رحمه الله تعالى
آية حركة في سكون، وبركة لم تكن مُعدَّةً ولا تكون، وآية
[ ٢٣٧ ]
سفاهة في تَحلُّم، وَرع في طيِّ تبسُّم، إذ جدّ وَجد، وإذا هزل نزل، وفي كلتا الحالتين لم ينزل للورع عن مَرقب، ولا اكتسب إثمًا ولا احتقب، ولي قضاء الجماعة بقرطبة أيام عبد الرحمن، ناهيك من عدل أظهر، ومن فضل أشهر، ومن جور قبض، ومن حقٍّ رفع ومن باطل خَفض، وكان مهيبًا صليبًا صارمًا غير جبان ولا عاجزٍ، ولا مُراقب لأحدٍ من خلق الله في استخراج حقّ ورفع ظلم واستمر في القضاء إلى أن مات الناصر لدين الله، ثم ولي ابنه الحكم فأقرّه، وفي خلافته توفّي، بعد أن استعفى مِرارًا فما أُعفي، لم تُحفظ عليه مُدَّة ولا يته قضيةُ جورٍ، ولا عُدَّت عليه في حكومته زلّة، وكان غزير العِلم كثير الأدب، متكلمًا بالحق، متبيّنًا بالصدق، وله كتب مؤلفة في السُّنَّة والقرآن والورع، والرّد على أهل الأهواء والبِدَع، وكان خطيبًا بليغًا، وشاعرًا مُحسِنًَا، ولد سنة ثلاث وسبعين (ومائتين) عند ولاية المنذر بن محمد، وتوفي يوم
[ ٢٣٨ ]
الخميس لليلتين بقيتا من ذي القِعدة سنة خمسٍ وخمسين وثلاثمائة.
ومن شعره في الزّهد قوله:
كم تَصَابَى وقد علاك المشيبُ وتَعَامى عَمْدًا وأنْتَ اللَّبيبُ
كَيفَ تَلْهو وقد أتاك نَذِيرٌ أنْ سيأتي الحِمَامُ مِنك قريبُ
يا سفيهًا قد حانَ مِنْه رحيلٌ بعد ذاك الرحيل يومٌ عصيبُ
إن للموتِ سكرةً فارْتَقِبهَا لا يداويك إن أتَتْك طبيبُ
كَمْ توانَي حتّى تصيرَ رهينًا ثمّ تأتيك دعوةٌ فَتُجِيبُ
بأمور المعادِ أنتَ عليمٌ فاعْمَلنْ جاهدًا لها يا أريبُ
وتذكَر يومًا تُحَاسبُ فيه إنّ مَنْ يذكّر فسوف يُنِيبُ
ليس من ساعةٍ من الدَّهْر إلاّ للمنايا عليك فيها رَقيبُ
وذُكر أن أول سببه في التعلق بالناصر لدين الله، ومعرفته به وزُلْفاه، أن الناصر لما احتفل لدخول ملك الروم صاحب القُسطنطينية بقصر قُرطبة الاحتفال الذي اشتهر ذكره، وانبهر أمره،
[ ٢٣٩ ]
أحب أن يقوم الخطباء والشعراء بين يديه بذكر جلالة مَقعده، ووصف ما تهيأ له من توطّد الخلافة، ورمى الملوك بآمالها، وتقدم إلى الأمير الحكم ابنه، بإعداد من يقوم لذلك من الخطباء، ويقدّمه أمام نشيد الشعراء، فتقدّم الحكم إلى أبي عليّ البغداديّ، ضيف الخلافة، وأمير الكلام، وبحر اللّغة أن يقام، فقام ﵀ وأثنى على الله وصلّى على النبي (ﷺ)، ثم انقطع وبُهت، فما وصل إلاّ قطع، ووقف ساكتًا متفكّرًا، وتشوّف لا ناسيًا ولا متذكّرًا، فلمّا رأى ذلك منذر بن سعيد قام من ذاته، بدرجة من مرقاته، فوصل افتتاح أبي عليّ البغدادي بكلام عجيب، ونادى من الإحسان في ذلك المقام كل مجيب، وقال: أما بعد، فإن لكلّ حادثة مقامًا، ولكلّ
