وقال أبو الطيب يمدح سيف الدولة: أبا الحسن علي بن عبد الله بن حمدان ابن حمدون بن الحارث العدوي. عند نزوله أنطاكية ومنصرفه من الظفر يحصن برزويه، في جمادى الآخر سنة ٣٣٧ وكان جالسًا تحت شراع ديباج:
وفاؤكما كالرّبع أشجاه طاسمه بأن تسعدا والدّمع أشفاه ساجمه
خاطب صاحبيه، وقد لاماه على البكاء على الربع فقال: وفاؤكما بإسعادي كالربع أشجاه دارسه. والطاسم والطامس بمعنى الدارس. وأشجاه: أشده شجوا، والشجو: الحزن. أي: لا أبكي الربع وصرت أبكي وفاءكما معه! وقال الشيخ أبو الفتح ابن جني: وهذا لفظه أملاه إملاء. وطسم يطسم طسما فهو طاسم إذا درس والخمحت آثاره وكذلك طمس يطمس فهو طامس طامس، وسجم الدمع فهو ساجم: إذا سال. وقوله: وفاؤكما خطاب للاثنين، وإنما كثر ذلك في كلام العرب لأن أقل رفقه عندهم ثلاثة، فلهذا قالوا الواحد شيطان والاثنان شيطانان، والثلاثة رفقه. وربما يخاطب الواحد بخطاب الاثنين والجماعة: تفخيمًا له. أو إذا أراد تكرير الخطاب وتفصيل ما حكاه ابن جني عن المتنبي في معناه: أن صاحبيه واعداه بالمساعدة في البكاء على ربع حبيبه، والوقوف معه على أطلاله، ثم لم يفيا بما واعداه، فقال: وفاؤكما بالمساعدة دارس كهذا الربع الدارس. وقوله: أشجاه طاسمه أي كل ما كان منه طامسًا كان أشجى بقلبي، كذلك وفاؤكما كلما رأيته دارسًا زاد في شجوي وحزني.
[ ١ / ٢١١ ]
وذكر صاحب الجليل؟ في تلخيص هذا المعنى. ما هو في العموم مثل كلام أبي الطيب فقال معناه: يا خليلي وفاؤكما بأن تسعداني، كهذا الربع كلما أبصرته أشجاني، وفي قوله: والدمع أشفاه ساجمه إشارة إلى أن صاحبيه غدرا معه في البكاء. فقال: إنما يشفي الدمع من الصبابة إذا كان ساجما، وكلما كان أجرى كان الشوق أشفى، والباء في قوله: بأن تسعدا متعلقة بمحذوف ولا يجوز تعلقها بقوله: وفاؤكما لأنك حينئذ فرقت بين الموصول والصلة، لأنك إذا قدرت البيت على قوله: وفاؤكما بأن تسعدا كالربع أشجاه طاسمه كانت الباء وما بعدها صلة وفاؤكما، وقد فرق بينهما بقوله: كالربع فيجب أن يضمر بعد المصدر. وهو قوله: وفاؤكما ما يتعلق به ويجعل بأن تسعدا تفسيرًا له. وتقديره: وفاؤكما بأن تسعدا، ثم يحذف هذا، ويجعل الثاني تفسيرًا له ومثل هذا كثير في صناعة الإعراب.
وما أنا إلاّ عاشقٌ كلّ عاشقٍ أعقّ خليليه الصّفيّين لائمه
الصفيين: الذي يصفى لك المودة من الغش، فيكون بمعنى المصفى. فقيل بمعنى مفعل.
يقول: أنا عاشق. فقال: كل عاشق أعق خليليه الصفيين: من يلومه، فمن لا منى منكما كأنه قد عقني، وروى: وما أنا إلا عاشق كل بنصب اللام. ومعناه: أنا عاشق كل عاشق، بعد لوم خليليه له عقوقا منهما إليه وهذا أبلغ من الأول، ومثل هذا:؟ وإني لأعشق من عشقكم نحولي وكلّ امرئٍ ناحل وقد سئل أبو الطيب عن هذا فقال: إن الخليل الصفي لا يكون عاقا، وأفعل لا يضاف إلا إلى ما هو بعضه.
