كاتب المنصور رحمه الله تعالى
وزير المنصور عبد العزيز، وربّ السَّبق في وُدِّهِ والتبريز، ومنقض الأمور ومُبرمها، ومُخمد الفتن ومضرمها، اعتقل بالدُّهي، واستقل بالأمر والنهي على انتهاض بين الأكفاء، واعتراض المحو لرسومه والإعفاء فاستمر غير مراقب، وأمر ما شاء غير ممتثل للعواقب، ينتضي عزائمه انتضاء، فإن ألمّت من الأيام مظلمة أضاء، إلى أن أودى، وغار منه الكوكب الأهدى، فانتقل الأمر إلى ابنه أبي
[ ١٧٣ ]
بكر فناهيك من أبي عُرف ونُكر، وقد أربى على الدّهاة، وما صبا إلى الظبية ولا إلى المهاة، واستقل بالهول يقتحمه، والأمر يُسديه ويُلحمه، فأيّ ندى أفاض، وأيّ أجنحة بمُدىً هاض، فانقادت إليه الآمال بغير خِطَام، ووردت من نداه ببحر طام، ولم يزل بالدولة قائمًا، وموقظًا من بهجتها ما كان نائمًا، إلى أن صار الأمر إلى المأمون بن ذي النون أسد الحروب، ومسدّ الثغور والدروب، فاعتمد عليه واتّكل، ووكل إليه الأمر غير وكل، فما تعدّى الوزارة إلى الرياسة، ولا تردّى بغير التدبير والسياسة، فتركه مستبّدًا، ولم يجد من ذلك بُدًَّا، وكان أبو بكر
[ ١٧٤ ]
هذا ذا رفعةٍ غير متضائلة، وآراء لم تكن آفلة، أدرك بها ما أحبّ، وقطع غارب كل منافس وجبّ، إلى أن طلّحه العمر وأنضاه، وأغمده الذي انتضاه، فخلّى الأمر إلى ابنيه. فتبلّدا في التدبير، ولم يفرّقا بين القبيل والدبير، فغلب عليهما القادر بن ذي النون وجلب إليهما كل خطب ما خلا المنون، فانجلوا، بعدما ألقوا ما عندهم وتحلّوا، وكان لأبي
عبد الله نَظمٌ مُستَبدع، يوضع بين الجوانح ويودع، فمن ذلك ما راجع به ابن عبد العزيز، وكتب إليه يعاتبه بقطعة أولها:
يا أحسنَ النّاسِ آدابًا وأخلاقا وأكرمَ النّاسِ أغصانًا وأوراقا
ويا حيَا الأرضِ لمْ نكّبْتَ عن سَنَني وسُقتَ نحوي إرعادًا وإبراقا
[ ١٧٥ ]
ويا سَنَا الشَّمسِ لِمْ أظلَمتَ في بَصَري وقد وسعْتَ بلاد الله إشراقا
من أيّ بابٍ سَعَتْ غِيَرُ الزّمان إلى رَحِيبِ صَدركَ حتى قِيلَ قد ضاقا
قد كُنتُ أحسَبُني في حُسنِ رأيك لي أنّي أخذتُ على الأيّام ميثاقا
فالآنَ لم يبقَ لي بَعد انحرافك ما آسَى عليهِ وأُبدي منه إشفَاقا
فأجابه ابن عبد العزيز بهذه القطعة:
ما زلتُ أوليك إخلاصًا وإشفاقًا وأنثَني عنك مَهما غِبتَ مُشتاقا
وكانَ من أملي أن أقتنيك أخًا فأخفقَ الأملُ المأمولُ إخفاقا
فقلتُ غَرسٌ من الإخوان أكلؤُهُ حتى أرى منه إثمارا وإيراقا
فكانَ لمَّا زهتْ أزهارُهُ ودَنَت أثْماره حَنظَلًا مرًّا لِمَن ذاقا
فلستَ أوَّلَ إخوانٍ سَقيتُهم صفوي وأعلقتهم بالقَلب إعلاقا
[ ١٧٦ ]
فما جَزوْني بإحساني ولا عَرَفوا قدري ولا حَفِظوا عَهدًا وميثَاقَا