[ ٢٤٠ ]
مقام مقال، وليس بعد الحق إلاّ الضّلال، وإنّي قمت في مقام كريم، بين يدي ملك عظيم، فأصغوا إليّ بأسماعكم، وألقنوا عليّ بأفئدتكم معاشر الملأ: إن من الحقّ أن يُقال للمُحقّ صدقتَ، وللمُبطل كذبتَ، وإن الجليل تعالى في سمائه وتقدّس بصفاته وأسمائه، أمر كليمه موسى صلى الله على نبيّنا وعليه وعلى جميع الأنبياء والمرسلين أن يذكّر قومه بنعم الله ﷿ عندهم، وأنا أذكّركم نعم الله تعالى عليكم وتلافيه لكم بخلافة أمير المؤمنين التي أمَّنت سِربكم، ورَفعت خوفكم، وكنتم قليلًا فكثركم، ومُستَضعفين فقوّاكم، ومستذلّين فنصركم، ولاّه الله رعايتكم وأسنَد إليه إمامتكم، أيام ضربت الفِتنَة سُرادقها على الآفاق، وأحاطت بكم تُشعل النّفاق حتى صِرتم في مثل حَدقَةٍ البعير، مع ضيق الحال ونَكدِ العيش والتّغيير فاستُبدِلتُم بخلافته من الشدَّة بالرّخاء، وانتقلتم بيُمن سياسته إلى كنف العافية بعد استيطان البلاء، ناشدتكم الله يا معشر الملأ ألم تكن الدماء مسفوكةً فأمنها، والأموال منتهبة فأحرزَها
وحصّنها؟ ألم تكن البلاد خرابًا فعمَّرها، وثغور المسلمين مُهتضمةً فحماها ونصرها؟ فاذكروا آلاء الله
[ ٢٤١ ]
عليكم بخلافته، وتلافيه جمع كلمتكم بعد افتراقها بإمامته، حتى أذهَب الله عنكم غيظكم وشفى صدوركم وصرتم يداُ على عدوّكم بطويةٍ خالصة وبصيرة ثابتة وافرة، فقد فتح الله عليكم أبواب البركات وتواترت عليكم أسباب الفتوحات، وصارت وفود الروم وافدة عليكم، وآمال الأقصين والأدنين إليكم، يأتون من كُل فجٍّ عميقٍ، وبلدٍ سحيق، لأخذ حبل بينه وبينكم ليقضي الله أمرًا كان مفعولًا، ولن يخلف الله وعده، ولهذا الأمر ما بعده، وتلك أسباب ظاهرة تدلّ على أمور باطنة، دليلها قائم، وجَفنها غير نائم، (وَعَدَ الله الذينَ آمنوا مِنْكُمْ وعَمِلوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ في الأَرضِ كما اسْتَخْلفَ الذينَ مِنْ قَبْلِهمْ، وَلَيُمكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الذي ارْتَضَى، ولَيُبِدّلَنَّهُمْ مِنْ بَعدِ خَوفِهِمْ
