واحد الأندلس الذي طوّقها فخارًا، وطبّقها بأوانهِ افتخارًا، ما شئت من وقار لا تحيل الحركة سكونه، ومقدارٍ يتمنَّى مُخبِّرٌ أن يكونه،
[ ٢١٥ ]
إذا لاح رأيت المجد مُجتَمِعًا، وإن فاه أضحى كل شيءٍ مستمعًا، تكتحل منه مُقلُ المَجد، وتنتحل المعالي أفعاله انتحال ذي كلف بها ووَجد، لو تفرّقت في الخلق سَجَاياه لحُمِدَت الشِّيَم، واستُسقِيَت بمُحيّاه لما استمسكت الدّيَم، ودُعي للقضاء فما رضي وأُعفي عنه فكأنه استُقضي، لديه تثبتُ الحقائق، وتَنبتُ العلائق، وبين يديه يُسلكُ عين الجَدَد ويدع اللَّدِدُ اللَّدَدِ، وله أدب إذا حاضر به فلا البحر إذا عصف، ولا أبو عثمان ابنه إذا صنَّف، مع حلاوة مؤانسةٍ تستهوي الجليس وتَهوي حيث شاءت بالنّفوس، وأما تحبيره وإنشاؤه، ففيهما للسامع تحييره وانتشاؤه، وقد أثبت له بِدَعًا يثنى إليها الإحسان جِيدًَا وأخدَعَا، فمن ذلك قوله في منزل حلّه متنزَهًا:
يا مَنزِلَ الأُنسِ أهواهُ وآلفه حقًَّا لقد جُمِعتْ في صحنك البِدَعُ
لله ما اصطَنعَتْ نُعمَاك عِندي في يوم نعمت به والشمل مُجتَمعُ
[ ٢١٦ ]
وحلّ مِنية صِهره الوزير أبي مروان بن الدّبّ بعُدوة إشبيلية المُطلَّة على النهر، المشتملة على بدائع الزّهر، وهو مُعرِس ببنته، فأقام فيها أيامًا متأنِّسًا، ولِجَذوة السرور مُقتبسًَا، فأولاه من التحف، وأهدى إليه من الطُّرف، ما غمر كَثرة، وبهر نَفَاسة وأثرة، فلما ارتحل، وقد اكتحل من حسن ذلك الموضع بما اكتحل، كتب إليه:
قُلْ للوزير وأينَ الشُّكرِ من مِنَنٍ جاءت على سَنَنٍ تَترَى وتتَّصِلُ
غِشيت مَغْناك والرّوضُ الأنيق بهِ يَندَى وصوب الحَيا يَهْمي وَيَنْهَمِلُ
وجال طَرفي في أرجَائِهِ مَرَحًَا وفْقَ اختِيَاري يَستعْلي ويَستَفِلُ
يدعو بِلَفتتِهِ حيثُ ارتَمى زَهَرٌ عليه من مُنثَني أفَنَانِهِ كِلَلُ
محلُّ أنسٍ نَعِمنَا فيه آوِنَةً من الزَّمانِ وواتانا به الأمَلُ
وحلّ بعد ذلك متنزّهًا بها على عادته، فاحتفل في موالاة ذلك البرّ وإعادته، فلما رحل كتب إليه:
[ ٢١٧ ]
يا دارُ أمّنكِ الزّما نُ صروفه ونوائبَهْ
وجرت سعودك بالذي يَهْوي نزيلُكِ دائبَهْ
فلنعم مثوى الضّيْفِ أَنْ ت إذا تحاموا جانِبَهْ
خَطَرٌ سَأرْتِ به الدّيَا رَ وأَذْعَنتْ لكِ ناصِبَهْ
وله فيه أيضًا:
أمِسكُ دَارِينَ حيَاكَ النّسيم به أَمْ عَنبَرُ الشَّحْرِ أم هّذي البساتينُ
بشاطئ النَّهْر حيث النَّورُ مُؤتَلق والرّاح تَعْبَق أم تلك الرياحينُ
وصنع ولد ابن عبد الغفور رسالةً، سمّاها بـ الساجعة حذا بها حذو أبي العلاء المعرّي في الصاهل والشاحج وبعث بها إليه، فعرضها عليه فأقامت عِنْدَه أيامًا ثم
استدعاها منه فصرفها إليه وكتب معها يول - من النثر -: بِكْر زَففتُها - أعزك الله - نَحوك، وهززتَ
[ ٢١٨ ]
بمقدمها سناك وسَروَك، فلم ألفظها عن شِبَع، ولا جهلت ارتفاعها عمّا يجتلي من نوعها ويُستَمَع، ولكن لَمَ أنِسته من أُنسِكَ بانتجاعِها، وحرصك على ارتجاعها، دفعت في صدر الوَلوع، وتركت بينها وبين مجاثمها تلك الربوع، حيث الأدبُ غضٌ، وماءُ البلاغةِ، مرفضّ، فأسعد أعزّك الله بكرَّتِها وسَلها عن أفانين مَعَرَّتِهَا بما تَقطِفه من ثمارك، وتغرفه من بحارك، وترتاح له ولإخوانه من نتائج أفكارك وأنها لِشنشِنَة أعرفها فيكم من أخزم وموهبة حزتموها وأحرزتم السَّبقَ فيها منذ كم، إن شاء الله تعالى.