ودخل صديق لأبي الطيب عليه بالكوفة وبيده تفاحة من ند، مما جاءه في هدايا فاتك، عليها اسمه فناوله إياها فقرأها..
فقال أبو الطيب يرثي فاتكا:
يذكّرني فاتكًا حلمه وشيءٌ من النّدّ فيه اسمه
يقول: إن حلم فاتك يذكرني فاتكًا، حتى لا أنساه، فكلمًا رأيت حليما تذكرته، وكذلك يذكرني فاتكًا قطعةٌ من ند كتب عليها اسمه.
ولست بناسٍ ولكنّني يجدّد لي ريحه شمّه
التقدير: ولست بناس إياه، أو بناس عهده. والهاء في ريحه لفاتك وفي شمه لشيء من الند.
لما قال: إن اسمه وحلمه يذكراني إياه، كان ذلك دلالة على النسيان فاستدرك ذلك في البيت وقال: لست أنساه حتى أتذكره، ولكن شم هذا الند جدد لي ريحه، وطيب شمائله.
وأيّ فتىً سلبتني المنون؟ لم تدر ما ولدت أمّه!
أمه يجوز أن يرفع بالفعل الأول وهو لم تدر ويجوز أن يرفع بالفعل الثاني وهو: ولدته.
يقول: أي فتىً أخذته المنون عني، ثم عظم أمره وقال: إن أمه لم تدر ما ولدته، لأنها ولدت الموت في صورة المولود فحسبته ولدا! فإذا لم تعلمه أمه، فغيرها أولى ألا يعرفه.
ولا ما تضمّ إلى صدرها ولو علمت هالها ضمّه
الهاء في صدرها وهالها للأم وفي ضمه لفاتك. وهو رفع لأنه فاعل هالها.
يقول: لم تدر أم فاتك ماذا تضم إلى صدرها، ولو علمته لكان يهولها ضمه؛ لأنها ضمت الموت إلى صدرها.
بمصر ملوكٌ لهم ما له ولكنّهم ما لهم همّه
[ ١ / ٤٢٢ ]
يقول: قد كان في مصر من له مثل ما له، ولكنه قد قصر همه عن همه. ومثله لأشجع:
وليس بأوسعهم في الغنى ولكنّ معروفه أوسع
فأجود من جودهم بخله وأحمد من حمدهم ذمّه
وأشرفه من عيشهم موته وأنفع من وجدهم عدمه
يقول: موته خير من حياة ملوك مصر، وفقره أنفع من غناهم. وهذه الأبيات مبالغة في المدح.
وإنّ منيّته عنده لك الخمر سقيّه كرمه
يقول: إن كان أصل المنية، يسقى الناس كأسها، كما أن الكرم عنصر الخمر، فلما شرب كأس المنية صار كالخمر يسقى الكرم، فرد إليه ما خرج منه.
وقيل: معناه إن المنية كانت تطيب له؛ لشجاعته لا يكرهها، كما يطيب الكرم أن يسقى الخمر. والهاء في قوله سقيه وفي كرمه يعود إلى الخمرة، وذكره على معنى النبيذ، والنبيذ مذكر.
فذاك الّذي عبّه ماؤه وذاك الّذي ذاقه طعمه
عبه أي شربه: أي الخمر الذي ذاقه هو الموت.
يقول: هذا الموت، الذي شربه ماؤه، كما أن الخمر، ماء الكرم. وهذا الموت الذي ذاقه من طعم المنية، إنما كان طعمه.
وعلى الثاني: إذا سقى الكرم فالذي عبه هو ماؤه على الحقيقة من الذي ذاقه طعمه. أي هو موافق له غير مباين.
ومن ضاقت الأرض عن نفسه حرىً أن يضيق بها جسمه
يقول: ضاقت الأرض عن نفسه لبعد همته فلم تسعه، ومن كان كذلك في حال الحياة فهو حقيق بعد الموت أن تضيق بجسمه.
وقال أيضًا بعد خروجه من مدينة السلام إلى الكوفة وأنشدها بها، يذكر مسيره من مصر ويرثي فاتكًا، في شعبان سنة اثنتين وخمسين وثلاث مئة:
حتّام نحن نساري النّجم في الظّلم وما سراه على خفٍّ ولا قدم؟
حتام: أي إلى متى، والأصل: حتى ما فحذف الألف من ما وجعل مع حتى بمنزلة اسم واحد، لكثرة الاستعمال، وكذلك: بم وفيم وعم وعلام هذا في الاستفهام. وفي الخبر لا يحذف الألف.
ونساري نفاعل من السري: أي نسري معه، وأراد بالنجم: النجوم. وروي: على ساق ولا قدم.
يقول: إلى متى نعارض النجوم في سيرها؛ ونسري معها، ونتعب نحن وهي لا تتعب؛ لأنها لا تسري على ساق ولا قدم، كما نسري نحن وإنما سيرها طبعها.
ولا يحسّ بأجفانٍ يحسّ بها فقد الرّقاد غريبٌ بات لم ينم
ولا يحس يعني النجم وفقد نصب لأنه مفعول يحس وفاعل يحس بها غريب.
يقول: إن النجوم لا تتألم بجهة السفر، ولا يصيبها ألم السهر، كما نتألم نحن بذلك، فكيف نقدر على مباراتها؟! وأراد بالغريب الذي بات لم ينم: نفسه وكل من كان مثله.
تسوّد الشّمس منّا بيض أوجهنا ولا تسوّد بيض العذر واللّمم
العذر جمع عذار، وهو جانب اللحية.
يقول: الشمس تسود ألوان وجوهنا البيض، ولا تغير بياض الشعر سوادًا، وهو شكاية لأن بياض الوجه مما يشتهي بقاؤه، فلا تبقيه، وبياض الشعر مما يكره بقاؤه فتبقيه ولا تغيره!
وكان حالهما في الحكم واحدةً لو احتكمنا من الدّنيا إلى حكم
يقول: كان الواجب في مقتضى القياس أن تسود الشمس الأبيض من شعورنا، كما سودت وجوهنا البيض؛ لأن كل واحد منهما استوى في البياض.
ونترك الماء لا ينفكّ من سفرٍ ما سار في الغيم منه سار في الأدم
يقول: كما أدمنا السفر ولم ننفك منه، كذلك تركنا الماء غير منفك عن السفر؛ لأنا كنا نسافر في المفاوز المقفرة، فنحتاج إلى حمل الماء فنغترفه من أعقاب السحاب، فنجعله في الأداوي والمزاود، ونحمله مع أنفسنا، فلم يخل الماء أيضا من السفر؛ لأنه مرةً يسير في السحاب، ثم بعده يسير في المزاود.