[ ٢٤٢ ]
أَمْنًَا)، وليس في تصديق ما وعد الله ﷿ ارتياب، ولكل نبأ مستقر ولكل أجل كتاب، فاحمدوا الله أيها الناس على آلائه، وسَلُوه المزيد من نَعمائه، فقد أصبحتم بيمن خلافة أمير المؤمنين أيده الله بالعِصمَة والسَّداد، وألهمه بخالص التوفيق سبيل الرّشاد أحسن الناس حالًا، وأعمهم بالًا، وأعزّهم قرارًا، وأمنعهم دارًا، وأكثفهم جَمعًا، وأجملهم صُنعًا، لا تهاجون ولا تذارون، وأنتم بحمد الله على أعدائكم ظاهرون فاستعينوا على صلاح أحوالكم بالمناصحة لإمامكم والتزام الطاعة لخليفتكم وابن عمّ نبيكم (ﷺ) فإن من نزع يَده من الطاعة، وسعى في فرقة الجماعة، ومَرق من الدين فقد خَسِر الدُّنيا والآخرة إلاّ ذلك هو الخُسران المُبين، وقد عَلِمتم ما أحاط بكم في جزيرتكم هذه من ضروب المشركين، وصنوف المُلحدين،
[ ٢٤٣ ]
والسّاعين في شقّ عصاكم، وتفريق ملاكم وهتك حُرمتكم، وتوهين دعوة نبيكم (ﷺ) وعلى جميع النبيين والمُرسلين، أقول قولي هذا والحمد لله ربّ العالمين وأنشد يقول:
مَقَالٌ كحدِّ السَّيْفِ وَسطَ المَحَافِلِ فَرَقْتُ به ما بين حَقٍّ وباطلِ
بقلبٍ ذكيّ تَرْتَمي جَنَبَاتُهُ كبارق رَعْدٍ عِندَ رعشِ الأنَامِلِ
فما دحضت رِجْلي ولا زلَّ مِقولي ولا طاش عَقْلي يَوم تلك الزَّلازلِ
بِخَيرِ إمامٍ كان أو هو كائنٌ لمقتبلٍ أو في العصور الأوائلِ
وقد حَدَّقَتْ نَحوي عيون أخالها كَمِثْل سهام أُثبِتَتْ في المَقاتِلِ
تَرَى النَّاسِ أفواجًا يؤمّون دَارهُ وكُلُّهم ما بين راضٍ وآملِ
وُفُودُ مُلُوكِ الرّومِ وَسطَ فِنَائِهِ مَخَافة بأسٍ أو رجاءً لنائلِ
فَعِشْ سَالِمًا أقصى حَيَاةَ مُعَمَّر فأنْتَ غِيَاثُ كُلِّ حافٍ ونَاعِلِ
[ ٢٤٤ ]
فقال العِلج: هذا والله كبش الدّولة، وخرج الناس يتحدثون عن حُسن مَقامه، وثبات جِنانه، وبلاغة لِسانه، وكان الخليفة الناصر لدين الله أشد تعجّبًا منه، وأقبل على ابنه الحكم ولم يكن يَثبت معرفته، فسأله عنه، فقال الحكم: هذا منذر بن سعيد البلُّوطيِّ، فقال: والله لقد أحسن ما أنشأ، ولئن أبقاني الله تعالى لأرفعن من ذكره، فضع يدك يا حكمُ عليه واستخلصه، وذكّرني بشأنه، فما للصّنِيعَة مَذهب عنه، فلما ابتنى الناصر الجامع بالزهراء ولاّه الصلاة فيه والخطبة ثم توفي محمد بن أبي عيسى القاضي فولاه الجماعة بقُرطبة، وأقرّه على الصلاة بالزهراء.
