قاضي الجماعة بقرطبة
فاضلٌ ورِع، مبرّز في النّسّاك والزُّهَّاد، دائم الأرق في التَّخشُّع والسُّهاد، مع التحقق بالعلم والتميّز بفضله، والتحيّز إلى فئة الورع وأهله، وله تصانيف في الزُّهد والتّصوّف، منها كتاب المنقطعين إلى الله وكتاب المجتهدين وأشعار في هذا المعنى، منها قوله:
فَرَرْتُ إليكَ من ظُلْمي لِنَفْسي وَأوْحَشَني العِبَاد وأَنْتَ أُنْسي
قصدت إليك مُنقَطِعًا غَرِيبَا لِتُؤْنِسَ وَحْدتي في قَعْر رَمْسي
ولِلْعُظْمَى من الحاجات عِنْدي قَصَدْتُ وأَنْتَ تَعْلَمُ سِرَّ نَفْسي
ولما أراد المستنصر بالله غزو الروم سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة تقدّم إلى والده أبي محمد بالكَون في
[ ٢٨٩ ]
صُحبتِه، ومسايرته في غزوتِه فاعتذر بعذر يجده، وألم لا ينجده، فقال له الحكم: إن ضَمِن لي أن يؤلف في أشعار خلفائنا بالمشرق والأندلس مثل كتاب الصولي في أشعار بني العبّاس أعفيته من الغزاة، وجازيته أفضل المُجازاة، فأجابه إليه على أن يؤلفه بالقصر، فزعم أنه رجل مزور، وأنّ ذلك الموضع مُمتنِع على من يَلُمّ به ويزور، فألّفه بدار الملك المُطِلَّة على النهر، وأكمله
فيما دون شهر، وتوفي والمستنصر بَعدُ في غزاته، ومن شعره قوله:
أتوا حِسْبَةً إذْ قيلَ جَدَّ نُحُولُه فَلَمْ يَبْقَ من لَحْمٍ عليه ولا عَظْمِ
فعادوا قَميصًا في فِرَاشٍ فلم يروا ولا لَمَسوا شيئًا يدلّ على جِسْمِ
طواه الهوى في ثَوْبِ سُقْمٍ من الضَّنَى وليس بِمَحْسُوسٍ بعين ولا وَهْمِ
وله أيضًا ﵀:
[ ٢٩٠ ]
ديارٌ عليها من بَشَاشَةِ لأهْلِهَا بقايا تسرُّ النَّفسَ أُنْسًَا وَمَنْظَرا
رُبُوع كساها المُزْنُ من خِلَع الحَيَا بُرُودًا وحلاّها من النّور جوهرا
تسُرُّكَ طورًا ثمّ تشجوك تارةً فترتاحُ تأنيسًا وتشجى تذكّرا