الأعلم
كهل الطريقة، وفتى الحقيقة، تدرَّع الصيانة، وبَرع في الورع والدّيانة، وتماسك عن الدنيا عفافًا، وما تماسك التماسًا بأهلها والتفافًا، فاعتقل النُّهى وتنقّل في مراتبها حتى استقر فيها في السُّها، وعطّل أيام الشباب، ومطل فيها سعاد وزينب والرّباب، إلا ساعات وقَفها على المُدام، وعَطفها إلى النِّدام، حتى تخلّى عن ذلك واتّرك، وأدرك من المعلومات ما أدرك، وتعرّى من الشُّبُهات وسَرى إلى الرُّشد مُستيقِظًا من تلك السِّنات، وله تصرّف في شتَّى الفنون، وتقدّم في
[ ٣٠٢ ]
معرفة المفروض والمسنون، وأما الأدب فلم يُجاره في ميدانه أحد، ولم يَستولِ على إحسانه فيه حصر ولا حدّ، وجدُّه أبو الحجَّاج الأعلم، هو خلَّد منه ما خلَّد، ومنه تقلّد ما تقلّد، وقد أثبتُّ لأبي الفضل هذا ما يسقيك ماء الإحسان زُلالا، ويُريك سِحَر البيان حلالا، فمن ذلك ما كتب به إليَّ وقد مررت على شَنتمرِيَّة بعدما رحل عنّا وانتقل، واعتقل من نَوانا وبيننا ما اعتقل، فشنتمريّة هذه داره، وبها كَمُل هِلاله وابداره، وبها تستُقضِي، وشيم مضاؤه وانتُضي، فالتقينا بها على ظَهر، وتعاطينا ذكر ذلك الدَّهر، فجدّدتُ من شوقه، ما كان قد شبّ عن طوقه فرامني على الإقامة، وسَامني على ذلك بكل كرامة فأبيتُ إلاّ النَّوى، وانثنيتُ عن الثوا بذلك المثوى، فودّعني ودفع إليّ تلك القِطعَة حين شيّعني:
شرَايَ أطْلَعتِ السُّعُودُ على آفاق أنسي بَدْرَها كَمَلا
وكَسَا أديمَ الأرض منه سنًا فكست بسائطها له حُلَلا
[ ٣٠٣ ]
إيهٍ أبا نَصْرٍ وكم زَمَنٍ قصر ادكارك عندي الأملا
هَلْ تَذْكُرَنْ والعَهْدُ يُخْجِلُني هل تَذْكُرَنْ أيّامنَا الأُوَلا
أيّام نَعْثَرُ في أعِنَّتِنَا ونجرُّ من أَبْرادِنَا حُلَلاَ
ونَحُلُّ روضَ الأنس مُؤْتَنِقًَا وتحلّ شمس مُرَادِنا الحَمَلا
وَنَرَى لَيَالِيَنَا مُسَاعِفَةً تدعو إلينا رِفْقَنَا الجَفَلَى
زَمَنٌ نقول على تَذَكُّرِهِ ما تمّ حتّى قيلَ قَدْ رَحَلا
عَرَضت لزورتكم وما عَرَضَتْ إلاّ لِتَمْحَقَ كلّ ما فَعَلا
ووافيته عشيّة من العشايا أيام ائتلافنا، وعودنا إلى مجلس الطَلب واختلافنا، فرأيته مستشرفًا متطلّعًا، يرتادُ مَوضِعًا يقيم به لثغور الأُنس مرتشفًا ولثديه مرتضعًا، فحين مقلني، تقلّدني إليه واعتقلني، ومِلنَا إلى روضة قد سندس الربيع بِسَاطها، ودبّج دَرانِك أوساطها، وأشعرت النفوس فيها بسرورها وانبساطها، فأقمنا بها نتعاطى كؤوس أخبار، ونتهادى أحاديث جهابذة وأخبار، إلى أن نثر زَعفرَان العشيّ، وأذهب الأنس خوف العالم الوحشيّ، فقمت وقام، وعوَّج الرّعب من ألسِنتِنا ما كان استقام، وقال:
[ ٣٠٤ ]
وعشيَّةٍ كالسَّيْفِ إلاّ حَدّهُ بَسَطَ الرّبيعُ بِهَا لِنَعْلي خَدَّهُ
عاطيتُ كَاسَ الأُنْس فِيهَا واحِدًا ما ضرّه أنْ كان جَمْعًَا وَحْدَهُ
وتنزّه يومًا بحديقة من حدائق الحضرة، قد اطّرد نَهرُها، وتوقّد زَهرُها، والريح يسقطه فيظم بلبّة الماء، ويتبسّم به فتختاله كصفحة خُضْرة السّماء فقال:
انظر إلى الأزْهَارِ كيفَ تَطَلَّعت بِسَمَاوةِ الرّوض المَجُودِ نُجُومَا
وتساقطت فكأنَّ مُسْتَرِقًَا دَنَا للسَّمْع فانقضَّتْ عليه رُجُومَا
وإلى مسيل الماء قد رَقَمتْ به صَنَعُ الرّياحِ من الحُبَابِ رُقُومَا