وكان الخليفة الناصر كَلِفًَا بِعمارة الأرض، وإقامة معالِمها، وانبساط مياهها واستجلابها من أبعد بِقَاعها وتخليد الآثار الدّالة على قوة مُلكه، وعزّة سلطانه وعلوّ همته، فأفضى به الإغراق في ذلك إلى ابتناء مدينة الزهراء (البناء) الشائع ذكره، الذائع خبره،
[ ٢٤٥ ]
المنتشر في الأرض أثره، واستفرغ وُسعه في تنجيدها وإتقان قصورها، وزخرفة مصانعها، فانهمك في ذلك حتى عطّل شهود الجُمعة بالمسجد الجامع الذي اتّخذه، فأراد القاضي مُنذر بن سعيد ﵀، وجه الله في أن يَعِظه ويقرّعه في التأنيب، ويغضّ منه بما يتناوله من الموعظة بفضل الخطابة،
والتذكير بالإنابة فابتدأ أول خطبته بقوله تعالى: (أَتَنبُونَ بِكُلِّ ريعٍ آيةً تَعْبَثُون، وتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخلُدون، وإذا بَطَشتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارين، فاتّقوا الله وأطيعونَ، واتّقوا الذي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْملَون، أَمَدَّكُمْ بأنْعَامٍ وَبَنِينَ، وَجَنَّاتٍ وعُيُونٍ، إنّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عّذّابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) ووصل ذلك بكلام جَزل، وقول فَصل، جاش به صدرُه وقذف به على لسانه بَحره، وأفضى في ذلك إلى ذمّ المشيَّد والاستغراق في زخرفته والإسراف في الإنفاق عليه، فجرى في ذلك طَلِقًا، وتلا فيه قوله تعالى: (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ على تَقوَى من الله وَرِضوَانٍ خَيرٌ أمْ مَن أَسَّسَ بُنْيَانَهُ على شَفا جُرُفٍ هَارٍ فَأنْهَارَ بِهِ في نَارِ جَهنَّمَ واللهُ لا يَهْدي القَومَ الظّالِمينَ، لا يَزالُ بُنيَانُهُمُ الذي بَنَوا رِيْبَةً في قُلُوبِهِمْ إلاّ أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبَهُم والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ) وأتى بما
[ ٢٤٦ ]
شاكل المعنى من التّخويف بالموت والتحذير منه، والدّعاء إلى الله ﷿ في الزّهد في هذه الدُّنيا الفانية والحضّ على اعتزالها والتبيين لظاهر معانيها، والترغيب في الآخرة ومغانيها والتقصير عن طلب اللّذات، ونهي النفس عن اتّباع الشّهوات، وتلا من القرآن العظيم ما يوافقه، وجّلب من الحديث والأثر ما يشاكله ويطابقه، حتى بكى الناس وخشعوا وضجوا وتضرَّعوا وأعلنوا الدّعاء إلى الله تعالى (في التوبة والابتهال في المغفرة)، فعلم الخليفة أنه هو المقصود به، والمُعتَد بسببِه، فاستجدى وبكى، وندم على ما سلف منه من فرطه، واستعان بالله من سَخطهِ، واستعصمه برحمته، إلاّ أنه وجد على منذر بن سعيد لِغِلَظ ما قرّعه به، فشكا ذلك إلى ولده الحكم بعد انصرافه، وقال: والله لقد تعمَّدني منذر بخطبته،
[ ٢٤٧ ]
وأسرف في ترويعي وأفرطَ في تقريعي، ولم يحسن السّياسة في وَعظي وصيانتي عن توبيخه واستشاط غيظًا عليه وأقسم أن لا يصلي خَلفه الجمعة أبدًا، فقال له الحكم: وما الذي يمنعك من عزل منذر ابن سعيد والاستبدال منه بغيره فزجره وانتهره، وقال له أمثل منذر بن سعيد في فضله وورعه وعلمه وحلمه لا أمّ لك. . . يُعزل في
