واحد دونه الجَمع وهو للجلالة بَصرٌ وسَمع، روضةُ عُلاه رائقة السَّنا، ودوحةُ بَهاه طيبِّة الجَنى، لم يتّزر بغير الصًّون، ولم يشتهر بفسادٍ بعد الكون، مع نفسٍ بَرئت من الكِبَر، وخلصت خُلوص التّبر، مع عَفافٍ التحف به بُرُودًا، وما ارتَشف به
ثَغرًا بَرُودًا، فَعَفت مواطِنُه، وما استرابت ظواهره ولا بواطِنُه، وأما شعره ففي قالب الإحسان أُفرغ، وعلى وجه الاستحسان يَلقى ويُبلِغ، وكتب إليه ابن زُهر:
أأبا الوليدِ وأَنْتَ سيِّدُ مَذحِج هلاّ فَكَكْتَ أسيرَ قبضة وَعْدِهِ
وحياة من أمد الحياةِ وذِهَابُها حَتْمًا بأيسرِ صدّهِ
لأقاتلنَّك إن قطعت بمُرْهَفٍ من جَفْنِهِ وبصَعْدَةٍ من قَدّهِ
[ ٢٢٥ ]
فراجعه أبو الوليد:
لبّيك يا أسدَ البريَّةِ كلّها من صادقِ عَبثَ المِطَالُ بوَعْدِهِ
يمضي بأمرك ساء أو سرَّ القضا ويفلُّ حَدَّ النّائِبَاتِ بِحدّهِ
إيهٍ ووافقت الصّبا في مَعْرضٍ ذهب المشيبُ بهَزْلِهِ وبجِدّهِ
فَطفَقْتُ أسأله عن الظَّبي الذي راقت لِحَاظُ الأُسْدِ زُرْقَة خَدّهِ
فاستعجمت شُحًَّا عليه ورحمةً لفؤادِ مولاه ومُهْجَةِ عَبْدِهِ
يا قاتلَ الأبطالِ دونكَ مُرهَفًَا من جَفنِهِ أو صَعْدَةً من قَدِّهِ
فلألقينَّكَ إنْ رَجَعْتَ بذِمّةٍ من عَهدِهِ وشَفَاعةٍ مِنْ عِنْدِهِ
حتى يردّ علاك طعمة وَصْلِهِ وحشاي إن سامَحْت نَهْزَة صَدِّهِ
وكتب إليه أيضًا، أبو الوليد:
أأبا العلاءِ وتلكَ دعوةُ عابِثٍ ولعلَّها سَبَبٌ إلى أنْ تَعْتَبَا
داويتُ قَلْبي من هواكَ لعلّة فأبى ولست أسومُ قَلْبي ما أبى
أتَصَامُمًَا عمّا أقول وَوثْبَةً عما أُريد فمرحبًا بكَ مَرْحَبا
[ ٢٢٦ ]
وله أيضًا:
أتجزع من دَمْعي وأنت أسَلْتَه ومن نارِ أحشائي وأنتَ لهيبُهَا
وتزعم أنّ النَّفْسَ غَيْركَ عُلِّقَتْ وأنت ولا منٌّ عليكَ حبيبُهَا
إذا طلعتْ شمسُ عليّ بِسَلوةٍ أثار الهوى بين الضلوع غُرُوبُها
وله أيضًا:
وعُلِّقتُهُ من حيثُ لم يدرِ ما الهَوى غريرًا فلا وصلٌ لديه ولا هَجْرُ
يميل بِعطْفَيهِ النَّسيمُ صبابةً ويرنو إلى ما فوق لَبَّاتِهِ البَدْرُ
وفي لَحظِهِ سحرٌ ولم يرَ بابِلًا وفي فمه خمرٌ ولم يدرِ ما الخَمْرُ
يرجّم فيّ الظّنَّ من غَيرِ رِيبَةٍ ويُوهِمُهُ دَمعي، فيسألُ ما الأمرُ؟
ومن شِيَمِ العُشَّاق أو خِدَع الهَوى قُلُوبٌ بَراها الشَّوقُ أدْمُعُها حُمْر
فلمَّا صَفَا أو كادَ إلاّ تَعِلَّةً تصدّى لهَا الواشي وأحكمها الدَّهرُ
ونَادَتهُ أَفلاذي على عادةِ الهَوى فصُمَّ كأنَّ الصوتَ في أُذنِهِ وَقْرُ
فأعرضتُ صَفحًَا عَنهُ أو شَرقًَا به وداريتُ حتى شكّ في سرّيَ الجَهرُ
