رحمه الله تعالى
عالِم سَاد بالعِلم ورَأسَ، واقتبس به من الحُظوة ما اقتبس، وشُهِرَ بالأندلس حتى سار إلى المشرق ذِكره، واستطار شَرر الذّكاء فِكرُه، وكانت له عِناية بالعِلم وثِقة، ورواية له مُتسِقة، وأما الأدب فهو - كان - حُجَّته، وبه غَمرت الإفهام لُجَّته، مع صيانة وورع، وديانة ورد ماءَها فكرع، وله التأليف المشهور الذي سمّاه بـ العِقْد وحماه عن عثرات الألباب، وتُبصِر السَّحر منه في كُل باب، وله شعر انتهى منتهاه، وتجاوز سماك الإحسان وسُهاه.
أخبرني أبو محمد بن حزم أنه مرّ بقصر من قصور قُرطبة لبعض الرؤساء فَسَمع منه غناء أذهب لُبَّه، وألهَب قلبه، فبينما هو واقف تحت القصر، إذ رُشَّ بماء من أعاليه، فاستدعى رَقعة، وكتب إلى صاحب القصر بهذه القطعة:
[ ٢٧٠ ]
يا من يَضِنُّ بِصَوْتِ الطّائِرِ الغّرِدِ ما كنت أحْسبُ هذا البُخْل في أحَدِ
لو أنَّ أسماعَ أهلِ الأرضِ قاطبةً أصْغَتْ إلى الصَّوْتِ لم يَنْقُص ولم يَزِدِ
فلا تَضِنَّ على سَمْعي ومُنَّ بِهِ صوتًا يجولُ مجالَ الرّوحِ في الجَسَدِ
أمّا النبيذ فإنّي لستُ أشربهُ ولست آتيك إلاّ كسوتي بيدي
وعزم فتي كان يتألَّفُهُ، وخامره كَلفُه، على الرحيل في غده، فأذهبت عزمته قُوى جَلدهِ، فلما أصبح عاقته السَّماء بالأنواء، وساقته مُكرهًا إلى الثواء فاستراح أبو عُمَر من كمدِه، وأنفَسح له من التواصيل ضائق أمَدِه، فكتب إلى المذكور، العازم على البُكُور:
هَلاَّ ابتكْرتَ لِبَينٍ أنْتَ مُبْتكِر هيهات يأبى عليكَ الله والقدَرُ
ما زلت أبكي حِذَارَ البَيْن مُلتَهِبَا حتى رثى لي فيك الرّيحُ والمَطَرُ
[ ٢٧١ ]
يا بَرْدَه من حَيَامُزْن على كَبِدٍ نيرانُها بغَليلِ الشوق تَسْتَعِرُ
آليتُ أن لا أرَى شَمْسًا ولا قَمَرًا حتَّى أراكَ فأنتَ الشَّمْسُ والقَمَرُ
ومن شِعره الذي صرّح به تصريح الصَّبِّ، وبرَّح فيه من وقائع اسم الحبَ، قوله:
الجِسْمُ في بَلَدٍ والروح في بَلَدٍ يا وحشةَ الروحِ بل يا غُرْبةَ الجَسَدِ
إنْ تَبْكِ عيناكَ لي من كَلِفْتُ بِهِ من رَحمَةٍ فَهُما سَهْمَاكَ في كَبِدي
ومن قوله:
وَدَّعَتْني بِزَفْرَة واعتناقِ ثمّ قالت: متى يكون التلاقِ
وَبَدَتْ لي فأشرقَ الصُّبحُ مِنْهَا بين تلك الجيوب والأطْواقِ
يا سقيمَ الجفون من غيرِ سُقْمٍ بين عينيكَ مصرع العشاقِ
إنّ يَوْمَ الفِرَاقِ أفْظَعُ يوم ليتني مُتُّ قَبْلَ يَوْمِ الفِرَاقِ
وله أيضًا:
يا ذا الذي خَطَّ الجمَالُ بخدّه خَطّين هاجا لوعةً وبلابلا
ما صَحَّ عِنْدي أنّ لَحْظَكَ صَارِم حتى لبستَ بعارضيك حمائلا
[ ٢٧٢ ]
أخبرني بعض العِلية أن الخطيب أبا الوليد بن عبّاد حجّ فلما انصرف تطلّع إلى لقاء المتنبي واستشرف، ورأى أن لُقياه فائدة يَكتسِبُها، وحُلَّة فخر لا يَحتسِبُها، فصار إليه فوجده في مسجد عمرو بن العاص ففاوضه قليلًا، ثم قال: أنشدني لمليح الأندلس، ويعني ابن عيد ربّه، فأنشده:
يا لُؤلؤا يَسْبي العُقُول أنِيقَا وَرَشًا بتقطيعِ القُلُوبِ رَفِيقَا
ما إنْ رأيتُ ولا سَمِعْتُ بِمِثْلِهِ دُرًَّا يعودُ من الحياء عَقِيقَا
وإذا نظرتَ إلى محاسن وَجْههِ أبْصَرْتَ وجهكَ في سناه غَرِيقَا
يا من تَقَطّع خِضْره من رِقَّةٍ ما بالُ قَلْبِكَ لا يكون رَقِيقَا
فلما أكمل إنشاده، استعاده منه، وقال: يا ابن عبد ربّه لقد تأتيك العراق حبوا.
