وقال يمدح أبا الفرج أحمد بن الحسين القاضي المالكي:
لجنيةٍ أم غادةٍ رفع السجف! لوحشيةٍ؟ لا، ما لوحشيةٍ شنف
الشنف: ما يعلق في أعلى الأذن. والقرط ما يعلق على شحمة الأذن. والسجف: الستر، وهو جانب البيت. وقوله: لجنية أراد ألجنيةٍ؟ إلا أنه حذف ألف الاستفهام، لدلالة أم عليها يجوز أن تكون أم منقطعة، وتكون بمعنى بل وفي الكلام حذف تقديره: لجنية رفع السجف أم لغادة رفع السجف؟ فحذف من الجملة الأولى لدلالة الثانية.
[ ١ / ٨٩ ]
ومعنى البيت على الخبر كأنه يقول مخبرًا: لجنية رفع السجف ثم أضرب وقال: بل لغادة رفع السجف. بل قال: لا يرفع هذا الستر لجنية ولا لغادة بل رفع لوحشية، ثم رد على نفسه ذلك فقال: ما رفع لوحشية إذ ليس للوحشية شنف، فكأنه نفى أن يكون تشبيهه للمحبوبة بسائر ما شبه به النساء. ومعناها على الاستفهام، أنه نظر إلى محبوبته وقد رفع عنها ستر قبتها، فحيره حسنها، فلم يدر أجنيةٌ هي؟! أم غادة ناعمة؟ فقال: هذا الستر المرفوع لجنية أو غادة أو وحشية ثم استدرك فقال لو كانت وحشية لم يكن لها شنف.
نفورٌ، عرتها نفرةٌ فتجاذبت سوالفها والحلى والخصر والردف
نفور: أي تنفر عن الريبة. عرتها: أي أصابتها، وغشيتها. والسالف: مقدمة صحفة العنق، وجمعها سوالف.
يقول: هذه الجارية نفور فلئن رمقن طرفًا إليها، نفرت منا، فتجاذبت هذه الأشياء، لأن سوالفها كانت ناعمة، وحليها كان ثقيلًا والخصر كان دقيقًا، والردف كان ثقيلًا وما أشبه ذلك.
وخيل منها مرطها، فكأنما تثنى لنا خوطٌ ولاحظنا خشف
خيل: من التخيل، وهو الاضطراب، والفساد فكأنه قال: وأفسد، وفاعله المرط: وهو كناية عن الذي تلبسه نساء العرب مكان الإزار.
يقول: لما نظرنا إليها نفرت منا فتعثرت في مرطها فاضطرب عليها ثوبها. ثم شبهها في تلك الحالة بالغصن الرطب، وبالخشف فقال: كأنما تمايل لنا مرط بانٍ؛ لاعتدالها وحسنها وكأنما لاحظنا خشفًا لحسن عينيها وروى: ولاح لنا خشف.
زيارة شيبٍ وهي نقص زيادتي وقوة عشق وهي من قوتي ضعف
تقديره: أمري زيادة شيب، وأمري قوة عشق. فيكون خبر ابتداء محذوف. ويجوز أن يكون تقديره: شكواي زيادة عشق. ويجوز نصبه على إضمار فعل محذوف. أي أشكو زيادة شيب، ويمكن أن يكون المضمر هي تقديره: هي زيادة شيب.
يقول: شيبني الهوى فكلما زاد شيبي زاد جسمي نقصًا، وكلما قوي عشقي، ضعفت قوتي، فالزيادة نقصان، والقوة ضعف.
هراقت دمي من بي من الوجد ما بها من الوجد بي والشوق لي ولها حلف
الحف، والحليف: الصاحب المحالف الملازم.
يقول: سفكت دمي الجارية التي تحبني، مثلما أحبها، وبها من الوجد ما بي، والشوق لي ولها ملازم ومصاحب. والباء الأولى متعلقة بها، والثانية بالوجد.
ومن كلما جردتها من ثيابها كساها ثيابًا غيرها الشعر الوحف
الشعر الوحف: هو الكثير الملتف الشديد السواد.
يقول: هراقت دمي من كلما عريتها من ثيابها، ألبسها الشعر الكثير ثيابًا غير الثياب التي عريتها منها. ومثل هذا قول بكر بن النطاح.
بيضاء تسحب من قيام شعرها وتغيب فيه وهو جثل أسحم
وقابلني رمانتا غصن بانةٍ يميل به بدرٌ ويمسكه حقف
الحقف: الكثيب من الرمل المعرج. شبه ثدييها برمانتين وقدها بغصن البانة. وجعل الرمانتين على غصبن بانة، ليكون أعجب وأحسن؛ لأن البان لا يحمل الرمان. وشبه وجهها: بالبدر. وردفها: بالكثيب، وهذا من تمام قوله: هراقت دمي.
أكيدًا لنا يا بين؟ واصلت وصلنا فلا دارنا تدنو ولا عيشنا يصفو
أكيدًا؟ نصب على المصدر أي أتكيد كيدًا.
يقول: يا بين، واصلت، وفرقت بيننا، فارتفع الوصل فكأنك كدتنا فتركتنا لا تدنو دارنا، ولا يصفو عيشنا، والكيد: اتصال الضرر بالغير من حيث لا يعلم.
أردد ويلي لو قضى الويل حاجةً وأكثر لهفي لو شفى غلةً لهف
روى: ويلي ولهفي على الإضافة إلى ياء المتكلم. وروى: ويلا ولهفا بالألف. وهي: إما بدل من الياء، وإما على الندبة.
ويل: دعاء للشر. واللهف: شدة الحزن. يقول: أردد هاتين الكلمتين على لساني، ومعناهما في قلبي، فلو نفع ذلك لنفعني، وقضى حاجتي، وشفى غلتي، فيكون على هذا جواب لو محذوفًا، ويجوز أن يجعل أردد فأكثر، فجواب لو تقديره: لو قضى الويل حاجةً، لكنت أردد الويل، ولو شفى اللهف غلة كنت أكثر ذكره.
ضنىً في الهوى كالسم في الشهد كامنٌ لذذت به جهلًا وفي اللذة الحتف
الشهد: العسل في الشمع. والضنى: الهزال والألم. والحتف: الهلاك.
يقول: الألم كامن في الهوى، كالسم إذا كمن في العسل، فيلتذ العاشق بالهوى، كالعسل الممزوج بالسم، يجد الإنسان حلاوته وفيه هلاكه.
[ ١ / ٩٠ ]
فأفنى، وما أفنته، نفسي كأنما أبو الفرج القاضي له دونها كهف
يجوز في قوله: وما أفنته نفسي. تقديران.
أحدهما: أن ينصب نفسي بالفعل الأول. تقديره. فأفنى الضنى نفسي وما أفنته، فيكون الضنى فاعله، ونفسي مفعوله.
والثاني: أن ترفع نفسي بالفعل الثاني ما أفنته وتكون التاء مخبرة لتأنيث الفعل، ليست بضمير، وتحذف المفعول من الفعل الأول وهو المختار عند البصريين، لأن إعمال الثاني أولى لقربه من الاسم.
يقول: إن الضنى أفنى نفسي وأهلكها ولم تفنه نفسي، حتى كأن هذا الممدوح كهف الضنى دون النفس، فيمنع نفسي من أن تصل إليه. والمراد: أنه كهف له، وملجأ لنفسي وكيف يقدر الهوى على إفناء نفسي؟!
قليل الكرى لو كانت البيض والقنا كآرائه ما أغنت البيض والزغف
البيض: الأولى السيوف، والبيض الثانية: جمع بيضة، وهي الترك. والزغف: الدروع اللينة. وقيل: هي الطويلة.
يقول: إنه قليل النوم، صلب الرأي، فلو كانت البيض والرماح مثل رأيه في المضاء لم ينفع معها المغافر والدروع. والعرب تمتدح بقلة النوم.
يقوم مقام الجيش تقطيب وجهه ويستغرق الألفاظ من لفظه حرف
التقطيب: تعبيس الوجه.
يقول: إنه شجاع، فصيح، فعبوس وجهه في الحرب يقوم مقام العسكر في هزم الأعداء. وحرف من لفظه، يستفاد منه ما يستفاد من اللفظ الكثير من غيره. فكأن حرفه يستغرق جميع الألفاظ!
وإن فقد الإعطاء حنت يمينه إليه حنين الإلف فارقه الإلف
يقول: إنه لا يفتر عن العطاء، وإذا لم يعط في حال، حنت يمينه، واشتاقت إلى الإعطاء، كما يشتاق الصديق إلى صديقه بعد فراقه.
أديبٌ رست للعلم في أرض صدره جبالٌ جبال الأرض في جنبها قف
فاعل رست: جبالٌ. والقف المرتفع من الأرض.
يقول: هو أديب رست في صدره جبال العلم، التي هي إذا قيست جبال الأرض إليها صغرت في جنبها، كالقف إلى جنب الجبال. شبه العلوم التي في صدره بالجبال ثم فضلها على جبال الأرض.
جوادٌ سمت في الخير والشر كفه سموًا أود الدهر أن اسمه كف
متعدٍّ من ود: معنا. حمل الدهر على أن يود ويتمنى، وفاعله ضمير السمو، ومفعوله الدهر، والهاء في اسمه: للدهر، وفي كفه: للممدوح.
يقول: كفه قد علت في فعل الخير والشر، والنفع والضر، سموًا يتمنى الدهر أن يكون اسمه كفًا ليشاركه في الاسم، وإن فارقه في المعنى.
وأضحى وبين الناس في كل سيدٍ من الناس، إلا في سيادته خلف
أي بين الناس في سيادة كل سيد خلاف، إلا في سيادته، فإن الناس اتفقوا على أنه سيد.
يفدونه حتى كأن دماءهم لجاري هواه في عروقهم تقفو
يقول: يفديه الناس بأنفسهم، لتمكن حبه في قلوبهم، فكأن هواه جرى في عروقهم قبل جريان الدم فيها، وكأن دماءهم تتبع ما جرى في عروقهم من المحبة قبل جريان الدماء فيها. واللام في قوله: لجاري هواه يجوز أن تكون معناه: من أجل جاري هواه في عروقهم كأنه دماء تقفو، ومفعول تقفو محذوف على هذا، وهو في وهذا لجاري، ويجوز أن يكون متعلقًا بقوله: لجاري وهواه فيكون المفعول مقدمًا على الفعل. والفعل معدًا إليه باللام لتقدمه على الفعل، كقوله تعالى: " إن كنتم للرؤيا تعبرون " فتقديره: تقفو الدماء جاري هواه في العروق.
وقوفين في وقفين: شكرٍ ونائلٍ فنائله وقفٌ، وشكرهم وقف
وقوفين قيل: نصب بإضمار فعل. أي أذكر وقوفين. وقيل: على الحال من يفدونه وقيل من قوله تقفوا وقيل من قوله: بين الناس إلا في سيادته خلف في هذا الحال. وتقديره: رأيتك راكبين، أي أنا راكب، وأنت راكب.
يقول: إن الممدوح والناس واقفين وقفًا فالممدوح واقفٌ نائله على الناس. والناس واقفون شكرهم عليه. فجعل الممدوح مقابل الناس. فنائله وقفٌ على الناس كلها، وشكرهم وقف عليه وحده.
ولما فقدنا مثله دام كشفنا عليه، فدام الفقد وانكشف الكشف
قال ابن جنى: عليه بمعنى: عنه والهاء فيه: تعود إلى مثله. ومعناه: إنا لما لم نجد مثله طلبناه لعلنا نجده فدام كشفنا مدةً عن مثله، ثم لما لم نجد مثله دام الفقد بعد ذلك، وانقطع الكشف، على ألا ننظر له. ويجوز أن يكون بمعنى: له. والهاء للمدوح. فكأنه يقول: دام كشفنا لمثله وباقي الكلام على وجهه.
[ ١ / ٩١ ]
وما حارت الأوهام في عظم شأنه بأكثر مما حار في حسنه الطرف
يصفه بعظم شأنه وحسن وجهه.
يقول: ما تحيرت العقول في عظم حاله أكثر مما تحير البصر في حسن وجهه، فهما متساويان.
ولا نال من حساده الغيظ والأذى بأعظم مما نال من وفره العرف
الوفر: المال الكثير. والعرف: المعروف.
يقول: لم ينقص الغيظ والأذى من أبدان حساده، أكثر مما نقص الجود من ماله.
تفكره علم، ومنطقه حكمٌ وباطنه دين، وظاهره ظرف
الحكم: الحكمة. ومعناه ظاهر.
اعلم أن العروض الطويل إذا لم يكن مصرعًا لا يجيء إلا من مفاعلن مقبوضة فأما مفاعيلن على ما جاء في هذا، فإنما يؤتى به في المصرع فقط. والتصريع: هو إعادة القافية.
عذره من وجهين: أحدهما: أن هذا وإن كان هو الأكثر، فقد جاء في مثل هذا عن العرب، ألا ترى أن الكامل لا يكون عروضه مفعولن إلا في المصرع، وقد جاء عن العرب مفعولن في الكامل من ذلك قول ربيع بن زياد.
ومجنبات ما يذقن عدوفا يقذفن بالمهرات والأمهار
والثاني: أن مفاعيلن، أصل العروض الطويل، فيكون قد رجع هاهنا إلى الأصل لضرورة الشعر، لأنه إذا جاز الخروج عن أصل الكلمة للضرورة، فالرجوع إلى الأصل أولى.
وروى: ومنطقة حجا، وروى: تقى.. وهذا لا اعتراض عليه.
أمات رياح اللوم وهي عواصفٌ ومغنى العلا يودي ورسم الندى يعفو
المغنى: المنزل. ويودي: أي يهلك، ويدرس. والواوات للحال.
يقول: رياح اللؤم في حال عصوفها وشدتها، كاد منزل العلا يهلك بتلك الريح، ورسم الجود يعفو ويدرس بها، والمراد بها، والمراد أنه: أعاد المعالي والجود بعد ذهاب دولتها.
فلم نر قبل ابن الحسين أصابعًا إذا ما هطلن استحيت الديم الوطف
الديم: جمع ديمة، وهي مطر يدوم أيامًا من غير ريح، ولا رعد، وأقله نصف يوم وأكثره خمسة أيام. والوطف جمع الوطفاء: وهي السحابة المتدلية الأطراف، الدانية من الأرض. وقوله: قبل ابن الحسين أراد قبل أصابع ابن الحسين، فحذف المضاف ويجوز أن يكون أخبر بالجملة عن البعض.
المعنى: أصابع هذا الرجل إذا ما هطلن بالعطايا، زادت على هطل السحاب الوطف، حتى نستحي من أصابعه.
ولا ساعيًا في قلة المجد مدركًا بأفعاله ما ليس يدركه الوصف
يقول: ما رأينا ساعيًا غاية المجد، فأدرك بفعله ما لا يدركه الوصف، إلا هذا الممدوح: فإنه أدرك من المجد ما لا يوصف.
ولم نر شيئًا يحمل العبء حمله ويستصغر الدنيا ويحمله طرف
العبء: الحمل الثقيل. والطرف: الفرس الكريم.
يقول: ما رأينا شخصًا يحمل المغارم، ومؤن العفاة والحلم والوقار مثل ما يحمله الممدوح. وهو مع ذلك يستصغر الدنيا لعظم همته، ومع ذلك يحمله طرف.
ولا جلس البحر المحيط لقاصدٍ ومن تحته فرشٌ ومن فوقه سقف
فرش: روى بالفتح وبالضم، فالفتح: مصدرٌ في معنى المفروش. والضم: جمع فراش. والبحر المحيط: هو البحر الأعظم الذي يحيط بجميع الأرض.
يقول: هو بحر؛ لكثرة جوده وما رأينا بحرًا قط جالسًا لقاصد، وتحته فرش وفوقه سقف.
فواعجبًا مني أحاول نعته وقد فنيت فيه القراطيس والصحف
القرطاس: شيء يستعملونه بدل الكاغد. كان من قشورٍ بيض. والصحف: جمع صحيفة وهي الكتب.
يقول: أتعجب من نفسي حيث أطلب استيفاء وصفة في الشعر، والقراطيس، مع أن وصفه يستغرق جميع القراطيس والصحف!
ومن كثرة الأخبار عن مكرماته يمر له صنفٌ، ويأتي له صنف
روى: الأخبار بفتح الهمزة وكسرها، الفتح هو الجمع، والكسر مصدر أخبر.
يقول: من كثرة ذكر الممدوح في الآفاق يأتيه صنف من الناس، ويصدر عنه صنف آخر.
وتفتر منه عن خصالٍ كأنها ثنايا حبيبٍ لا يمل لها الرشف
تفتر فاعله ضمير الأخبار أي تنكشف من هذا الممدوح، عن خصال حميدة حلوة لا يمل ذكرها، فكأن تلك الخصال ثنايا الحبيب التي لا يمل ترشفها ومصها. يعني: أن خصاله مستطابة كاستطابة رشف المحبوب.
قصدتك والراجون قصدي إليهم كثيرٌ، ولكن ليس كالذنب الأنف
قصدي: في موضع نصب، لأنه مفعول، والراجون: فاعله. أي الذين يرجون قصدي إليهم كثير، ولكن أنت كالأنف، وغيرك كالذنب، وليسوا سواء. والراجون قصدي نصب على الحال.
[ ١ / ٩٢ ]
ولا الفضة البيضاء والتبر واحدًا نفوعان للمكدى وبينهما صرف
واحدًا نصب لأنه خبر ليس. ونفوعان: خبر ابتداء محذوف. أي هما نفوعان. والمكدى: المحروم. وهذا البيت من تمام البيت الذي قبله.