وإنما نسب سير الماء الذي في السحاب إليهم في قوله: ونترك الماء لا ينفك من سفر وإن كان سيره فيه ليس من جهتهم؛ لأنه لما كان هذا السير، والسير في المزاود واحد، هما عقيب صاحبه وسببا عنه. جريا مجرى الفعل الواحد؛ لأن السبب الذي أدى إلى إدامة السير هو فعلهم: الذي هو صب الماء في المزاود، فلولا هذا لم يدم سير الماء.
لا أبغض العيس لكنّي وقيت بها قلبي من الحزن أو جسمي من السّقم
يقول: إتعابي العيس في السير ليس لأجل أني أبغضها، ولكني وقيت بالعيس قلبي من الحزن، وجسمي من المرض، حين كنت بمصر.
طردت من مصر أيديها بأرجلها حتّى مرقن بنا من جوش والعلم
[ ١ / ٤٢٣ ]
جوش والعلم: موضعان من حسمى على أربع مراحل.
يقول: سرت بها من مصر حتى خرجت من هذين الموضعين، خروج السهم من القوس أو من الرمية.
وطرد الأيدي بالأرجل: إتباعها من غير تراخ في عدو. وهو استعارة لطيفة؛ لأنه جعل أرجلها تطرد أيديها في السير، كما يطرد الصيد، وهو مأخوذ من قول بعض العرب:
كأنّ يديها حين جدّ نجاؤها طريدان والرّجلان طالبتا وترا
إلا أن لفظ أبي الطيب ألطف وأحسن.
تبرى لهنّ نعام الدّوّ مسرجةً تعارض الجدل المرخاة باللّجم
تبرى لهن أي تعارض العيس، وفاعل تبرى نعام الدو: وأراد بها الخيل. شبهها بالنعام؛ لطول ساقها، وسرعة جريها. والدو: الفلاة المستوية. والجدل: جمع جديل، وهو زمام الناقة المضفور من السيور.
يقول: إن الخيل كانت تعارض في سيرها هذه العيس، وتقابل اللجم بأزمتها؛ لطول عنقها.
في غلمةٍ أخطروا أرواحهم ورضوا بما لقين رضا الأيسار بالزّلم
الأيسار: الذين ينحرون الجزور، ويتقارعون عليها بالسهام، واحدهم يسر. والزلم: السهم، وجمعه أزلام.
يقول: سرت بهذه الإيل في غلمة خاطروا معي بأنفسهم، ورضوا بما يلقون من خير وشر، كما يرضى بحكم القداح.
تبدوا لنا كلّما ألقوا عمائمهم عمائمٌ خلقت سودًا بلا لثم
يقول: إذا طرحوا عمائمهم عن رءوسهم، ظهرت عمائم خلقت: يعني شعورهم. وجعلها بلا لثم، لأنهم مرد لا شعور على وجوههم.
بيض العوارض طعّانون من لحقوا من الفوارس، شلاّلون للنّعم
العوارض: محط اللحية في الخد. والشل: الطرد.
يقول: هم مرد لا شعور على عوارضهم، وهم يطعنون كل من لحقوا من الفوارس، ويغيرون على النعم.
وروى ابن جني عنه: بالنصب.
أي بيض العوارض طعانين شلالين وهو نصب على الحال والمدح.
قد بلّغوا بقناهم فوق طاقته وليس يبلغ ما فيهم من الهمم
يقول: بلغوا بقناهم فوق طاقة القنا من الطعن، ومع ذلك فإن القنا لا يبلغ حد هممهم، بل يقصر عنه.
في الجاهليّة إلا أنّ أنفسهم من طيبهنّ به في الأشهر الحرم
يقول: هم على عادة أهل الجاهلية في الغارة والحرب، ولكن أنفسهم لثقتها برماحها آمنة، فتسكن أنفسهم كما سكنت نفوس أهل الجاهلية في الأشهر الحرم.
وقيل: أراد أنهم لعفتهم كأنهم في الأشهر الحرم. فكنى بالطيب عن العفة.
ناشوا الرّماح وكانت غير ناطقةٍ فعلّموها صياح الطير في البهم
ناشوا: تناولوا. والبهم جمع بهمة، وهو الشجاع.
يقول: أخدوا الرماح وهي خرس فطعنوا بها الأبطال، حتى صاحت فيهم صياح الطير. وهو كقول المثلم:
تصيح الردينيّات فينا وفيهم صياح بنات الماء أصحن جوّعا
تخذي الرّكاب بنا بيضًا مشافرها خضرًا فراسنها في الرّغل والينم
تخذي: أي تسرع السير. والرغل والينم: نبتان حسنان. والفرسن: أسفل الخف. وقوله: بيضًا مشافرها لأنا لا ندعها ترعى.
معكومةً بسياط القوم نضربها عن منبت العشب نبغي منبت الكرم
معكومة: أي مشدودة الأفواه.
يقول: ضربت بالسياط فكأن السياط شدت أفواهها. وقوله: نضربها عن منبت العشب: يعني نمنعها بضربها بالسياط عن رعي العشب، نطلب منبت الكرم لنرعى منه.
وأين منبته من بعد منبته أبي شجاعٍ قريع العرب والعجم؟
القريح: السيد الكريم، لما قال: نبغي لها منبت الكرم رجع عنه وقال: أين نطلب لها منبت الكرم؟! بعدما بطل منبته، وهو أبو شجاع فاتك، الذي هو سيد العرب والعجم أي: لا منبت للكرم بعد أبي شجاع. بدل من منبته.
لا فاتكٌ آخرٌ في مصر نقصده ولا له خلفٌ في النّاس كلّهم
أي: إنما كان منبت الكرم فاتكا وقد مضى هو، فليس في مصر من يشابهه.
من لا تشابهه الأحياء في شيمٍ أمسى تشابهه الأموات في الرّمم
الرمم: جمع رمة وهي العظم البالي.
يقول: لم تكن تشبهه الأحياء في أخلاقه الكريمة، وقد أمسى الآن تشبهه الأموات في عظامه الرميمة.
عدمته وكأنّي سرت أطلبه فما تزيدني الدّنيا على العدم
يقول: لما فقدته طلبت له مثلا في مكارمه وأخلاقه، فما ظفرت به في الدنيا، إذ ليس له نظير.