فقالوا سُلّوا عَنَّ أو مَللٌ عَرَا ويا بِئسَ ما ظنّوا ولو خَذَل الصَّبْرُ
وما عَرَفت إلاّ الوفاَء سجيَتي وإن أنكروا ظُلْمًا ولو خَذَل الصَّبْرُ
وله أيضًا:
مُحَمّد كم أُغَالِطُ فيكَ نَفسي فلا أدري أأسْلو أمْ أهيمُ
[ ٢٢٧ ]
فَاخفِضُ عَنكَ طَرفي خَوفَ واشٍ يعرِّض بي فيشمتُ أو يَلومُ
وكم من سَلْوةٍ هَجَمت وكادت ولكنَّ الهوى خُلُقٌ عَظيمُ
وكَيفَ بها وقد وَقفَ الهوى بي مواقفَ يستطيرُ بها الحَليمُ
وكم تأتي تُلاطِفُهُ الأماني فيأبى لا يسير ولا يقيمُ
وكنت هَمَمتُ لو لَمْ تَصطَفيني جفون لا يبلُّ بها سقيمُ
فمن شَغَفٍ تُراقبكَ الدّاراري ويأخذ من مَعَاطِفِكَ النَّسيمُ
وله أيضًا:
وكم ليلة ظَافرْتُ في ظلَها المُنَى وقد طرفت من أعين الرُّقَباءِ
وفي ساعدي حُلْو الشمائلِ مُترَف يَدِينُ بيأسٍ تارةً ورجاءِ
أطارحه خَوفَ العتابِ ورُبَّما تغاضَبَ فاسترضيتُه ببُكَاءِ
وقد عابَثتهُ الرَاح حتَّى رمَتْ به لَقىً بين ثَنيَيْ بُرْدتي ورِدَائي
وفي لحظةٍ من سَورة الكأس فترة تمتُّ إلى الحاظهِ بولاءِ
على حاجةٍ في الحُبِّ لو شِئْتُ نلْتُها ولكنْ حَمَتني عِفّتي وسَنَائي
[ ٢٢٨ ]
وله أيضًا:
إنَّا إذا رُفِعَتْ سماءُ عجاجةٍ والحرب تَقعُدُ بالرَّدى وتقومُ
وتمرّد الأبطالِ في جَنَباتِها والموتُ من فَوقِ النّفوسِ يحومُ
برقت لهم منّا الحتوفُ كأنَّما نحنُ الأهلّةُ والسِّهامُ نُجُومُ
وله أيضًا:
لله أيام على وادي القرى سَلَفتْ لنا والدّهرُ ذو ألوانِ
والرّاحُ تأخذ من مَعَاطِفِ أغيد أخْذَ الصَّبَا من عِطفِ غُصن البانِ
حتى إذا ضَربَ الظّلام رِواقَهُ وخشيتُ فيه طوارقَ الحَدثانِ
قمنا نُؤمِّل غيرَ ذلك مَنزلًا والرّاحُ تقْصُر خَطْوه فتدانِ
ويروم قول أبي الوليد وربّما أخفت مكانةَ لامه الواونِ
والبَدْرُ يرمقني بمُقْلَةِ حاسدٍ لو يستطيعُ لكان حيثُ يراني
[ ٢٢٩ ]
وله أيضًا:
وهويته حُلْو الشمائل مُترَفًا نشوانَ يَعْثَرُ في فُضُولِ التّيهِ
أطوي الهوى شُحًَّا عليه ورحمةً والدمع ينشر كلّ ما أطويهِ
ولكم صدرتُ فعارضتني نشوةٌ من وَرْدِ وجنتهِ وخَمْرةِ فيهِ
وله أيضًا:
إليكَ أبا حَفْصٍ ومن عن مَلاَلةٍ ثنيتُ عِنَاني والحبيبُ حبيبُ
مقالًا يطير الجمر عن جنباتِهِ ومن تَحْتهِ قَلبٌ عليك يذوبُ
مضت لك في أفياءِ ظلِّي قولةٌ لها بين أحَنَاء الضُّلُوعِ دبيبُ
ولكن أبى إلاّ إليك التفاته فزادَ عليه من هواك رقيبُ
وكم بيننا لو كُنتَ تَحمدُ رَوضةٍ إذا العيشُ غضٌّ والزّمان قَشيبُ
وتحت جناحِ الغَيْم أحشاءُ رَوضَةٍ بها لخُفُوقِ العاصفاتِ وجيبُ
وللزّهر في ظلّ الرّياض تبسّم وللطّيْر منها في الغصون نحيبُ
تمّ القسم الأوّل
[ ٢٣٠ ]