يقول: قصدتك ولو قصدت غيرك لوجدت عنده خيرًا، ولكنك أكرم وأكثر عطاء من غيرك، فليس الذهب والفضة سواء وإن نفعا الطالب المحروم، ولكن أنت كالذهب وغيرك كالفضة.
ولست بدونٍ يرتجى الغيث دونه ولا منتهى الجود الذي خلفه خلف
بدونٍ: أي قليل صغير المقدار. وهو اسم يثنى ويجمع. ودونه: نصب على الظرف، وخلف. اسم غير ظرف.
يقول: لست بدون الناس فيبعد عنك العاني، ويرجو الغيث دونك أي سواك بل أنت أفضل من الغيث وأجود، ولأنت في الجود غاية ما خلفها غاية أخرى بل أنت النهاية التي ليست وراءها نهاية فكيف تقصد غيرك؟!
ولا واحدًا في ذا الورى من جماعةٍ ولا البعض من كل ولكنك الضعف
يقول: ليس واحدًا في هذا الخلق من جماعة، ولا بعضًا من جميع الناس، ولكنك مثليهم، لأن الضعف مثل الشيء مرتين.
ولا الضعف حتى يتبع الضعف ضعفه ولا ضعف ضعف الضعف بل مثله ألف
ضعفه: رفع لأنه فاعل يتبع ومفعوله الضعف ويجوز على العكس من ذلك وقوله: ولا الضعف نصب لأنه معطوف على خبر ليس، ومثله: نصب لأنه صفة نكرة مقدمة عليها، فنصب على الحال، والنكرة ألف والهاء في مثله: ترجع إلى ضعف الضعف ومعناه أنه أكثر من الخلق ثناءً ألف مرة
أقاضينا! هذا الذي أنت أهله غلطت ولا الثلثان هذا ولا النصف
يقول: إن الذي قلته أنت أهله، ثم قال: قد غلطت في ذلك، بل ما قلته ليس بثلثي ما تستحقه ولا نصفه بل هو أقل من ذلك.
وذنبي تقصيري وما جئت مادحًا بذنبي ولكن جئت أسأل أن تعفو
يعتذر من تأخيره الخدمة والمدح.
فيقول: ذنبي وتقصيري وما جئت مادحًا، ولكن جئت أسأل أن تعفو عن ذنبي في التقصير، وتقديره وما جئت مادحًا، بل جئت بذنبي أسأل أن تعفو ما تقدم. وقيل معناه: إني لم أقصدك مادحًا بذنبي، إني مقصر وكيف أمدحك بما يعد من ذنبي؟! وهو التقصير في مدحك، وإنما جئتك أسأل العفو عن تقصيري.
وقال يمدح علي بن منصور الحاجب ويصف جيشه
بأبي الشموس الجانحات غواربا اللابسات من الحرير جلاببا
الشموس: رفع بالابتداء. وخبره قوله: بأبي ويدل عليه الباء. تقديره: الشموس مفدية بأبي. والجانحات: المائلات. وغواربا. نصب على الحال. والجلابب، أصلها جلابيب، فحذف الياء ضرورة. وهي جمع جلباب: وهي الملحفة. وقيل: ثوب أوسع من الخمار.
يقول: أفدي بأبي نساءً كالشموس مائلات إلى الغروب يعني أنهن تهيأن للغروب والخروج للغيبة في الهوادج، والخروج إلى المقاصد، وأنهن كن يلبسن الثياب، والملاحف من الحرير. يصف تنعمهن وغناءهن. وقيل: أراد بقوله: غوارب أنهن كن يلبسن المصبغات بالحمرة، فكن كالشمس في حمرة الشفق.
المنهبات عيوننا وقلوبنا وجناتهن الناهبات الناهبا
نهبت المال: أخذته وأغرت عليه. وأنهبته: أي أمكنته من نهبه وجعلته نهبًا له. فنهبت: يتعدى إلى مفعول واحد. وأنهبت: إلى مفعولين، فأحد المفعولين للمنهبات. عيوننا وقلوبنا: عطف عليه. والمفعول الآخر: وجناتهن. والناهبات: صفة لوجناتهن. والناهب: مفعول الناهبات. وهذا الناهب: ينهب وجنات النساء.
يقول: إنهلن جعلن وجناتهن ناهبات لعيوننا وقلوبنا! فهذه الوجنات هي الناهبات الناهب، وهو الذي ينظر إليهن فينهبها بالنظر، والوجنات تنهب قلبه وعينه.
وقيل: أراد أنهن جعلن وجناتهن ناهبة لقلوبنا وعيوننا، فهذه الوجنات تنهب الناهب: أي الرجل الشجاع الذي يغير على الأعداء.
الناعمات القاتلات المحييا ت المبديات من الدلال غرائبا
ناعمات: أي لينات المعاطف والقاتلات: أي بالهجر. والمحييات: أي بالوصل. المبديات: أي المظهرات من الدلال: وهو الغنج والتحكم. غرائبا: أي عجائب.
حاولن تفديتي وخفن مراقبًا فوضعن أيديهن فوق ترائبا
الترائب: جمع التريب، وهو موضع القلادة من الصدر.
[ ١ / ٩٣ ]
يقول: أردن أن يقلن: جعلنا الله فداك، فخفن من الرقيب فوضعن أيديهن على ترائبهن، فإن من أراد أن يفدي غيره وضع يده على صدره. وقيل معناه: إنهن لما منعن من التفدية، وضعن أيديهن فوق صدورهن من الحزن والوجع؛ تسكينًا لقلوبهن مما فيها من ألم الفراق.
وبسمن عن بردٍ خشيت أذيبه من حر أنفاسي فكنت الذائبا
يقول: ضحكن عن ثغر مثل البرد، صفاءً ورونقًا، فخشيت أن أذيب هذا البرد من حر أنفاسي لما فيها من شدة الحزن، فكأنها النار، فكنت حينئذ أنا الذائب دون البرد، وبقي البرد عل حالة وذبت أنا.
يا حبذا المتحملون وحبذا وادٍ لثمت به الغزالة كاعبا
حبذا: كلمة تدل على حصول المحبة في قلب المتكلم، وهو اسم موضوع لذلك، وهو في موضع الرفع بالابتداء والمتحملون: خبره. والمنادى هو: حبذا أدخل فيه النداء تأكيدًا وكأنه يقول: يا حبذا المتحملون. وقيل: المنادى محذوف. أي يا قوم حبذا المتحملون. والغزالة: اسم من أسماء الشمس. والوادي: مجرى السيل في البادية.
يقول: ما أحب إلي هؤلاء المتحملون! وما أحب إلي الوادي الذي قبلت فيه حبيبتي! فكأنني قبلت شمسًا ناهدة الثديين، فلما استطاب هذا الوقت اشتاق إلى القوم الذين كانت هي فيما بينهم، وإلى الوادي الذي حصل فيه التقبيل، فكأنه يشير إلى أنه وإن منع من المحبة بخوف الرقيب اتفق له هذه الحالة المذكورة.
كيف الرجاء من الخطوب تخلصًا من بعد ما أنشبن في مخالبا!
تخلصًا: نصب بالرجاء لأنه مصدر، يعمل عمل الفعل، فكأنه يقول: كيف أرجو التخلص من حوادث الدهر وبلاياه، بعد أن تمكنت مني، وأدخلت في مخالبها! والتأنيث في أنشبن: للخطوب.
أوحدنني ووجدن حزنًا واحدً متناهيًا فجعلنه لي صاحبا
أوحدنني: يجوز أن يريد أن المحبوبات رحلن عني وتركنني وحيدًا قرينًا للحزن عليهن. ويجوز أن يكون ضمير الخطوب. أي خطوب الدهر فرقت بيني وبين أحبائي وافردتني منهم، ويجوز أن يريد: أوجدتني وحيدًا، أو واحد أزماني.
يقول: إن خطوب الدهر أوجدتني على ما ذكرناه ووجدت حزنًا وحيدًا متناهيًا في الشدة، فجعلنه لي صاحبًا وقرنته بي! فأنا وحيد والحزن وحيد.
ونصبنني غرض الرماة يصيبني محنٌ أحد من السيوف مضاربا
يقول: إن الخطوب جعلتني هدفًا للشدائد، ورمتني بمحن تصيبني! وهي أحد من مضارب السيوف؛ لأن من أصابته السيوف ربما يبرأ، ومن أصابته المحن لا يبرأ.
أظمتني الدنيا، فلما جئتها مستسقيًا مطرت علي مصائبا
أظمتني: أي أعطشتني. والأصل: أظمأتني بالهمزة. فقلبت الهمزة ألفًا، ثم حذفها لسكونا وسكون التاء بعدها.
يقول: أظمأتني الدنيا بما أصابتني من محنها، فلما سألتها أن تكشف عني بالراحة والرضا أزادتني بلاءً فأمطرت علي مصائبًا.
وحبيت من خوص الركاب بأسودٍ من دارش فغدوت أمشي راكبا
الخوص: جمع أخوص وخوصاء، وهو في البعير مثل الحول، إلا أنه أقل منه. وقيل: الخوصاء. الغائرة العين، وهو من أمارة الكرم. والدارش: ضرب من جلد الماعز، إذا كان مدبوغًا وتقديره: جئت بأسود من دارش ومن في قوله: من خوض الركاب. بمعنى: بدل. أي بدل ذلك.
يقول: أعطيت بدل الإبل، الخف والنعل الأسود، من جلد دارشٍ، فلبست ذلك، وغدوت أمشي راكبًا: أي صرت راكبًا عليه، وأنا ماشٍ في الحقيقة.
حالًا متى علم ابن منصورٍ بها جاء الزمان إلي منها تائبًا
حالًا: نصب بفعل محذوف. أي أشكوا حالًا. أوأذكر حالًا. وقيل: نصب على الحال.
يقول: لي حالٌ لو علم ابن منصور بها لغيرها إلى ما هو أحسن منها. فيكون كأن الزمان ندم على إساءته إلي، وتاب منها. وقيل: أراد جاءني الزمان معتذرًا مما جنى؛ لأنه يخاف أن ينتقم لي منه.
ملكٌ سنان قناته وبنانه يتباريان دمًا وعرفًا ساكبا
يتباريان: يعارض كلٌّ منهما صاحبه. والساكب: الجاري.
يقول: إن دم أعدائه يجري من سنان قناته، مثلما يجري معروفه من بنانه، فكأن كل واحد منهما يباري صاحبه وينافسه، في أن أيهما أكثر انسكابًا. ونصب عرفًا ودمًا: على التمييز.
يستصغر الخطر الكبير لوفده ويظن دجلة ليس تكفي شاربا
[ ١ / ٩٤ ]
يقول: إنه يستصغر ما يعطي القصاد من المال الكبير الخطر! حتى يظن أن دجلة مع كثرة فيضها، وغزارة مائها لا تكفي لشارب واحد.
كرمًا فلو حدثته عن نفسه بعظيم ما صنعت لظنك كاذبا
نصب: كرمًا على أنه مفعول لأجله أي يستصغره لأجل كرمه. وقيل: نصب على المصدر: أي كرم كرمًا. عن ابن جنى.
يقول: إنه كريم يفعل أفعالًا عظيمة حتى لو حدثته عن أفعاله لظنك كاذبًا، لعظم ما صنعت نفسه! ولا يعلم أنها صنعت ذلك؛ لاستعظامه إذا سمعه.
وهذا ليس بالمدح الجيد وهو إلى الجهل والغباوة أقرب.
سل عن شجاعته وزره مسالمًا وحذار ثم حذار منه محاربا
حذار: أي احذر. وهو مبني على الكسر.
يقول: سل عن شجاعته لتعلم رجوليته والقه زائرًا مسالمًا؛ حتى تستفيد منه، واحذر أن تقصده وتجرب شجاعته مبارزًا، فإنه يهلكك ويقتلك للوقت، ولا تصل إلى مقصدك منه.
فالموت تعرف بالصفات طباعه لو لم تلق خلقًا ذاق موتًا آئبًا
هذا تأكيد للبيت الذي قبله، ومعناه: أنه كما يموت من يحاوله، فتعرف أحوال شجاعته بالاستخبار، كما أن الموت تعرف صفاته وطباعه بالوصف لا بالتجربة، لأنك لا تلقى أحدًا ذاقه ثم عاد، حتى تعرف حقيقته، فكذلك حاله والطباع: هي الطبع وهي مؤنثة. وقيل: هي جمع الطبع. وروى كالموت تعرف بالطباع صفاته أي يعرف الموت طبعًا ومشاهدة لا تجربة
إن تلقه لا تلق إلا جحفلًا أو قسطلًا أو طاعنًا أو ضاربا
أو هاربًا أو طالبًا أو راغبًا أو راهبًا أو هالكًا أو نادبا
الجحفل: العسكر، وسمي به لكثرة الخيل فيه. والقسطل: الغبار. والنادب: المتفجع على أمر وقع فيه.
يقول: إذا لقيته لقيت عسكرًا، أي يقوم مقام العسكر، أو يكون معه عسكر أو رأيت غبارًا وطاعنًا وضاربًا؛ لأنه شجاع لا يكون إلا عند هذه الأمور. يجوز أن تكون هذه أحوال الممدوح أو هاربًا: أي لا تلقاه إلا هاربًا من قبيح، أو طالبًا، لمكرمة أو راغبًا إليه سفرًا وحضرًا، لا يفارقه السائل أو راهبًا من بأسه، أو هالكًا بسيفه وسطوته، أو نادبًا: أي متوجعًا ومتفجعًا؛ من إيقاعه به. وقيل نادبًا: أي داعيًا إلى القتال قائدًا إليه من قولهم: ندبت فلانًا لهذا الأمر فانتدب.
وإذا نظرت إلى الجبال رأيتها فوق السهول عواسلًا وقواضبا
وإذا نظرت إلى السهول رأيتها تحت الجبال فوارسًا وجنائبا
العواسل: الرماح المضطربة المهتزة. والجنائب: جمع جنيبة.
المعنى: أن عسكره ملأ السهل والجبل، فإذا نظرت إلى الجبال رأيتها فوق السهول كأنها رماح وسيوف، لكثرة ما عليها، وكأنها سترتها، فلا ترى سواها. وإذا نظرت إلى السهول قد امتلأت بفوارسه، وجنائبه، فكأنها صارت فوارس وجنائب.
وعجاجةً ترك الحديد سوادها زنجًا تبسم أو قذالًا شائبا
القذال: قذالان، وهما ما اكتنفنا القفا من يمين وشمال. يقول: رأيت عجاجةً. جعل سواد تلك العجاجة الحديد كأنها زنج أسود تبسم، أو قذالًا قد شاب. شبه لمعان السيوف في سواد الغبار، كتبم الزنجي حين يبدو بياض أسنانه من تحت سواده، أو بقذال قد شاب، فيلوح الشيب في وسط سواد الشعر وهو تشبيه عجيب.
فكأنما كسي النهار بها دجى ليلٍ وأطلعت الرماح كواكبا
روى: كسي أي ألبس. وروى: كسي أي لبس، فعلى هذا يقال: كسوته فكسي. والهاء في بها: للعجاجة.
يقول: كأن النهار بهذه العجاجة قد لبس ظلمة الليل، وكأن أسنة الرماح فيها بمنزلة الكواكب، فتكون الرماح قد أطلعت الكواكب، وهي أسنتها.
قد عسكرت معها الرزايا عسكرًا وتكتبت فيها الرجال كتائبا
الهاء في معها وفيها: للعجاجة. وعكسرت: أي جمعت عسكرًا وتكتبت: تجمعت.
يقول: قد جمعت المصائب جمع هذه العجاجة كعسكر لإهلاك أعدائه، وتجمعت في هذه العجاجة الرجال، فكانوا كتائب: أي قطعةً قطعة.
وإنما ذكر للرزايا عسكرًا، وللرجال كتائب، لأن العساكر أكثر من الكتائب، فيدل على أن الرزايا أكثر على الأعداء من رجاله.
أسدٌ فرائسها الأسود يقودها أسدٌ يصير له الأسود ثعالبا
[ ١ / ٩٥ ]
يقول: هؤلاء الرجال الذين في العجاجة أسود فرائسها الأسود. شبه أعداءه بالأسود أيضًا، ثم قال: يقود هذا الأسود أسدٌ، وهو الممدوح. تصير له جميع الأسود من جيشه وجيش عدوه بمنزلة الثعالب، فلا يقومون قدامه.
في رتبةٍ حجب الورى عن نيلها وعلا فسموه علي الحاجبا
حذف التنوين من علي وأصله: عليًا الحاجب، وإنما حذفه ضرورة؛ لسكونها وسكون اللام من الحاجب وقد قرىء: " قل هو الله أحد " بحذف التنوين من أحد.
يقول: إنه من الشرف في رتبة منع الناس عن الوصول إليها، وحجبهم عن نيلها، ثم علا إلى ما هو أعلى منها؛ فسمي لذلك عليًا الحاجب. فكأنه سمي عليًا لعلوه، وحاجبًا، لأنه حجب الناس عن رتبته.
ودعوه من فرط السخاء مبذرًا ودعوه من غصب النفوس الغاصبا
المبذر: الذي يفسد ماله بالتفريق.
يقول: أفرط في السخاء؛ فدعي مبذرًا، وأكثر من غصب نفوس الأعداء؛ فسمي غاصبًا.
ومخيب العذال فيما أملوا منه وليس يرد كفًا خائبا
يقال خيبه: إذا قطع أمله. وذكر الكف في قوله خائبًا ذهابًا بها إلى العضو. كما قال الأعشى:
يضم إلى كفيه كفًا مخضبا
والذي زاده حسنًا: أن الخائب هو صاحب اليد، فالمعنى يرجع إليه.