وقيل: أراد طال سيرى في طلب مثله، تمنيًا للغاية وعطائه فلم تزدني الدنيا على العدم شيئًا.
[ ١ / ٤٢٤ ]
ما زلت أضحك إبلي كلّما نظرت إلى من اختضبت أخفافها بدم
يقول: قصدت ملوكا وأدميت أخفاف إبلي بسيري إليهم، فلما وصلت إليهم وجدتهم لا خير فيهم، فكنت أضحك إبلي من حالي معهم! تعجبا وهزؤا.
أسيرها بين أصنامٍ أشاهدها ولا أشاهد فيها عفّة الصّنم
أسيرها: يجوز بفتح الهمزة ويجوز بضمها. يقال: سرت أنا وأسرت ناقتي.
يقول: كنت أسير إبلي بين قوم كأنهم أصنام لا خير عندهم ولا عقل، ولكن ليس فيهم ما في الصنم من العفة.
حتى رجعت وأقلامي قوائل لي المجد للسّيف ليس المجد للقلم
يقول: ما زلت أتوسل إليهم بالقلم والفضل والعلم، فلما لم أظفر بخير قالت لي الأقلام: اطلب الشرف بالسيف لا بالقلم.
اكتب بنا أبدًا بعد الكتاب به فإنّما نحن للأسياف كالخدم
الكتاب: مصدر كالكتابة.
يقول: قالت الأقلام: اطلب أولا بالسيف، ثم بعد ذلك اكتب بنا. بعده، فإنا تبع له وخدم: أي مهد أمرك أولا بالسيف، ثم بعد ذلك اكتب بنا. ومثله للبحتري.
تعنو له وزراء الملك خاضعةً وعادة السّيف أن يستخدم القلما
أسمعتني ودوائي ما أشرت به فإن غفلت فدائي قلّة الفهم
يقول لأقلامه: قد أسمعتني ما قلت لي؛ ودوائي هذا الذي أمرتني به من إعمال السيف، فإن لم أفعل فدائي من قلة العلم والفضل.
من اقتضى بسوى الهنديّ حاجته أجاب كلّ سؤال عن هلٍ بلم
فاعل أجاب ضمير من.
يقول: من طلب حاجته بغير السيف لم يظفر بها، فإذا سأله إنسان وقال له: هل أدركت حاجتك؟ قال له. لم أدركها.
وهل حرف استفهام ولم حرف نفي وجعلهما اسمين وجرهما.
توهّم القوم أنّ العجز قرّبنا وفي التّقرّب ما يدعو إلى التّهم
يقول: إن الملوك توهموا أن قربي منهم لعجز في، أو لأستميح رفدهم، لأن التقرب من الإنسان ربما يدعو إلى مثل هذا الوهم.
وقيل: معناه إن التوهم كما يكون للاستماحة قد يكون لتمكن الفرصة وانتهازها، وليس ينبغي لهم أن يتوهموا أن قصدي إياهم للعجز دون أن يكون لانتهاز الفرصة.
ولم تزل قلة الإنصاف قاطعةً بين الرّجال ولو كانوا ذوي رحم
يقول: إنهم لما لم ينصفوا في إنزالنا منازلنا ففارقناهم، لأن قلة الإنصاف تقطع بين الناس، وإن كانوا ذوي قربي.
فلا زيارة إلا أن تزورهم أيدٍ نشأن مع المصقولة الخذم
المصقولة الخذم: هي السيوف القواطع.
يعني: بعد هذه الكرة لا أزورهم إلا بأيد متعودة للضرب وحمل السيوف.
من كلّ قاضيةٍ بالموت شفرته ما بين منتقمٍ منه ومنتقم
المنتقم: الرجل القاتل. والمنتقم منه: المقتول: أي كل واحد من هذه المصقولة الخذم شفرته قاضية بالموت بين المقتول والقاتل أي كأن الفريقين يحتكمان إلى شفرته فيقضي بينهم بالموت.
صنّا قوائمها عنهم فما وقعت مواقع اللّؤم في الأيدي ولا الكزم
الكزم: القصر في أصابع اليد.
يقول: صنا هذه السيوف أن يسلبنا إياها أعداؤنا من الملوك وغيرهم، فتقع قوائمها في أيديهم، وهي مواقع اللؤم؛ لأن قوائم السيوف إنما تقع في بواطن الأيدي إذا سلبوها، فإذا لم يسلبوها فما يقع فيهم إلا مضاربها.
هوّن على بصرٍ ما شقّ منظره فإنّما يقظات العين كالحلم
ما شق منظرة: أي ما كره النظر إليه لقبحه.
يقول: هون على كل أمر مهول لا تقدر العين أن تنظر إليه، فإنه لا حقيقه لليقظة كما لا حقيقه للأحلام، كذلك أحوال الدنيا وشدائدها إلى الزوال عن قريب، كحلم مفزع يراه الإنسان في نومه، فإذا انتبه زال.
ولا تشكّ إلى خلقٍ فتشمته شكوى الجريح إلى الغربان والرّخم
يقول: لا تشك لأحد حالك فإنه يشمت بحلول المكروه بك. فصرت كالجريح يشكو ما به إلى الغربان والرخم، فإنها تتمنى موته لتأكل لحمه.
وكن على حذرٍ للنّاس تستره ولا يغرّك منهم ثغر مبتسم
الهاء في تستره للحذر.
يقول: احذر من الناس واستر حذرك منهم؛ لأنك إذا أظهرته جاهروك بالعداوة، ولا تغتر بابتسامهم في وجهك.
غاض الوفاء فما تلقاه في عدةٍ وأعوز الصّدق في الإخبار والقسم
يقول: ذهب الوفاء فلا تلقاه في وعد أحد من الناس، وتعذر وجود الصدق في أخبار الناس وأيمانهم.
[ ١ / ٤٢٥ ]
سبحان خالق نفسي كيف لذّتها فما النّفوس تراه غاية الألم؟؟؟!
يعني: أن لذة نفسي في الحروب، وورود المهالك، وذلك عند الناس غاية الألم، فسبحان الله الذي خلق نفسي على هذه الصفة.
الدّهر يعجب من حملي نوائبه وصبر نفسي على أحداثه الحطم
الحطم بالضم جمع حطوم.
يقول: إن الدهر مع غلبته لكل أحد يعجب من احتمالي شدائده، ومن صبري على أحداثه الكاسرة.