إرضاء نفس ناكبة عن الرُشد، سالكة غير القصد؟ هذا ما لا يكون، وإني لأستحيي من الله تعالى أن أجعل بيني وبينه شفيعًا في صلاة الجمعة مذل منذر بن سعيد ولكنه وقد نفسي وكاد أن يُذهبها واللهِ لودِدتُ أنّي أجد سبيلًا إلى كفّارة يميني بملْكي، بل يصلّي بالناس حياته وحياتنا فما أظنّنا نتعاض منه أبدًا. وعزله قوم من إخوانه لتكنيته لرجل كان يسّبه، فقال:
[ ٢٤٨ ]
لا تعجبوا من أنّني كَنّيَتُه مِنْ بَعْد ما قَدْ سَبَّنا وآذانا
فالله قد كَنَّى أبا لَهب وما كنّاه إلاّ خزيةً وهوانَا
ومن قوله في الزّهد:
ثَلاَثٌ وسِتُّونَ قَدْ جُزْتَها فماذا تُؤَمِّل أو تَنْتَظِرْ
وحلَّ عليكَ نذيرُ المَشِيبِ فما ترعوي أو فما تَزْدَجِرْ
تمرّ لياليكَ مَرًَّا حَثِيثًَا وأَنْتَ على ما أرى مُسْتَمِرْ
فلو كُنْتَ تَعقِلُ ما يَنقَضي من العُمْر لاعتضْتَ خَيرًا بَشَرْ
فما لك لا تستعدُّ إّذًا لدارِ المُقَام ودار المقرْ
أترغب عن فَجْأةٍ للِمَنُونِ وتَعْلمُ أنْ ليس منها مَفَرْ
فإمّا إلى جنّة أُزْلِفَتْ وإمّا إلى سَقَر تَسْتَعِرْ
وقحط الناس في بعض السنين آخر مدة الناصر لدين الله أمير المؤمنين فأمر القاضي منذر بن سعيد بالبروز إلى الاستسقاء بالناس فتأهب لذلك وصام بين يديه ثلاثة أيام تنفّلًا ولإنابة واستجداءً ورهبة
[ ٢٤٩ ]
واجتمع الناس له في مُصلّى الرّبض بقُرطُبة، بارزين إلى الله تعالى في جمع عظيم، وصَعد الخليفة الناصر في أعلى مصانع القصر المشرفة ليشارك الناس في الدّعاء إلى الله تعالى والضّراعة فلما سرّح طرفه في ملأِ الناس وقد شخصوا إليه بأبصارهم، قال: يا أيها الناس وكررها مشيرًا بيده في نواصيهم، ثم قال: (سَلامُ عَلَيْكُمْ كتب رَبُّكُمْ على نَفسِهِ
الرَّحْمَةَ أنه مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سوءًا بِجَهَالَةٍ، ثُمَّ تَابَ من بَعْده، واَصْلَحَ فإنّه غَفُورُ رحيم)، (أنتم الفقراء إلى الله، والله هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ، إنْ يَشَأ يُذْهِبكُم ويأتِ بِخَلقٍ جَديد، وما ذلك على اللهِ بِعَزيز) فضج الناس بالدّعاء وارتفعت الأصوات بالاستغفار والتضرّع إلى الله تعالى بالسؤال والرّغبة في إرسال الغيث ووصل الحال، ومضى على تمام خطبته، فأفزع النفوس بوعظه، وانبعث الإخلاص
[ ٢٥٠ ]
بتذكيره، فما أتمّ خطبته حتى بلّلهم الغيث.
وذكروا أن رسول الخليفة الناصر لدين الله جاءه غداة ذلك اليوم فحرّكه للخروج عزمه عليه، والسابقون متسابقون إلى المُصلَّى، فقال للرسول وكان من خواصّ حلفاء الصفاء إليه: فياليت شعري ما الذي يصنعه الخليفة سيّدنا؟ فقال له: ما رأينا قط أخشع منه في يومنا هذا، إنه لمنتبذ حائر منفرد بنفسه لابس أخشن الثياب، مفترش التراب، قد رمى به على رأسه ولحيته وبكى واعترف بذنوبه وهو يقول: هذه ناصيتي بيدك، أتراك تعذب الرّعية وأنت أحكم الحاكمين، لن يفوتك شيء منيّ، قال: فتهلّل وجه القاضي منذر بن سعيد عندما سمع من قوله، وقال: يا غلام أحمل المِمطَر معك، فقد أذن الله تعالى بالسُّقيَا، إذا خشع جبّار الأرض، فقد رَحِمَ جَبَّار السَّماء، وكان كما قال فلم ينصرف الناس إلاّ عن السُّقْيا.