يقول: إنه يخيب عذاله. إذا عذلوه في سخائه ولا يرد سائلًا خائبًا من عطائه.
هذا الذي أفنى النضار مواهبًا وعداه قتلًا والزمان تجاربا
النضار: بالضم الذهب، وبالكسر الجمع. وهو جمع نضر، وهو المذهب.
يقول: هذا الممدوح هو الذي أفنى جميع الذهب بالمواهب، حتى لا يوجد شيء منه إلا وهو من مواهبه، وأفنى أعداءه فلم يبق منهم أحد، ولذلك أفنى الزمان تجاربًا حتى لا يوجد زمان إلا وله فيه تجربة.
هذا الذي أبصرت منه حاضرًا مثل الذي أبصرت منه غائبا
روى: مثل رفعًا ونصبًا؛ فالرفع تقديره: أن يكون هذا مبتدأ أول والذي مبتدأ ثان. ومثل خبر الذي والجملة خبر هذا. والضمير في منه: يعود إلى هذا. وتقدير النصب: أن يكون هذا مبتدأ والذي خبره ونصب مثل بأبصرت، ونصب حاضرًا وغائبًا على الحال من الكرم والشرف، مثل ما كنت أسمعه وأنا غائب لا كالذي يزيد.
كالبدر من حيث التفت رأيته يهدي إلى عينيك نورًا ثاقبا
يقول: هو كالبدر، فمتى التفت إليه رأيت نورًا مضيئًا منه. يعني أن عطاءه يصل إلى الحاضر والغائب، وكذلك بهاؤه واشتهاره لا يخفى على أحد.
كالبحر يقذف للقريب جواهرًا جودًا ويبعث للبعيد سحائبا
يقول: هو كالبحر من حيث ينتفع به القريب والبعيد، فالقريب ينتفع بجواهره، والبعيد ينتفع بالسحائب التي تنشأ من البخار، فتحمله الريح إلى البلاد القاصية. شبهه بالبحر؛ لعموم عطاياه، وشمولها القريب والبعيد.
كالشمس في كبد السماء وضوءها يغشى البلاد مشارقًا ومغاربا
كبد السماء: وسطها. يقول إن عطاياه، وبهاءه، وذكره، بلغ القاصي، والداني. كالشمس فإنها تكون في وسط السماء وشعاعها يعم الأرض شرقًا وغربًا.
أمهجن الكرماء والمزرى بهم وتروك كل كريم قومٍ عاتبا
هجنت الرجل: نسبته إلى الهجنة، والعيب. وأزريت: إذا قصرت. والمقصر يهم بما يظهر من كرمه وتقدمه في خصاله الحميدة، ويا من يترك كل كريم قوم عاتبًا عليه، لأنهم عجزوا عن شأوك. والعتب: أول الغضب.
يقول: يا من هجن عليك، لكونك فوقهم، ويجوز أن يكونوا عاتبين على أنفسهم حيث لم يكونوا مثله.
شادوا مناقبهم وشدت مناقبًا وجدت مناقبهم بهن مثالبا
شادوا: رفعوا. والمناقب: هي الأفعال الكريمة. والمثالب: الأفعال الذميمة.
يقول: إن مناقب الناس، إذا قيست إلى مناقبك، كانت تلك المناقب كالمخازي لهم.
لبيك غيظ الحاسدين الراتبا إنا لنخبر من يديك عجائبا
غيظ الحاسدين: نصب؛ لأنه منادى مضاف. ونصب الراتب؛ لأنه نعت له، والراتب: الثابت ونخبر أي نعلم، ونرى ونجرب فنعلم.
كأن الممدوح دعاه، لما انتهز بما شهر من إحسانه وفضله، أو دعاه حقيقة، فأجابه. فقال لبيك يا من تغيظ الحساد، فيبقى الغيظ في قلوبهم غير زائل عنها. إنا لنعلم ونرى عجائب من يديك ضربًا وطعنًا وسجنًا وكناية يعجز الناس عن بلوغه، وجعل البيت، مصرعًا؛ لأنه انتقل من المديح إلى الإجابة.
[ ١ / ٩٦ ]
تدبير ذي حنكٍ يفكر في غدٍ وهجوم غرٍّ لا يخاف عواقبا
الحنك: التجارب، ويجوز في تدبير، وهجوم: الرفع على خبر الابتداء المحذوف، كأن قائلًا قال: ما تلك العجائب؟ فقال: هي تدبير ذي حنك وهجوم غرٍّ، أو على الابتداء وحذف الخبر المقدم عليه، أي له تدبير ذي حنك. والنصب: بدلًا من عجائب. والغر: الذي لم يجرب الأمور.
يقول: له في السياسة تدبير ذي الرأي والتجربة، وفي الحروب إقدام الغر، الذي لم يجرب الأمور فلا يخشى العاقبة.
وعطاء مالٍ لو عداه طالبٌ أنفقته في أن تلاقي طالبا
روى: عطاء رفعًا ونصبًا، على ما ذكرناه عداه: جاوزه من غير أن يأخذه.
يقول: له عطاء مال لو جاوزه طالب، لبذل ذلك المال في تحصيل من يطلبه ليأخذه.
خذ من ثناي عليك ما أسطيعه لا تلزمني في الثناء الواجبا
قصر ثناي: وهي واجبه المد قصر للضرورة وما أسطيعه: أصله ما أستطيعه، فحذف استخفافًا.
يقول: خذ من ثنائي عليك ما أقدر عليه، ولا تلزمني في مدحك ما تستحقه ويجب لك فليس ذلك في وسعي ولا يجب أن يحيط به وهمي وخاطري.
فلقد دهشت لما فعلت ودونه ما يدهش الملك الحفيظ الكاتبا
دهش الرجل: أي تحير، ودهشته وأدهشته: إذا حيرته.
يقول: خذ ما أقدر عليه وإلا تلزمني الواجب؛ لأني قد دهشت بما رأيت من صفاتك، وأقل ما أرى من فعلك يخير الملائكة الحفظة الكرام الكاتبين، مع قوتهم! فكيف أقدر أنا على الاستيفاء بالوصف! وكيف يحيط وصفي وعلمي بكنهك؟! وقال يمدح عمر بن سليمان الشرابي ويذكر حسن بلائه وهو يومئذ يتولى الفداء بين الروم والعرب
نرى عظمًا بالصد والبين أعظم ونتهم الواشين والدمع منهم
الصد: الإعراض، مع قرب المسافة. والبين: البعد من حيث المسافة.
يقول: إنا نستعظم أمر الإعراض والهجر مع القرب، ولا نستعظم البين: الذي هو بعد المسافة، وهو أعظم منه، ونتهم الواشين في إظهار سرنا، والدمع من جملة الواشين؛ لأنه يفضحنا ويهتك أستارنا.
ومن لبه مع غيره كيف حاله؟ ومن سره في جفنه كيف يكتم؟!
يقول: من كان عقله مع غيره أي: مع المحبوبة. كيف حاله؟! لأنه إذا عدم عقله ولبه، لم يدر ما يقول ويسمع، ومن يكون سره في عينه كيف يكتمه! لأن العاشق لا يمكنه إمساك الدمع فيظهر سره بذلك.
ولما التقينا والنوى ورقيبنا غفولان عنا ظلت أبكي وتبسم
الواو: في قوله: والنوى ورقيبنا: واو الحال، والجملة في موضع نصب.
يقول: لما اجتمعت أنا والمحبوبة في حال ما كان النوى والرقيب غافلين عنا، ظلت أنا أبكي وأشكو إليها ما بي من الشوق والوجد، وهي تضحك من شكواي وبكائي تعجبًا من حالي، ومسرةً بما ابتليت.
فلم أر بدرًا ضاحكًا قبل وجهها ولم تر قبلي ميتًا يتكلم
شبهها بالبدر، وشبه نفسه بالميت. ثم ذكر متعجبًا فقال: لم أر بدرًا ضاحكًا قبل وجهها؛ لأن البدر لا يضحك، وهي بدر ضاحك، وكنت ميتًا، فلم أر قبل نفسي ميتًا يتكلم! لأني كنت أشكو إليها حالي وأتكلم به، وكنت ميتًا فالعجب من ذلك.
ظلومٌ كمتنيها لصبٍّ كخصرها ضعيف القوى من فعلها يتظلم
المتنان: لحمتان في الصلب، يكتنفان القفا. والخضر: معقد الإزار. والقوى: جمع القوة.
يقول: متنها قوي ممتلىء، وخصرها دقيق نحيف، فهي تظلم العشاق، كما يظلم متناها خصرها، لأنهما يكلفانها فوق طاقتها، وعاشقها ضعيف القوة كخصرها. وقوله: من فعلها يتظلم زيادة، ليس فيه كبير فائدة إلا إتمام البيت، ولو قال بدل المتن الردف لكان أولى؛ لأن المتن لا يوصف في الشعر بالعبارة والفخامة، وإنما يذكر بالاهتزاز والرشاقة، ويوصف الردف بالعظم. وهذا البيت مأخوذ من قول خالد الكاتب:
صبًا كئيبًا يتشكى الهوى كما اشتكى نصفك من نصفكا
بفرعٍ يعيد الليل والصبح نيرٌ ووجهٍ يعيد الصبح والليل مظلم
الباء في قوله: بفرع متعلقه بقوله ظلوم ويجوز أن يكون من الضمير الذي في ظلوم.
يقول: إنها ظلمتني حين فتنتني: بفرع أسود لو نشرته في النهار لصار ليلًا، وبوجه منير، لو أسفرت عنه ليلًا لصار نهارًا. والواو واو الحال في الموضعين.
فلو كان قلبي دارها كان خاليا ولكن جيش الشوق فيه عرمرم
[ ١ / ٩٧ ]
يقول: لو كان قلبه دارها، كان خاليًا كخلوها، ولكن قلبي وإن كان جاريًا مجرى دارها من حيث أنه محلها فإنه مملوء بالشوق بل جيش الشوق فيه كثير. وروى: ولو كان قلبي خاليًا كان دارها، وقيل: هذا أولى. ومعناه: لو كان قلبي عامرًا بالشوق لكان دارها؛ لأن جسمي ناحل مثل رسومها وفؤادي محترق كاحتراق أثافيها غير أن جيش الشوق فيه عرمرم.
أثافٍ بها ما بالفؤاد من الصلى ورسمٌ كجسمي ناحلٌ متهدم
الأثافي: تثقل وتخفف، وهي الأحجار التي تنصب تحت القدر. والصلى: الاحتراق.
تقدير البيت ومعناه: أثافٍ بها من الاحتراق، ما بالفؤاد من النار والشوق. ورسم تلك الدار ناحل متهدم كجسمي في نحوله.
بللت بها ردني والغيم مسعدي وعبرته صرفٌ وفي عبرتي دم
الردن: طرف الكم. والصرف: أي الخالص.
يقول: وقفت على آثار هذه الدار، فبكيت حتى بللت كمي من دموعي، وكان الغيم في تلك الحال يساعدني على البكاء، غير أن دمع الغيم كان صافيًا لا يمازجه دم، وكان دمعي ممزوج بالدم.
ولو لم يكن ما انهل في الخد من دمي لما كان محمرًا يسيل فأسقم
يقول: إن الذي ينصب من عيني دم؛ لأنه لو لم يكن دمًا لما كان أحمر، ولم أسقم كلما سال من جفني؛ لأن الدم هو الذي يسقم إذا أفرط سيلانه، ومثله:
وليس الذي يجري من العين ماءها ولكنه نفسٌ تذوب فتقطر
بنفسي الخيال الزائري بعد هجعةٍ وقولته لي: بعدنا الغمض تطعم
يجوز في الخيال: الرفع على الابتداء، أي الخيال مفدى بنفسي. والنصب على إضمار فعل النسبة: أي أفدي الخيال. وهكذا في قوله. والألف واللام في الزائري: بمعنى الذي. أي الذي زارني بعد ما نمت نومة، وأفدي قوله معاتبًا لي: بعدنا تطعم النوم، أي أن الخيال عاتبني فقال لي: كيف تنام بعد مفارقتي؟! فنفسي فداؤه لهذا القول.
سلامٌ فلولا الخوف والبخل عنده لقلت: أبو حفصٍ علينا المسلم
أي قال الخيال: سلام. فهو حكاية لقوله. ويجوز أن يكون أراد بالسلام: السلامة، فيكون التقدير بنفسي قوله: أتنام بعدنا؟ وأراد: أن الخيال لما رآه نائمًا ولى عنه مغاضبًا، فأخبر عن انصرافه بالسلام، لأن العادة أن يسلم الإنسان على صاحبه عند الانصراف، ثم استأنف وقال: فلولا الخوف والبخل عنده: أي لولا أن هذا الخيال فيه خوف وبخل، لكان يشبه الممدوح في حسنه وبهائه وطيب سلامه، فكنت أقول: إن هذا المسلم هو أبو حفص؛ وإنما قال ذلك، لأن الخوف والبخل محمودان في النساء، لأنها إذا خافت لم تقدم على ما لا يحل، وإذا بخلت حفظت ماء وجهها ومال زوجها.
محب الندى الصابي إلى بذل ماله صبوًا كما يصبو المحب المتيم
الصابي: المائل. والمتيم: الذي استعبده الحب. والتيم: العبد.
يقول: إنه عاشق لبذل ماله، عشقًا متناهيًا، كما يعشق المحب المستعبد حبيبته.
وأقسم لولا أن في كل شعرةٍ له ضيغمًا قلنا له: أنت ضيغم
الضيغم: هو الأسد. من الضغم وهو العض يقول: لا يمكننا تشبيهه بالأسد؛ لأن كل شعرةٍ منه تقوم مقام الأسد، فلولا هذا، لقلت: إنه الأسد.
أتنقصه من حظه وهو زائدٌ! ونبخسه والبخس شيءٌ محرم؟!
هذا البيت تمام معنى البيت الذي قبله يقول: أتنقصه من حظة بأن تسميه أسدًا، وهو زائد عليه فنكون قد بخسته حقه، والبخس أمر محرم.
يجل عن التشبيه، لا الكف لجةٌ ولا هو ضرغامٌ ولا الرأي مخذم
الضرغام: الأسد. والمخذم: السيف القاطع.
يقول: هو يرتفع عن التشبيه، فكفه أكثر من لجة البحر، وقلبه أجرأ من الأسد، ورأيه أمضي من السيف القاطع، والإنسان يشبه في سخائه بالبحر، وفي شجاعته بالأسد، وفي مضائه بالسيف.
ولا جرحه يوسى، ولا غوره يرى ولا حده ينبو، ولا يتثلم
يقول: لا يداوي جرحه، ولا يرى غوره: أي لا تعلم كنه صفاته وحقيقة أمره، ولا ينبو حده، فجعل له حدًا لمضائه، وجعل ذلك الحد لا ينبو عن الضريبة، بخلاف حد السيف، فإنه قد ينبو ولا يعمل، وقد يتثلم وينكر، وهذا لا ينكر ولا يتثلم.
ولا يبرم الأمر الذي هو حالل ولا يحلل الأمر الذي هو مبرم
[ ١ / ٩٨ ]
أظهر التضعيف في حاللٌ ويحلل: للضرورة، والأصل في القياس الإدغام: يعني أنه إذا أحكم أمرًا، لا يقدر أحد على حله، وإذا حل أمرًا، لا يحكمه أحد.
ولا يرمح الأذيال من جبريةٍ ولا يخدم الدنيا، وإياه تخدم
لا يرمح الأذيال: أي لا يضربها برجله. وروى: ولا يسحب الأذيال.
يقول: إنه متواضع لا يسحب ذيله من التجبر والخيلاء، وأنه زاهد في الدنيا، تارك لها ولا يخدمها وهي تخدمه، مقبلة عليه جارية تحت أمره، منقادة إليه.
ولا يشتهي يبقى وتفنى هباته ولا يسلم الأعداء منه ويسلم
يقول: إنه لا يحب البقاء في الدنيا إلا للأفضال على الأولياء، وكذلك لا يحب أن يسلم أعداؤه ويسلم هو، بل يجب الانتقام منهم.
ألذ من الصهباء بالماء ذكره وأحسن من يسرٍ تلقاه معدم
الصهباء: الخمر البيضاء، المعصورة من العنب الأبيض.
يقول: ذكره؛ لتضمنه المحاسن، ألذ من الخمر الممزوج بالماء. وإنما قال ذلك؛ لأنها إذا مزجت بالماء كانت ألذ طعمًا وأضعف سورة، وأحسن من الغنى بعد الفقر!
وأغرب من عنقاء في الطير شكله وأعوز من مسترفدٍ منه يحرم
العنقاء: اسم على غير مسمى، والعرب تزعم أنه طائر عظيم في عنقه بياض، وأنه بحيث لا يراه أحد، ولا يصل إليه. وقيل: إنه طائر ذهب فلم يبق في أيدي الناس غير اسمه. وإنما سمي عنقاء، لأن في عنقه بياض كالطوق. ويضرب المثل بالعنقاء في الشيء الذي لا يوصل إليه، فيقال: طارت به العنقاء وهو أعز وأغرب من العنقاء، ويقال له: عنقاء مغرب إضافة، وصفة، وإغرابها العادي: ذهابها في الطيران. والأعواز، والعوز: عدم الشيء.
يقول: مثل الممدوح في الناس أعز وجودًا، وأغرب من هذا الطائر الذي ليس له وجود، كذلك مثله أقل وجودًا من رجل يطلب عطاءه ورفده فيحرمه ويمنعه
وأكثر من بعد الأيادي أياديًا من القطر بعد القطر والوبل مثجم
مثجم: من أثجمت السماء، إذا دام مطرها. وأياديا: نصب على التمييز.