وقتٌ يضيع، وعمرٌ ليت مدّته في غير أمّته من سالف الأمم
يقول: إن وقتي ضائع فيما بين أهل هذا القرن الذي أنا فيهم وعمري يذهب هدرا فيما بينهم، فليتني كنت قبل هذا الوقت بين الأمم السالفة.
أتى الزّمان بنوه في شبيبته فسرّهم وأتيناه على الهرم
يقول: من تقدم من سالف الأمم أدركوا الزمان في أول أمره فنالوا خيره، وأتيناه نحن في آخره فلم نجد إلا التعب والعناء. كولد الرجل إذا جاءوا في أول شبيبته انتفعوا بأبيهم، وكسب لهم الأموال وسرهم وأحسن إليهم، وإذا جاءوا له بعد الكبر والعجز والفقر، لم ينل ولده منه إلا الغم والحزن، وربما يموت الوالد فيبقى الوالد يتيما. وهذا كقول الآخر:
ونحن في غفلةٍ إذ دهرنا جزعٌ فاليوم أمسى وقد أودى به الخرف
كان قوم من أهل العراق قتلوا يزيدًا الضبي ونكحوا امرأته، ونشأ له منها ولد يسمى: ضبة يغدر بكل أحد نزل به، أو أكل معه، أو شرب، ويشتمه واجتاز أبو الطيب بالطف فنزل بأصدقاء له، وسارت خيلهم إلى هذا العبد واستركبوه، فلزمه المسير معهم. فدخل هذا العبد الحصن وامتنع به، وأقاموا عليه، فلبس سلاحه لهم، وأخذ يشتمهم من وراء الحصن أقبح شتم، ويسمى أبا الطيب بشتمه، وأراد القوم أن يجيبه بمثل ألفظاه القبيحة وسألوه ذلك، فتكلف لهم على مشقة، وعلم أنه لو سبه لهم معرضًا لم يفهم ولم يعمل فيه عمل التصريح، فخاطبه على ألسنتهم من حيث هو.
فقال في جمادى الآخرة سنة ثلاث وخمسين وثلاث مئة.
قال ابن جني ورأيته وقد قرئت عليه هذه القصيدة وهو ينكر إنشادها، وكان مثل أبي الطيب معه في هذه القصيدة كما روى عن ابن مهرويه عن ابن خلاد عن أبيه قال: قلت لبشار: يا أبا معاذ إنك لتأتي بالأمر المتفاوق فمرةً تثير بشعرك العجاج فتقول:
إذا ما ضربنا ضربة مضريّةً هتكنا حجاب الشّمس أو قطرت دما
إذا ما أعرنا سيدًا من قبيلةٍ ذرى منبرٍ صلّى علينا ورسلّما
ثم تقول:
ربابة ربّة البيت تصبّ الخلّ في الزّيت
لها سبع دجاجاتٍ وديكٌ حسن الصّوت
فقال: إنما أكلم كل إنسان على قدر معرفته، فأنت وعلية الناس يستحسنون ذلك، وأما رباب فهي جاريتي تربي دجاجات وتجمع لي بيضهن، فإذا أنشدتها هذا حرصت على جمع البيض وأطعمتنيه، وهو أحسن عندها وأنفق من شعري كله، فإذا أنشدتها في النمط الأول لما فهمته ولا انتفعت بها.
فهذه صورة المتنبي في هذه القصيدة كما ترى:
ما أنصف القوم ضبّه وأمّه الطّرطبّه
رموا برأس أبيه وناكوا الأمّ غلبّه
الطرطبة: الطويلة الثديين، وإنما تطول ثدياها إذا صارت عجوزًا. وقد روى: باكوا بالباء وأصله مواقعة الحمار. والغلبه: الغلبة.
يقول: إن القوم لم ينصفوا ضبة ولا أمه العجوز، حيث قتلوا أباه وأتوا أمه إتيان الحمار.
فلا بمن مات فخرٌ ولا بمن نيك رغبه
يقول: ليس لهم بأبيه الذي قتلوه فخر، لأنه ساقط وضيع، ولا بأمه التي نيكت رغبة؛ لأنها عجوز لا يرغب أحد فيها.
وإنّما قلت ما قل ت رحمةً لا محبّه
وحيلةً لك حتّى عذرت لو كنت تنبه
تنبه: تشعر، وكسر التاء في مثلها على لغة بني تميم.
يقول: إنما قلت: ناكوا أمك غلبة وقهرا رحمة لك، حيث قتلوا أباك ونحكوا أمك. وقلت أيضا: حيلة لك، ليعذرك الناس على ما جرى، وأنه كان قهرا وغلبة، لا عن رضا منها بالفجور، ولو كنت تفطن لمرادي، ولكنك من جهلك لا تعلم ما أردت. وروى: غدرت: أي قلت هذا القول حيلة لك في الانصاف، حتى تغدر بي لو كنت تبالي بالغدر..
وما علكي من ألقت ل إنّما هي ضربه
وما عليك من الغد ر إنّما هي سبّه
وما عليك من العا ر أنّ أمّك قحبه
وما يشقّ على الكل ب أن يكون ابن كلبه
[ ١ / ٤٢٦ ]
القحبه الفاجرة، وأصلها من القحاب، وهو السعال، وكانت العاهرة إذا أحست بأحد سعلت، ليعلم مكانها فسميت بذلك.
يقول: أي عار عليك في قتل أبيك إنما هي ضربة بالسيف، والرجل قد يضرب الضربة والضربتين، ولا يلحقه في ذلك عار، وكذلك أي ضرر عليك بأن تنسب إلى الغدر، فليس هذا بأكثر من نسبة تنسب إليها، وأنت مخلوق من المخازي، وأي عار عليك في كون أمك فاجرة تنكح، فإن النساء لذلك خلقن أي للنكاح! هذا كله هزؤ به. وأنت كلب للؤمك وخستك، فلا ضرر على الكلب في أن يكون ابن كلبة. وما هذه نافية، وفيما قبلها استفهام.
ما ضرّها من أتاها وإنّما ضرّ صلبه
الهاء في صلبه لمن وما للنفي.
يقول: لم يضرها كثرة من وطئها؛ لأنها كانت تشتهي ذلك! ولكن الذي أتاها أوهن صلبه بإتيانها، على ما قيل في نكاح العجوز من زيادة الضرر.
ولم ينكها ولكن عجانها ناك زبّه
العجان: ما بين الدبر إلى أصل الخصية، والزب: قضيب الرجل.
