[ ١٨٠ ]
وبنو جَهوَر أهلُ بيت وزارة، اشتهروا كاشتهار ابن هُبَيرة في فَزَارة وأبو الحَزْم أمجدهم في المكرمات، وأنجدهم في الملمّات، ركب مُتُون الفتون فَراضها، ووقع في بحور المِحَن فَخَاضَها، مُنبسِطٌ غيرُ مُنكمش، لا طائش اللّسانِ ولا رَعِش، وقد كان وزر في الدولة العامرية فَشَرُفَت بجلاله، واعترفتْ باستقلاله فلمّا انقرضت، وعاقت الفتن واعترضت، تخلّى عن التدبير مُدَّتها، وخلّى لخلافه تدبير الخلافة وشدَّتها، وجعل يُقبل مع أولئك الوزراء ويُدبِر،
[ ١٨١ ]
وينهلُ الأمر معهم ويُدَبِّر، غير مُظهر للانفراد ولا مقصِّر في ميدان ذلك الطِّراد، إلى أن بلغت الفتنة مداها، وسوّغت ما شاءت رداها، وذهب من كان يَخِد في الرياسة ويخبُّ، ويسعى في الفتنة وَيَدبُّ، ولمّا ارتفع ذلك الوبال وأدبر ذلك الإقبال راسل أهل التقوى مستمدًّا بهم، ومعتمدًا على بعضهم، تحيّلًا منه وتمويها، وَتَداهِيًا على أهل الخلافة وذويها، وعرض عليهم تقديم المعتدّ هشام، وأومض منه لأهل قُرطُبَة برق خُلَّبِ يشام بعد سرعة التياثِها، وتعجيل انتكاثِها، فأنابوا إلى الإجابة، وأجابوا إلى استرعائه الوزارة
[ ١٨٢ ]
والحِجَابة وتوجّهوا مع ذلك الإمام، وألموا بقرطبة أحسنَ إلمام، فدخلوها بعد فتن كثرة، واضطرابات مستثيرة، والبلد مُقفِر، والجلد مُسفِر، فلم يبقَ غيرُ يسيرٍ حتى جبذ واضطرب أمره فخُلِع، واخُتطِفَ من المُلك وانُتزِع، وانقضت الدولة الأمويّة، وارتفعت الدولة العَلويّة، واستولى على قُرطُبَة عند ذلك أبو الحزم، ودبّرها بالجِدِّ والعزم، وضبطها ضبطًا أمَّنَ خائفها، ورفع طارق تلك الفتنة
وطائفها، وخلا له الجزّ فطار، واقتضى اللُّبَانَات والأوطار، فعادت له قرطبة إلى أكمل حالاتها، وانجَلى به نوء استجلالاتها، ولم تزل به مشرقة وغصون الأمل فيها مورقة، إلى أن توفي سنة خمس وثلاثين وأربعمائة، فانتقل الأمر إلى ابنه أبي الوليد، واشتمل منه على
[ ١٨٣ ]
طارف وتليد، وكان لأبي الحزم أدب ووقار وحلم سارت بها الأمثال وعُدِم فيها المِثَال، وقد اثبتُّ من شعره ما هو لائق، وفي سماء الحُسن رائق، وذلك قوله في تفضيل الورد:
[ ١٨٤ ]
الورْدُ أحسنُ ما رأتْ عيني وأذْ كي ما سقى ماءُ السَّحاب الجائدُ
خَضَعَتْ نواويرُ الرّياضِ لحُسنِهِ فتذلّلّت تنقادْ وَهْي شوارد
وإذا تبدّى الوردُ في أَغصَانِه يزهو فذا مَيتٌ وهذا حاسد
[ ١٨٥ ]
وإذا أتى وفدُ الرّبيعِ مبشِّرًا بطلوع صَفحَتِهِ فَنِعمَ الوافِدُ
ليس المبشِّر كالمبشِّر باسمِهِ خَبَرٌ عليه من النبوَّةِ شاهدُ
وإذا تعرى الوردُ من أورَاقِهِ بَقِيت عوارِفهُ فَهُنَّ خوالِدُ
وله وقد وقف على قصور الأمويين وقد تقوّضت أبنيتها، وعوّضت من أنيسها بالوحوش أفنيتها:
قلتُ يومًا لدارِ قومٍ تفانوا: أين سكّانك العِزَاز علينا؟
فأجابت: هنا أقاموا قليلًا، ثمّ ساروا، ولست أعلم إينَا