وقيل: معناه: إذا لام لم يكن خليلا مصافيًا عند العاشق؛ لأنه قصد إساءته فكأنه قال وكل عاشق إذا لامه خليله، كان أعق له من عدوه.
وقد يتزيّا بالهوى غير أهله ويستصحب الإنسان من لا يلائمه
يتزيا: يتكلف يتفعل من الزي، وهو الهيئة، أي يجعل الهوى زيا له.
يقول: ربما يظهر الإنسان من نفسه أنه عاشق، وليس هو بعاشق حقيقة، كما أن الإنسان قد يصحب من لا يوافقه.
يعني: أنا عاشق على الحقيقة ولست في دعواي متكلفًا.
بليت بلى الأطلال إن لم أقف بها وقوف شحيحٍ ضاع في التّرب خاتمه
يدعو على نفسه بالهلاك إن لم يطل الوقوف على أطلال دار المحبوبة.
وقد عيب عليه هذا البيت. وقيل: هذا يدل على تحمله مع دناءة همته، وعظم خطر الخاتم في عينه.
وإلى كم يكون وقوف الشحيح على خاتمه ولو كان ألأم الناس، حتى يجعل ذلك غاية الوقوف على أطلال دار الحبيب؟.
وأحسن ما يمكن أن يقال إنما أراد: أنا أقف بها وقوفًا زائدًا على عادة من وقف قبلي على أطلال حبيبة، كما أن وقوف الشحيح إذا ضاع خاتمه يكون زائدًا على وقوف غيره، وطلبه له أشد.
قيل: إنما خص الخاتم لأنه ربما كان فضة كثيرة القيمة حليل الخطر وهذه صفته. فالوقوف على طلبه يدوم، والبحث عنه يطول من كل واحد، وهو من الشحيح أكثر، ومنه أطول.
كئيبًا توقّاني العواذل في الهوى كما يتوقّى ريّ؟ ض الخيل حازمه
نصب كئيبًا على الحال. والكئيب: هو الحزين. والريض: الصعب الذي لم يرض. والحازم: الذي يشد الحزام. والهاء فيه تعود إلى الريض.
يقول: إن لم أقف وأنا كئيب والعواذل يريدون عذلي ويحذرون مني كما يحذر الرجل من الفرس الصعب، إذا أراد شد الحزام عليه، فهو يداريه حذرًا أن يرمحه، فكذلك العواذل يحذرون صولته.
قفي تغرم الأولى من اللّحظ مهجتي بثانيةٍ والمتلف الشّيء غارمه
الأولى في موضع الرفع لأنها فاعلة تغرم.
يقول: إنك لحظتني لحظة فأتلفت بها نفسي، فاغرميها بلحظة ثانية؛ تحييني بها، كما أتلفت مهجتي بلحظتك الأولى؛ فإن من أتلف شيئًا غرمه.
سقاك وحيّانا بك الله إنّما على العيس نورٌ والخدور كمائمه
الهاء: للنور، والنور: الأبيض من الزهر. والكمائم: جمع كمامة وهو وعاء الزهر قبل أن يتفتح.
شبه النساء بالنور، والهوادج بالكمائم، ولما جعلها نورًا دعا لها بالسقيا، وجعله تحية لها، كما يحيي الصديق صديقه بالورد والريحان.
ومعناه: رزقنا الله وصلك والتلذذ بطيبك. ومثل آخر هذا البيت قول الآخر وهو:
ولم أر كالأظعان يوم رحيلهم وأحداجهم تحكي الكمائم في الورد
وقريب من بيت أبي الطيب قول السري بن أحمد الرفاء.
حيّا به الله عاشقيه فقد أصبح ريحانةً لمن عشقا
[ ١ / ٢١٢ ]
وما حاجة الأظعان حولك في الدّجى إلى قمر؟ ما واجدٌ لك عادمه
الأظعان: الراحلون، والهاء في عادمه للقمر.