يقول: واطؤها لم يواقعها تلذذًا بمواقعتها، بل كانت الرغبة من جهتها والتلذذ كان لها، وكان الفعل منسوبًا إليها فكأنها هي الناكحة دون ناكحها.
يلوم ضبّة قومٌ ولا يلومون قلبه
وقلبه يشتهّي ويلزم الجسم ذنبه
يقول: الناس يلومون ضبة بأفعاله القبيحة، وإنما يجب أن يلوموا قلبه لأنه هو الذي يشتهي، فأي ذنب للجسم.
لو أبصر الجذع فعلًا أحبّ في الجذع صلبه
الفعل: كناية عن الأير. وروى مكانه شيئًا بهذا المعنى.
يعني: أنه من حبه للأير لو كان الجذع أيرا لاشتهى أن يصلب عليه.
يا أطيب الناس نفسًا وألين النّاس ركبه
وأخبث النّاس أصلًا في أخبث الأرض تربه
وأرخص النّاس أمًّا تبيع ألفًا بحبّه
قوله: يا أطيب الناس نفسا: كناية عن سماحته بأهله، وقوله: وألين الناس ركبة كناية عن أبنته.
يقول: أصلك أخبث أصل، وبلدك أخبث بلد، وأنت تبيع ألف أم بحبة واحدة.
كل الفعول سهامٌ لمريم وهي جعبه
الفعول: كناية عن الأيور، شبهها بالسهام وشبه أمه بالجعبة وأن اسمها مريم على جهة السخرية، نسبها لمريم بنت عمران في حصانتها.
وما على من به الدّا ء من لقاء الأطبّه
يقول: ليس عليها لوم في فجورها، فإن ذلك لحكاك في رحمها، وصاحب الداء لا يلام على لقاء الأطبة، لتشفيه من دائه.
وليس بين هلوكٍ وحرّةٍ غير خطبه
الهلوك: الفاجرة من النساء.
يقول: هي وإن كانت زانية فلا عار عليها في ذلك، إذ ليس بين الزانية وبين الحرة فرق إلا هذا العقد، وأما من حيث الصورة فيستويان.
يا قاتلًا كلّ ضيفٍ غناه ضيحٌ وعلبه
وخوف كلّ رفيقٍ أباتك اللّيل جنبه
الضيح: اللبن الممزوج بالماء، والعلبة: قدح من جلد يكون مع الراعي.
يقول: إذا نزل بك ضيف فقير يغنيه شرب اللبن الممزوج بالماء، وقصعة يشرب بها اللبن، قتلته وأخذت ما معه. فكيف تفعل بالأغنياء! وأنت ممن يخافه كل رفيق، وصاحب ينزل به ويبيت عنده، ونصب جنبه لأنه مفعول ثان من أبات وقيل ظرف.
كذا خلقت ومن ذا الّذي يغالب ربّه!
يقول: أنت معذور على غدرك، فأنت طبعت عليه فمن يقدر أن يحولك على طبعك عليه.
ومن يبالي بذمٍّ إذا تعوّد كسبه؟
يقول: أنت تعودت هذا الغدر، ومن كسب مثل ذلك لا يأنف منه، كما لا يأنف الحجام من حجامته لما كان ذلك كسبه.
أما ترى الخيل في النّخ ل سربةً بعد سربه
على نسائك تجلوا أيورها منذ سنبه
وهنّ حولك ينظر ن والأخيراج رطبه
النخل: موضع يعنيه، وقبل: أراد به حقيقة النخل، والسربة: القطعة من الخيل، والسنبة: القطعة من الزمان. وتحلوا. تظهر. وروى أيورها وفعولها وهي كناية عنها.
يقول: أما ترى خيولنا كيف تعرض أيورها على نسائك؟! منذ زمان! ونساؤك حولك ينظرن إلى الأيور وأخراجهن رطبة لها.
وكلّ غرمول بغلٍ يرين يحسدن قنبه
الغرمول: للبغل والفرس. والقنب: وعاء الغرمول.
يقول: إذا نظرت نساؤك إلى أيور البغال حسدن قنب أيورهن، ويشتهين أن يكون أخراجهن وعاء لها: أي أرحامهن.
فسل فؤادك يا ضب ب أين خلّف عجبه؟
[ ١ / ٤٢٧ ]
اراد: يا ضبة فرخم.
يقول: أين ذلك العجب الذي كان فيك قبل نزولنا على حصنك؟! وذلك أنه هرب منهم ودخل حصنه ولم يجسر على لقائهم.
وإن يخنك لعمري لطالما خان صحبه
لعمري: قسم.
يقول: إن خانك قلبك الآن وأسلمك، فلعمري أن الخيانة له عادة، فطالما خان أصحابه قبل ذلك.
وكيف ترغب فيه وقد تبيّنت رعبه
يقول: كيف ترغب في قلبك بعدما علمت من خوفه وجبنه.
ما كنت إلاّ ذبابًا نفتك عنه مذّبه
الهاء في عنه للقلب، وقيل: للعجب.
يقول: لما نزلنا عليك طار قلبك من الخوف، فكأنك كنت ذبابا طردت عن قلبك وعن عجبك بالمذبة.
وكنت تنخر تيهًا فصرت تضرط رهبه
روى: تفخر من الفخار، وتنخر من النخير، وهو الصوت من الأنف.
يقول: كنت تنخر قبل ذلك تكبرًا، فلما نزلنا حول حصنك تركت ذلك التكبر خوفًا، وصرت تضرط رهبة وخوفًا.
وإن بعدنا قليلًا حملت رمحًا وحربه
وقلت ليت بكفّي عنان جرداء شطبه
الشطبة: الفرس الطويلة.
يقول: إن بعدنا عنك خرجت من حصنك، وحملت رمحك وسيفك وقلت: ليت في يدي عنان فرسي.
إن أوحشتك المعالي فإنّها دار غربه
أو آنستك المخازي فإنّها لك نسبه
يقول: إن كانت المعالي قد أوحشتك، فإنها دار غربة، لا يسكنها إلا غريب. وهذا مثل.
والمعنى: إن المعالي لا يحوزها إلا القليل من الناس، فإنها بمنزلة الغرباء وإن عجزت عنها فأنت معذور فإنها لا تليق بك، وإن تألف المخازي وتأنس بها. فغير منكر، لأنها نسبك وأصلك الذي تولدت منه فكيف لا تأنس بها؟!
