شُهَيْد
مَفخَر الإمامة، وزَهرُ الكِمَامة، حاجِبُ الناصر عبد الرحمن، وحامل الوزارتين على سموهما في ذلك الزّمان، استقل
[ ١٦٦ ]
بالوزارة على ثِقَلهَا، وتصرَّف فيها كيف شاءَ على حدّ نظرها، والتفات مُقِلِهَا، فظهر على أولئك الوزراء، واشتهر مع كثرة النُّظراء، وكانت إمارةُ عبد الرحمن أسعد إمارة، بَعُد عنها كل نفس بالسَّوءِ أمّارة، فلم يطرقها صَرف، ولم يرمقها بمحذور، طَرف، ففَرَع الناس فيها هِضاب الأمانيِّ ورُبَاها، ورتعت ظباؤها في ظلال ظُبَاها، وهو أسدٌ على براثنه، رابض، وبَكَلٌ أبدا على قوائم سيفه قابض، يروع الروم طَيفُه، ويجوس خلال تلك الديار خَوفه، ويُروى من نجيعهم كُلَّ آونةٍ سيفُه، وابن شهيد ينتج الآراء ويُلقحها، وينتقد تلك الأنحاء وينقّحها والدولة مشتملة بفنائه، متجمّلة بسنائه، وكرمه منتشر على الآمال، ويكسو الأولياء بذلك الإجمال، وكان له أدب تزخر لُجَجُه، (وتبهر حُجَجُه)، وشعر رقيق لا ينقّد، ويكاد من اللطافةُ يُعقَد، فمن ذلك قوله:
ترى البَدرَ منها طالعًا وكأنّما يجول وشاحاها على لُؤلُؤٍ رَطبِ
بعيدةُ مهوى القُرْطُ مُخطَفَةُ الحَشَا ومُفعَمَةُ الخَلخَال مُفعَمة القُلبِ
[ ١٦٧ ]
من اللاّءِ لم يَرْحلنَ فَوقَ رَوَاحِلٍ ولا سِرنَ يومًا في رِكابٍ ولا رَكبِ
ولا أبرَزتهُنّ المُدَامُ لِنَشوَةٍ فتشدو كما تشدو القيان على الشَّربِ
وكانت بينه وبين الوزير عبد الملك بن جهور متولي الأمر معه، ومشاركة في التدبير إذا حضر موضعه، منافسة، لم تنفصل لهما بها مداخلة ولا ملابسة وكلاهما يتربص بصاحبه دائرة السوء، ويغصُّ به غَصَصَ الأُفقِ بالنَّوءِ، فاجتاز يومًا إلى رَبَضِه، ومال إلى زيارته ولم تكن، من غرضه، فلمّا استأمر عليه، تأخر
خروج الأذن إليه، فثنى عِنَانَه حَنَقًا من حِجَابه، وضجرًا من حُجَّابه، وكتب إليه مُعرِّضًا، وكان يلقّب بالحمار:
أتيناك لا عن حاجةٍ عَرَضتْ لنا إليكَ ولا قَلبٍ مشوقُ
ولكنّنا زُرْنا بفَضْل حُلُومِنَا حمارًا تولّى بِرَّنا بعُقوقِ
فراجعه ابن جهور يغضّ منه، بما كان يشيع عنه، بأن جدّه أبا هشام، كان بيطارًا بالشام، بقوله:
[ ١٦٨ ]
حجبناكَ لمّا زُرتنا غيرَ تائقِ بقلبِ عدوٍّ في ثيابِ صديقِ
وما كان بيطارُ الشآم بموضعٍ يُبَاشِرُ فيه بِرَّنا بخليقِ
ومن قوله يتغزّل:
خَلفْتُ بِمَن رَمَى فأصابَ قَلبي وقلّبه على جَمْر الصّدودِ
لقد أودَى تذكّره بمثِلي ولست أشكُّ أنّ النّفسَ تودي
فقيدٌ وهو موجودٌ بقَلْبي فوا عَجَبًا لموجودٍ فقيدِ