يقول: الراحلون معك في ظلمة الليل، لا يحتاجون إلى ضوء القمر؛ لأن من وجدك فقد وجد القمر.
إذا ظفرت منك العيون بنظرةٍ أثاب بها معيي المطيّ ورازمه
ثاب وأثاب: بمعنى. أي أرجع. والمعيي: الرازم، وجمعهما لاختلاف اللفظتين. وقيل الرازم: الذي قد قام من الإعياء.
يقول: إن الإبل المعيية إذا نظرت إليك عادت إليها نفسها، فكيف نحن مع شدة شوقنا إليك! فهو أولى بنا.
حبيبٌ كأنّ الحسن كان يحبّه فآثره أوجار في الحسن قاسمه
روى في الحكم وفي الحسن والهاء في يحبه للحبيب، وكذلك في آثره وفي قاسمه للحسن.
يقول: كان الحسن يحب هذا الحبيب، فآثره على غيره وخصه بزيادة الحسن وبدائعه، أو جار من قسم الحسن في قسمته، فأعطى هذا الحبيب أكثر مما أعطى غيره.
تحول رماح الخطّ دون سبائه وتسبى له من كلّ حيّ كرائمه
الهاء في كرائمه تعود إلى حي وهو جمع كريمة.
يقول: إن الرماح تحول بين هذا الحبيب وبين من أراد سباءه؛ لعزة قومه وتسبى الرماح له من كل حي كرائمه.
ويضحى غبار الخيل أدنى ستوره وآخرها نشر الكباء الملازمة
الكباء: العود والبخور، والنشر: الرائحة الطيبة، والهاء في ستوره للحبيب وفي آخرها للستور وفي ملازمه لآخرها.
يقول: عليه ستور كثيره، فأدناها إلينا غبار الخيل التي تركض حوله، وآخرها داخلها يلازمه ريح العود ودخانه.
وما استغربت عيني فراقًا رأيته ولا علّمتني غير ما القلب عالمه
يعني: ليس هذا بأول فراق رأيته فأستغربه، بل رأيت مثله كثيرًا، والهاء في عالمه راجعة إلى ما.
فلا يتّهمني الكاشحون فإنّني رعيت الرّدى حتّى حلت لي علاقمه
العلقم: شجر مر، وأراد به ها هنا الشدائد.
يقول: لا يتهمني الأعداء على الردي، أني أضعف عن احتماله، فإني قد تعودته وقاسيت أمثاله، حتى حلا في فمي كل مر، وهان علي كل صعب.
مشبّ الّذي يبكي الشّباب مشيبه فكيف توقّيه وبانيه هادمه؟!
المشب: الذي يشب ويأتي بالشباب. والمشيب: الذي يأتي بالمشيب، والضمائر كلها تعود إلى الذي ويجوز أن يكون في مشيبه يعود إليه فقط، وفي توقيه وبانيه وهادمه يعود إلى الشباب.
يقول: إن الذي يبكي الشباب لا ينفعه، فإن الشيب الذي صيره شابًا، هو الذي أفضى به إلى المشيب، وهو الحياة، فإنه تنقله من حال إلى حال، فكيف نقدر على الاحتراز منه؟! وهو الشيء الذي به بقاؤه وبه فناؤه. وقيل: هو الله تعالى الذي يأتي بالشباب والشيب. وقيل أراد به: الدهر على ما جرت عادته في نسبة الحوادث إليه.
وتكملة العيش الصّبا وعقيبه وغائب لون العارضين وقادمه
له معنيان: أحدهما: أن كمال العيش إنما هو في الصبا وفيما يعقب الصبا، فأما أيام الشيب فلا تعد من العيش، لأنها مشوبة بالأحزان والأسقام.
وقوله: وغائب لون العارضين وقادمه يعني أن هذا تكملة العيش، وأراد به حال نقاء العارض من الشعر، ثم غاب ذلك وقدم عليه بياض الشيب والشعر. وهذا أحسن.