وإن عرفت مرادي تكشّفت عنك كربه
وإن جهلت مرادي فإنّه بك أشبه
يقول: أنت الآن في كربة وشغل قلب من هذا الشعر؛ لأنك من جهلك لا تعرف: أمدح هو أم هجو؟! فلو عرفت أنه هجو لانكشفت عن قلبك كربته، لأنك لا تبالي بالهجو والذم، لسقوطك وحقارة أصلك، وإن جهلت مرادي فيما أقول فإنه أشبه بك؛ لأنك جاهل لا تعرف الشتم من المدح.
ونجم خارجي من بني كلاب بظهر الكوفة، وذكر له أن خلقًا من أهلها قد أجابوه وحلفوا له، فسارت إليها بنو كلاب معه، ليأخذها، ورفعت الرايات وخرج أبو الطيب على الصوت من ناحية قطوان فلقيته قطعة من الخيل في الظهر، فقاتلها ساعةً فانكشفت وجرح منها وقتل.
وسار في الظهر حتى دخل إلى جمع السلطان والرعية من درب البراجم. ووقعت المراسلة سائل اليوم، وعادوا من غد فاقتتلوا إلى آخر النهار، فلم يصنع الخارجي شيئًا، ورجع وقد اختلفت فيه بنو كلاب وتبرأ بعضهم من بعض، وعاد بعد أربعة أيام فاقتتل في الظهر فوقع بالسلطان والعامة جراح، وقتل من بني كلاب، وطعن فرس لأبي الطيب تحت غلام له في لبته فمات لوقته، فحمله محمد بن عمرو على فرس، وخرج له غلام آخر فقتل رجلًا، وعادوا من غد فالتقى الناس عند دار أسلم، وبينهم حائط فقتل من بني كلاب بالنشاب عدة، فانصرفوا ولم يقفوا للقتال.
ووقعت الأخبار إلى بغداد، فسار أبو الفوارس دلير بن لشكروز وجماعة من القواد، فورد الكوفة بعد رحيل بني كلاب عنها، فأنفذ إلى أبي الطيب ساعة نزل ثيابًا نفيسةً من ديباج رومي ومن خز ودبيقي فقال يمدحه وأنشده إياها في الميدان وهما على فرسيهما، وكان تحت دلير فرس جواد أصغر، وعليه حلية ثقيلة مقلدة، فقاده إليه، وذلك في ذي الحجة سنة ثلاث وخمسين وثلاث مئة:
كدعواك كلٌّ يدّعي صحّة العقل ومن ذا الّذي يدري بما فيه من جهل
يخاطب عاذلته ويقول: كل أحد يدعي صحة عقله كما تدعينه أنت، ولا يعلم أحد ما فيه من الجهل والحمق؛ لأن المرء لا يعرف عيب نفسه.
لهنّك أولى لائمٍ بملامةٍ وأحوج ممّن تعذلين إلى العذل
لهنك: كلمة تستعمل عند التوكيد وأصلها: لأنك فأبدلت الهمزة هاء كما قالوا: إياك وهياك، وهي إن، التي تنصب الاسم وترفع الخبر، وأدخلوا عليها اللام للتأكيد، وجمع بينهما، وإن كانت إن للتأكيد، لأن الهمزة لما أبدلت هاء زالت لفظة إن فصارت كأنها شيء آخر غير إن فجاز الجمع بينهما. وهذا جواب القسم المحذوف.
والمعنى: والله إنك أولى بالملامة وأحوج إلى العذل من هذا الذي تعذلينه، فإنك أجهل منه.
تقولين ما في النّاس مثلك عاشقٌ جدي مثل من أحببته تجدي مثلي
[ ١ / ٤٢٨ ]
مثلك نصب على الحال، لأنه صفة نكرة قدم عليها وجدي: أمر من الوجود وتجدي جوابه.
يقول لعاذلته: إنك تقولين له، إنه ليس لك في العشاق نظير، فقد صدقت، وإنما كنت كذلك لأن من أحبه لا نظير له، فأوجدي مثل من أحبه حتى تجدي عاشقًا مثلي.
وحبٌّ كنى بالبيض عن مرهفاته وبالحسن في أجسامهنّ عن الصّقل
فاعل كنى ضمير المحب، والهاء في مرهفاته تعود إليه.
يقول: أنا محب بخلاف سائر المحبين، فإذا رأيتني أذكر البيض فإنما أكنى بها عن السيوف، وإذا ذكرت الحسن فإنما أعني به صقل السيوف.
وبالسّمر عن سمر القنا غير أنّني جناها أحبّائي وأطرافها رسلي
يقول: إذا سمعتني أذكر السمر فإنما أعني بها الرماح. وجني الرماح أحبائي: أي ما تجنيه الرماح من القتل والسبي، فإنها أحبائي، وأطراف الرماح رسلي إلى أحبائي وهذا مثل قوله:
وما سكني سوى قتل الأعادي
وقوله:
وليس لنا إلاّ السّيوف رسائل
عدمت فؤادًا لم تبت فيه فضلةٌ لغير الثّنايا الغرّ والحدق النّجل
يدعو على قلبه ويقول: لا كان لي قلب ليس له همة إلا النساء، وليس فيه فضلة لطلب المعالي واقتناء المكارم.
فما حرمت حسناء بالهجر غبطةً ولا بلّغتها من شكا الهجر بالوصل
الغبطة: السرور، والهاء في بلغتها للغبطة، وهي أحد المفعولين، والثاني من.
يقول: لا تبالي بوصل النساء وهجرهن؛ فإن الحسناء إذا هجرتك لم تحرمك سرورًا، وإذا وصلت لم تبلغك إليها. وهذا معنى قوله:
ولا بلّغتها من شكا الهجر بالوصل
ذريني أنل ما لا ينال من العلا فصعب العلا في الصّعب والسّهل في السّهل
يقول لعاذلته: دعيني أخاطر بنفسي حتى أنال من الأمور ما لا يناله غيري، فإن صعاب المعالي لا تنال إلا بصعاب الأمور.
تريدين لقيان المعالي رخيصةً ولا بدّ دون الشّهد من إبر النّحل
يقول: إنك تريدين أن أدرك المعالي بالهويني، وهذا مما لا يكون، فإن المرء لا يدرك حلاوة المعالي إلا بمقاساة مرارة الخطر، كما أنه لا يجتني الشهد حتى يصبر على لسع النحل.