يقول: هو أكثر أياديًا بعد الأيادي من تتابع القطر في الوبل الدائم.
سني العطايا لو رأى نوم عينه من اللوم آلى أنه لا تهوم
التهويم: اختلاس أدنى النوم.
يقول: إنه كريم جواد، فلو ظن أن نومة يدنيه من البخل، حلف عليه ألا ينام، مع أنه شيء لا يقدر عليه.
ولو قال: هاتوا درهمًا لم أجد به على سائل أعيا على الناس درهم
يقول: إن جميع ما في أيدي الناس من هباته، فلو طلب درهمًا واحدًا ليس من عطاياه لأعيا على الناس ذلك، لأنه لم يوجد ما ليس من مواهبه.
ولو ضر مرءًا قلبه ما يسره لأثر فيه بأسه والتكرم
الهاء في قلبه: للممدوح، وفي يسره للمرء.
يقول: إنه يسر بما فيه من البأس والشجاعة، فلو كان إنسان يضره ما يسره، لكان هذا الممدوح يضره بأسه وكرمه.
يروي بكالفرصاد في كل غارةٍ يتامى من الأغماد بيضًا ويوتم
الفرصاد: التوت وقوله: بكالفرصاد: أراد بدمٍ كالفرصاد حمرةً. وأراد باليتامى: سيوفًا فارقت أغمادها فصارت كاليتامى، وقيل: إنما قال ذلك؛ لأن أجفانها كسرت وفللت كأنها اليتامى.
يقول: يروى سيوفه عند كل غارة بدم الأعداء، وإنه يؤتم أولاد من قتله بهذه اليتامى التي هي السيوف، وقد روى: من الأغماد تنضى: أي تجرد.
إلى اليوم ماحط الفداء سروجه مذ الغزو سارٍ مسرج الخيل ملجم
الغزو: رفع: بالابتداء وخبره محذوف أي هذا الغزو واقع وكائن، لم يحط الفداء، والسعي بين العرب والروم بالصلح سروجه، من وقت الغزو إلى اليوم، فهو يسعى في ذلك، مسرجٌ خيله وملجم لها. ونسب الفعل إلى الفداء لأنه كان بسببه.
يشق بلاد الروم والنقع أبلقٌ بأسيافه والجو بالنقع أدهم
النقع: الغبار، وصفه بأنه أبلق، لبرق الحديد في خلاله، فقد اجتمع فيه السواد والبياض.
المعنى: أنه يقطع بلاد الروم وقد اسود الجو من غبار خيله، وبياض السيوف يلمع من خلال الغبار، فالجو أدهم: أي اسود بالغبار، والغبار أبلق بالسيوف، فأعلى الجو أسود، وأسفله بالسيوف أبلق.
إلى الملك الطاغي فكم من كتيبةٍ تساير منه حتفها وهي تعلم
[ ١ / ٩٩ ]
إلى: يتعلق بقوله: يشق بلاد الروم إلى الملك الطاغي وهو ملك الروم، جعله طاغيًا لكفره. والهاء في منه للممدوح، وفي حتفها للكتيبة.
يقول: هو يشق بلاد الروم إلى الملك الكافر، فكم من كتيبة لملك الروم تساير حول هذا الممدوح ومنه هلاكها، وهي تعلم ذلك لأنه كان يغير عليهم.
ومن عاتقٍ نصرانهٍ برزت له أسيلة خدٍّ عن قليلٍ ستلطم
العاتق: البكر. ونصرانة. أي نصرانية وروى عنه أنه قال: ربما أنشدت وعذراء نصرانية برزت له: أي لهذا الممدوح. للنظر إليه عند دخوله البلد، وقيل: بروزها هو خروجها مع الرجال إلى المعركة، وقيل: هو مفارقها.
يقول: كم من جاريةٍ عذراء نصرانية وضعت خوفًا من عسكره. وقوله: عن قليل ستلطم: يعني أنه يعاود الغزو فيقتل رجالها فتلطم وجهها، أو تسبى فتلطم عند السبي.
صفوفًا لليثٍ في ليوث حصونها متون المذاكي والوشيج المقوم
المذاكى: الخيل التي نمت أسنانها الواحد مذكى. والوشيج: الرماح، سمى به لتداخله. والمواشجة: المداخلة. وصفوفًا: نصب على الحال من عاتق وهي في معنى الجمع، لأن كم تدل على الكثرة. وقيل: هو حال من الكتيبة. أي أتت الكتائب حوله صفوفًا.
يقول: إن الكتيبة تساير هذا الممدوح صفوفًا، والعواتق وقفن صفوفًا، ينظرن إلى قائدٍ كأنه أسد في خيل كأنهم أسود، حصونها متون الأفراس، وأطراف الرماح، لا كالروم الذين يتحصنون بحصون المدر والأحجار. ومنه قول الآخر وهو:
أن الحصون الخيل لا مدر القرى
تغيب المنايا عنهم وهو غائبٌ وتقدم في ساحاتهم حين يقدم
ساحة الدار: أصلها، وأصله من الاتساع، والانبساط.
يقول: إذا غاب عنهم الممدوح غاب موتهم، فإذا عاد إلى ديارهم قدم عليهم موتهم فأهلكهم.
أجدك ما تنفك عانٍ تفكه عم ابن سليمانٍ ومالًا تقسم
أجدك: نصب على المصدر. أي أتجد جدًا ومعناه: أيجد هذا الفعل. وقوله: عم ابن سليمانٍ: أي يا عمر بن سليمان، فرخمه. وهذا جائز على مذهب الكوفيين؛ إذا كان الاسم على ثلاثة أحرف، متحرك الأوسط، ولا يجوز عند البصريين إلا إذا زيد على ثلاثة أحرف، فيرد عليه الترخيم.
يقول: إنك أبدًا في فكاك الأسرى وتفريق الأموال.
مكافيك من أوليت دين رسوله يدًا لا تؤدي شكرها اليد والفم
أوليت فلانًا خيرًا: أي فعلت به خيرًا.
يقول: جزاك الذي أنعمت على دين رسوله، نعمة لأتقوم بشكرها اليد واللسان فلا يمكن لأحد مكافأته، ولا يقدر عليها إلا الله ﷿.
على مهلٍ إن كنت لست براحمٍ لنفسك من جودٍ فإنك ترحم
يقول: ارفق بنفسك ولا تتعبها في طلب المجد، وتحمل المؤن والكلف في الجود بالمال والنفس، فإنك تنفق مالك وتجود بنفسك، فإن كنت لا ترحم نفسك فإن الله يرحمك، وكذلك الناس لما أنت فيه من تكلف الجود بالنفس والمال.
محلك مقصودٌ وشانيك مفحمٌ ومثلك مفقودٌ ونيلك خضرم
الخضرم: الكثير.
يقول: محلك عامر بالقصاد، وعدوك مفحم لا يقدر على ذلك، ونظيرك مفقود، وعطاؤك كثير لا يكاد يحصى.
وزارك بي دون الملوك تحرجٌ إذا عن بحرٌ لم يجز لي التيمم
التحرج: ترك الحرج، وهو الإثم، وهو فاعل زارك.
يقول: حملني على زيارة تلك الملوك تحرز من الإثم، الذي يلزمني في تركي قصدك، وقصدي غيرك، لأن قصدك واجب لا يجوز العدول عنه إلى غيره، كما أنه إذا ظهر البحر، وأمكن الوصول إليه، لا يجوز العدول إلى التيمم. وهو مأخوذ من قوله تعالى: " فلم تجدوا ماءً فتيمموا صعيدًا طيبًا "
فعش لو فدى المملوك ربًا بنفسه من الموت لم تفقد وفي الأرض مسلم
قوله: فعش دعاء.
يقول: لو فدى العبد مولاه بنفسه من الموت، لفداك المسلمون كلهم؛ لأنهم عبيدك، فكيف تفقد وفي الأرض مسلم؟! وقال يمدح عبد الواحد بن العباس بن أبي الأصبع الكاتب:
أركائب الأحباب إن الأدمعا تطس الخدود كما تطسن اليرمعا
تطس: أي تكسر، وتهد وترض. واليرمع: الحجارة: يقول: يا إبل الأحباب، إن الدموع تؤثر في الخد إذا جرت، وترضه، كما تفعلن أنتن بالأحجار، فإنكن تكسرنها من شدة وطئكن عليها. واليرمع: الحجارة الرخوة كالمدر يفتت باليد.
فاعرفن من حملت عليكن النوى وامشين هونًا في الأزمة خضعا
[ ١ / ١٠٠ ]
من حملت: مفعول فاعرفن وفاعله النوى والهون بالفتح: الرفق، وبالضم: الهوان.
يقول للركائب: اعرفن الذي حملته عليكن النوى: وهو البعد. واعرفن حقه وامشين له مشيًا لينًا، لئلا تتعبنه. وذلك يدل على عظم حال من عليهن.
قد كان يمنعني الحياء من البكا فاليوم يمنعه البكا أن يمنعا
البكا: يمد ويقصر.
يقول: قد كان في أول أمري يمنعني الحياء من البكاء لفقد الأحباء، فالآن تزايد الحب وغلب البكاء الحياء ومنعه من منعي عن البكاء، فصار الحياء ممنوعًا بعد أن كان مانعًا. ومثله قول بعض الأعراب:
قد كنت أعلو الحب حينًا فلم يزل بي النفض والإبرام حتى علانيا
حتى كأن لكل عظم رنةً في جلده ولكل عرقٍ مدمعا
حول الكلام عن الإخبار عن النفس إلى الغيبة.
فقال: وقد بلغ البكاء إلى حدٍّ حتى صار يبكي جميع جسد العاشق، فصار كل عرق منه يجري الجمع، وكل عظم أو عضو يرن رنينًا من ألم الفراق! وشدة الاشتياق! ويجوز أن يكون الهاء راجعًا إلى كل عضو.
وكفى بمن فضح الجداية فاضحًا لمحبه وبمصرعي ذا مصرعا
الجداية: الغزالة. ومن: في موضع الرفع، لأنه فاعل كفى ويجوز أن يكون فاضحًا تمييزًا أو حالًا، وذا في موضع الجر؛ لأنه بدل من مصرعي ومصرعًا نصب على التمييز. والمصرع: يجوز أن يكون اسمًا، ومصدرًا. وكلاهما محتمل في البيت.
يقول: كفى بمن فضح الغزالة بحسن جيده وعينه أن يكون فاضحًا لمحبه، وكفى بمصرعي هذا مصرعًا.
المعنى: أنه إذا فضح الغزالة، فليس بعجب أن يفضحني في حبه، وكفاني مصرعي يوم فراق من هذه حاله.
سفرت وبرقعها الفراق بصفرةٍ سترت محاجرها ولم تك برقعا
روى: الحياء والفراق.
يقول: هذه المرأة سفرت وجهها ومحاجرها، وقامت لها مقام البرقع، ولم تكن هذه صفرة برقعها.
فكأنها والدمع يقطر فوقها ذهبٌ بسمطي لؤلؤٍ قد رصعا
الهاء، في كأنها للصفرة وفي فوقها للمحاجر. ويجوز أن يكون في فوقها للصفرة أيضًا. والسمط: اسم لكل جانب من جوانب القلادة.
يقول: كأن صفرة وجهها والدمع فوقها، قلادة من ذهب رصع بلؤلؤ. وشبه الصفرة بالذهب والدمع باللؤلؤ لصفائه ورقته
كشفت ثلاث ذوائبٍ من شعرها في ليلةٍ فأرت ليالي أربعا
وروى: نشرت يقول: كشفت ثلاث ظلم، فصارت الليالي أربعًا. شبه كل ذؤابة منها بليلة لسوادها، ولم يجعلها قطعة من الليل؛ دلالة على كثرة الشعر ووفور السواد.
واستقبلت قمر السماء بوجهها فأرتني القمرين في وقتٍ معا
يقول: استقبلت القمر بوجهها، وهو قمر أيضًا، فأرتني قمرين معًا، أحدهما قمر السماء، والثاني وجهها. ومعًا: نصب على الحال، أي مصطحبين. وقيل: أراد بالقمرين الشمس والقمر. فكأنه يقول: أرتني الشمس والقمر معًا في وجه واحد وجعل وجهها شمسًا للمبالغة.
ردي الوصال سقى طلولك عارضٌ لو كان وصلك مثله ما أقشعا
روى: ما أقشع وما أقلع فاعله ضمير وصلك والهاء في مثله للعارض وهو السحاب.
يقول: ارجعي إلى الوصال الذي كان بيننا، ثم دعا لها أن يسقى طلولها سحابٌ دائم لا انقطاع له، ولو كان وصلك مثله أي مثل هذا السحاب في الإدامة ما أقشع ذلك الوصل.
زجلٌ يريك الجو نارًا، والملا كالبحر والتلعات روضًا ممرعًا
زجل: صفة السحاب أي ذي صوت وهو الرعد. والملا: المكان الواسع، وأراد الأرض. والتلعات: جمع تلعة وهي المكان المرتفع. والممرع: الخصيب.
يقول: سقى طلولك سحابٌ ذو رعدٍ، يريك الجو نارًا؛ من كثرة بروقه، ويريك الأرض الواسعة كالبحر؛ من كثرة مائه، ويريك التلعات معشبةً ممرعة كأنها روضة مريضة مخصبة.
كبنان عبد الواحد الغدق الذي أروى، وآمن من يشاء، وأفزعا
الغدق: الكثير، وهو صفة البنان. وروى وأفزعا وأجزعا شبه بنان الممدوح بسحابٍ هذه صفته، ثم أخذ في وصف البنان بأنه غدق يروى كل أحد ويؤمن من يشاء ويخيف. وصفه بغاية السخاء وغاية الفتوة والعلا، وهذا تحقيق. التشبيه بالسحاب لأنه يروي البلاد والعباد ويأتي بالغيث الذي هو رحمة، وبالصاعقة التي هي نقمة.
ألف المروءة مذ نشا فكأنه سقي اللبان بها صبيًا مرضعا
اللبان: اللبن وقيل: هو جمع اللبن، ونصب صبيًا على الحال.
[ ١ / ١٠١ ]
يقول: إنه اعتاد المروءة من صغره؛ فكأنما سقى بها اللبن وهو يرضع، أي كأنه رضع المروءة من لبن أمه
نظمت مواهبه عليه تمائمًا فاعتادها فإذا سقطن تفزعا
روى نظمت على ما لم يسم فاعله ومواهبه اسمه، والمفعول الأول القائم مقام الفاعل. وتمائما نصب على أنه المفعول الثاني. هذه رواية ابن جنى. قال: ومعناه أن اعتقاده أن مواهبه تقيه من الذم كاعتقاد التمائم أنها تقيه من الآفات، فإذا خلا من مواهبه يفزع كما يفزع ذو التمائم إذا سقطت تمائمه.
وروى نظمت على الفعل المسند إلى الفاعل. وفاعله المواهب، والتمائم المفعول. والمعنى: مواهبه حصلت له من الحمد والثناء وأدعيه السؤال، ما هو كالتمائم، فهو إذا خلا من ذلك أنكر ذلك، وفزع من سقط تميمته. وروى: عقدت مواهبه.
ترك الصنائع كالقواطع بارقا تٍ والمعالي كالعوالي شرعا
الصنائع: النعم. والعوالي: جمع عالية، وهي الرمح الأعلى. والشرع: الممدودة المقومة نحو الأعداء. وبارقات وشع: نصب على الحال. وقيل: لأنه مفعول ثانٍ لترك.
يقول: أظهر الصنائع حتى صارت كالسيوف اللامعات، ورفع المعالي حتى جعلها كالرماح الشرع إلى الأعداء.
متبسمًا لعفاته عن واضحٍ تغشي لوامعه البروق اللمعا
روى تغشى بالغين: أي تستر وتعشى: أي تظلم وتورث العشي. ونصب مبتسمًا على الحال من قوله: ترك الصنائع بارقات وهو مبتسم، ويجوز نصبه على المدح بفعل مضمر، أي أعني مبتسمًا. وقوله: عن واضح أي عن ثغر واضح، والمفعول الثاني من تغشى محذوف، أي تغشى لوامعه البروق برقها.
يقول: إنه يلقى سائليه مبتسمًا ضاحكًا عن ثغر واضح يغلب لمعانه لمعان البرق اللامع.
متكشفًا لعداته عن سطوةٍ لو حك منكبها السماء لزعزعا
متكشفًا: بدل من قوله: متبسمًا ويجوز فيه وجه آخر، وهو أن يكون حالًا من الضمير في متبسمًا فيكون العامل متبسمًا. وفاعل زعزع ضمير منكبها أي حركها، ومنكبها: جانبها أو بعضٌ منها.
يقول: إنه يلقى عفاته مبتسمًا في حال ظهوره لأعدائه أي مكاشفتهم بالعداوة، وله سطوة لوحك بعض منها السماء لحركها.
وإن شئت قطعت الثاني عن الأول فيجوز فيه الرفع على إضمار المبتدأ وكذلك في متبسمًا.
الحازم اليقظ الأغر العالم ال فطن الألد الأريحي الأروعا
الكاتب اللبق الخطيب الواهب ال ندس اللبيب الهبرزي المصقعا
الحازم: الجامع للأطراف، الذي أحواله كلها مجموعة. واليقظ: الكثير التيقظ في الأمور. والأغر: الأبيض. والفطن: العالم بدقائق الأمور. والألد: شديد الخصومة العالم بها. والأريحي: الذي يهتز للعطاء. والأروع: الذي يروعك بجماله.
والندس: الفطن المتجاسر على الأمور. والهبرزي: الخالص الكرم والأصل. وقيل: هو الذي يبرز البدائع من مجده. والمصقع: الفصيح. وهذه الصفات كلها نصب على المدح.
