أي شرف لأهل الأندلس ومَفخر، وأيّ مُرهف على مُلحد أزرى بالإسلام أو سَخِر، خلّدت منه الأندلس فقيهًا عالمًا، أعاد مجاهل
[ ٢٣٣ ]
جَهلِها معالمًا، وأقام فيها للعلوم سوقًا نافقة، ونشر منها ألوية خافقة، وجلا عن الألباب صَدأ الكَسل وشَحذها شَحذ الصَّوارم والأسَل، وتصرّف في فنون العلوم وعرف كل معلوم، وسمع بالأندلس وتفقّه، حتى صار أعلم من بها وأفقه، ولقي أنجاب مالك، وسلك من مناظراتهم أوعر المسالك، حتى أجمع عليه الاتفاق، ووقع على تفضيله الإصفاق، ويقال إنه لقي مالكًا آخر عمره، وروى عنه عن سعيد بن المسيب: أن سليمان بن داود ﵉ كان يركب الريح من اصطَخر إلى بت المقدس فيتغدّى بها ثم يعود فيتعشى باصطخر، وله في الفقه كتاب الواضحة ومن أحاديثه غرائب، قد تحلّت بها للزّمان نحور وترائب.
وقال محمد بن لُبَابة: فقيه الأندلس عيسى بن دينار، وعالمها
[ ٢٣٤ ]
عبد الملك بن حبيب، وراويها يحيى بن يحيى.
وكان عبد الملك قد جمع إلى علم الفقه والحديث علم اللّغة والإعراب وتصرّف في فنون الآداب، وكان له شعر يتكلم به سِحرًا، ويرى ينبوعه بذلك منفجرًا، وتوفي بالأندلس في رمضان سنة ثمانٍ وثلاثين ومائتين، وهو ابن ثلاث وخمسين سنة، بعدما دوّخ الأرض، وقطع طولها والعَرض وجال في أكنافها، وانتهى إلى
أطرافها:
ومن شعره قوله:
صلاحُ أمري والذي أبتغي هين على الرَّحْمن في قُدْرَتِهِ
ألْفٌ من الحُمْر وأقلِلْ بها لعالم أرْبى على بُغيَتِهِ
[ ٢٣٥ ]
وكتب إلى محمد بن سعيد الزّجالي رسالة ووصلها بهذه الأبيات:
كَيفَ يُطيقُ الشِّعرَ من أصبحتْ حالته اليومَ كحالِ الغَرِقْ
والشعر لا يسلس إلاّ على فراغِ قَلْبٍ واتّساع الخُلُقْ
فاقنع بهذا القول من شاعرٍ يرض من الحظّ بأدنى العَنَقْ
فضلُك قد بانَ عليها كَمَا بان لأهل الأرض ضوءُ الشَّفَقْ
أما ذمام الودِّ منّي لكُمْ فَهوَ من المَحتُومِ فيما سَبَقْ
ولم يكن له عِلم بالحديث يعرف به صحيحه من معتلِّه، ولا يفرَّق بين مستقيمه ومختلّه، وكان غرضه الإجازة وأكثر رواياته غير مستجازة، قال ابن وضّاح: قال إبراهيم بن المنذر: أتى صاحبكم
[ ٢٣٦ ]
الأندلسي - يعني عبد الملك هذا - بغرارة مملوءة، فقال لي: هذا علمك؟ قلت له: نعم ما قرأ عليّ منه حرفًا، ولا قرأته عليه، وحُكي أنه قال في دخوله المشرق، وحضر مجلس بعض الأكابر فازدراه من رآه:
لا تَنْظُرنَّ إلى جِسْمي وقِلَّتِهِ وانظر لصدري وما يحوي من السُّنَنِ
قربّ ذي مَنظَرٍ من غير مَعرِفَةٍ وربّ مَنْ تزدريه العين ذو فِطَنِ
وربّ لُؤلْؤَةٍ في عَيْن مَزْبَلَةٍ لم يُلقَ بالٌ لها إلاّ إلى زَمَنِ