعزّ عليه إهماله ذلك من نفسه، فلما ركب إلى الزهراء وخرج من عند الخليفة وقصد إلى القباحة ونزل عليه، واعتذر إليه مما عدّده، وأقسم له أنه لم يستوفِ الكتاب المرفوع إليه، ولا وَقَف عليه، وقال له: يا سيّدي لا تكترث لهذا، فقلّما نجا منه أحد، إني أعرفك أن لقبي المقربلة وَلَقب والدي مرتكش، ولجدي - والله - لقب لست أعرفه، وأخي أبو عيسى يعرفه، وهو غائب، فإذا وصل كتبت به إليك فضحك القباحة من قوله وأثنى عليه، على طيب خُلُقه.
وجاءه في بعض الأيام من بادية حمل دقيق عليه قَفص دجاج، وكان على بابه المعتوه المعروف بابن شمس الضّحى، وكان من ولاية القاضي من صغره إلى أن شاخ وبلغ السنّ الطويل وإلى أن مات أسفَهَ ما يكون، وكان من شأنه، مواظبة دار القُضاة في كل وقت شاكيًا أوصَابَه، فلما رأى الدجاج قال: يا قاضي أعطني دجاجة منهن، لا
[ ٢٦٣ ]
بدّ والله أن تعطيني دجاجة منهن وكان لا يقدر على ردّه، إذا علق بإرادته، وإلا جاء من حُمقه بالعَجَب العُجَاب، فأمر القاضي، فأُعطيَ دجاجة فأخذها، ومرّ بها فَرِحًا، يفخر بِعَطيّة القاضي فمرّ بدرب، بني أبي زيد شرقي
المسجد الجامع، فإذا برجل متفقّه يلقب بديك البادية جالس على باب داره يطلب فكاهة فقال للمعتوه: من أين لك هذه الدجاجة يا فلان؟ فقال: أعطانِيَها القاضي والله الساعة، فأخذها من يده وجعل يجسّها، فقال: خذها إليك القاضي أعطاكها مقربلة ولا خير لك فيها، فانصرف إليه عاجلًا وقُل له إنها مقربلة، فيبدلها بسمينة، فالشيءُ عنده كثير، فرجع إليه المعتوه بها وأصابه في جماعة، وقال له: يا قاضي، هذه الدجاجة مقربلة فأبدلها لي بسمينة، فعرف القاضي هذه الداخلة، وقال له: هاتها حتى أراها، فأخذها وجسّها، وقال له: صدقت، فمن أين عرفت أنها مقربلة بعدما مضيت بها؟ فقال له: قالها لي ذلك الفقيه الذي عند درب بني أبي زيد، قال له: وما صفته؟ فوصف له صفة استدلّ بها على أنه الملقّب بديك البادية، فأمر، فأُبدلت له بأخرى، وقال له: أرجع إلى ذلك الرجل فأعرضها عليه، وقل له: قد أبدلها القاضي، وسله أن يعطيك الديك الذي سيق له
[ ٢٦٤ ]
من البادية أمس، فإنه لا يصلح لهذه الدجاجة غيره، فيأتيك منه نسل حسن، فانقلب المعتوه إلى ذلك الرجل وأتاه وهو في جماعة والدجاجة معه، وقال له: قد أبدل القاضي الدجاجة ولكن أعطني أنت ديك البادية الذي أتاك أمس فيكون زوجًا لهذه الدجاجة، فانتهره الزيديُّ وتغيّر لونه، فازداد المعتوه علوقًا (به) وحَنقَا عليه وجعل يبكي ويلطم وجهه، ويحلف أن لا يزول إلاّ بالديك، وكان يأتي منه عند المنع ما لا صبر عليه، فاضطُرُّ الزيدي إلى أن دخل فاخرج له ديكًا من داره افتداء منه، فأخذه وانطلق عنه.
وقال أصحاب القاضي محمد بن (أبي) عيسى: ركبنا لبعض الأمر في موكب حافل من وجوه الناس، إذ عرض لنا فتىً متأدّب، قد خرج من بعض الأزقّة سكران يتمايل، فلما رأى القاضي هابه، وأراد الانصراف فخانته رجلاه، فاستند إلى الحائط وأطرق، فلما قرب القاضي رفع رأسه ثم أنشأ يقول:
ألا أيُّها القاضي الذي عمّ عَدْلُهُ فَأضْحَى بِهِ في العالمين فَريدا
قرأت كتابَ الله تسعين مرّة فلم أرَ فيه للشّرابِ حدودا
[ ٢٦٥ ]
فَإنْ شِئْتَ أنْ تَجْلِد فدونك مَنْكِبًا صبورًا على ريبِ الزّمان جليدا
وإنْ شِئْتَ أن تعفو تكن لك مِنَّة تروح بها في العَالَمينَ فَرِيدا
وإن أَنْتَ تَخْتَارُ الحديد فإنَّ لي لسانًا على هَجْو الزّمانِ حديدا
فلما سمع القاضي شعره، وميّز أدبه، أعرض عنه وترك الإنكار عليه ومضى لشأنه، والله تعالى أعلم.