نفسٌ لها خلق الزمان لأنه مفني النفوس مفرقٌ ما جمعا
نفسٌ: خبر ابتداء محذوف، أي هي نفسٌ، أو ابتداء وخبره محذوف، أي له نفس.
يقول: إنه يفرق ما جمعه من المال ويفني بالقتل أعداءه فخلقه كخلق الزمان.
بيدٍ لها كرم الغمام لأنه يسقي العمارة والمكان البلقعا
يقول: إنه يعم الخاص والعام بجوده، فيشبه الغمام الذي يسقي المكان العامر والخالي.
أبدًا يصدع شعب وفرٍ وافرٍ ويلم شعب مكارمٍ متصدعا
الشعب الأول: هو الجمع. والثاني هو التفريق.
يقول: إنه يفرق ما اجتمع عنده من الأموال؛ ليجمع بتفريقه ماتفرق من المكارم، فهذا دأبه أبدا.
يهتز للجدوى اهتزاز مهندٍ يوم الرجاء هززته يوم الوعى
الوعى غير معجم بمعنى الوغى بالإعجام: وهو الحرب. وتقديره يهتز للجدوى يوم الرجاء اهتزاز مهند هززته يوم الوغى.
يقول: يهتز للعطاء كاهتزاز السيف للحرب.
يا مغنيًا أمل الفقير لقاؤه ودعاؤه بعد الصلاة إذا دعا
يا مغنيًا: نصب لأنه نداء نكرة، وأمل الفقير: مبتدأ. ولقاؤه: خبره.
والجملة في موضع نصب؛ لأنها صفة للنكرة المناداة.
يقول: يا من علا الناس بمواهبه، فكل فقير يرجو لقاءه ويدعو الله تعالى بعد صلاته، أن يجمع بينه وبينه؛ ليغنيه مثل غيره.
أقصره ولست بمقصرٍ، جزت المدى وبلغت حيث النجم تحتك فأربعا
[ ١ / ١٠٢ ]
أقصر الرجل عن الأمر: إذا تركه. وقوله: فأربعا أراد فأربعن فأبدل النون ألفًا. ومعناه: أقم.
يقول: أقصر وأقم فقد تجاوزت الغاية من المجد، وبلغت مكانًا فوق النجم، فاترك سعيك فليس وراءه غاية. وقوله: فلست بمقصر. أي أقصر فإنك إذا قصرت بعد تجاوز الغاية فلست بمقصر في الحقيقة، إذ ليس بعد الغاية غاية. وقيل: أراد أقصر، أنا أعلم أنك لا تقصر، ولا تقبل مني ذلك.
وحللت من شرف الفعال مواضعًا لم يحلل الثقلان منها موضعا
وروى: من شرف المعالي.
يقول: قد نزلت من الشرف والكرم منازل كثيرة لا يقدر الثقلان أن ينزلوا واحدًا منها.
وحويت فضلهما وما طمع امرؤٌ فيه، ولا طمع امرؤٌ أن يطمعا
يقول: قد جمعت فضائل الجن والإنس، وما طمع أحد في ذلك الفضل؛ لأنه لم يكن في أحد من الخصال مثل ما فيك، ولا خطر ببال أحد.
نفذ القضاء بما أردت كأنه لك، كلما أزمعت شيئًا أزمعا
وروى: بعد القضاء.
يقول: إن القضاء يتصرف بإرادتك، فكأنه لك أي كأنه قضاؤك، وأنت تملكه، فكلما عزمت على شيء يعزم هو أيضًا عليه، متابعة لك.
وأطاعك الدهر العصي كأنه عبدٌ إذا ناديت لبى مسرعا
وروى: أرادك الدهر.
يقول: إن الدهر الذي لا يطيع أحدًا، أطاعك! حتى كأنه عبدك، إذ ناديت أجابك مسرعًا بالتلبية والإجابة.
أكلت مفاخرك المفاخر وانثنت عن شأوهن مطي وصفي ظلعا
ظلع: أي عجز.
يقول: إن مفاخرك أبطلت مفاخر الخلق، فكأنها أكلتها ورجعت مطيات وصفي عن غايات تلك المفاخر، ظالعة معييةً بها.
وجرين جري الشمس في أفلاكها فقطعن مغربها وجزن المطلعا
الهاء في أفلاكها ومغربها للشمس.
يقول: إن مفاخرك في الدنيا كجري الشمس، فقطعت المغرب وجازت المشرق وبلغت حيث تبلغ الشمس. وإنما قال: في أفلاكها أراد إجرائه.
لو نيطت الدنيا بأخرى مثلها لعممنها وخشين ألا تقنعا
نيطت: أي وصلت. كناية في عممنها للمفاخر. والثاني في ألا تقنعا. ويجوز أن يكون للخطاب، ويجوز أن يكون فعل المفاخر. وقوله: وخشين. يجوز أن يكون للمفاخر، ويجوز أن يكون فعل الدنيا الموصولة بدنيا أخرى وما فيها. فأورده على الجمع.
يقول: لو وصلت هذه الدنيا بأخرى مثلها لعمتها مفاخرك، وخشيت مفاخرك الدنيا وما فيها، ألا تقنع أنت ومفاخرك بها.
فمتى يكذب مدعٍ لك فوق ذا والله يشهد أن حقًا ما ادعى
روى: يكذب بالرفع على الاستفهام. والله بالواو وهو الأولى لأن ما بعده من البيت يدل عليه. وروى يكذب بالجزم على الجزاء. فالله بالفاء على الجواب. ومعناه على الاستفهام.
يقول: متى يمكن أن يكون من ادعى لك فوق الذي قلت مكذبًا؟! لأن الله يشهد أن ما ادعاه لك حق.
وعلى الجزم، معناه: متى ادعى لك مدع فوق هذا وكذب هذا المدعي، فالله يشهد أن ما يدعيه حق وأنه صادق.
ومتى يودي شرح حالك ناطقٌ حفظ القليل النزر مما ضيعا
النزر، والقليل: بمعنىً واحد. وجمع بينهما لاختلاف لفظهما، أو للمبالغة.
يقول: متى يقدر ناطق على شرح حالك؟! فإن علمه لا يحيط بكنه صفاتك، ومتى ظن أنه استوفى حالك، كان قد حفظ اليسير مما ضيع، فإن ما ضيعه كثير وما حفظه يسير.
إن كان لا يدعى الفتى إلا كذا رجلًا فسم الناس طرًا إصبعا
تقديره: إن كان لا يدعى الفتى رجلًا إلا كذا، فالفتى؛ اسم ما لم يسم فاعله، ورجلًا خبره، وطرًا نصب على الحال. وقيل: على المصدر. أي: فسم الناس إذا طررتهم طرًا: أي جمعتهم جمعًا.
يقول: إن كان لا يدعى الفتى رجلًا إلا إذا كان مثل هذا الممدوح، فيجب أن تسمى جميع الناس إصبعا؛ لأنهم بالإضافة إليه كالإصبع من الجسد، فإذا كان اسمه رجلًا، فاسمهم كلهم الأصبع.
أو كان لا يسعى لجودٍ ماجدٌ إلا كذا فالغيث أبخل من سعى
قوله: فالغيث أبخل من سعى ومن للعقلاء، والغيث ليس منهم؛ وإنما حسن ذلك لوجهين: أحدهما: لأن المعنى أبخل الساعين، وهذا يعم من يعقل ومن لا يعقل، فغلب من يعقل كقوله تعالى: " والله خلق كل دابةٍ من ماءٍ " إلى آخره.
والثاني: وهو أن السعي لما كان من صفات العقلاء وقد استعمل في الغيث، أطلق عليه لفظ العقلاء لقوله تعالى: " والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين ".
[ ١ / ١٠٣ ]
يقول: إن كان السعي في طلب المجد والجود، لا يعد سعيًا حتى يكون مثل سعيك، فالغيث المضروب به المثل في الجود، أبخل الساعين؛ لبعده عن بلوغ غايتك وكونك فقته.
قد خلف العباس غرتك ابنه مرأى لنا وإلى القيامة مسمعا
يقول: يابن عباس. إن أباك قد خلف غرتك خلفًا منه وعوضًا عن رؤيته إلى يوم القيامة، فإذا رأيناك فكأنا رأيناه، وإذا سمعناك، فقد سمعناه.
واجتاز بمكان في بعض أسفاره بالليل، يعرف بالفراديس، فسمع زئير الأسد فقال يخاطبه:
أجارك يا أسد الفراديس مكرم؟ فتسكن نفسي، أم مهانٌ فمسلم؟
فتسكن نفسي: نصب لأنه جواب الاستفهام فنصبه بالفاء.
يقول: يا أسد الفراديس وهو رستاقٌ بدمشق أجارك مكرم حتى تسكن نفسي إليكن؟ أم مهانٌ فمسلمٌ إلى أعدائه.
وحكى عنه أنه قال: ما كانت نفسي نافرة فتسكن، وإنما قلت: فأعلم حقًا.
ورائي وقدامي عداةٌ كثيرةٌ أحاذر من لصٍ ومنك ومنهم
يقول: قد أحاط بي من قدامي وورائي، أشياء محذورة، فأعداءٌ أحاذرهم، ولصٌّ أخاف قطعه طريقي، وأسودٌ أحاذرها وأسمع زئيرها.
فهل لك في حلفي على ما أريده فإني بأسباب المعيشة أعلم؟
الحلف: من المحالفة، وهي المعاهدة.
يقول للأسود: هل تتحالفين معي على ما أريد من طلب الولاية، فإني مثلك في الافتراس والشجاعة، ولي فضل عليك من جهة أني أعلم بأسباب المعيشة ووجوه المكاسب، منك.
إذًا لأتاك الرزق من كل وجهةٍ وأثريت مما تغنمين وأغنم
يقول: لو حالفتني لأتاك الرزق من كل ناحية، فكنت أنت تكسبين من جهةٍ، وأنا أكتسب من جهة، فيكثر ما لنا ويتسع رزقنا.
وقال يمدح عبد الرحمن بن المبارك الأنطاكي:
صلة الهجر لي وهجر الوصال نكساني في السقم نكس الهلال
النكس بالفتح أولى، وهو مصدر نكسته والنكس بالضم. أكثر ما يستعمل في عود المرض بعد زواله، وروى ذلك أيضًا في البيت.
والمعنى: أن مواصلة الهجر لي، وهجران الوصال، رداني إلى السقم والنحول، مثل الهلال ينكس إلى النحول بعد الكمال على التدريج، فكأنه يقول كنت صحيح الجسم كامل الخلق فصرت كالهلال.
فغدا الجسم ناقصًا والذي ين قص منه يزيد في بلبالي
البلبال: الهم والحزن. وقيل: الاضطراب والتحير.
يقول: قد نحل جسمي، ونقصت أجزاؤه! وما ينقص من الجسم يزيد في الحزن بقدر ما نقص منه!
قف على الدمنتين بالدو من ريا كخالٍ في وجنةٍ جنب خال
الدمنة: البعر الملبد، والرماد المتراكم بعضه على بعض. والدو: الصحراء المستوية سميت بذلك لدوي الرياح فيها. وريا: اسم محبوبته. وإنما سمى الدمنتين؛ لأن من عادات العرب ينزلون موضعًا فإذا نفذ ماؤه وتلونت أرضه، انتقلوا إلى موضع آخر.
يقول لنفسه، قف على ما بين الدمنتين في الدو، من دو ريا. فكأنهما خالان في وجنة المحبوبة، أحدهما في جنب الآخر. شبه سواد البعر والرماد في عرصة الدار، بخالٍ في وجنة المحبوبة. وقال في جنب خال. وأراد منه حبيبته، إنها تحسن في عينه كالخيال على الخد.
بطلولٍ كأنهن نجومٌ في عراصٍ كأنهن ليالي
الطلول: ما شخص من آثار الديار: كالوتد، والحوض. العرصة: ساحة الدار. والباء في بطلولٍ. في موضع الحال، من قوله: كخال في وجنة. والعامل فيه معنى التشبيه، ويجوز أن يكون بدلًا من الدمنتين، أي قف بطلول في موضع الحال. شبه الأطلال بالنجوم، لأنه اهتدى بها إلى دار حبيبته كما يهتدي بالنجوم، أو لأن الأمطار غسلتها فبيضتها فصارت كالنجوم، وشبه العراص بالليالي؛ لخلائها ووحشتها ولما فيها من الرماد المحترق، وأشار أنه لا خير فيها.
ونؤيٍّ كأنهن عليهن خدامٌ خرسٌ بسوقٍ خدال
النوي: جمع النوى، وهو حاجز يحفر حول الخيمة لمنع المطر أن يدخل إليها. والخدام: جمع الخدمة، وهي الخلخال. والسوق: جمع ساق. والخدال: جمع الخدلة، وهي الممتلئة. والهاء في كأنهن: للنؤي، وفي عليهن: للعراص. شبه النؤي بالخلخال؛ لاستدارته حول الخيمة، وشبه موضع البيت بالساق الخدله؛ لامتلائه من الطيف، يوم ارتحال أهله عنه، وجعل الخدام خرسًا؛ لأنها لا صوت لها كما لا صوت للنؤي.
لا تلمني فإنني أعشق العشا ق فيها يا أعذل العذال
الهاء: ضمير العرصة، والطلول.
[ ١ / ١٠٤ ]
يقول: لا تلمني على الوقوف بهذه الأطلال؛ فإني أعشق العشاق؛ وإن كنت أعذل العذال. وفيها: متعلق بقوله: لا تلمني وإن شئت بقوله لا تلمني بالعذال. أو بقوله: فإني أعشق العشاق فيها.
ما تريد النوى من الحية الذوا ق حر الفلا وبرد الظلال؟
يقول: أي شيء تريد النوى مني؟ وأنا كالحية الذواق، قد تعودت قطع الفلا، وقاسيت حرها وبرد ظلالها. يعني: أني لا أبالي بالنوى؛ لتعودي الأسفار.
فهو أمضى في الروع من ملك المو ت وأسرى في ظلمةٍ من خيال
يقول: هذه الحية الذواق يعني: نفسه أمضى في الحرب وأكثر إتلافًا للنفوس من ملك الموت، وأسرى في ظلمة الليل من الخيال، فلا ترده الظلمات.
ولحتفٍ في العز يدنو محبٌّ ولعمر يطول في الذل قال
تقديره: هو محب لحتفٍ يدنو في العز. وهو قالٍ لعمرٍ يطول في الذل.
يعني: أنه يحب العز؛ وإن كان مع الحتف، ويبغض العمر؛ وإن كان مع الذل.
نحن ركبٌ ملجن في زي ناسٍ فوق طيرٍ لها شخوص الجمال
قوله: ملجن أي من الجن. فحذف النون؛ لسكونها وسكون اللام من الجن.
يقول: نحن ركب نشبه الجن في أفعالها للزومنا المفاوز، وإن كنا في صورة الإنس، ورواحلنا تشبه الطير؛ لسرعة سيرها، وإن كانت في صورة الجمال.
من بنات الجديل تمشي بنا في البي د مشي الأيام في الآجال
الجديل: فحل كريم تنسب إليه كرائم الإبل. وهي تمشي بنا في الفلوات، وتفنيها شيئًا فشيئًا، كما تمشي الأيام في الآجال فتفنيها جزءًا فجزءًا.
كل هوجاء للدياميم فيها أثر النار في سليط الذبال
الهوجاء: في الأصل المجنونة، وهي ها هنا: الناقة التي ترمي بنفسها في المسير، من النشاط كأنها هوجاء، ولا يوصف الذكر بها. فلا يقال: بعير أهوج. والدياميم: جمع ديمومة وهي الفلاة. والسليط: قيل: هو السراج. وقيل: هو دهن الزيت. والذبال: جمع ذبالة، وهي الفتيلة.
يقول: كل واحد من هذه الرواحل هوجاء، قد أثر المفاوز فيها وأهزلها وأخذ لحمها؛ كما تأخذ النار دهن الفتيلة وتفنيه.
عامداتٍ للبدر والبحر والضر غامة ابن المبارك المفضال
يجوز في عامداتٍ الجر: على البدل من هوجاء. والرفع: على إضمار المبتدأ. والنصب: على الحال. والعامل، ما في الجملة من قوله: للدياميم فيها. أي بمنزله الدياميم عامدات.
يقول: إن هذه الرواحل يقصدون ابن المبارك، الذي هو كالبدر جمالًان وكالبحر سخاءً، وكالأسد شجاعة وإقدامًا، وهو كثير الفضل غزير الإحسان.
من يزره يزر سليمان في المل لك جلالًا ويوسفًا في الجمال
وربيعًا يضاحك الغيث فيه زهر الشكر في رياض المعالي
جلالًا: نصب على التمييز. وربيعًا: عطف على قوله: يزر سليمان فكأنه قال: ويزر ربيعًا. وجعله ربيعًا؛ لانتفاع الناس فيه وبسببه وعطائه، ولما جعله ربيعًا، جعل رياضه المعالي، وزهرها الشكر والثناء، يعني أنه ربيع يسقي رياض المعالي، الغيث جوده، وزهر تلك الرياض الشكر. ويجوز أن يكون أراد شكر الناس. فشبه جوده بالغيث، وشكرهم بالزهر ومعاليه بالرياض.
نفحتنا منه الصبا بنسيم رد روحًا في ميت الآمال
نفحتنا: أي هبت علينا دفعة بعد دفعة. والنسيم: الريح اللينة في هبوبها.
يقول: كانت أمالنا منقطعة عن الناس لبخلهم، فهبت الصبا علينا، بنسيم هذا الربيع، ورد الروح في آمالنا الميتة وأحيتها بعد موتها. وأراد بالنسيم: إشاعة جوده واشتهار كرمه.