حذرت علينا الموت والخيل تدّعي ولم تعلمي عن أيّ عاقبةٍ تجلي
الخيل تدعي: أي أصحاب الخيل يدعو بعضهم بعضًا. وقيل: تدعي أي تنتسب كل قبيلة إلى أبيها. وتجلي: أي تنجلي وتنكشف.
يقول لعاذلته: خفت على القتل ولم تعلمي عواقب الحرب، فربما انكشفت عن الظفر والعز.
ولست غبينًا لو شريت منيّتي بإكرام دلّير بن لشكروزٍّلي
يقول: لو اشتريت منيتي بهذا الإكرام من جهة دلير، لما كنت مغبونًا بل كنت مغبوطًا.
تمرّ الأنابيب الخواطر بيننا ونذكر إقبال الأمير فتحلولي
يقول: أمر الشيء يمر إمرارًا فهو ممر، ومر يمر مرارةً فهو مر. والخواطر صفة الأنابيب أي الأنابيب المتحركة. ويقال: حلا الشيء يحلو، واحلولي يحلولي بمعنىً.
يقول: نرى طعم الرماح فيما بيننا مرًا، حتى إذا ذكرنا إقبال الأمير عاد ما أمر منها نهايةً في الحلاوة، فأقدمنا غير كارهين له.
وفي قافية هذا البيت خلل؛ وذلك أنه جاء بها مردفة وليس في القصيدة بيت مردف غيره.
ومعنى المردف: أن يكون قبل حرف الروي ألفًا أو واوًا أو ياءً، فيلزم جميع القصيدة نحو: مسعود وسعيد وسالم.
وما جاء به عيب عند العلماء بعلم القوافي، إلا أنه قد جاء في الشعر القديم مثله وهو:
إذا كنت في حاجةٍ مرسلًا فأرسل حكيمًا ولا توصه
فجاء بهذه القافية مردوفة بالواو المضموم ما قبلها ثم قال:
وإن باب أمرٍ عليك التوى فشاور لبيبًا ولا تعصه
وهذه غير مردفة.
ولو كنت أدري أنّها سببٌ له لزاد سروري بالزّيادة في القتل
الهاء في أنها قيل: راجعة إلى الطعنة التي أصابته في قتال الخارجي. وقيل: راجعة إلى الأنابيب، وقيل: راجعة إلى خيل الخارجي. والهاء في له للإكرام أو الإقبال.
يقول: لو علمت أن هذه الطعنة أو هذه الأنابيب أو هذه الخيل سبب لإكرام الأمير وإقباله لكنت أزداد فرحًا بزيادة القتل والإقدام ليكون الإكرام أكثر.
فلا عدمت أرض العراقين فتنةً دعتك إليها كاشف الخوف والمحل
[ ١ / ٤٢٩ ]
نصب كاشف على النداء المضاف، أو على الحال، أو على البدل من الكاف في دعتك والمحل: الجدب.
يقول: لا عدم أهل العراقين مثل هذه الفتنة التي كانت سبب مجيئك إلينا؛ لأنك كشفت عنا الخوف ببأسك، والمحل بجودك وفضلك.
ظللنا إذا أنبى الحديد نصولنا نجرّد ذكرًا منك أمضى من النّصل
أنبى أي جعلها تنبو، يقال نبا النصل، وأنباه غيره.
يقول: كنا إذا ضربنا أعداءنا فرجعت نصولنا ونبت؛ لما عليهم من الحديد، ذكرنا لهم اسمك فكان يؤثر فيهم أكثر مما يؤثر السيف! أي كنا نذكر اسمك فنهزمهم بذكره.
ونرمي نواصيها من اسمك في الوغى بأنفذ من نشّابنا ومن النّبل
النشاب: سهام العجم، وهي أطول من النبل، والهاء في نواصيها للخيل.
يعني: كنا نرميها من اسمك بسهم أنفذ من كل سهم.
فإن تك من بعد القتال أتيتنا فقد هزم الأعداء ذكرك من قبل
جعل قبل نكرة فأعربه.
يقول: إن كنت جئت إلينا بعد أن هزمناهم، فإنما هزمناهم باسمك فقام ذكرك مقام حضورك.
وما زلت أطوي القلب قبل اجتماعنا على حاجةٍ بين السّنابك والسّبل
قوله: أطوي القلب كناية عن العزم.
يقول: ما زلت اضمر في نفسي المسير إليك، فكنى عن ذلك بالسنابك والطرق.
ولو لم تسر سرنا إليك بأنفسٍ غرائب يؤثرن الجياد على الأهل
يقول: لو لم تأتنا لأتيناك بأنفس غريبة، تختار الخيل على الأهل، وقوله: غرائب يجوز أن يكون المراد بها أنها غريبة فيما بين الأنفس، لأن سائر الأنفس لا تختار ذلك، ويجوز أن يريد أنها غريبة في هذا الزمان لعلو همتها.
وخيلٍ إذا مرّت بوحشٍ وروضةٍ أبت رعيها إلاّ ومرجلنا يغلي
أي: سرنا إليك بأنفس وخيل كريمة، قد تعودت الصيد، فإذا مرت على روضة فيها وحش، لم ترع حتى تصيد لنا، ثم ترعى بعد ذلك.
ولكن رأيت القصد في الفضل شركةً فكان لك الفضلان بالقصد والفضل
يقول: إنك رأيت قصدنا إليك مشاركةً في فضلك، فقصدتنا بنفسك حتى حويت الفضل الذي لك وفضل القصد فاجتمع الفضلان.
وليس الّذي يتّبّع الوبل رائدًا كمن جاءه في داره رائد الوبل
يعني: أنك قصدتنا وأفضت علينا إنعامك، فهذا أهنى من عطاء كان بعد قصدنا إليك، كما أن الرجل إذا جاءه الغيث في داره، كان أهنى من أن يخرج في طلبه وارتياده. ومثله لآخر:
فكنت فيهم كممطورٍ ببلدته فسرّ أن جمع الأوطان والمطرا
وما أنا ممّن يدّعي الشّوق قلبه ويحتجّ في ترك الزّيارة بالشّغل
يقول: لست ممن يزعم أنه مشتاق صديقًا، ثم يحتج في ترك زيارته؛ لأن الأشغال تمنعه عنها، لأن من هذه حاله، فليس بصادق في الشوق، فلولا أنك قصدتنا لكنا نقصد إليك ولم نتأخر عن خدمتك.