والثاني: أن المراد به أن جميع العمر ما ذكر من هذا البيت وهو: أيام الصبي، ثم عقيبة الشباب، وبعده بياض الشعر بعد سواده، وهو أيام الشيب. والهاء في قادمه تعود إلى اللون.
قال ابن جني: سألته وقت القراءة عليه: أيقال تكملة العيش لجميعه؟ قال: هو جائز لأنه بالجميع يكمل.
وما خضّب النّاس البياض لأنّه قبيحٌ، ولكن أحسن الشّعر فاحمه
الفاحم: الشديد السواد. يقول: إن الناس لا يخضبون البياض لأنه قبيح، بل هو حسن، ولكن الشعر الأسود أحسن في مرأى العين؛ لدلالته على فتى السن، والبياض يدل على الهرم.
وأحسن من ماء الشّبيبة كلّه حيا بارقٍ في فازةٍ أنا شائمه
الحيا: المطر، والبارق: السحاب الذي فيه برق. والفازة: الخيمة. وشمت البرق: إذا نظرت مخايله. والهاء في شائمه تعود إلى الحيا.
يقول: مطر سحابة في خيمة، وأنا أنظر إليه، أحسن من ماء الشباب، لأني أنال به من السرور واللذات، ما لا أناله بالشباب.
عليها رياضٌ لم تحكها سحابةٌ وأغصان دوحٍ لم تغنّ حمائمه
[ ١ / ٢١٣ ]
عليها: أي على الفازة. شبه النقوش التي عليها بالرياض المنورة، وقوله: لم تحكها أي ليست هذه الرياض من صنعة الغيث والسحاب، ولكنها من صنعة البشر، وعليها صور أغصان أشجار عليها حمائم، لكنها صامتة لا تتغنى ولا تتغرد. والهاء في حمائمه للدوح.
وفوق حواشي كلّ ثوبٍ موجّهٍ من الدّرّ سمطٌ لم يثقّبه ناظمه
الهاء في ناظمه للسمط.
يقول: على حواشي كل ثوب ذي وجهين عقد منظوم من الدر، غير أن ناظمه لم يثقبه؛ لأنه ليس بدر على الحقيقة، بل نقش على صورة خلقة الدر.
ترى حيوان البرّ مصطلحًا بها يحارب ضدّ ضدّه ويسالمه
يعني: عليها تصاوير الحيوان من كل جنس. كالسباع والوحوش والفرسان، فمرة يصالح الضد ضده، ومرة يحاربه، لأنه ربما يتصل تارة وينفصل أخرى عند ضرب الريح إياها.
وقيل: أراد أن عليها صور سباع تفترس وحوشا، فهي في صور المحارب ولكنها مسالمة، لا يقدر بعضها على بعض، فهي محاربة ومسالمة في وقت واحد.
إذا ضربته الرّيح ماج كأنّه تجول مذاكيه وتدأى ضراغمه
تدأى: أي تختل، وقيل: تسرع. والهاء في ضربته وفيما بعده: تعود إلى قوله: كل ثوب موجه وقيل: تعود إلى الحيوان.
يقول: إن الريح إذا ضربت هذا الثوب ماج: أي اضطرب، فحسبته خيلا تجول، وسباعًا تصول، وهو المراد بقوله: تدأى ضراغمه أي الأسود المصورة عليه.
وفي صورة الرّوميّ ذي التّاج ذلّةٍ لأبلج لاتيجان إلاّ عمائمه
أراد بالرومي: ملك الروم، وكان على الفازة صورته.
يقول: في صورة ملك الروم صاحب التاج ذلة: أي خضوع للملك الأبلج، وهو سيف الدولة. والأبلج: المنقطع ما بين الحاجبين. ثم قال: لا تيجان للعرب إلا العمائم والتاج لملوك العجم.
تقبّل أفواه الملوك بساطه ويكبر عنها كمّه وبراجمه
البراجم: المفاصل التي تحت الأنامل، والواحد برجمة، وهي عبارة عن اليد.