وله أيضًا:
ومعذّرٍ نَقَشَ الجمالُ بِخَدِّه حُسْنًَا له بدَمِ القلوبُ مُضَرَّجَا
لمّا تَيقَّنَ أن سَيْفَ جفونِهِ من نَرْجِسٍ جَعَل النِّجَادَ بَنَفْسَجَا
وله أيضًا ﵀:
[ ٢٧٣ ]
وسَاحِبَةٍ فَضْلَ الذُّيُولِ كأنَّها قضيبٌ من الرَّيْحَانِ فَوقَ كثيبِ
إذا ما بَدَتْ من خِدْرِها قال صاحبي أطعني وخُذْ من وَصْلِها بنصيب
وله أيضا:
هيّج الشَّوقُ دواعي سَقَمي وكَسَا الجِسْمَ ثِيَابَ الألَمِ
أيُّها البَيْنُ أقِلْني مَرَّةً فإذا عّدْتُ فَقَد حِلَّ دَمِي
يا خليّ الذَّرْعِ نَمْ في غِبْطَة إنَّ مَنْ فارقته لم يَنَمِ
وَلقَدْ هاجَ بِقَلْبي سَقَمًَا حَبُّ من لو شاَء دَاوَى سَقَمي
وبلغ سنّ عوف بن مُحلِّم، واعترف بذلك اعتراف مُتألِّم، عندما وَهت شِدَّته، وبليت جِدَّتُه، وهو آخر شعر قال، ثم عثر في أذيال الرّدى وما استقال:
كِلاَني لِمَا بي عاذليَّ كفاني طويتُ زماني بُرْهَةً وطواني
بَلِيتُ وأبْلَتني الليالي وكرّها وصِرْفَانِ للأيام مُعتَورَانِ
وما ليَ لا أُبلَى لسبعين حِجَّةً وعَشْرٍ أتَتْ من بَعْدها سَنتَانِ
فلا تسألاني عن تباريح عِلَّتي ودونكما منّي الذي تَرَيَانِ
[ ٢٧٤ ]
وإنّي بحول الله راجٍ لِفَضْلِهِ ولي من ضمان الله خَيْرُ ضَمَانِ
ولست أُبالي من تباريح عِلّتي إذا كان عَقْلي باقيًا ولساني
وفي أيام إقلاعه عن صبوته، وارتجاعه عن تلك الغفلة وأوبته، وانثنائه عن الصِّبا والمجون إلى صفاء توبته، مَحَص أشعاره في الغزل بما ينافيها وقصّ من قوادِمَهَا وخَوافِيَها، بأشعارٍ في الزُّهد على أعاريضهَا وقَوافِيها، منها القطعة التي أولها:
هلاّ ابتكرت لبين أنت مُبْتَكِرُ
مَحَصها بقوله:
يا قَادِرًا ليس يَعْفو حينَ يَقْتَدرُ ماذا الذي بَعْدَ شَيْبِ الرأس تَنْتظِرُ
عَاينْ بِقَلْبكَ إنَّ العينَ غَافِلةٌ عن الحقيقةِ وأعلَمْ أنّها سَقَرٌ
سوداءُ تَزْفر من غيظ إذا سَعَرتْ للظالمين فلا تبقي ولا تَذَرُ
لو لم يكُنْ لكَ غَيرُ المَوْتِ مَوْعِظَةً لكانَ فيه عن اللذات مُزْدَجَرُ
أنت المقولُ له ما قُلْتُ مُبْتَدِئًا هلاّ ابتكرتَ لبين أنت مُبْتَكِرُ
[ ٢٧٥ ]