[ ٢٥١ ]
قال: وكان القاضي منذر بن سعيد من ذوي الصَّلابة في أحكامه والمهابة في أقضِيَتهِ وقوّة القلب في القيام بالحقّ في جميع ما يجري على يديه، لا يهاب في ذلك الأمير الأعظم فمن دونه، ومن مَشهور ما جرى له في ذلك قِصّته المشهورة في أيتام أخي نَجدة حدّث بها جماعة من أهل العِلم والرّواية، وهي أن الخليفة الناصر لدين الله عبد الرحمن بن محمد احتاج إلى شراء دار بقُرطبة لحظيّة من نسائه تَكرُمُ عليه فوقع استِحسَانه على دارٍ كانت لأولاد زكريّا أخي نَجدة، وكانت بقرب النشّارين في الرَّبَض الشرقي منفصلة عن دوره، يتصل بها حمّام العامّة، له
غُلَّة واسعة وكان أولاد زكريا أخي نَجدة أيتامًا في حِجر القاضي، فأرسل الخليفة له من قوّمها بعدد ما طابت به نفسه، وأرسل أناسًا أمرهم بمداخلة وصيّ الأيتام في بيعها عليهم، فذكر أنه لا يجوز إلا بأمر القاضي، إذ لم يَجُزْ بيع الأصل إلا عن رأيه ومشورته، فأرسل الخليفة إلى القاضي منذر في بيع هذه الدار، فقال
[ ٢٥٢ ]
لرسوله: البيع على الأيتام لا يصحّ إلا لوجوه، منها الحاجة، ومنها الوهي الشديد، ومن الغِبطَة، فأمّا الحاجة، فلا حاجة لهؤلاء الأيتام إلى البيع، وأما الوهي فليس فيها، وأما الغِبطَة فهذا مكانها، فإن أعطاهم أمير المؤمنين فيها ما تستبين به الغِبطَة أمرت وصيّهم بالبيع وإلا فلا، فنُقِل جوابه هذا إلى الخليفة، فأظهر الزُّهد في شراء الدار طمعًا أن يتوخَّى رغبته فيها، وخاف القاضي أن تنبعث منه عزيمة تلحق الأولاد سَورتها، فأمر وصيّ الأيتام بنقض الدّار وبيع أنقاضها، ففعل ذلك وباع الأنقاض، وكانت لها قيمة أكثر ممّا قُوِّمت به للسّلطان، فاتصل الخبر به، فعزّ عليه خَرابُها، وأمر بتوقيف الوصيّ على ما أحدثه فيها فأحال الوصي على القاضي أنه أمره بذلك، فأرسل عند ذلك للقاضي منذر بن سعيد، وقال له: أنت أمرت بنقض دار أخي نَجدة؟ فقال له: نعم، قال له: وما دعاك إلى ذلك قال: أخذت فيها بقول الله ﵎: (أمَّا السَّفِينَةُ فَكَانتْ لمسَاكينَ يَعمَلونَ في البَحرِ فَأرَدْتُ أَنْ أَعيبَهَا وكانَ وراءَهم ملك يَأخُذُ كُلَّ
[ ٢٥٣ ]
سَفِينَةٍ غَصْبًَا) مقوّموك لم يُقدّروها إلا بكذا وبذلك تَعلّق وَهمك، فقد نضّ في أنقاضِها أكثر من ذلك، وبقيت القاعة والحمام فضلًا، ونظر الله تعالى للأيتام، فصبر الخليفة عبد الرحمن على ما أتى من ذلك، فقال: نحن أول من انقاد إلى الحقّ، فجزاك الله تعالى عنا وعن أمانتك خيرًا.