يعني: أن الملوك إذا رأته قبلت بساطه؛ لأنها لم تكن أهلا لتقبيل يده ولا كمه.
قيامًا لمن يشفى من الدّاء كليّه ومن بين أذنى كلّ قرمٍ مواسمه
قيامًا: نصب بإضمار فعل. أي: تراهم قياما. وقيل: نصب على الحال. وقوله: يشفى من الداء كيه مثل. ومن؛ بمعنى الذي. المتقدم. والهاء في كيه تعود إلى من الأولى، وفي مواسمه إلى من الثانية. والقرم: الرئيس.
يقول: إنه يشفى من الداء كيه ويروض كل صعب. وكل قرم لقيه ولى عنه فآثار سيفه في قفاه وبين أذنيه. تلوح كالسمة.
وقيل: معناه: إنه يقهر كل قرم ويسمه سمة ذل وعجز. والمواسم: جمع ميسم وموسم.
قبائعها تحت المرافق هيبةً وأنفذ ممّا في الجفون عزائمه
قبيعة السيف: الفضة التي على قائمة مثل الكرة. والهاء في قبائعها للملوك وفي عزائمه للمدوح.
يقول: إنهم قيام بين يديه، وسيوفهم نحن مرافقهم وهم متكئون عليها، ثم قال: عزائم سيف الدولة في الأمور أنفذ من السيوف التي في الجفون.
له عسكرا خيلٍ وطيرٍ إذا رمى بها عسكرا لم تبق إلاّ جماجمه
الوجه أن يقال: إذا رمى بها، ردا للضمير إلى أحد العسكرين.
معناه: له عسكر من الخيل، فإذا قصد إلى عسكر عدوه، قتلته الخيل وأكلته الطير، فلم يبق إلا عظام الرءوس. والهاء في جماجمه تعود إلى قوله عسكرا.
أجلّتها من كلّ طاغٍ ثيابه وموطئها من كلّ باغٍ ملاغمه
الملاغم: ما حول الفم. واحدها ملغم.
يقول: جلال خيله: ثياب كل طاغ قتله، وموطئها: ملاغم كل باغ. والتأنيث: للخيل: والتذكير: للطاغي والباغي.
فقد ملّ ضوء الصّبح ممّ تغيره وملّ سواد اللّيل ممّا تزاحمه
التاء في تغيره وتزاحمه للخيل. وأراد: مما تغير فيه، فحذف حرف الجر، وأوصل الفعل إليه.
يقول: إن الصبح قد مل من كثرة إغارة الممدوح فيه، وسواد الليل قد مل من كثرة سيره فيه، ومزاحمته إياه.
وملّ القنا ممّا تدقّ صدوره وملّ حديد الهند مما تلاطمه
تدق صدوره: أي تكسره. وتلاطمه: أي تضاربه.
يقول: إن الرماح والسيوف قد ملت؛ من كثرة ما تطعن بالرماح وتكسرها، وتضرب بالسيوف.
سحابٌ من العقبان يزحف تحتها سحابٌ إذا استسقت سقتها صوارمه
[ ١ / ٢١٤ ]
السحاب: يذكر على اللفظ، ويؤنث على معنى الجمع، فأنث السحاب الأول على المعنى، وذكر الثاني على اللفظ وإقامة القافية.
شبه الجيش، والعقبان فوقه، بسحاب يسير تحت سحاب آخر، ثم جعل الأسفل يسقي الأعلى، فجعل الغمام مستقيًا، مع أنه يكون ساقيًا.
سلكت صروف الدّهر حتّى لقيته على ظهر عزمٍ مؤيداتٍ قوائمه
مؤيدات: محكمات، لما جعل عزمه مركوبًا، جعل له ظهرًا وقوائما.
يقول: ركبت عزمي وسلكت إليه المؤيدات، مفاوز شديدة، كأنها صروف الدهر. يعني: أني قويت عزمي على قصده، فتكلفت الأسفار حتى لقيته.
