الأشجَعيِّ
عالم بأقسام البلاغة ومعانيها، حائز قَصَب السَّبقِ فيها، لا يُشبهه أحدٌ من أهل زمانه، ولا ينسقُ ما نَسقَ من دُرَّ البيان وجُمَانه، توغل في شِعَاب البلاغة وطُرُقِهَا، وأخذ على متعاطيها ما بين مغربها ومشرقها، لا يقاومه عَمرو بن بحر، ولا تراه يغترف إلاّ من بحر، مع انطباع، مشى في طريقه بأمدّ باع، وله الحَسَبُ
المشهور والمكان الذي لم يَعده للظهور، وهو من ولد الوضّاح، المتقلّد تلك المفاخر
[ ١٨٩ ]
والأوضَاح صاحب الضَّحَّاك يوم المَرج، وراكب ذلك الهَرج، وأبو عامر حفيده هذا من ذلك النَّسَب، ونبع لا يراش إلاّ مع ذلك الغَرَب، وقد أثبتُّ له مما هو بالسّحر لاحِق، ولُنور المحَاسِن ماحِق، فمن ذلك قوله:
إنَّ الكَريمَ إذا نَابَتهُ مَخمَصَةٌ أبدى إلى النّاسِ ريًَّا وهو ظَمآنُ
يَحْني الضُّلُوعَ على مثل اللَّظَى حُرَقًَا والوَجهُ غَمرٌ بِمَاءِ البِشرِ مَلآنُ
وهو مأخوذ من قول الرّضيّ:
ما إن رأيتُ كَمَعشَرٍ صَبَروا عِزًَّا على الأزلاَتِ والأزمِ
[ ١٩٠ ]
بَسَطُوا الوجُوه وبين أَضلُعِهِم حَرُّ الجوى ومآلم الكَلْمِ
وله أيضًا:
كَلِفتُ بالحُبِّ حتّى لَو دَنا أَجَلي لَمَا وجَدتُ لِطَعمِ المَوتِ من ألَمِ
كِلا النَّدَى والهَوَى قِدمًا وَلِعتُ بِهِ وَيلي من الحُبِّ أو وَيلي مِن الكَرَمِ
وأخبرني الوزير أبو الحسين بن سراج، وهو بمنزل الوزير أبي عامر بن شُهّيد وكان من البلاغة في مَدى غاية البَيان، ومن الفَصاحَةِ في أعلى مراتب التّبيان، وكنّا نحضر مجلسَ شرابهِ، ولا نغيبُ عن بابهِ، وكان له بباب الصومعة من الجامع موضع لا يفارقه أكثر نهاره،
[ ١٩١ ]
ولا يُخلِيه من نَثر درره وأزهاره، فَقعد فيه ليلة سبع وعشرين من رمضان في لُمَّة من إخوانه، وأئمة سُلوانِه وقد حَفَّوا به، ليقطفوا نُخَب أدبه، وهو بخلط لهم الجدّ بِهزل، ولا يفرِّط في انبِسَاطِ مُشتَهر ولا انقباض جَزل، وإذا، بجارية من أعيان أهل قُرطبة معها من جواريها، من يستُرها ويواريها، وهي ترتاد مَوضِعًا لمُناجَاة رَبِها، وتبتغي منزلا لاستغفار ذَنبها وهي متنقّبة، خائفة ممَّن يرقُبها مترقِّبة، وأمامها طفل لها كأنَّه غُصنُ آس، أو ظبيٌ يَمرحُ في كِناس فلما وقعت عينها على أبي عامر ولّت سريعة وتولت مروعة،
خيفة أن يشبّب بها، أو يَشهُرها باسمها، فلما نظرها، قال قولًا فضحها به وشَهَرها:
وناظرة تَحتَ طَيِّ القناع دعاها إلى الله والخيرِ داعِ
سَعَتْ خِفيَةً تَبغي مَنزلًا لِوَصلِ التَّبتُّلِ والانقطاعِ
وَجَالت بمَوضِعنَا جَولةَ فحلّ الربيعُ بتلك البِقَاعِ
[ ١٩٢ ]
أتَتنا تَبَختَرُ في مَشيهَا فحلَّتْ بوادٍ كثر السّباعِ
وريعت حِذَارًا على طِفلها فَنَادَيتُ يا هذه لا تُرَاعي