قال: وكان على متانته وجزالته حُسن الخُلق كثير الدّعابة، فربما ساء ظنّ من لا يعرفه، حتى إذا رام أن يصيبَ من دينه شعرةً ثار له ثورة الأسد الضّاري، فمن
ذلك ما حدّث به سعيد ابنه، قال: قَعَدنا ليلة من ليالي شهر رمضان المعظّم مع أبينا للإفطار بداره البرّانية، فإذا بسائل يقول: يا أهل هذه الدار الصالح أهلها أطعمونا من عشائكم أطعمكم الله تعالى من ثِمَار الجنة، هذه الليلة، ويكثر من ذلك، فقال القاضي: أن استُجِيب لهذا السائل فيكم فليس يُصبح منّا واحد.
[ ٢٥٤ ]
وحكى عنه قاسم بن أحمد الجُهنيّ أنه ركب يومًا لحيازة أرض محبَّسة، في رَكبٍ من وجوه الفقهاء وأهل العدالة، فيهم أبو إبراهيم اللّؤلؤي، ونظراؤه قال: فسرنا نقفوه وهو أمامنا، وأمامه أمناؤه يحملون خرائطه، وذووه عليهم السّكينة والوقار، وكانت القضاة حينئذ لا تُراكب ولا تُمَاشى، فعرض له في بعض الطريق كلاب مع مُستَوحمة وهي تَلعَق هَنَها وتدور حولها، فوقف وصرف وجهه إلينا وقال: ترون يا أصحابنا ما أبرّ الكلاب بالهنّ الذي تلعقه وتكرمه، ونحن لا نفعل ذلك، ثم لوى عنان دابّته وقد أضحكنا، وبقينا متعجّبين من هَزله.
وحضر عند الحكم المستنصر بالله يومًا في خُلوة له في بستان الزهراء على بركة ماء طافحة، وَسط روضة نافحة، في يوم شديد الوهج، وذلك إثرَ مُنصَرفِهِ من صلاة الجمعة، فشكا إلى الخليفة من وَهج الحرِّ الجَهد، وبثَّ منه ما تَجاوَزَ الحدّ فأمره بخلع ثِيَابه والتّخفيف عن جِسمِهِ، ففعل ولم يُطفِ ذلك ما به، فقال له:
[ ٢٥٥ ]
الصّواب أن تَنغمِس في وَسط الصهريج انغماسةً يبرد بها جسمك، وليس مع الخليفة إلاّ الحاجب جعفر الخادم الصقلّبيّ أمين الخليفة الحكم، لا رابع لهم، فكأنه استحيا من ذلك وانقبض عنه وقارًا، وأقصر عنه إقصارًا، فأمر الخليفة حاجبه جعفرًا بسَبقه إلى النزول في الصهريج ليسهل الأمر فيه على القاضي، فبادر جعفر لذلك وألقى بنفسه في الصهريج وكان يحسن السباحة، فجعل يجول يمينًا وشمالًا، فلم يَسَع القاضي إلاّ إنفاذ أمر الخليفة فقام وألقى بنفسه خّلف جَعفر ولاذ بالقعود في درج الصهريج، وتدرّج فيه بعض تدريج ولم ينبسط في السّباحة،
وجعفر يمرّ مصعّدًا ومصوّبًا، فَدَسَّه الحكم على القاضي وحَمله على مساجلته في العَوم وهو يعجزه في إخلاده إلى القعود، ويعابثه بإلقاء الماء عليه والإشارة بالجَذب إليه، وهو لا ينبعث معه، ولا يفارق موضعه، إلى أن كلّمه الحكم وقال له: ما لك لا تساعد الحاجب في فِعله، وتقعد معه وتتقبّل صُنعَه؟ فمن أجلك نزل، وبسببك تبذّل، فقال له: يا سيدي يا أمير المؤمنين، الحاجب
[ ٢٥٦ ]
سلّمه الله لا هوجل معه، وأنا بهذا الهوجل الذي معي، وأنا بهذا الهوجل الذي معي، يعلقني ويمنعني، من أن أجول معه مجاله فاستفرع الحكم ضحكًا من نادرته ولطف تعريضه بجعفر، وخجل جعفر من قوله وسبّه سبّ الأشراف وخرجا من الماء، وأمر لهما الخليفة بخِلَع، ووصلهما بصلات سنيّة تشاكل كل واحد منهما.