هم عبد الرحمن نفع الموالي وبوار الأعداء والأموال
يقول: همه مقصور على الإحسان إلى الأولياء، وإهلاك الأموال والأعداء في وجوه البر، واقتناء الحمد والمجد والذخر، ولا يشتغل بغير ذلك من اللهو وجمع الأموال.
أكبر العيب عنده البخل والطع ن عليه التشبيه بالرئبال
الرئبال: الأسد.
يقول: إن أكبر العيب عنده البخل، لفرط جوده، وهو شجاع، فإن شبهته بالأسد فقد طعنت فيه؛ لأنه أشجع من الأسد. ويجوز أن يريد: أن من أراد أن يطعن عليه، يمكنه ألا يشبهه بالأسد. وهذا ليس بطعن في الحقيقة.
والجراحات عنده نغماتٌ سبقت قبل سيبه بسؤال
[ ١ / ١٠٥ ]
يقول: إن عادته في تقديم النوال على السؤال، فإذا سمع نغمات السائل قبل العطاء، تألم منها كما يتألم من الجراحات، وتؤثر تلك النغمات فيه تأثير الجراحات؛ تأسفًا على سبق السؤال على الإعطاء. وقيل: أراد أن يلتذ بالجراحات في الحروب التذاذه بنغمات السؤال. يمدحه بالسخاء والشجاعة.
ذا السراج المنير هذا النقي ال جيب هذا بقية الأبدال
الأبدال: زهاد الدنيا. ويقال: إن الأرض لا تخلو منهم. أربعون منهم في الشام، وثلاثون في سائر الأرض، وسمو أبدالًا؛ لأنهم إذا مات أحدهم أبدل الله مكانه آخر!! وقوله النقي الجيب: أي سليم القلب، من الغش والخيانة. يصفه بالاشتهار كالسراج المنير، وبسلامة القلب؛ وبأنه من أولياء الله تعالى، الذين بهم بقاء الدنيا وقوامها.
فخذا ماء رجله وانضحا في ال مدن تأمن بوائق الزلزال
البوائق: جمع البائقة، وهي الداهية، وروى: تأمن، وتؤمن.
يقول: إنه ولي الله تعالى، فلو رش الماء الذي غسل به رجله في المدن والبلدان، لأمنت من الزلزال. وقيل: أراد أن الأرض لا تستقل من طيه إياها، هيبةً منه، فلو أخذ الماء الذي غسل به رجله ورش عليها لسكنت من هيبته.
وامسحا ثوبه البقير على دا ئكما تشفيا من الإعلال
البقير: القميص الذي لا كم له. وقيل: هو الفرجي؛ لأنه يبقر مقدمه.
يقول: إن العليل إذا مسح ثوبه شفي من جميع الأدواء.
مالئًا من نواله الشرق والغر ب ومن خوفه قلوب الرجال
قابضًا كفه اليمين على الدن يا ولو شاء حازها بالشمال
مالئًا وقابضًا: نصبا على المدح. وقيل: على الحال من قوله: هذا بقية الأبدال أي يكون هذا على هذه الأحوال.
يقول: إنه قد ملأ الأرض كلها من عطاياه، واستولى عليها شرقًا وغربًا، وملأ من خوفه قلوب الناس. وقبض عن الدنيا كفه، زاهدًا عنها، ولو شاء لنالها بأهون سعيٍ، فالرواية على هذا: عن الدنيا.
وقيل: أراد أنه استولى على الدنيا كلها بيمينه، ولو شاء لأخذها بأصغر الأخذ. وهو المراد بقوله بالشمال. والرواية على هذا: على الدنيا.
نفسه جيشه وتدبيره النص ر وألحاظه الظبا والعوالي
يقول: إنه وحده يقوم مقام الجيش، وتدبيره بنفسه يقوم مقام النصرة، ورأيه ولحظاته تقوم مقام السيوف والرماح.
وله في جماجم المال ضربٌ وقعه في جماجم الأبطال
الجمجمة: عظم الرأس.
يقول: إذا فرق ماله بالهبات، فإنه يقصد الأبطال ويضرب جماجمهم بالسيف، ويسلب أموالهم. فالضرب الواقع في جماجم الأموال، هو الواقع في رءوس الأبطال.
فهم لاتقائه الدهر في يو م نزالٍ وليس يوم نزال
فهم: راجع إلى الأبطال. يعني: أن الأبطال يخافون منه أبدًا، فكأنهم طول الدهر في قتال؛ لخوفهم منه، وإن لم يكن قتال. والدهر نصب على الظرفية.
رجلق طينه من العنبر الور د وطين العباد من صلصال
العنبر الورد: الذي يضرب إلى الحمرة، ومنه العنبر الأشهب: الذي يضرب إلى البياض، وهما جيدان. والأسود رديء. والصلصال: طين يابس، وهو الذي له صوت.
يقول: إن طينه الذي خلق منه، عنبر الورد، وطين غيره من صلصال، فله فضل على الناس.
فبقيات طينه لاقت الما ء فصارت عذوبةً في الزلال
يقول: إنه لما خلق، بقيت من طينته بقية، فخالطت الماء، فصارت تلك البقية عذوبةً في الماء الزلال، ولولاها لكانت كماء البحر.
وبقايا وقاره عافت النا س فصارت ركانةً في الجبال
يقول: إن بقايا وقاره وسكونه وهيبته، كرهت الناس فلم ترض بهم؛ لعلمها أنهم لا يستحقونها، فتحولت إلى الجبال فصارت سكونًا فيها.
لست ممن يغره حبك السل م وألا ترى شهود القتال
روى: بفتح التاء في ترى. وشهود بضم الشين. وروى: بالضم والفتح.
يقول: لست ممن يغتر بأنك تحب السلم، أي الصلح وألا تختار شهود القتال. وعلى الرواية الأخرى وألا ترى شاهد القتال. فشهود. فعول: بمعنى فاعل.
ذاك شيءٌ كفاكه عيش شان يك ذليلًا وقلة الأشكال
يقول: ذاك الشيء، أي ترك القتال، كفاكه ذلة مبغضيك وقلة من يشابهك؛ لأن أعداءك ذلوا وقلوا وأمثاله فقدوا، فليس يوجد أحد يقاومك وكفيت أمر الحرب بهذا الوجه، فلا تحتاج إلى القتال.
[ ١ / ١٠٦ ]
واغتفارٌ لو غير السخط منه جعلت هامهم نعال النعال
واغتفار: عطف على قوله: عيش شانيك.
يقول: كفاك الحرب اغتفارك ذنوب أعدائك، ولو غير السخط والغضب ذلك الاغتفار واستولى عليه، لجعل أعداءك نعالًا لنعال الأفراس، ولدستهم بخيلك.
لجيادٍ يدخلن في الحرب أعرا ءً ويخرجن من دمٍ في جلال
وروى: لجيادٍ وبجياد وهو من تمام البيت الذي قبله، أي تجعلهم نعالًا لنعال جياد، أو تطأهم بجياد تدخل في الحرب أعراء: أي عارية، فتكتسي بالدم فترجع والدم قد غطاها، فكأنها في جلال: أي لابسة جلالًا.
واستعار الحديد لونًا وألقى لونه في ذوائب الأطفال
هذا البيت معطوف على قوله: جعلت هامهم. يعني: أن السيوف كانت تختضب بالدم، فتستعير لونًا غير لونها، وألقى لونها البياض على ذوائب الأطفال؛ لأنها كانت تشيبهم من الخوف، وهذا مأخوذ من قوله تعالى: " يومًا يجعل الولدان شيبًا " قال البخاري؟: معناه: أنه يقتل الآباء، ويؤتم الأولاد؛ فيشيبون من الحزن والخوف!
أنت طورًا أمر من ناقع السم وطورًا أحلى من السلسال
السم الناقع: هو القاتل لوقته. والسلسال: الماء العذب، السهل في الحلق.
يقول: أنت في حالٍ أمر من السم القاتل، وفي حالٍ أطيب من الماء العذب السائغ.
إنما الناس حيث أنت وما النا س بناسٍ في موضعٍ منك خال
يقول: أنت كل الناس، فإذا غبت عن موضع فقد غاب الناس كلهم. وقيل: إنما صار الناس ناسًا، إذا كنت فيهم؛ لأنهم يأتمون بك، وكل موضع خلا منك، فأهله لا تعد من الناس.
وقال يمدح أبا علي هارون بن عبد العزي الأوراجي الكاتب:
أمن ازديارك في الدجى الرقباء إذ حيث أنت من الظلام ضياء
أمن: فعل ماضٍ، من الأمن، والازديار: افتعال من الزيارة. والدجى: جمع دجية، وهي الظلمة. وضياء: رفع بالابتداء وخبره مقدم عليه، وهو قوله: حيث كنت.
يقول: إن رقباءك أمنوا أن تزوري أحدًا في الظلام؛ لأن كل موضع تكونين فيه، مضيءٌ بنور وجهك. ومثله قول الآخر:
طارقٌ نم عليه نوره كيف يخفي الليل بدرًا طلعا
قلق المليحة، وهي مسكٌ هتكها ومسيرها في الليل وهي ذكاء
القلق: الحركة، والاضطراب. وذكاء: اسم الشمس، وهي معرفة غير مصروفة. وقلق: مبتدأ. وهتكها: خبره. ومسيرها: عطف على قلق. وخبره: محذوف. تقديره: ومسيرها في الليل، وهي ذكاء هتك.
يقول: إنها كالمسك إذا حرك فاح فحركتها تهتكها وتنم عليها، وكذلك مسيرها بالليل وهي الشمس هتكٌ لها. فجعل نفسها مسكًا، ووجهها شمسًا، فالمصراع الأول من قول امرىء القيس.
ألم تر أني كلما جئت طارقًا وجدت بها طيبًا وإن لم تطيب
ومثل المصراع الثاني:
أرادوا ليخفوا في الظلام مسيرهم فنم عليهم في الظلام التبسم
أسفي على أسفي الذي دلهتني عن علمه فبه علي خفاء
المدله: هو الذاهب العقل.
يقول: كان لي حزنٌ عليك، فحيرتني يوم الفراق عنه، حتى لم أحس به، وزال علمي به عني، فأسفي الآن على الحزن المتقدم، الذي حيرتني عن علمه، حتى صار خافيًا علي. فكأنه اشتاق إلى حزنه الأول: الذي كان قبل حزن الفراق.
وشكيتي فقد السقام لأنه قد كان لما كان لي أعضاء
الشكية، والشكاية، والشكوى: بمعنى واحد.
يقول: شكايتي الآن من عدم السقام، لا من السقام؛ لأن السقام إنما كان عندما كان لي أعضاء، فلما فقدت الأعضاء وصرت معدومًا لزوال السقام عني، فأنا أشتاق السقام؛ لأن بوجوده وجود الأعضاء أيضًا.
مثلت عينك في حشاي جراحةً فتشابها؛ كلتاهما نجلاء
عين نجلاء: أي واسعة، وكذلك طعنة نجلاء. وقوله: فتشابها ذكره وحقه: فتشابهتا؛ لأن أحديهما العين، والأخرى جراحة، وهما مؤنثان. غير أنه ذهب بهما إلى المعنى، فكأنه قال: فتشابه الشيئان المذكوران. وأراد بالعين: العضو. وبالجراحة: الجرح. كقول زياد الأعجم:
إن السماحة والمروءة ضمنا قبرًا بمرو على الطريق الواضح
وأما قوله كلتاهما فأنثه ردًا إلى لفظ العين، والجراحة. وأفرد قوله: نجلاء؛ لأن لفظة كلتا مفردة، وإنما تدل على التثنية لصيغته.
[ ١ / ١٠٧ ]
يقول: جعلت بعينيك مثالًا في قلبي. أي جرحت قلبي جراحة واسعة مثل عينك الواسعة، فكل واحد من العين والجراحة واسع.
نفذت علي السابري وربما تندق فيه الصعدة السمراء
السابري: قيل أراد به الثوب الرقيق. وقيل: هو الدرع. والصعدة: القناة القصيرة. ونفذت: فعل العين.
يقول: نفذت عينك السابري على أحد المعنيين ورقته، ووصلت إلى قلبي فجرحته جرحًا واسعًا، ثم قال: ربما تندق الرمح ويلتوي الصلب القوي في هذا السابري؛ إن أراد به الدرع، فالمعنى ظاهر: أي أن عينك نفذت هذا الدرع إلى قلبي، وربما كانت تنكسر عليه الرماح ولا تعمل فيه. وإن أراد به الثوب الرقيق فمعناه أن قميصه ربما كان لا تعمل فيه الرماح بل تندق دون الوصول إلي؛ هيبة مني، في قلب من يريد طعني، ومع ذلك فإن عينك نفذته! وقيل أراد: أن عينك وصلت إلى قلبي وجرحته ولم تخرق الدرع ولا القميص. كما قال:
رامياتٍ بأسهمٍ ريشها الهد ب تشق القلوب قبل الجلود
أنا صخرة الوادي إذا ما زوحمت فإذا نطقت فإنني الجوزاء
الصخرة: إذا كانت بالوادي كانت أصلب وأثبت.
يقول: أنا كصخرة الوادي في الصلابة والثبات، فإذا زاحمني أحدٌ في الفضل والكمال، أو في حال القتال لا يقدر على إزالتي عما أنا عليه من الحال، وما أختص به من الجلال.
وقوله: فإذا نطقت فإنني الجوزاء له معنيان.
أحدهما: أنه شبه نفسه بالجوزاء؛ لعلو محله عن كل ناظر. أي إذا نطقت لم يدرك غايتي أحد في البلاغة، كما لا يدرك أحد الجوزاء، وخصه بالذكر لأنه يشبه صورة الإنسان. والثاني: أنه أراد به ما يقول المنجمون من أن الجوزاء وصاحبه عطارد، يدلان على البلاغة والنطق. فيقول: أنا كالجوزاء: يستفاد من علمي ويقتبس من فوائدي، ويستمد من فصاحتي، كما أن الجوزاء يعطى من ولد فيه النطق والبراعة والبلاغة.
وإذا خفيت على الغبي فعاذرٌ ألا تراني مقلةٌ عمياء
يقول: إن خفي على الجاهل فضلي، فأنا أعذره، كما أعذر الأعمى إذ لم ير شخصي؛ لأن الجاهل أعمى القلب.
شيم الليالي أن تشكك ناقتي صدري بها أفضي أم البيداء؟!
الشيم: جمع الشيمة، وهي العادة. وأفضي: أوسع، وهو اسم المبالغة، وأراد: أصدري أم البيداء أوسع؟! يقول: عادة الليالي لقصدها بمحنها وصروفها، أن تشكك ناقتي، فلا أدري أصدري أوسع بالأيام، وبأموالها، أم الفضاء أوسع.
فتبيت تسئد مسئدًا في نيها إسادها في المهمة الإنضاء
الإسآد: قيل هو إسراع السير. وقيل: سير الليل كله. وقيل: هو إدامة السير ليلًا ونهارًا. والمهمة: الأرض الواسعة. والإنضاء: مصدر أنضاه. إذا هزله. وتبيت: فعل الناقة. وتقدير البيت: فتبيت تسئد مسئد الإنضاء في نيها إسآدًا مثل إسآدها في المهمة.
وإعرابه: تبيت. من أخوات كان، واسمه ضمير الناقة، وتسئد: فعل. في موضع نصب، لأنه خبر تبيت. ومسئدًا: نصب على الحال من الضمير الذي فيه تبيت، وهو اسم الفاعل، وفاعله الإنضاء: وهو مرفوع به؛ لأن اسم الفاعل يعمل عمل الفعل. وإسآدها: نصب؛ لأنه وصف مصدر محذوف، كأنه قد أسأد مثل إسآدها، والضمير في إسآدها: راجع إلى الناقة، والناصب قوله: مسئد. ونظير التقدير الذي ذكرناه قول القائل:
تبيت هندٌ تصلي، مصليًا عمرو في دارها، صلاتها في المسجد
هذا كما تقول: مررت بهند واقفًا عندها عمرو فواقفًا: حال من مررت، وعمرو: مرفوع بواقف.
معناه: أن هذه الناقة تسرع في السير، والمهمة. والإنضاء يأخذ من الناقة وينقص منها، مقدار ما تنقص هي من المهمة.
ومثله لكشاجم في الشمعة قوله:
تكيد الظلام كما كادها فتفنى وتفنيه في الموقف
والمتنبي حول هذا المعنى إلى المفازة والناقة كما ترى.
أنساعها ممغوطةٌ، وخفافها منكوحةٌ، وطريقها عذراء
الأنساع: جمع نسع، وهو سير مضفور كهيئة العنان. والممغوطة: الممدودة. والخف: من البعير، بمنزلة القدم من الإنسان. ومنكوحة: أي دامية. فذكر بلفظ النكاح لذكره العذراء.
يقول: أنساع هذه الناقة ممتدة لهزالها فجالت عليها أنساع رحلها، وخفافها دامية من الحفا وطريقها مجهولٌ لم يسلكه أحد.
يتلون الخريت من خوف التوى فيها كما يتلون الحرباء
[ ١ / ١٠٨ ]
الخريت: الدليل العالم بخفيات الطرق، كخفاء ثقب الإبرة. والتوى: الهلاك. والحرباء: دابة أكبر من العظاية، على خلقتها. ويقال: إنها ذكر أم حبين تستقبل الشمس دائمًا كيف دارت. والهاء في فيها: للطريق، لأنها تؤنث. وقيل: ترجع إلى البيداء.