تَرْمي الرياحُ لها نَثِيرًا زَهْرَهُ فتمدُّه في شاطئيه رَقِيمَا
وله يصف قلم يراعة، وبرع في صفته أعظم براعة:
ومُهَفْهَفٍ ذَلِقٍ صَليبِ المَكْسَرِ سَبَبٌ لَنيلِ المَطْلبِ المُتَعَذِّر
مُتَألَّقٌ تُنْبِيكَ صُفْرَةُ لَونِهِ بقديمِ صُحْبَتِهِ لآلِ الأصْفَرِ
ما ضَرَّهُ إنْ كانَ كَعْبُ يراعةٍ وَبِحُكْمِهِ اطّرَدَتْ كعوبُ السَّمْهَري
[ ٣٠٥ ]
وله عندما شارف الكهولة، واستأنف قَطع صُرةٍ كانت موصولةً:
أمّا أنا فَقَدْ أرْعَويتُ عن الصِّبَا وَعَضَضْتُ من نَدَمٍ عليهِ بَنَاني
وأطَعْتُ نُصَّاحي ورُبَّ نصيحةٍ جاءوا بها فَلَجَجْتُ في العِصْيَانِ
أيّامَ أسْحَبُ من ذيول شَبِيبَتي مَرَحًا وأعْثَرُ في فُضولِ عِنَاني
وأُجلُّ كَأسي أنْ تُرَى موضوعةً فعلى يدي أو في يدي نَدْمَاني
أيّامَ أحْيا بالغَواني والغِنَا وأموتُ بين الرَّاحِ والرَّيْحَانِ
في فِتْيَةٍ فرضوا اتّصالَ هَوَاهُمُ فمُنَاهُمُ دَنٌّ من الأدْنَانِ
هَزَّتْ عُلاهم أرْيَحيَّاتِ الصِّبَا فهي النَّسيمُ وهُمْ غُصُونُ البَانِ
من كُلِّ مخلوع الأعِنَّةِ لم يُبَلْ في غيِّهِ بِتَصَارُفِ الأزْمَانِ
وله حين أقلعَ وأنَاب، وودّع ذلك الجناب، وتزهّد وتتنسَك وتمسَّك من طاعة الله بما تَمسَّك، وثاب يومًا يتَجرَّدُ من أملِه وينفرِدُ فيه بعَلمِه:
الموتُ يُشْغِلُ ذِكْرُهُ عن كُلِّ مَعْلُومٍ سِبوَاهْ
فاعمَرْ له رَبْعَ ادّكا رك بالعشيّةِ والغَدَاهْ
[ ٣٠٦ ]
واكْحَلْ به طَرْفَ اعتبا رِكَ طُولَ أيَّامِ الحَياهْ
قبل ارتكاضِ النَّفْسِ ما بين التَّرائِبِ واللَّهَاهْ
فَيُقَالُ هذا جَعْفَرٌ رَهْنٌ بما كسبتْ يداهْ
عَصَفَتْ به ريحُ المنو ن فَصَيَّرتْهُ كما تَرَاهْ
فضعوه في أكْفَانِهِ ودعوه يَجْني ما جناهِ
وتمتَّعُوا بمتاعهِ ال مخزون واحْووا ما حَوَاهْ
يا مَصْرَعًا مُسْتَبْشَعًا بلغُ الكتابُ به مَدَاهْ
لُقِّيتُ فيه بشارةً تشْفي فُؤَادي من جَوَاهْ
ولقيتُ بَعْدَك خَيْرَ مَنْ نَبّاه ربّي واجْتَبَاهْ
في دار خفض ما اشتهت نَفْسُ المقيم بما أتَاهْ
وله من النثر يصف فَرسًا: انظر إليه سليمَ الأديمِ، كريم القديم، كأنما نشأ بين الغبراء واليَحمُوم، نجمٌ إذا بَدا، ووَهمٌ إذا عَدا، يستقبل بِغَزال ويستدبر برال، ويتحلّى بشيّات تقسيمات الجمال.
وله يصف سَرجًا، من النثر: بزَّةُ جِياد، ومَركب أجواد، جميل
[ ٣٠٧ ]
الظاهر، رحيب ما بين القادمة والآخر، كأنما قُدَّ من الخُدودِ أديمه، واختص بإتقان الحُبُك تقويمه.
وله في وصف لِجَام (من النثر): مُتَناسب الأشلاءِ، صحيح الانتماء إلى ثُريَّا السَّماء، فكلّه نكال، وسائره جمال.
وله في وصف رمح، (من النثر): مطّرد الكعوب، صحيح اتصال الغالب والمغلوب، أخ ينوب كلّما استنيب ويصيب.
وله في وصف قميص (من النثر): كافوريُّ الأديم، بابليُّ الرّسوم، تباشر منه الجسوم ما يباشر الروض من النّسيم.
وله في وصف بغل (من النثر): مُقرِفُ النَّسب، مستخبر الشّرف آمن الكبب إنّ ركب امتنع اعتماله، أو ركب استقلّ به أخواله.
وله في وصف حمار: وثيق المفاصل، عتيق النهضة إذا ونت المراسل.
تمّ القسم الثاني من كتاب مطمح الأنفس ومسرح التأنّس بحمد الله تعالى وعونه وحسن توفيقه وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
[ ٣٠٨ ]