مهالك لم تصحب بها الذّئب نفسه ولا حملت فيها الغراب قوادمه
مهالك: بدل من صروف الدهر. والقوادم: ريش الجناح المقدمة، وفاعل تصحب: نفسه، ومفعوله: ذئب. وفاعل حملت: قوادمه، والغراب: مفعوله. والضمير: الغراب.
يعني: أن هذه المفاوز مهالك وحشة لا يقدر الذئب على قطعها، ولا الغراب على سلوكها؛ لشدتها. ومثله قول الآخر:
مهامة لا يسرى بها النّجم وحده ولا الطّيف إلاّ خائفًا يترقّب
فأبصرت بدرًا لا يرى البدر مثله وخاطبت بحرًا لا يرى العبر عائمه
عبر الوادي: شطه.
يقول: لما وصلت إليه رأيت بدرًا لا يرى البدر الحقيقي مثله، وخاطبت بحرًا ليس له عبر ولا نهاية
غضبت له لمّا رأيت صفاته بلا واصفٍ والشّعر تهذى طماطمه
الطماطم: جمع طمطمة، وهي ما لا يفهم من الكلام.
يقول: لما رأيت صفاته بلا واصف يصفها بحقائقها، غضبت لهذا الممدوح، فبصرت ببدائع شعري، وصار شعر غيري كالهذيان الذي لا معنى له.
فكنت إذا يمّمت أرضًا بعيدةً سريت فكنت السّرّ واللّيل كاتمه
الهاء في كاتمه للسر.
يقول: كنت أسير ليلًا مخفيًا سيري، فكنت كأني سر في ضمي الليل، وهو يكتمني عن كل أحد.
وهذا البيت من بدائع هذه القصيدة وسيدها، وواسطة قلادتها.
لقد سلّ سيف الدّولة المجد معلمًا فلا المجد مخفيه ولا الضّرب ثالمه
يقول: هو سيف سله المجد، ليضرب به رقاب البخل، فالمجد لا يخفيه والضرب لا يثلم حده.
على عاتق الملك الأغرّ نجاده وفي يد جبّار السّماوات قائمه
أي على عاتق الخليفة، لأنه من جملة أوليائه وأنصار دعوته. وقوله: وفي يد جبار السماوات قائمه أي أنه سيف الله يضرب به رءوس من كفر به وعبد إله غيره.
تحاربه الأعداء وهي عباده وتدّخر الأموال وهي غنائمه!
يقول: إن أعداءه يحاربونه، وهم عباده، يعلمون أنه يأسرهم ويستعبدهم ويجمعون الأموال وهم يعلمون أنه يغنمها!
ويستكبرون الدّهر والدّهر دونه ويستعظمون الموت والموت خادمه
يقول: إن الناس يستكبرون أمر الدهر في تصرفه، وهو أكبر منه قوة! ويستعظمون الموت وهو خادمه! يهلك من يأمره بقتله.
وإنّ الّذي سمّى عليّا لمنصفٌ وإنّ الّذي سمّاه سيفًا لظالمه
يقول: من سماه عليا فقد أنصفه؛ لأنه على المنزلة، رفيع المحل، ومن سماه سيفا فقد ظلمه؛ لأنه أمضى من السيف وأعظم تأثيرًا منه.
وما كلّ سيفٍ يقطع الهام حدّه وتقطع لزبات الزّمان مكارمه
لزبات: أصله تحريك الزاي، ولكنه خففه وسكنه ضرورة: وهي الشدائد. يقول: من سماه سيفًا إنما ظلمه؛ لأن السيف عمله القطع فقط، وربما ينبو فلا يقطع رقاب الأعداء، والممدوح يكشف شدائد الزمان بمكارمه وبجوده فتسميته بالسيف ظلم؛ لأنه أعم منه نفعًا.
وقال أيضًا يمدحه وقد عزم على الرحيل عن أنطاكية:
أين أزمعت أيّهذا الهمام؟ نحن نبت الرّبا وأنت الغمام
الربا: جمع ربوة، وهي ما ارتفع من الأرض.