المعنى: أن هذه الطريق مجهولة فالدليل إذا سلكها يتقلب يمينًا وشمالًا وخلفًا وقدامًا، ومن ناحية إلى ناحية؛ وهذا هو التلون، كما تتقلب الحرباء في الشمس. ذكره ابن جنى.
وقيل: أراد أنه يصفر لونه مرة، ويسود تارة، ويحمر أخرى؛ خوف الهلاك ورجاء الاهتداء. فهذا هو التلون كحال الحرباء مع الشمس.
بيني وبين أبي عليٍّ مثله شم الجبال ومثلهن رجاء
الهاء في مثله: للممدوح. والشم: جمع أشم، رفع لأنه بدل من قوله: مثله ويجوز أن يكون الابتداء مضمر أي: هو شم الجبال. فيكون كالتفسير لمثله ومثلهن منصوب؛ لأنه وصف لنكرة وهو رجاء فلما تقدمت على الموصوف نصبت على الحال.
يقول: بيني وبين الممدوح جبالٌ، هي مثل الممدوح في العلو والثبات والرزانة والوقار. فشبه الجبال به، ولم يشبهه بالجبال.
وهذه عادته: أن يمكن التشبيه في الموصوف، ويجعل المعنى ثابتًا فيه. ثم قال: ومثلهن رجاء. أي لي رجاء عنده مثل هذه الجبال.
وعقاب لبنانٍ، وكيف بقطعها وهو الشتاء، وصيفهن شتاء؟
العقاب: جمع عقبة. ولبنان: جبل بالشام في ناحية دمشق. والباء في بقطعها زائدة. قوله: وهو الشتاء في موضع نصب على الحال.
يقول: بيني وبينه عقابٌ وهي شديدة البرد، وصيفها مثل شتاء غيرها، فكيف لي بقطعها في الشتاء وهي بهذه الصفة؟
لبس الثلوج بها علي مسالكي فكأنها ببياضها سوداء
لبس: أي عمى وغطى وأخفى، علي الطريق في هذه العقاب، فكأنها مع بياضها سوداء؛ حيث أن الطريق خفي فيها وهي بيضاء، كما يخفى في سواد الليل، إذ العادة أن الطريق لا يخفيه إلا سواد الليل وظلمة الغيم، فمتى خفي بالبياض صار بمنزلة السواد.
وكذا الكريم إذا أقام ببلدةٍ سال النضار بها وقام الماء
النضار: هو الذهب. وقام الماء: أي جمد. وأراد بالكريم: الممدوح. يعني إنما جمد لتحيره في عطائه، وخجله من كثرة سخائه، وسال الذهب في هباته كما سال الماء.
جمد القطار فلو رأته كما رأى بهتت فلم تتبجس الأنواء
الأنواء: الأمطار بالقمر؛ وقد بيناه. وتتبجس: أي تتفجر. ورأى: فعل القطار، رده إلى اللفظ، وليس فيه علامة التأنيث. وروى: كما أرى أي لو رأته القطار كما أرى وأشاهد، لميزت كما ميزت، ولو رأته الأنواء والقطار على اختلاف التقدير. يعني: لو رأته الأنواء كما رأته القطار. ويجوز رفع الأنواء من ثلاثة أوجه: أحدها: بقوله: رأته.
والثاني: بقوله: بهتت الأنواء.
والثالث: فلم تتبجس وهو المختار عند البصريين، وباقي الأفعال فيه ضمير الأنواء.
يقول: إن المطر لما رأى جوده جمد وتحير فصار ثلجًا، ولو رأته الأنواء كما رآه المطر لتحيرت ولم تتفجر بالماء؛ خجلًا منه، وهذا على مذهب من يعتقد أن الأمطار من النجوم.
في خطه من كل قلبٍ شهوةٌ حتى كأن مداده الأهواء
يقول: كل أحد يهوى خطه لحسنه، فشهوة كل قلب حاصلة في خطه، فكأن مداد خطه من أهواء الناس ومحبتهم.
ولكل عينٍ قرةٌ في قربه حتى كأن مغيبه الأقذاء
القرة: المسرة وأصله البرد. والمغيب: الغيبة. والأقذاء: جمع قذىً، وهو ما يسقط في العين. وروى الإقذاء مصدر من أقذيت عينه إذا طرحت فيها القذى.
يقول: كل أحد يسر من قربه ويحزن لفراقه، فكأن رؤيته قرة العين، وغيبته قذى يسقط فيها.
من يهتدي في الفعل ما لا يهتدي في القول حتى يفعل الشعراء
تقديره: من يهتدي في الفعل إلى ما لا يهتدي إليه الشعراء في القول حتى يفعله. فالشعراء: رفع بقوله: ما لا يهتدى وأما يهتدى. ففيه ضمير الممدوح، وكذلك في حتى يفعل وفي هذا البيت وجوه: أحدها: أن من يصلح أن يكون بمعنى الذي، موضعه رفع بخبر الابتداء المحذوف. أي هو الذي، وما بعده إلى آخر البيت صلة، والضمير العائد إليه مستتر في الفعل الذي يليه.
والثاني: يصلح أن يكون استفهامًا: أي من يفعل هذا غيره؟ وهو مرفوع بالابتدائ وما بعده خبر عنه.
[ ١ / ١٠٩ ]
والثالث: أنه حذف حرف الجر من يهتدى وعداه إلى المفعول. والأصل: من يهتدى في الفعل إلى ما لا يهتدى. فحذف إلى وأوصل الفعل إلى المفعول.
والرابع: أن ما في قوله ما يهتدى يصلح أن يكون بمعنى الذي، وأن يكون نكرة موصوفة. أي يهتدى في الفعل إلى شيء لا يهتدى إليه الشعراء.
والخامس: أنه حذف الضمير الراجع إلى ما وهو قوله: إليه وهذا لا يجوز إلا في ضرورة؛ لأنه من صلة ما وإنما يجوز حذفه إذا كان متصلًا بالفعل كقولك: ما شربته ماء، وما شربت ماء. فأما إذا انفصل الضمير فلا يجوز حذفه.
المعنى: أنه يهتدى في الفعل إلى ما لا يهتدى إليه الشعراء بالقول، حتى يفعله هو، فإذا فعله اهتدوا إليه.
في كل يومٍ للقوافي جولةٌ في قلبه ولأذنه إصغاء
القوافي ها هنا: القصائد.
يقول: إن الممدوح في كل يوم يمدح بالقصائد وينشد، فللقوافي جولان في قلبه، ولها استماع في أذنه.
وإغارةٌ فيما احتواه كأنما في كل بيتٍ فيلقٌ شهباء
الفيلق: القطعة من الجيش. والشهباء: بيضاء من الحديد، وإنما تكون دالة إلى الكتيبة، لا إلى الفيلق، والبيت من الشعر.
يقول: إنه كل يوم يقصد ويمدح، ويهب ماله للشعراء، فكل بيت يمدح به، جيشٌ يغير على ماله؛ وذلك لتمكين الشعراء من ماله.
من يظلم اللؤماء في تكليفهم أن يصبحوا وهم له أكفاء
من: بمعنى الذي. أي: هو الذي يظلم اللؤماء. ويجوز أن يكون نكرة موصوفة. أي: هو رجلٌ يظلم اللؤماء. واللؤماء: جمع لئيم.
يقول: هو الذي يطلب من اللئام أن يفعلوا مثل فعله، وأن يكونوا نظراء له، فهو يظلمهم بذلك؛ لأنه يكلفهم ما ليس في طباعهم، فهم يظلمون بذلك.
ونذمهم وبهم عرفنا فضله وبضدها تتبين الأشياء
نذمهم: أي نعيرهم.
يقول: نحن نعير اللئام ونذمهم ولا يجب أن نذمهم؛ إذ بهم عرفنا فضل الممدوح؛ لأنهم لو كانوا مثله لما عرفنا فضله، وإنما عرفنا فضله لقصورهم عنه؛ لأن الشيء إنما يتبين إذا قرن بضده. وروى: وبضدها تتبين الأشياء، على ما لم يسم فاعله.
من نفعه في أن يهاج وضره في تركه، لو تفطن الأعداء
يقول: إن الممدوح نفعه في أن يهيج للحرب؛ لأنه حينئذٍ يغير على أعدائه، ويغنم أموالهم وينتفع بها.
وضره في ترك هيجانه؛ لأنه إذا لم يحارب، صالح أعداءه. واستضراره بذلك: حيث يفرق ما جمعه في حال الحرب. ولو تفطن الأعداء بذلك قصدوا إلحاق الضرر به.
فالسلم يكسر من جناحي ماله بنواله ما تجبر الهيجاء
السلم: يذكر ويؤنث. والهيجاء: الحرب. شبه المال بالطائر فاستعار له جناحين.
يقول: الصلح يكسر جناحي ماله، بنواله وتفرقته. أي أن الصلح يقل ماله، وما يكسره الصلح يجبره الحرب؛ لأنه يغنم أموال أعدائه فهو يتلف ويخلف.
يعطي فتعطى من لها يده اللها وترى برؤية رأيه الآراء
اللها: الدراهم والدنانير، واحدها لهوة. وأصلها القبضة التي تلقى في فم الرحاء. والآراء: جمع الرأي، وهو مقلوب مخفف من الأأراء.
يقول: إنه يعطي عطاء كثيرًا، والمعطى إليه يعطي من عطاياه. يعني: أنه قد أغناه بعطائه، حتى أنه يجود على غيره، وإذا نظر غيره إلى آرائه، تعلم منه الرأي والتدبير، ويبصر به وجه الصواب، بسداد رأيه. وقيل: أراد أنه إذا نظر إلى رأيه فكأنه قد أبصر جميع آراء الناس.
متفرق الطعمين مجتمع القوى فكأنه السراء والضراء
يقول: إنه جمع اللين والشدة، والبأس والجود، والرأي لا يدخله خلل، فكأنه لاجتماع اللين والشدة والسراء والضراء. وقيل: أراد بقوله مجتمع القوى باجتماع هذين الخلقين فيه اجتمعت قواه وكملت صفاته.
وكأنه مالا تشاء عداته متمثلًا لوفوده ما شاءوا
متمثلًا: نصب على الحال. وما: بموضع رفع.
يقول: كأنه صور مما يكرهه أعداؤه، ومما يحبه أولياؤه في حال تمثله لوفوده وهم أولياؤه. وقيل: أراد أنه يسيء إلى أعدائه في حال إحسانه إلى أوليائه، فيجمع الأمرين في وقت واحد.
يا أيها المجدي عليه روحه إذ ليس يأتيه لها استجداء
يقول: يا أيها الرجل الموهوب له روحه، من حيث لم يأت أحد يستجديه. أي: يستوهبه. يعني: لو طلب طالبٌ روحك لوهبته منها، فمن لا يطلب ذلك فكأنه وهبه منها. ومثله:
[ ١ / ١١٠ ]
ولو لم يكن في كفه غير روحه البيت
ومثله قوله:
لا خلق أسمح منك إلا عارفٌ بك راء نفسك لم يقل لك هاتها
احمد عفاتك لا فجعت بفقدهم فلترك ما لم يأخذوا إعطاء
يقول: احمد سائليك؛ حيث لم يستوهبوك نفسك؛ لأنهم لو استوهبوها منك لأعطيتهم إياها! فتركهم لروحك بمنزلة الإعطاء منهم لك. وقوله: ولا فجعت بفقدهم حشوٌ لطيف. وفيه وجهان: أحدهما: أنه دعاء لهم، لما ذكر من أنه ينتفع بهم. والثاني: أنه دعاء له بدوام النعمة وبقاء الدولة. فكأنه قال: لا زلت مقصودًا.
لا تكثر الأموات كثرة قلةٍ إلا إذا شقيت بك الأحياء
لهذا البيت معنيان: أحدهما: أن الأموات لا تكثر إلا إذا غضبت على الأحياء فقتلتهم وأفنيتهم فشقوا. وقوله: كثرة قلة يعني أنها في الحقيقة قلة من حيث كانت فناءً وعدمًا، أو لأن الأموات تبلى فتذروها الرياح وتأكلها الوحش والطير، فهي تقل وإن كثرت.
والثاني: أن الأموات لا تكثر إلا إذا مات هذا الممدوح، وشقي الأحياء بفقده، وأنهم يموتون كلهم بموته؛ فحينئذ تكثر الأموات كثرة في قلة؛ لأنه من حيث هو موت رجل واحد قليل، ومن حيث ينضم إليه موت الخلق كثير. ومثله قول الآخر:
لعمرك ما الرزية فقد مالٍ ولا شاةٌ تموت ولا بعير
ولكن الرزية موت حيٍّ يموت بموته خلقٌ كثير
وقال أبو عمرو السلمي: عدت أبا علي الأوراجي في علته التي مات فيها بمصر فاستنشدني:
لا تكثر الأموات كثرة قلةٍ
فجعل يستعيده ويبكي، فخرجت ولحقت بمنزلي فقيل: إنه مات! وكان أبو علي يتصوف.
والقلب لا ينشق عما تحته حتى تحل به لك الشحناء
الشحناء: البغض، كأنها تشحن الصدر، أي تملؤه عداوة.
يقول: إن القلب لا ينشق عما دونه وما فيه، بالرماح والأسلحة، إلا إذا نزلت به عداوتك. وقيل: أراد أن القلب لا يحتمل عداوتك، فإذا حلت به عداوتك انشق القلب فمات فزعًا وخوفًا. فكأنه يقول: لا يهلك أحد إلا ببغضه.
لم تسم يا هارون إلا بعد ما اق ترعت ونازعت اسمك الأسماء
يقول: لما ولدت تنافست الأسماء في الشرف بك حتى تقارعت بالقرعة عليك فخرج سهم هارون فسميت به، فلم تسم بهارون إلا بعد هذه الحالة.
فغدوت واسمك فيك غير مشاركٍ والناس فيما في يديك سواء
يقول: فصرت لا شريك لك في هذا الاسم، إذ لام يسم أحد بهذا الاسم مثلك في الفضل، فصرت منفردًا به والناس شركاء في أموالك، يتصرفون فيها كيف شاءوا.
لعممت حتى المدن منك ملاء ولفت حتى ذا الثناء لفاء
اللام في قوله: لعممت جواب القسم، أي والله لعممت، أي ملأت المدن. وملاء: جمع ملآن. واللفاء: الشيء القليل الذي لا قدر له.
يقول: قد عممت الأرض بجودك، حتى المدن ممتلئة به، وسبقت ثناءك، لما لك من القدر حتى صار هذا الثناء الذي أثني به عليك قليل، في جنب قدرك.
وقد صرع البيت في أثناء القصيدة من غير انتقال إلى قصةأخرى. وهذا جائز وإن قل.
ولجدت حتى كدت تبخل حائلًا للمنتهي ومن السرور بكاء
المنتهي: هو الانتهاء.
يقول: جدت حتى بلغت الغاية في الجود وكدت تستحيل بخيلًا، لأن الشيء إذا بلغ غايته انعكس إلى ضده. ثم قال: ومن السرور بكاء! أي أن الإنسان إذا تناهى في السرور دمعت عيناه، فيصير السرور بكاء.
أبدأت شيئًا منك يعرف بدوه وأعدت حتى أنكر الإبداء
يقول: ابتدأت فابتدعت بنوع المكارم ما لم يعهد قبلك، فمنك مبدؤه ثم كررته وزدت على ما كنت ابتدأت به، حتى تنسى الأول لأجل الثاني. ومثله:
فإذا أتيت بجود يومك مفخرًا عمت به أرواح جودك في غد
فالفخر عن تقصيره بك ناكبٌ والمجد من أن تستزاد براء
ناكب: أي عادل. وبراء: أي بريء.
يقول: إن الفخر لا يقصر بك وهو ناكب عن أن يقصر بك؛ لأنك قد بلغت الغاية. والمجد: وهو الشرف، بريء من أن تستزيده؛ لأنه ليس فيه رؤية لم تبلغها أنت فتسأل الزيادة حتى تبلغها.
فإذا سئلت فلا لأنك محوجٌ وإذا كتمت وشت بك الآلاء
[ ١ / ١١١ ]
الآلاء: النعم واحدها أليٌّ وإلي أي متى طلب الناس منك شيئًا فليس لأنك أحوجتهم إلى السؤال، ولكن سألوك تشرفًا بسؤالك وتلذذًا به، وإذا كتمك كاتم، أو كتم محلك وذكرك، دلت عليه نعمك الظاهرة المنتشرة، فلا يمكنه ذلك. ومثله قول مسلم:
أرادوا ليخفوا قبره عن عدوه فطيب تراب القبر دل على القبر
وإذا مدحت فلا لتكسب رفعةً للشاكرين على الإله ثناء
يقال: كسب المال وكسب الرجل المال.
يقول: إن مدحنا إياك، لا يكسبك رفعة؛ لأنك في نفسك رفيع، وإنما نمدحك شكرًا لإحسانك، وتشرفًا بمدحك، وترفعًا بالثناء عليك. ثم ضرب مثلًا بأن من يثني عليك كالشاكرين لله تعالى؛ لأنهم يشكرون الله تعالى، لنفع يعود إليهم، لاإلى الله ﷿. وأخذه من قول الأول
فلو كان يستغني عن الشكر ماجدٌ لعزة ملكٍ أو علو مكان
لما أمر الله العباد بشكره فقال: اشكروا لي أيها الثقلان
وإذا مطرت فلا لأنك مجدبٌ يسقي الخصيب ويمطر الدأماء
أجدب القوم: إذا أجدبت أرضهم، أو وقعوا في مكان جدب. والدأماء: البحر.
يقول: إذا مطرت فلست تمطر لإجداب محلك وجدب بلدك، ولكن تمطر مع الاستغناء عنه، كما يمطر المكان الخصيب وكما يمطر البحر مع كثرة مائه.
