هذه بقية منتماها في لَخم، ومرتماها إلى مَفخَرٍ ضَخم،
[ ١٦٩ ]
وجدّهم المُنذر بن ماء السّماء، ومطلعهم من جوّ تلك السماء، وبنو عبّاد ملوك أنِسَ بهم الدهر، وتنفّس منهم عن أعبَق الزّهر، وعمروا ربع المُلك، وأمروا بالحياة والهلك ومعتَضِدُهم أحد من أقام وأقعَد، وتبوأ كاهل الإرهاب واقتَعد. وافترش من عِرِّيسته وافترس من مكائد فريسته، وزاحم بِعَود. وهزّ كُلَّ طَود، وأخمل كلَّ ذي زيٍّ وشارة وختل بوحي وإشارة، ومعتمدهم كان أجود الأملاك، وأحد نيّرات تلك الأفلاك، وهو القائل، وقد شغل عن منادمة خواصّ دولته بمنادمة العقائل:
[ ١٧٠ ]
لقَد حَنَنتُ إلى ما اعتدت من كَرَمٍ حنين أرْض إلى مُستَأجر المطرِ
فهاتِها خِلَعا أُرضي السّماحَ بها محفوفةً في أكُفّ الشَّرب بالبِدَرِ
وهو القائل وقد حنّ في طريقه، إلى فريقه:
أدارَ النّوى كَمْ طالَ فيكِ تَلذُّذي وكم عُقتِني عن دارِ أهيفَ أغيدِ
حلفتُ به لو قد تعرّض دونَه كماةُ الأعادي في النَسيج المسرّدِ
لجرّدتُ للضّرب المهنّد فانقضى مرادي، وعز ما مثل حدّ المهنّدِ
والقاضي أبو القاسم هذا جدُّهم، وبه سَفر مَجدُهم، وهو الذي اقتنص لهم الملك النافر، واختصّهم منه بالحظّ الوافر فإنه أخذ الرياسة من أيدي جبابر، وأضحى من ظلالها أعيان أكابر، عندما أناخت بها أطماعهم، وأصاخت إليها أسماعهم، وامتدّت إليها من مستحقيها (اليَدُ)، وأتلعوا أجيادًا زانها الجيد، وفَغَر عليها فمه حتى هجا بيت العِبِدَّى، وتصدّى إليها من تحضّر وتبدى فاقتعد سنامِهَا وغارِبَها، وأبعد عنها عجمها وأعارِبَها، وفاز من المُلك بأوفر حِصَّة، وعُدَّت سمته به صفةً مختصة، فلم يمحُ رسمَ القضاء، ولم يتَسم بسمة الملك مع ذلك النفوذ والمضاء، وما زال يحمي حوزته، ويجلو غُرَّته، حتى حوته الرّجام وخلت منه تِلك الآجام، وانتقل المُلك إلى ابنه المعتضد،
[ ١٧١ ]
وحلّ منه في روض نُمِّق له ونُضِّد، ولم يعمّر فيه ولم يدم ولاه، وتسمى بالمعتضد بالله، وارتمى إلى أبعد غايات الجود بما أناله وأولاه، لولا بطش في اقتضاء النفوس كدّر ذلك المَنهل، وعكّر أثناء ذلك صفو العلِّ والنّهل، وما زال للأرواح قابضًا وللوثوب عليها رابضًا، يخطف أعداءه اختطاف الطائر من الوَكر، وينتصف منهم بالدهاء والمَكر، إلى أن أفضى المُلك إلى ابنه المعتمد، فاكتحل منه طرفه الرَّمد، وأحمد مجده وتقلّد منه أيَّ بأس ونجده، وندى به لحق مناه، وأقام في الملك ثلاثًا وعشرين سنة، لم تعدم منه فيها حسنة، ولا سيرة مستحسنة، إلى أن غُلِبَ على سلطانه وذُهِبَ به من أوطانه، فنُقِل إلى حيثُ اعتقل، فأقام كذلك إلى أن مات، ووارته بريّة أغمات، وكان للقاضي جدّه أدب غضّ، ومذهب مبيضّ، ونظم يرتجله كل حين، ويبعثه أعطر من الرّياحين، فمن
ذلك قوله يصف النَّيلُوفر:
يا ناظرين لذا النَّيلُوفر البَهِج وطيب مخبره في الفوحِ والأرَج
[ ١٧٢ ]
كأنَّهُ جَامُ دُرٍّ في تألُّقِهِ قد أحكموا وَسطَه فصًَّا من السَّبج