وذُكر أن الخليفة الحكم قال له يومًا: لقد بلغني أنك لا تجتهد للأيتام وأنك تقدّم لهم أوصياء سوءٍ يأكلون أموالهم، قال: نعم، وإن أمكنهم نيك أمهاتهم لم يعفّوا عنهن، قال: وكيف تقدّم مثل هؤلاء؟ قال: لست أجد غيرهم، ولكن أحِلني على اللؤلؤي وأبي إبراهيم ومثل هؤلاء فإن أبوا أجبرتهم بالسّوط والسّجن، ثم لا تسمع إلا خيرًا.
ومن أخبار منذر بن سعيد المحفوظة له مع الخليفة عبد الرحمن في إنكاره عليه الإسراف في البناء، أن عبد الرحمن كان قد اتخذ لسطح القُبَيبَة الصُّغرى التي كانت مائلةً على الصَّرح الممرّد المشهور شأنه بقصر الزهراء قراميد ذهب وفضة أنفق عليها مالًا جسيمًا، وجعل سُقُفها صفراء فاقعة، إلى بيضاء ناصعة، تَسلب
[ ٢٥٧ ]
الأبصار بمطارح أنوارها المشعشعة، وجعل فيها إثر تمامها لأهل مملكته مشهدًا فقال لقرابته ومن حضره من الوزراء وأهل الخدمة مفتخرًا عليهم بما صنعه من ذلك مع ما يتصل به من البدائع الفتانة: هل رأيتم قبلي أو سَمِعتم من فعل مثل فعلي هذا أو قَدر عليه؟ فقالوا: لا والله يا أمير المؤمنين وأنّك لأوحد في شأنك
كله، ولا سبقك في مبتدعاتك هذه مَلِك رأيناه، ولا انتهى إلينا خبره، فأبهجه قولهم، وبينما هو كذلك سارًّا ضاحكًا إذ دخل عليه القاضي منذر بن سعيد واجمًا ناكِسَ الرَّأس فلما أخذ مَجلِسه، قال له كالذي قال لوزرائه من ذكر السّقف، واقتداره على إبداعه، فأقبلت دموع القاضي تنحدر على لحيته، وقال له: والله يا أمير المؤمنين ما ظننت أن الشيطان أخزاه الله يبلغ منك هذا المبلغ ولا أن تمكّنه من قيادك هذا التّمكين مع ما أتاك الله وفضّلك على العالمين، حتى ينزلك منازل الكافرين، قال: فاقشعرّ عبد الرحمن من قوله، وقال: أنظر ما تقول، وكيف أنزّلني منازلهم؟ قال: نعم، أليس الله ﵎ يقول: (وَلوْلاَ أَنْ يكونَ
[ ٢٥٨ ]
النَّاسُ أمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يكفر بالرَّحمن لبيوتهم سُقُفًا من فِضَّةٍ ومَعَارِج عليها يَظْهَرُون، وَلِبيُوتهم أبوابًا وسُرُرًا عَلَيها يتّكِئُون)، قال: فوجم الخليفة عبد الرحمن ونَكس رأسه مليًّا ودموعه تجري على لحيته خُشُوعًا لله ﵎ وندما ثم أقبل على مُنذر وقال له: جزاك الله تعالى يا قاضي خيرًا عنّا وعن المسلمين والدين، وكثر في الناس أمثالك فالذي قُلت، واللهِ الحقُّ، وقام من مجلسه ذلك وهو يستغفر الله تعالى، وأمر بنقض سُقُف القُبَّة وأعاد قرمدها ترابًا.