الخَوْلاني
عَلَم من أعلام الزمان، وعين من أعيَان البيان، باهِرُ الفصاحة، طاهِرُ الجناب والسَّاحة تولّى التَّحبير أيام المنصور والإنشاء، وأشعر بدولته الأفراح والإنشاء ولبس العزّة مُدّتها، ضافيَة البُرُود، وورَدَ بها النَّعمَةَ صافية الورود وامتطى من جياد التوجيه، أعتقَ من لاحِقٍ والوجيه وتمادى طَلَقه، ولا أحد يلحقه، إلى أيّام
المظفّر، فمشى على سَنَنه، وتمادى السَّعد يترنَّم على فَنَنِهِ، إلى أن قَتل المظفّر صِهْرَه
[ ١٧٧ ]
عيسى بن القطاع، صاحب دولته وأميرها المطاع وكان أبو مروان قديمَ الاصطناع له والانقطاع إليه، فاتُّهم معَهُ وكاد أن يذوقَ الحِمَام ويَجُرَعَهُ، إلاّ أنّ إحسانَه شَفعَ، وبيانَه مَنَع ودَفَع، فحُطّ عن تلك الرُّتب، وحُمِلَ إلى طُرطُوشَة على القَتَب، فبقي هنالك مُعتقَلًا في بُرج من أبراجها نائي المُنتهى، كأنّما يُنَاجي السُّها، قد بَعُدَ ساكنه عن الأنيس فَعُدَّ من النّجم بمنزلة الجليس، تمرّ الطيور دونه ولا تجوزه، ويُرى منه الثَّرى، ولا يكاد يحوزه، فبقي فيه دهرا لا يرتقي إليه راق،
[ ١٧٨ ]
ولا يرجى لبثّه راق، إلى أن أُخرِجَ منه إلى ثَرَاه واستراح مِمّا عَرَاه، فمن بديع ما قاله، قوله يصف المعقل، الذي فيه اعتُقِل:
يأوي إليهِ كُلُّ أعورَ ناعقٍ وتَهُبُّ فيه كُلُّ ريحٍ صَرصَرِ
ويكاد من يرقى إليه مرّة من عُمْره يشكو انقطاع الأبْهَرِ
ودخل ليلةً على المنصور، والمنصور قد اتّكأ وارتفق، وحكى بمَجلسه ذلك الأفق، والدُّنيا بمَجلسه ذلك مَسُوقه، وأحاديث الأماني به منسوقة، فأمره بالنزول في جملة الأصحاب، والقمر يظهر ويَحتجِبُ في السَّحاب، والأفق يبدو به أغرَّ ثمَّ يعود مُبهَمًا، والليل يتراءى منه أشقر ثم يعود أدْهما، وأبو مروان قد انتشى، وجال في ميدان الأنسِ ومشى، وبُردُ خَاطرِه قد دّبجَه السرور ووَشَى، فأقلقه ذلك المغيبُ والالتياح، وأنطقه ذلك السرور والارتياح فقال:
أرى بَدرَ السَّماءِ يلوح حينًَا فيبدو ثُمَّ يلتحف السحابا
وذلك أنه لما تبدّى وأبصر وجهَك اسَتحيَا فَغَابا
[ ١٧٩ ]
مقال لو نَمَى عندي إليه لراجعني بذا حقّا جَوَابَا
وله في مدة اعتقاله، وتردّده في قيده وعقاله:
شَحَط المزارُ فلا مزارَ ونافَرَتْ عيني الهجوع فلا خيالٌ يعتري
أزرى بصبري وهو مشدود القُوَى وألانَ عودي وهو صُلبُ المكْسَرِ
وطوى سروري كُلَّهُ وتلذُّذي بالعيش طيَّ صحيفةٍ لم تُنْشرِ
ها إنّما ألقَى الحبيبَ توهُّمًا بضمير تذكاري وعينِ تذكُّري
عَجَبًَا لِقَلبي، يومَ راعتني النَّوى زدنا وَدَاعٌ كيفَ لَمْ يَتَفطَّرِ