غزالك تَفرَقُ منه اللُّيوثُ وتَنصَاعُ منه كُمَاةُ المِصَاعِ
فَوَلَّتْ ولِلمِسكِ من ذَيلِهَا على الأرضِ خَطٌّ كَظَهِر الشُّجاعِ
وله يتغزل:
أصباحٌ شِيمَ لأمْ بَرقٌ بَدَا أمْ سَنَا المَحبُوبِ أورَى زَنَدا
هَبَّ مِنْ مَرقدِهِ مُنكَسِرًا مُسبِلًا للكُمِّ مُرخٍ للرِّدا
يَمسحُ النَّعسَةَ مِن عَينيْ رَشَا صائدٍ في كُلِّ يومٍ أسَدا
أورَدَتهُ لُطفًا آياتُه صَفوَة العيشِ وأرعَتهُ دَدَا
فهو من دّلٍّ عَرَاهُ زُبدَةٌ من مَريجٍ لم يُخَالِطْ زَبَدا
قُلتُ هَبْ لي يا حبيبي قُبلّةً تُشفِ من غَمِّكَ تبريحَ الصَّدَى
فانثنى يَهتَزُّ من مَنكِبِهِ مائلًا لُطفًا وأعطَاني اليدا
كُلَّمَا كَلَّمنَي قبَّلتُهُ فهو إمّا قالَ قولًا رَدَّدَا
[ ١٩٣ ]
كَادَ أن يَرجِعَ مِن لَثمي لَهُ وارتشاف الثَّغرِ مِنهُ أدرَدَا
وإذا استنجزتُ يَومًا وَعدَهُ أمطَلَ الوعدَ وقالَ: اصبر غدا
شربت أعطَافُهُ ماَء الصِّبَا وسقاهُ الحُسنُ حتَّى عَربَدَا
فإذا بِتُّ بِه في رَوضةٍ أغيد يَقرو نباتًا أغيدا
قلمَ في اللّيلِ بِجيدٍ أتلعٍ يَنفُضُ اللِمَّة من دَمعِ النَّدَى
ومكان عازب عن جِيرَةٍ أصدقاء وَهُمُ عَينُ العِدَا
ذي نباتٍ طيِّبٍ أعرَافُهُ كعِذَار الشَّعر في خدٍّ بَدَا
تَحسَبُ الهَضبَةَ مِنهُ جَبَلًا وحدُورَ الماءِ مِنهُ أبْرَدَا
وبات ليلةً بإحدى كنائس قُرطُبة وقد فُرشَتْ بأضغاث آس، وعُرشَتْ بسرور واستئناس، وقَرعُ النَّواقيسِ يُبهجُ سَمعهُ، وَبَرقُ الحُميَّا يُسرِجُ لَمعَه، والقُسُّ قد بَرَز في عَبَدة المسيح، متوشّحًا
[ ١٩٤ ]
بالزنانير أبدع توشيح، قد هجروا الأفراح واطّرحوا النّعم كُل اطراح:
لا يعمدون إلى ماء بآنية إلاّ اغترافًا من الغُدْران بالرّاح
وأقام بينهم يَعمَلُها حُميَّا، كأنّما يرشف من كأسها شَفَةً لَميَا، وهي تنفح له بأطيب عَرف، كلمّا رشَفَها أعذَبَ رَشف، ثم ارتجل بعدما ارتحل فقال:
ولَرُبَّ حانٍ قد شَممْتُ بدَيرِهِ خَمرَ الصِّبَا مُزِجَت بصِرفِ عَصيرِهِ
في فتيةٍ جَعَلوا السُّرورَ شِعَارهُم متصاغرين تخشُّعًا لكبيره
والقسّ ممّا شاء طول مُقَامِنَا يدعو بعود حَولَنَا بِزَبُورِهِ
يُهدي لنا بالرَّاح كُلِّ مصفّر كالخَشفِ خَفَّرهُ التماح خَفَيرِهِ
يتناول الظرفاءُ فيه وشَربهم لِسُلافِهِ والأكْلُ من خِنزِيرِهِ
[ ١٩٥ ]
وقال يرثي القاضي ابن ذَكوان، نجيب ذلك الأوَان، في الفتنة وقد افتنّ في الآداب، وسنّ فيها سنَّة ابن دأب، وما فارق ربع الشّبابِ (شرخه)، ولا استمجد في الكهولة عفاره ولا مَرخه، وكان لأبي عامر هذا قسيم نفسه، ونَسيمَ أُنسِهِ:
ظَننَّا الذي نادى مُحِقًَّا بِمَوتهِ لعُظم الذي أنجى من الرُّزءِ كاذِبَا