لم تحك نائلك السحاب وإنما حمت به فصبيبها الرخصاء
الصبيب بمعنى المصبوب، وهو المطر. والرخصاء: عرق الحمى. والهاء في به: للنائل. والتأنيث: للسحاب؛ لأنه بمعنى الجمع.
يقول: إن السحاب لم يعارضك في السخاء بمائه وإنما حسدك لزيادتك عليه فحم بسبب كثرة عطائك، فهذا الذي ينصب عنه، عرق الحمى التي أصابته.
لم تلق هذا الوجه شمس نهارنا إلا بوجهٍ ليس فيه حياء
يقول: لم تلق الشمس وجهك، إلا بوجه ليس فيه حياء؛ إذ لو كان في وجهها حياء لم تقابله؛ لقصور نورها وبهائها عن نوره وبهائه.
فبأيما قدمٍ سعيت إلى العلا أدم الهلال لأخمصيك حذاء
قوله: ما صلة وأي استفهام في معنى التعجب وأدم الهلال: جلده. والحذاء: النعل يقول: إنك بلغت من العلا محلًا لم يبلغه أحد فبأي قدمٍ سعيت إليها؟! ثم دعا له: بأن يكون أديم الهلال نعلًا لأخمصيه: أي لا زلت عاليًا حتى يصير الهلال لك بمنزله النعل.
ولك الزمان من الزمان وقايةٌ ولك الحمام من الحمام فداء
دعا له فقال: وقاك الله من حواث الزمان بالزمان، وفداك بالموت من الموت. وقيل: أراد ليهلك الزمان دون هلاكك، وليمت الموت دون موتك. وقيل: أراد به أهل الزمان، وقاية لك من حوادث الزمان، وموت أهل الزمان فداء لموتك فيموتون عنك.
لو لم تكن من ذا الورى اللذ منك هو عقمت بمولد نسلها حواء
الورى: الخلق من بني آدم. واللذ: بحذف الياء: لغة في الذي.
يقول: لو لم تكن من بني آدم، الذين هم في الحقيقة منك؛ لأنك جمالهم وشرفهم، ولو لم تكن فيهم لعدوا في العدم، ولكانت حواء بولادة نسلها عقيمًا، كأنها لم تلد أحدًا.
ودخل أبو الطيب يومًا على أبي علي الأوراجي فقال له أبو علي: وددنا أنك كنت معنا يا أبا الطيب اليوم. فقال أبو الطيب: ولم؟ فقال: ركبنا ومعنا كلبٌ لابن مالك، فطردنا به وحده ظبيًا، ولم يكن لنا صقرٌ. فاصطاده! فقال أبو الطيب: أنا قليل الرغبة في ذلك والنظر إلى مثل هذا. فقال أبو علي: إنما اشتهيت أن تراه حتى تستحسنه فتقول فيه شيئًا. فقال أبو الطيب: أنا أفعل. قال له: فأحب منك ذاك. وتحدث أبو علي ثم قال: أنا أحب أن تفعل ما وعدتني، فقال له أبو الطيب: قد أحفيت السؤال! أتحب أن يكون ذلك الساعة؟ فقال أبو علي: أيمكن مثل هذا؟ قال: نعم، وقد حكمتك في الوزن، وحرف الروي. فقال أبو علي: بل الأمر فيهما لك. فأخذ أبو الطيب درجًا وأخذ أبو علي درجا يكتب فيه كتابًا إلى إنسان، فقطع عليه أبو الطيب الذي يكتبه وأنشده يصف كلب صيد أرسل على غزال وليس معه صقر.
ومنزلٍ ليس لنا بمنزل
ولا لغير الغاديات الهطل
الغاديات: السحاب يأتي غدوة، واحدها غادية. والهطل: جمع هاطلة، وهي الكثيرة المطر. يقال: هطلت السماء تهطل هطلًا وهطلانًاح إذا صبت صبًا دائمًا شديدًا.
يقول: رب منزل ليس بمنزل الإنس، وإنما هو منزل السحاب التي تصب الأمطار.
ندى الخزامى ذفر القرنفل
[ ١ / ١١٢ ]
محللٍ ملوحش لم يحلل
الخزامى، والقرنفل: نبتان طيبان. وقيل: الخزامى خيري البر، والندى: الرطب. من بلد الندى. والذفر: الحاد الرائحة الطيبة والخبيثة، وبالدال النتن خاصة. والمحلل: المكان الذي يكثر الحلول فيه. وأراد: من الوحش فحذف النون، وقد مضى مثله.
يقول: هذا المنزل فيه رائحة الخزامى والقرنفل، وإنه منزل الوحش وفيه تخلق دون الناس، فلا يحله أحدٌ من الناس. وقيل: أراد هذا المكان محلل الوحش، وإن أخذه سهل حلال؛ لكثرته وقرب تناوله، فكأن هذا المنزل قد أحل فيه تناول الوحش ما لم يحل اصطياده في غير ذلك الموضع.
عن لنا فيه مراعي مغزلٍ
محين النفس بعيد الموئل
عن: أي ظهر وعرض. فيه: أي في المنزل. والمراعي: اسم من راعى. والمغزل: الظبية التي معها ولدها. فالمراعي الظبى، والمغزل: الظبية. ومحين النفس: الذي دنا حين أجله. والموئل: الملجأ.
يقول: ظهر لنا في هذا المنزل ظبي يراعي ظبية ذات ولدٍ. أي يرعى معها. وهو محين النفس: أي أن الحين لاحق به، ودنا هلاكه، وهو بعيد الملجأ: أي لا ملجآ له؛ لأن الكلب صلاه فصار هالكًا.
أغناه حسن الجيد عن لبس الحلى
وعادة العري عن التفضل
الحلي: الحلي، فخفف. والعري والتفضل: أن يلبس ثوبًا يبتذل له في منزل الخدمة. والهاء في أإناه: لمراعي مغزل.
يقول: إن حسن جيده أغناه عن التزين بالحلي، واعتياده أن يكون عريانًا كفاه، لفضله عن لبس الحلي.
كأنه مضمخٌ بصندل
معترضًا بمثل قرن الأيل
يقول: كأنه مطلي بالصندل، لا من كونه يضرب إلى الصفرة كلون الصندل، وقرنه في الطول مثل قرن الأيل: وهو التيس الجبلي. وقيل: الثور الجبلي. ومعترضًا: حال من الهاء في كأنه. وهو من سرعة عدوه يسق لحظة الكلب فلا يقدر أن يتأمله.
يحول بين الكلب والتأمل
فحل كلابي وثاق الأحبل
عن أشدقٍ مسوجرٍ مسلسل
أقب ساطٍ شرسٍ شمردل
الكلاب: صاحب الكلب. والوثاق: الرباط. والأشدق: واسع الشدقين وهما شق الفم عن يمين وشمال أي عن كلب أشدق. ومسوجر: أي في عنقه ساجور. وهو الخشب الذي يكون في عنق الكلب. ومسلسل: أي في عنقه سلسلة. والأقب: الضامر البطن. والساطي: البعيد ما بين الرجلين، إذا مشى. والشرس: السيىء الخلق. والشمردل: الطويل. وقيل: الخفيف الكثير الحركة.
يقول: حل الكلابٌ رباط الحبال عن كلب هذه صفته.
منها، إذا يثغ له لا يغزل
موجد الفقرة رخو المفصل
منها: يرجع إلى الأحبل، والكلاب، وإن لم يجر للكلاب ذكر؛ لدلالة الكلام عليها. وإذا يثغ صوت الثغاء: أي صوت الغنم. واستعاره للغزال وجزم يثغ بإذا ولا يجوز إلا في الشعر. وقوله: لا يغزل من قولهم: غزل الكلب يغزل، إذا دنا وأدرك الغزال، فتحير ولم يمسكه وقوله موجد الفقرة: أي وثيق الفقرة: وهو عظم الظهر وأراد برخو المفصل: أنه سريع التعطف.
يقول: إن هذا الكلب إذا أدرك أيلًا وثغاله لم يدهش من ثغائه، ولم يمسك عنه لاعتياده الاصطياد، وإنه وثيق عظم الظهر ورخو المفصل: أي سريع التعطف
له إذا أدبر لحظ المقبل
كأنما ينظر من سجنجل
يعدو إذا أحزن عدو المسهل
إذا تلا جاء المدى وقد تلي
أحزن: أي وقع في الحزن، وهو ما غلظ من الأرض. والمسهل: الواقع في السهل. والسجنجل: المرآة.
يقول: من تيقظه يرى ما وراءه كما يرى ما قدامه. وإنه يعدو في الحزن من الأرض مثل ما يعدو في السهل.
يقول: كأن عينه المرآة؛ من حيث إنه يرى بها خلفه وأمامه، كما يبصر الإنسان وجهه في المرآة؛ عن عكس المقابلة في الصورة.
يقعي جلوس البدوي المصطلي
بأربعٍ مجدولةٍ لم تجدل
الإقعاء: هو أن يجلس على إليتيه ويرفع ركبتيه. وأقعى الكلب: إذا وقع على ذنبه. وجلوس: نصب على المصدر. المجدولة: المحكمة.
يقول: إذا تبع الصيد وعدا خلفه، أدرك الغاية، وتقدم الصيد، فيتلوه الصيد: يعني أنه يصير متبوعًا بعد أن كان تابعًا. يعني يسبق الصيد ثم يعطف عليه فيصييده ثم قال: يجلس هذا الكلب مثل جلوس البدوي على النار: يعني أنه لعظم جثته يشبه البدوي، وجلوسه يشبه جلوسه عند الاصطلاء بالنار، وقوله: بأربع. أي يقعي بأربع قوائم مفتولة وهي في الحقيقة لم تفتل.
فتل الأيادي ربذات الأرجل
[ ١ / ١١٣ ]
آثارها أمثالها في الجندل
الفتل: جمع أفتل. يعني أنه مفتول اليدين، وقيل: إنه جمع فتلاء، وهي التي تباعد ذراعها عن جنبها. وهي محمودة في الكلب. والأيادي: جمع الأيدي. والأيدي: جمع اليد. وربذات: أي مسرعات.
يقول: إن هذا الكلب يده على هذه الصفة. وإن رجله خفيفة سريعة الانتقال. وقوله آثارها: أي آثار هذه القوائم إذا مشى على الصخر. يعني أنها تؤثر في الحجر، وتترك فيه آثارها.
يكاد في الوثب، من التفتل
يجمع بين متنه والكلكل
وبين أعلاه وبين الأسفل
شبيه وسمي الحضار بالولي
التفتل: الالتواء. والكلكل: الصدر. والحضار: العدو.
يعني: يلتوي في وثبه حتى يكاد أن يجمع بين صدره وظهره، ورأسه وقوائمه. فآخر عدوه كأوله، لا يلحقه فتور ولا تعب. يسرع أولًا ولا يبطىء آخرا
كأنه مضبرٌ من جرول
موثقٌ على رماح ذبل
ذي ذنبٍ أجرد غير أعزل
يخط في الأرض حساب الجمل
مضبر: أي مجتمع الخلق. والجرول: الحجر. والذبل: جمع الذابل، وهو الذي أخذه الحفا، ولم يلبس. والأجرد: قصير الشعر. والأعزل: المائل في أحد شقي الجسد، وهو عيب في الخيل، والكلاب.
يقول: كأنه أحكم ونحت من الحجر، وهو موثق على قوائم طوال، مثل الرماح الذبل. ثم وصف ذنبه، بأنه قليل الشعر؛ ليكون أخف، وأنه غير أعزل؛ لأنه عيب. وقوله: يخط في الأرض قيل: إنه من فعل الذنب، أي ذنبه طويل يخط في الأرض دفعة بعد أخرى، فيمحوا في الثاني، ما يخط في الأول، كما يفعل بالحروف الحساب على التخت، وقيل: أراد أن الكلب يخط ذلك، ووجه التشبيه أن أكثر ما يخط من حروف الهند أحرف معدودة، مختلفة الصور، فشبه آثار يدي الكلب ورجيله، يمنة ويسرة، على ما فيها من الاختلاف بتلك الصور.
والجمل: أصله جمل فشدد للضرورة.
كأنه من جسمه بمعزل
لو كان يبلي السوط تحريكٌ بلي
نيل المنى، وحكم نفس المرسل
وعقلة الظبي، وحتف التتفل
تحريكٌ: مرفوع؛ لأنه فاعل يبلي والسوط مفعوله.
يقول: كان هذا الكلب؛ من سرعته بمعزل عن جسمه. أي يكاد يترك جسمه ويتميز منه لسرعته. وقيل إن الهاء عائدة إلى الذنب، أي أن ذنبه طويل، بعيدٌ من جسمه، فكأنه في ناحية منه.
يقول: لو كان السوط يبلي من كثرة تحريكه، لكان هذا الكلب يبلى من سرعة عدوه، فكما لا يؤثر التحريك في السوط فكذلك كثرة العدو لا تؤثر فيه. فشبه جسمه لدقته وصلابته بالسوط.
وقيل: شبه ذنبه لدقته بالسوط. يعني: لو كان السوط يبلي من كثرة التحريك لكان ذنبه يبلي من كثرة تحريكه إياه.
والتتفل: ولد الثعلب. وقوله: نيل المنى: أي أن صاحبه إذا أرسله على الصيد نال مناه، وحكم لنفسه بما أراد. وهذا الكلب عقلة الظبي: أي هو للظبي بمنزلة العقال، لأنه لا يمكنه من العدو، وأنه هلاك ولد الثعلب. أي لا يقدر أن يفلت منه. وهو من قول امرىء القيس:
قيد الأوابد هيكل
فانبريا فذين تحت القسطل
قد ضمن الآخر قتل الأول
في هبوة كلاهما لم يذهل
لا يأتلي في ترك ألا تأتلي
مقتحمًا على المكان الأهوال
يخال طول البحر عرض الجدول
انبريا: أي اندفعا واعترضا. قوله فذين: أي فردين ونصبه على الحال، وأراد به الظبي والكلب. والقسطل: الغبار. والهبوة: الغبرة. أي أقبلا وظهرا للناظر يعدوان في الغبار منفردين لا ثالث معهما، وقد ضمن الآخر وهو الكلب قتل الأول وهو الغزال، لأن الكلب عدا خلف الظبي، وكل واحد منهما في وسط الغبار لم يغفل عن عدوه، بل كان مجدًا فيه. الظبي للهرب. والكلب في الطلب. أي كل منهما لم يعرض له بغته ولم يأخذه سهوة والله أعلم ولا في قوله: لا يأتلي زائدة أي لا يأتلي في ترك أن يأتلي. ونصب مقتحمًا على الحال، والعامل فيه لا يأتلي. وإن شئت نصبته بما بعده. أي يخال طول البحر مقتحمًا. وهذه الأبيات تصلح أن تكون للكلب ولكل من الكلب والظبي يقول: إنه لا يقصر في ترك التقصير وإنه يطرح نفسه لشدة عدوه على الأمر الأعظم الأخوف ولا يبالي، لقلة مبالاته يظن طول البحر عرض النهر الصغير فيطرح نفسه فيه.
حتى إذا قيل له نلت افعل
افتر عن مذروبةٍ كالأنصل
لا تعرف العهد بصقل الصيقل
مركباتٍ في العذاب المنزل
[ ١ / ١١٤ ]
افتر: أي كشر. ومذروبةٍ: أي محدودة. والأنصل: جمع نصل.
يقول: حتى إذا وصل إلى الغزال وقيل له: أصبته افعل به ما شئت. كشر عن أنياب محددةٍ مصقوله كأنها النصول في الحدة، وهذه الأنياب كانت مصقولة خلقةً لا بصنعة صيقل، وإنها مركبة في حنك شديد، كل من عضه حطمه، كأنه عذاب منزل على الغزال.
كأنها من سرعةٍ في الشمأل
كأنها من ثقلٍ في يذبل
كأنها من سعةٍ في هوجل
التأنيث: للمذروبة. ويذبل: جبل. والهوجل: ما اتسع من الأرض.
شبه حنكه؛ لسرعته بالشمال وشبه شدقه بيذبل الجبل المتسع. أي كأن هذه الأنياب مركبة في الشمال، وشبه شدة عض الحنك بالجبل. أي كأن الأنياب من ثقلها مركبه في يذبل.
كأنه من علمه بالمقتل
علم بقراط فصاد الأكحل
المقتل: يجوز أن يكون مصدرًا أو اسمًا للموضع الذي إذا أصيب قتل، فمعناه على المصدر: أي كأنه لعلمه بالمقتل وأراد به إراقة الدماء علم بقراط الحكيم فصد الأكحل. وعلى الاسم: أي كأنه من حذقه بالصيد واجتنابه عند العض مواضع القتل علم بقراط الحكيم فصد الأكحل. والأكحل: عرق باطن الزراع.
فحال ما للقفز للتجدل
وصار ما في جلده في المرجل
فلم يضرنا معه فقد الأجدل
التجدل: السقوط على الجدالة، وهي الأرض. والأجدل: الصقر.
يقول: فحال: أي استحال وانقلب ما للقفز: وهو الوثوب، وهي القوائم أي صارت قوائمه التي يقفز بها للسقوط، وصار ما في جلدها من اللحم في المرجل: أي ذبحناه وطبخناه بعد سلخ الجلد فلم يضرنا مع هذا الكلب فقد الصقر؛ لأنا صدنا بالكلب وحده، وذلك لأن الكلب لا يقدر على صيد الغزال إلا مع الصقر، إلا هذا الكلب.
إذا بقيت سالمًا أبا علي
فالملك لله العزيز ثم لي
ختم بالدعاء له ومعناه ظاهر