يقول: أي موضع عزمت أن ترحل إليه أيها السيد العظيم الهمة؟ فنحن محتاجون إلى مقامك احتياج نبت الربا إلى مطر الغمام، وخص نبت الربا؛ لأنه أحوج إلى سقيا الغمام، ولأن الروضة إذا كانت على ربوة كانت أحسن وأنضر وأخضر.
نحن من ضايق الزّمان له في ك وخانته قربك الأيّام
[ ١ / ٢١٥ ]
حكى ابن جني عنه قال: أردت أن أقول: ضايقة الزمان، فزدت اللام فقلت: ضايق الزمان له. قال ابن جني: ومثله قوله تعالى: عسى أن يكون ردف لكم أي ردفكم؛ وخان: تعدى إلى مفعولين: أحدهما الهاء في خانته والثاني قربك وفاعله: الأيام. والهاء في له وخانته راجعة إلى من.
يقول: إن الزمان ضايقنا فيك، وحسدنا على قربك، فخانتنا الأيام في قربك، وفرقت بيننا وبينك.
في سبيل العلا قتالك والسّل م وهذا المقام والإجذام
الإجذام: سرعة السير، وأصفه قطع الأرض بالأسفار.
يقول: كل ما تفعله من قتال وسلم، وإقامة وترحال، يشيد مجدك ويرفع قدرك، فتنال معال مع معاليك.
ليت أنّا إذا ارتحلت لك الخيل وأنّا إذا نزلت الخيام
الخيمة في الأصل: بيت يتخذ في الصيف من الخشب، وأغصان الشجر، ثم استعمل في المضارب وبيوت الشعر مجازًا.
يقول: ليتنا كنا خيلك عند ارتحالك، وخيامك عند نزولك، حتى لا نفارقك. وقيل: أراد ليتنا نقيك الأذى من فوق: من الحر والبرد، ومن أسفل: من الخشونة والتعب.
كلّ يومٍ لك احتمالٌ جديدٌ ومسيرٌ للمجد فيه مقام
الاحتمال: الرحيل.
يقول: كل يوم تسافر، فالمسير لك مقام المجد والعز. يعني: أنك دائم السعي فيما فيه مجدك.
وإذا كانت النّفوس كبارًا تعبت في مرادها الأجسام
أراد بالنفوس: الأرواح والهمم.
يقول: إذا كان الإنسان كبير النفس عالي الهمة طلبت همته الأمور العالية، فأتعبت أجسامها في مرادها.
وكذا تطلع البدور علينا وكذا تفلق البحور العظام
يقول: كل رفيع القدر عالي الهمة، لا تدعه همته أن يستقر، كما أن البدر يطلع ولا يفتر عن المسير، وكذلك البحار العظام، لا يسكن موجها وعباؤها.
ولنا عادة الجميل من الصّب ر لوانّا سوى نواك نسام
نسام: أن نكلف.
يقول: من عادتنا الصبر الجميل على جور الزمان، ولكنا لا نقدر أن نصبر على فراقك والبعد عنك
كلّ عيشٍ ما لم تطبه حمامٌ كلّ شمسٍ ما لم تكنها ظلام
يقول: إذا لم يطب العيش بقربك، فهو من جملة الموت، وكل شمس سواك فهي ظلام، فطيب عيشنا بقربك، ونور أبصارنا برؤيتك.
أزل الوحشة الّتي عندنا يا من به يأنس الخميس اللهام
الوحشة: انزعاج النفس من الوحدة. والخميس: العسكر الكثير. واللهام: العظيم الذي يلهم كل شيء فيبتلعه ويهلكه.
يقول: أزل عنا الوحشة التي نجدها لفراقك، بالمقام علينا. يا من يأنس به الخميس العظيم ويجتمع عيه، وإذا غاب وجد على نفسه.
والّذي يشهد الوغى ساكن القل ب كأنّ القتال فيها ذمام
الوغى: الحرب. والهاء في فيها ضمير لقوله: الوغى لأنه في معنى الحرب وهي مؤنثة.
