هذه ثِنيَة غُذِيَت بالأدب، ورَبتْ في أسمى الرُّتَب، ما منهم إلاّ شاعرٌ كاتب ولازم لباب السُّلطان راتب، لم يزل في الدول العامريّة بسبقٍ يُذكر وحق لا يُنكر، وأبو حَفص هذا بديع الإحسان، بليغُ القلم واللّسان، مليحُ الكتابةِ فصيحُ الخطابة، وله رسالة السيف والقلم وهو أوّل من قال بالفرق بينهما، وشعره مثقف المباني، مُرهف كالحُسام اليماني، وقد لأثبتُّ منه ما يُلهيكَ سَماعا، ويُريكَ الإحسان لِمَاعا، فمن ذلك قوله يَصِفُ البَهَار:
تأمّل فَقَدْ شقَّ البَهَارُ كَمائِمًا وأبرز عَن نُوَّاره الخَضل النَّدِي
[ ٢٠٧ ]
مداهِنَ تِبر في أنامِلِ فِضَّةٍ على أذرُعٍ مخروطةٍ مِن زَبرجَدِ
وله يصف معشوقًا، أهيف القدّ ممشوقًا، أبدى صفحة ورد، وبدا في ثوب لازَورَد:
لمّا بدا في لازور ديّ الحرير وقد بَهَر
كبّرتُ من فَرط الجَمالِ ل وقلتُ: ما هذا بَشَرْ
فأجابني لا تنكرنْ ثوبَ السماء على القمرْ
وله أيضًا عفا الله عنه:
قلبي وقلبك لا محالة واحِدُ شَهِدَتْ بذلك بَيننَا الألحَاظُ
فتعال فَلنَغِظِ الحسودَ بوصلنا إن الحسودَ بمثل ذاك يُغَاظ
وله أيضًا إلى من ودّعه، وأودع فؤاده من الهوى ما أودعه:
يا من حُرِمْتُ لَذّاذتي بمسيرهِ هذي النَّوَى قد صعَّرتْ لي خدَّها
[ ٢٠٨ ]
زَوِّدْ جُفُوني من جمالِكَ نظرةً واللهُ يَعلَمُ إن رأيتُكَ بَعدَها