من ثِنيَة رياسة، وعترة نفاسة، ما منهم الأمن
[ ١٨٦ ]
حدى بالإمارة وتردَّى بالوزارة، وأضاء في آفاق الدول، ونهض بين الخيل والخَوَل، وأبو عامر هذا أحدُ أمجادهم، ومتقلد نجادهم، فاتَهم أَدَبًا ونُبلًا، وباراهم كرما تخاله وبلا، إلاّ أنه بقي وذَهَبُوا، ولقي من الأيام ما رَهَبُوا، فعاين نُكرها، وشَربَ عكرها وجال في الآفاق، واستدر أخلاف الأرزاق، وأجال للرجاء قِدَاحًا متواليات الإخفاق فأخمِلَ قَدرُه، وتوالى
عليه جور الزمان وغَدرُه، فاندَفنت آثاره، وَعَفت أخباره وقد أثبتُّ له بعضَ ما قاله، وحاله قد أدبرت، والخطوب إليه قد انبرت، أخبرني الوزير الحكيم أبو محمد المصري وهو الذي آواه، وعنده استقرت نَوَاه، وعليه كان قادمًا، وله كان مُنادمًا أنه رغب إليه في أحد الأيام أن يكون من جُملة نُدَمائه، وأن لا يُحجَبَ عنه
[ ١٨٧ ]
وتكون منّة من أعظم نَعمائه، فأجابه بالإسعاف، واستَسَاغَ منه، ما كان يعَاف، لِعلمِه بقلّته وإفراط خلّته، فلما كان ظُهرُ ذلك اليوم كتب إليه:
ها قد أهبت بكم وكلّكم هوى وأحقّكم بالشّكر مني السّابقُ
فالشَّمسُ أنتَ وقد أظلَّ طُلُوعها فاطْلَعْ وبين يديك فجرٌ صادقُ
وكان له ابن مكبود قد أعياه عِلاجُه، وتهيأ للفساد مِزَاجُه، فَدُلَّ على خَمرٍ قديمة فلم يعلم بها إلا عند حكم، وكان وَسِيمًا، وللحسن قسيمًا فكتب إليه:
أَرسِلْ بهَا مِثْلَ وُدِّك أرقّ من ماء خدّك
شقيقة النّفس فانضحْ بها جَوَى ابني وعَبدِك
وكتب مُعتذِرًا، عمّا جَناه مُنذِرًا:
[ ١٨٨ ]
ما تغيّبتُ عَنكَ إلاّ لعُذرٍ ودليلي في ذاكّ حِرصي عليكا
هَبكَ أنَّ الفِرَارَ من عُظمِ ذَنبٍ أتراه يكونُ إلاّ إليكا؟