وخِلنَا الصبَّاحَ الطَّلقَ ليلًا وإنَّما هبطنا خُدَاريًَّا من الحُزن كَارِبَا
ثَكلنَا الدُّجَى لمَّا استقلَّ وإنّنا فقدناك يا خيرَ البريَّةِ ناعِبَا
وما ذهبت إنْ حصّل المرءُ نَفسَه ولكنّما الإسلام أدبَرَ ذاهِبَا
ولمَّا أبَى إلاّ التَّحمُّلَ رائحا منحناه أعناقَ الكِرامِ ركائِبَا
[ ١٩٦ ]
يسير به النَّعْشُ الأعزّ وحوله أباعدُ راحوا للمُصَابِ أقاربا
عليه حفيف للملائك أقبلتْ تُصافحُ شَيخًا ذاكرَ الله تائبا
تَخَالُ لفيف النّاسِ حول ضَرِيحهِ خَلِيطَ قَطًَا وافَى الشريعةَ هارِبَا
إذا ما امتروا سُحبَ الدموعِ تفرّعت فروع البُكا عن بارقِ الحُزنِ لاهِبَا
فَمَنْ ذَا لِفضلِ القَولِ يَسطَعُ نُورُه إذا نحن ناوينا الألدّ المنَاوِبَا
ومن ذا ربيعُ المسلمينَ يقُوتُهم إذا النَاس شاموها بُرُوقا كواذِبَا
فيا لّهفَ قلبي آهٍ ذابت حُشَاشَتِي مَضَى شَيخُنَا الدفَّاع عنّا النوائِبَا
ومات الذي غاب السرورُ لمَوتِهِ فليس وأن طال السُّرى منه آيبا
وكان عظيمًا يُطرِقُ الجمعُ عِندَهُ ويعنو له ربُّ الكتيبةِ هائِبَا
وذَا مِقوَل عَضبِ الغِرَارينِ صارمٍ يروح به عَن حَومَةِ الدين ضَارِبَا
أبا حاتمٍ صَبْر الأديبِ فإنّني رأيتُ جميلَ الصَّبرِ أحلى عواقبا
[ ١٩٧ ]
وما زلتَ قَدْمًا ترهب الدهرَ سطوةً وصَعبًا يُعيي الخطوبَ المصاعِبَا
سأستعتبُ الأيامَ فيكَ لعلَّها لصحّة ذاكَ الجسمِ تَطلُبُ طَالِبَا
لئن أَفَلتْ شَمسُ المكارِم عَنكُمُ لقد أَسأرَتْ بَدرًَا لها وكواكِبَا
ودَبَّت إليه أيام العَلويّين عَقَارب، بَرئَتْ بها من أباعِد وأقارب، واجَهه بها صَرفٌ قطوف، وانبرت إليه منها خُطُوب، نَبا لها جَنبُه عن المضجَع، وبَقِي بها يَأرقُ ولا يَهجَع، إلى أن عَلِقتهُ من الاعتِقَال حباله، وعَقلتهُ في عِقَال أذهَب مَالهُ، فأقام مُرتهنا، ولقي وهنا، وقال:
قريب بمحتلِّ الهوانِ مَجيدُ يجودُ ويَشكو حُزنَه فيَجِيدُ
نَعَى صبره عند الإمام فَيَا لهُ عَدُوٌّ لأبناءِ الكِرامِ حسودُ
وما ضرّه إلاّ مِزَاحٌ ورِقَّةٌ ثَنَتهُ سَفَيهَ الذّكرِ وهو رَشيدُ
جَنَى ما جَنَى في قُبَّةِ المُلكِ غَيرُه وطُوِّقَ منه بالعَظِيمَةِ جِيدُ
وما فيّ إلاّ الشعر أثَبتَهُ الهَوَى فسار به في العالمينَ فريدُ
[ ١٩٨ ]
أفوهُ بما لم آته متعرِّضًا لحُسنِ المعاني تارةً فأزيدُ
فإنّ طال ذكري بالمجُون فإنّني شقيٌّ بمَنظُوم الكلامِ سعيدُ
وهل كنت في العُشَّاقِ أوَّلَ عاقلٍ هَوَتْ بِحِجَاهُ أعينٌ وخدودُ
وإن طال ذكري بالمجُون فإنّها عظائم لم يَصبِر لَهُنَّ جليدُ
فِراقٌ وسِجنٌ واشتياقٌ وذِلَّة وجَبَّارُ حُفَّاظٍ عليّ عَتيدُ
فمن مُبلغُ الفتيانِ إنّي بَعدَهُم مقيمٌ بدار الظالمين وحيدُ
