من بيت جَلالة، وعِترَة أصالة، كانوا مع عبد الرحمن الداخل، وتوغّلوا معه في متشعّبات تلك المداخل، وسعوا في الخلافة حتى حضر مُبَايعُها، وكَثُر مُشايعُها، وجدّوا في الهُدنة وانعقادها، وأخمدوا نار
[ ٢١١ ]
الفتنة عند اتّقادها فأبرمت عُراها، وارتبطت أولاها وأُخراها، فظهرت البيعة واتّضحت، وأُعلِنَت الطّاعة وأُفصِحَت، وصاروا تاج مَفرِقِها، ومِنهاج طُرُقِهَا، وأبو عَبدة هذا ممّن بلغ الوزارة وأدركها، وحلّ مطلعها وفلكها، مع اشتهار في اللُّغة والآداب، وانخراط في سِلك الشعراء والكُتَّاب، وإبداع لما ألّف، وإنتهاض بما تكلّف ودخل على المنصور وبين يديه كتاب ابن السري وهو به كلف، وعليه مُعتكف، فخرج من عنده وعمل على مثاله كتابًا سمّاه بكتاب: ربيعة وعقيل، جرّد له من ذهنه أيّ سَيف صقيل، وأتى به مُنتسخًا مصوَّرًا في ذلك اليوم من الجمعة الأخرى، وأبرزه والحسن يبتسّم عنه ويتعرَّى، فَسُرَّ به المنصور وأُعجِبَ، ولم يَغِب عن بصره ساعةً ولم يَحتجب، وكان لأبي عبدة بعد هذه المدّة حين أدجّت الفتنةُ لَيلها، وأزجَت ابلَهَا وخَيلها، اغتراب كاغتراب الحارث بن مُضاض، واضطراب بين القوافي والمواضي كالحيّة النَّضناض، ثم اشتهر بَعدُ، وافترّ له
[ ٢١٢ ]
السَّعدُ، وفي تلك المدة يقول، يتشوّق إلى أهله:
سقى بلد أهلي به وأقاربي غواد بأَثقَال الحَيَا وروائحُ
وهَبَّتْ عليهم بالعشيِّ وبالضُّحَى نواسِمُ برد والظلال فوائحُ
تذكَّرْتُهُم والنأيُ قد حال دُونَهم ولم أنسَ لكنْ أوقدَ القَلبَ لافحُ
ومّما شجاني هاتفٌ فَوقَ أيكةٍ ينوح ولم يَعلَم بما هو نائِحُ
فقلت اتّئِدْ يكفيك إني نازح وأنَّ الذي أهواهُ عنَّي نازِحُ
ولي صِبيَةٌ مِثْلَ الفراخِ بقفر مضى حاضناها فاطّحتها الطوائِحُ
إذا عَصَفتْ ريحٌ أقامت رؤوسها فلم يَلقَها إلاّ طيورٌ بوارِحُ
فَمنْ لِصِغَارٍ فَقدِ أبيهم سوى سانحٍ في الدّهرِ لوعنَّ سانِحُ
واستوزره المُستظهر عبد الرحمن بن هِشَام (المُسمَّى) بالخلافة أيام الفتنة، فلم يرضَ بالحال، ولم يَمضِ في ذلك الانتحال، وتثاقل عن الحضور في كل وقت، وتغافل في ترك الغرور
[ ٢١٣ ]
بذلك المَقت، وكان المستظهر يستبدّ بأكثر الأمور دونه، وينفرد مغيّبًا عنه شؤونه فكتب إليه:
إذا غِبْتُ لم أُحضَر وإن جِئْتُ لم أُسَلْ فسيّان منّي مْشهد ومَغِيبُ
فأصبحتُ تيميًّا وما كُنت قبلها لِتَيْمٍ ولكنّ الشبيهُ نسيبُ
ومن شعره في المِهرجَان:
أرى المِهْرجَان قد اسْتَبشَرا غداةَ بكى المُزْنُ واسْتَعبَرا
وسُربِلَتْ الأرض أفواهَهَا وجُلّلت السُّندُسَ الأَخضَرَا
وهزّ الرِّياح صنابيرَها فضوَّعتِ المسك والعَنبَرا
تهادى به النَاس ألطَافهُ وسام المقلّ به المُكْثِرَا
وله أيضًا:
رَأتْ طالِعًا للشَّيبِ بَينَ ذَوَائبي فَعَادتْ بأَسْرابِ الدّموع السَّواكبِ
وقالت: أَشيبٌ؟ قُلت صُبْحُ تجاربي أنَارَ على أعقَابِ ليلِ نوائبي
[ ٢١٤ ]
ولما مات قال الوزير أبو عامر بن شهيد يرثيه رحمهما الله تعالى:
أفي كلِّ عامٍ مصرعٌ لعظيمِ أصاب المَنَايا حادِثِي وقدِيمي
وكيفَ اهتدائي في الخطوب إذا دَجَتْ وقد فَقَدتْ عينايَ ضوَء نُجُومِ
مضى السَّلفُ الوضّاح إلاّ بقيةً كغْرَّةِ مسوَدِّ القميصِ بهيمِ
فإن ركبت مَنّي الليالي هَضِيمَةً فَقَبليَ ما كان اهِتضَامُ تميمِ
أبا عَبدَةَ إنّا غَدَرنَاك عِندَما رَجَعنَا وغادرْنَاك غَيرَ ذميمِ
أنَخْذلُ مَنْ كُنَّا نرودُ بأَرضِهِ وَنكْرَعُ منه في إناءِ علومِ
وَيجْلو العَمَى عنّا بأنوارِ رأيهِ إذا أظلَمت ظلماءُ ذاتُ غمومِ
كأنّك لم تُلْقِحْ بريح من الحِجَى عقائمَ أفكار بغيرِ عقيمِ
ولم نَعتَمِدْ مغناك غَدْوًا ولم نَزرْ رَوَاحًا لفصلِ الحُكمِ دارَ حكيمِ