بن عبد البِرّ
إمام الأندلس وعالمها، الذي التاحت به معَالِمُها، صحَّح المَتن والسَّند وميّز المُرسل، وفرّق بين الموصول والقاطع، وكسا المِلَّة منه نور ساطع حصر الرّواة، وأحصى الضعفاء منهم الثقات، وجدّ في تصحيح السقيم، وجدّد منه ما كان كالكهف والرقيم،
[ ٢٩٤ ]
مع معاناة العلل، وإرهاف ذلك العَلل، والتثقيف للمؤتلف، والتنبيه على المختلف وشرح المقفل، واستدراك المغفل، وله فنون هي للشريعة رِتَاج، وفي مفرق الملّة تاج، أشهرت للحديث ظُبى، وفرعت لمعرفته رُبَى، وهبّت لتفهمّه
شمالًا وصبا، وكان ثقة، وكانت الأنفس على تفضيله متّفقه، وأما أدبه فلا تُعبَر لُجَّتُه، ولا تُدحَض حُجَّته، وله شعر لم أجد منه إلاّ ما نفث به أنفة، وأوصى فيه من تخلّفه، فمن ذلك قوله، وقد دخل إشبيلية فلم يلق فيها مبرّة، ولم ير من أهلها تَهلُّل أسرّة، فأقام بها حتى أخلقه مقامه، وأطبَقه اغتِمَامه، فارتجل وقال:
تنكّر من كُنّا نُسَرُّ بِقُربِهِ وصار زُعَاقًا بعدما كان سَلْسَلا
وَحُقَّ لِجَارٍ لم يوافقه جارُهُ ولا لاَءمَتْه الدّار أنْ يتحوّلا
[ ٢٩٥ ]
بَليتُ بحمص والمقام بِبلْدةٍ طويلًا لَعَمْري يورثُ البِلَى
إذا هان حُرٌّ عِنْدَ قَوْمٍ أتَاهمُ ولم يَنْأ عَنْهم كان أعمى وأجْهَلا
ولم تُضْرَب الأمثال إلاّ لعالم وما عوقب الإنسانُ إلاّ ليعقِلا
وله أيضًا يوصي أبنه بمقصورة:
تَجَافَ عن الدُّنيا وهوِّن لقَدْرِهَا ووفِّ سبيل الدين بالعُرْوَة الوُثْقَى
وسارِعْ بتقوى الله سِرًّا وجهرةً فلا ذمّة أقْوى هُدِيتَ من التَّقْوِى
ولا تنس شُكْرَ الله في كُلِّ نِعْمَةٍ يَمُنُّ بها فالشُّكْرُ مُستَجْلِب النُّعمَى
فَدَعْ عَنْكَ ما لا حظّ فيهِ لِعَاقِلٍ فإنَّ طريقَ الحقِّ أبلجُ لا يَخْفَى
وشُحَّ بأيامٍ بَقِينَ قَلاِلٍ وعُمْرٍ قَصيرٍ لا يدوم ولا يَبقَى
ألم ترَ أن العُمْرَ يَمْضي مولِّيًَا فجِدَّتُه تَبلَى ومُدَّتُه تَفْنَى
نخوضُ وَلْهو غَفْلَةً وجَهالةً ونَنشُرُ أعمالًا وأعْمارُنَا تُطْوَى
تواصِلُنَا فيه الحوادثُ بالرَّدَى وَتَنتَابًنَا فيه النوائِبُ بالبَلْوَى
عَجِبتُ لِنَفْس تُبْصِرُ الحقَّ بَيِّنًَا لدَيها وَتأبَى أن تفارقَ ما تَهْوَى
وَتَسْعَى لما فيهِ عليهَا مضرَّةٌ وقد عَلِمتْ أنْ سَوفَ تُجزَى بما تَسْعَى
ذُنُوبيَ أخْشَاها ولستُ بآيسٍ وربِّيَ أهْلٌ أنْ يُخَافَ وأن يُرْجَى
وإنْ كان ربّي غافرًا ذَنْبَ من يَشَا فإنّي لا أدري أأُكْرَمُ أم أُخْزَى
[ ٢٩٦ ]