مُقيمٌ بدارٍ ساكنوها من الأذَى قِيَامٌ على جَمر الحِمَامِ قُعُودُ
ويُسمَعُ للجِنَّانِ في جنبتها بَسِيط كترِجيعِ الصَّدى ونشيدُ
ولست بذي قَيدٍ يرنُّ وإنمّا على اللَّحظِ من سُخط الإمام قيودُ
وقلت لصَدَّاح الحَمَامِ وقد بَكَى على القصر إلفًا والدّموُع تجودُ
ألا أيُّها الباكي على من تُحِبُّهُ كِلاَنا معنىً بالخَلاءِ فريدُ
وهل أنت دانٍ من مُحِبٍّ نأى به عن الإلفِ سُلطَانٌ عليهِ شديدُ
فصفّقَ عن ريش الجناحين واقفًا على القُربِ حتى ما عليه مَزيدُ
وما زال يبكيني وأبكيه جاهدًا وللشّوقِ من دون الضّلوعِ وقودُ
إلى أن بكى الجدران من طول شجون وأجهش باب جانباه حَديدُ
أطاعت أميرَ المؤمنين كتائبٌ تَصرَّفُ في الأموال كيف تريدُ
[ ١٩٩ ]
فللشّمسِ عنها بالنّهار تأخّرٌ وللبدْرِ شَحنًا بالظلام صدودُ
ألا إنَّهَا الأيّام تَلعَبُ بالفَتَى نحوس تهادى تارة وسعودُ
وما كُنتُ ذا أيدٍ فأذعن ذا قُوىً من الدَّهرِ مُبدٍ صَرفُهُ ومعيدُ
وراضت صِعَابي سَطوَةٌ عَلويّة لها بارقٌ نحو النَّدى ورعودُ
تقول التي من بيتها كفّ مَركبي أقُربُكَ دانٍ أم نَوَاكَ بعيدُ
فقلت لها: أمري إلى مَنْ سَمَتْ بهِ إلى المجد أباءٌ له وجدودُ
ولزمته آخر عمره علّة دامت به سنين، ولم تفارقه حتى تركت (أعضاءه قد) حُنِين، وأحسبُ أن الله أراد بها تَمحيصَه، وإطلاقه من ذنبٍ كان قَنيصَه فطهَّره تطهيرًا، وجعل ذلك على العفو له ظهيرًا، فإنها أقعدته حتى حُمِل في المِحَفَّة، وعادته حتى غَدتْ لرونقه مُشتفَّة، وعلى ذلك فلم يَعطُل لسانه، ولم يَبطُل إحسانه وما زال يستريح إلى القول، ويزيح ما كان يجده من الغول، وآخر شعرٍ
[ ٢٠٠ ]
قاله، قوله:
ولمّا رَأيتُ العيشَ لَوَّى برَأسه وأيقنتُ أنَّ الموتَ لا شكَّ لاحِقي
تمنّيتُ أنَّي ساكِنٌ في عَبَاَءةٍ بأعْلى مهبِّ الرّيحِ في رأسِ شَاهِقِ
أرُدُّ سَقِيطَ الظَّلِّ في فَضلِ عِيشَتي وحيدًا وأحسو الماَء ثَنيَ المعَالِقِ
خليليَّ من رَامَ المنيَّة مرّةً فقد رُمتُها خمسينَ قولةَ صَادِقِ
كأنّي وقد حان ارتِحاليَ لم أفُز قديمًا من الدُّنيَا بِلمحَةِ بَارِقِ
فَمَنْ مُبلِغٌ عَنّي ابن حَزم وكانَ لي يَدًا في مُلِمَّاتي وعِندَ مَضَايقي
عليك سلامُ الله إنّي مُفارِقٌ وحَسبُكَ زادًا من حبيبٍ مُفَارِقِ
فلا تَنسَ تَأبيني إذا ما ذَكَرتني وتَذكار أيَّامي وفَضلَ خلائقي
وحرِّكْ لَهُ بالله مَهمَا ذَكّرْتني إذا غيّبوني كُلَّ سَهم غُرانِقِ
عسَى هَامَتي في القَبرِ تسمع بَعضَه بتَرجيعِ شادٍ أو بِتَطريبِ طَارِقِ
فَلي في ادِّكاري بَعدَ موتيَ راحةٌ فلا تَمنعُوهَا لي عُلاَلَةَ رَاهِقِ
وإنّي لأَرجُو الله فيما تقدَّمَتْ ذُنُوبي به ممّا درى مِن حَقَائِقِ
[ ٢٠١ ]