وقيل: أراد أني لم أحتج بترك زيارتك بشغل ولكني أقول إن شاء الله تعالى. أراد أن يحصل لك فضل القصد مع غيره من الفضل.
أرادت كلابٌ أن تقوم بدولةٍ لمن تركت رعى الشّويهات والإبل
أنث كلابًا على معنى القبيلة. ومن استفهام على وجه الاستهزاء.
يقول: أرادت بنو كلاب القيام بدولة الملك، وهم رعاة الغنم والإبل، فإذا طلبوا الولاية فلمن يتركوا رعيها؟! أي رعى الغنم والإبل أولى لهم من الإمارة.
أبى ربّها أن يترك الوحش وحدها وأن يؤمن الضّبّ الخبيث من الأكل
الهاء في ربها لبني كلاب وقيل: للشويهات. وفي وحدها للوحش.
يعني: أنهم يسكنون مع الوحش، فلم يرد الله تعالى أن يؤتيهم الولاية فتنفرد الوحش عنهم، وعادتهم أكل الضباب فلم يرد الله تعالى لهم الولاية، فيأمن الضب من أكلهم لها.
وقاد لها دلّير كلّ طمرّةٍ تنيف بخدّيها سحوقٌ من النّخل
الطمرة: الفرس الوثابة، وقيل: المشرفة. والسحوق: النخلة الطويلة، وأراد بها ها هنا عنق هذه الطمرة، وهي فاعل تنيف والهاء في لها لبني كلاب.
يقول: قصد دلير بني كلاب بكل فرس كأن عنقها نخلة طويلة، ترفع خديها.
وكلّ جوادٍ تلطم الأرض كفّه بأغنى عن النّعل الحديد من النّعل
أي قصد إليها بكل فرس صلب الحوافر لا يحتاج إلى نعل، كما لا يحتاج النعل إلى النعل وأراد: تلطم الأرض بحافر أصلب من نعل الحديد.
[ ١ / ٤٣٠ ]
فولّت تريغ الغيث والغيث خلّفت وتطلب ما قد كان في اليد بالرّجل
يقول: ولت بنو كلاب لما قصدهم دلير، وذهبت بالوادي تطلب الغيث لإبلها، وخلفت الغيث: وهو طاعة السلطان.
يعني: أنها تركت ما كانت فيه من الأمن والخصب، لما خرجت من طاعة السلطان، ورجعت إلى البوادي تطلب مساقط الأمطار.
تحاذر هزل المال وهي ذليلةٌ وأشهد أنّ الذلّ شرٌّ من الهزل
وهي ذليلة: يعني بنو كلاب.
يقول: خافت أن تهزل أموالها، فخرجت تنتجع الأمطار والمراعي. وما لحقها من الذل شر من هزال المال.
وأهدت إلينا غير قاصدةٍ به كريم السّجايا يسبق القول بالفعل
غير قاصدة نصب على الحال، ونصب كريم لأنه مفعول أهدت وهو فعل بني كلاب، وبه يرجع إلى كريم السجايا وهو مقدم في المعنى.
يقول: كان سبب مجيء دلير إلينا، مجيء بني كلاب، فكأنها أهدته لنا وإن لم تقصد ذلك، وهو يبتدئ بالنوال قبل الوعد بالسؤال.
تتبّع آثار الرّزايا بجوده تتبّع آثار الأسنّة بالّفتل
الفتل جمع فتيلة.
يقول: جر بجوده كل مصيبة أصابتنا، في نفس أو مال. وأصلح حالنا، كما تصلح الجراح بالفتل عند المعالجة.
وروى بالقتل يعني: أتى على المصائب بعطاياه، كما يأتي بالقتل على آثار الأسنة: أي لا يحتاج مع القتل إلى معالجة آثار الأسنة.
شفى كلّ شاكٍ سيفه ونواله من الدّاء حتّى الثّاكلات من الثّكل
يقول: شفى كل إنسان مما كان يشكوه، فشفى الفقر بنواله، والجور بسيفه، وأخذ للثاكلات بثأرهن؛ فشفاهن من الثكل.
عفيفٌ تروق الشّمس صورة وجهه ولو نزلت شوقًا لحاد إلى الظّلّ
شوقًا مفعول له.
يقول: هو مع عفته قد عشقته الشمس، فلو نزلت من شوقها إليه، لعلد عنها إلى الظل لعفته.
شجاعٌ كأنّ الحرب عاشقةٌ له إذا زارها فدّته بالخيل والرّجل
يقول: تسلم إليه الحرب من شاء قتله أو سبيه، فكأنها عاشقة له، وتفديه بهم.
قال ابن جني: هذا من بدائع معانيه.
وريّان لا تصدى إلى الخمر نفسه وعطشان لا تروى يداه من البذل
يقول: لا يرغب في الشراب؛ لما فيه من الإثم، فهو ريان عنه، ولا يفتر عن البذل؛ لما فيه من الحمد، فهو عطشان إليه.
فتمليك دلّيرٍ وتعظيم قدره شهيدٌ بوحدانيّة الله والعدل
يقول: تمليك الله تعالى إياه، وتعظيمه لقدره، دليل على التوحيد والعدل؛ لأن توليته إياه حكمة وصواب، ووضع للحق في موضعه.
وما دام دلّيرٌ يهزّ حسامه فلا ناب في الدّنيا لليثٍ ولا شبل
يعني: أن أنياب الأسود لا تعمل عمل سيفه، فكأنها في جنب سيفه معدومة.
وما دام دلّيرٌ يقلّب كفّه فلا خلق من دعوى المكارم في حلّ
أي ما دام هو يقلب كفه بالعطاء وقتل الأعداء فليس لأحد ادعاء المكارم، لأنه قد ملك المكارم.
فتىً لا يرجّى أن تتمّ طهارةٌ لمن لم يطهّر راحتيه من البخل
يقول: هو فتىً يعتقد أن الطهارة من الأنجاس لا تتم إلا بتطهير الراحة من البخل، فكما أن الطهارة من الأنجاس واجبة، كذلك اجتناب البخل واجب.
وقيل: أراد بالطهارة: الختان، أي أن طهارة الختان لا تتم إلا بإزالة البخل.
فلا قطع الرّحمن أصلًا أتى به فإنّي رأيت الطّيّب الطّيّب الأصل
يقول: هو طيب وأصله الذي أتى به طيب إذ الطيب لا يأتي إلا من أصل طيب، فلا قطع الله تعالى أصلًا جاء بمثله.