مسلمة
[ ٢٠٣ ]
بيت شرف باذخ، ومفخر على ذوائب الجوزاء شامخ، وزروا للخلفاء، وانتجعتهم الأدباء، واتبعتهم العظماء، وانتسبت لهم النعماء وتنفّست عن نور بهجتهم الظلماء
وأبو عامر هذا هو جوهرهم المنتخل، وجوادهم الذي لا يَبخلَ، زعيمُهم المعظَّم، وسِلكُ مَفخَرِهم المنظَّم، وكان فتى المدام، ومستفتى النِّدَام، وأكثر من النعت للرّاح والوصف، وآثر الأفراح والقصف وأرى قَينات السُّرور مجلَّوة، وآيات الحُسن متلوّة، وله كتاب سمّاه بحديقة الارتياح، في وصف حقيقة الراح واختصّ بالمعتضد اختصاصًا جرّعه رَدَاه، وصَرَعه في مَدَاه، فقد كان في المُعتَضِد من عدم تحفّظه بالأرواح وتهاونه باللّوام في ذلك واللّوّاح، فاطمأنّ إليه أبو عامر واغترّ، وأنِسَ إلى ما بَسَم من مؤانسته وافترَّ، حتى أمكنته في اغتياله فًرصة، ولم يعلق فيها حصّة، ولم يطلق عليه إلا أنه زلّت به قدمه فسقط في البحيرة وانكفا، ولم يُعلَم به إلاّ بعدما طفا، فأُخرِجَ وقد قضى، وأُدرِجَ منه
[ ٢٠٤ ]
في الكفن حُسام المَجد مُنتضَى، فمن محاسنه قوله يصف السَّوسَن، وهو مِمَا أبدعَ فيه وأحسن:
وسَوسَن راق مرآه ومخبَرُهُ وجلّ في أعين النَّظَّار منظره
كأنَّه أكؤسُ البَلُّورِ قد صُنِعَتْ مُسَندَسَاتٍ تعالى الله مُظهِرُهُ
وبَينَها أَلسُنٌ قَد طُوِّقَتْ ذَهَبًا من بَينها قائمٌ بالملكِ يُؤثِرُهُ
وله أيضًا:
حَجَّ الحجيجُ مِنَىً فَفَازوا بالمُنَى وتفرَّقَتْ عن خَيفِه الأشهَادُ
ولنَا بِوَجهكَ حجَّةٌ مَبرُورَةٌ في كلِّ يَومٍ تُقتَضَي وتعاد
واجتمع بجنّة بخارج إشبيلية مع إخوان له عِليَة، فبينا هم يديرون الرّاح، ويشربون من كأسها الأفراح، والجوُّ صاح، إذا بالأُفقِ قد غَيَّم، وأرسل الدِّيَم، بعدما كسا الجوَّ بِمطَارِفِ اللاّذ، وأشعر الغُصًونَ زهر قُبَاذ، والشَّمسُ مُنتقِبَة بالسَّحاب، والرَّعد يبكيها
[ ٢٠٥ ]
بزَمزَمةٍ كالانتحاب، فقال:
يوم كأنّه سَحَابَه لبست عماماتِ الصوامتْ
حَجَبَتْ به شمس الضُّحى بمثالِ أجنِحَةِ الفواختْ
والغيثُ يبكي فَقدَهَا والبرقُ يَضحَكُ ضَحْك شَامِتْ
والرعد يَخطُبُ مُفصِحًَا والجوّ كالمحزون سَاكِتْ
وخرج إلى تلك الخميلة والربيع قد نشر رِدَاه، ونثر على معاطف الغصون نَدَاه، فأقام بها وقال:
وخَمِيلَةٍ رَقَم الزّمانُ أدِيمَها بمُفَضَّضِ ومقسَّمٍ ومشوبِ
رشفت قبيل الصُّبْح ريق غمامةٍ رَشفَ المُحِبِّ مراشِفَ المَحبُوبِ
وطردتُ في أكْنافها ملكَ الصِّبا وقعدتُ واستوزرتُ كلّ أديبِ
وأدرتُ فيها اللَّهوَ حقَّ مُدَارِهِ مع كلّ وضّاح الجبينِ مَهُوبِ
[ ٢٠٦ ]