يقول: أزل عنا الوحشة يا أيها الرجل الذي يحضر الحرب، وهو ساكن القلب، حتى كأن القتال - الذي يكون في الحرب - عهد وأمان.
والّذي يضرب الكتائب حتّى تتلاقى الفهاق والأقدام
الفهاق: جمع فهقة، وهي موصل الرأس في العنق، وقيل: هي عظم عند حالق الرأس، مشرف على اللهاة.
يقول: إنك تقطع رقاب الفرسان حتى تقع رءوسهم على أقدامهم. وقيل: إنه يقطع الأعضاء حتى يصير الأسفل أعلى والأعلى أسفل. حتى يلتقي طرفا الجسم على ما بعد بينهما.
وإذا حلّ ساعةً بمكانٍ فأذاه على الزّمان حرام
الهاء في أذاه تعود إلى المكان.
يقول: إذا نزلت بمكان فلا يؤذى الزمان ذلك المكان، فكأن أذاه على الزمان حرام.
والّذي تنبت البلاد سرورٌ والّذي يمطر السّحاب، مدام
يقول: إن الممدوح إذا حل بمكان، فالذي تنبته أرضها إنما هو السرور، والذي يمطر سحابها إنما هو الخمر. يعني: أنه إذا نزل بمكان أحسن إلى أهله، وبسط العدل فيهم، فاتصل سرورهم، وأمنت نفوسهم.
ولما جعل نبات أرضهم سرورًا، جعل مطر سحابهم مدامًا؛ لأن المدام تولد السرور، كما أن الغيث يولد العشب، والذي مبتدأ وسرور خبره وتنبت صلته، وفاعله: البلاد. وكذلك الكلام في المصراع الثاني.
كلّما قيل قد تناهى أرانا كرمًا ما اهتدت إليه الكرام
يقول: كرمه لا نهاية له، فكلما قيل إنه قد بلغ الغاية في الكرم ابتدع كرمًا ثانيًا، لا يهتدى الكرام إليه، ولا يبلغ خاطرهم إلى بعضه
[ ١ / ٢١٦ ]
وكفاحًا تكعّ عنه الأعادي وارتياحًا يحار فيه الأنام
الكفاح: مباشرة الحرب. يقال لقيته كفاحًا: أي مواجهة. تكع: أي تجبن وتتأخر. وكفاحًا: نصب عطفًا على قوله: أرانا أي أرانا كرما وكفاحًا وارتياحًا.
يقول: أرانا شجاعة تعجز عنها أعداؤه، وجودًا يتحير الخلق فيه.
إنّما هيبة المؤمّل سيف الدّو لة الملك في القلوب، حسام
يقول: يهابونه وليس هو سيفا! بل هيبته في القلوب سيف قاطع، حتى لا أحد يعدل عن طاعته.
فكثيرٌ من الشّجاع التوقّي وكثيرٌ من البليغ السّلام
يقول: إن هيبته قد همت الناس، والشجاع الفاتك إذا تحرز منه، فذاك غاية الشجاعة. والخطيب المصقع يستكثر أن يسلم عليه، فضلًا عن أن يبسط في الكلام معه. ومثله للفرزدق:
يغضى حياءً ويغضى من مهابته فما يكلّم إلاّ حين يبتسم
وقال أيضًا عند مسيره عنها وقد نزل المطر في ذلك اليوم.
رويدك أيّها الملك الجليل تأىّ وعدّه ممّا تنيل
رويدك: أي أمهل، وهو اسم للفعل، ولا موضع للكاف.
الإعراب: تأىّ أي توقف وهو بدل من رويدك وإن شئت جعلته توكيدًا، كأنه قال: رويدك رويدك فكرر المعنى، وخالف بين اللفظين، وروى: تأن أي توقف وتثبت. والهاء في عده ضمير للمصدر، وجل عليه قوله: تأي.
يقول: أمهل أيها الملك الجليل، وتوقف وعد وقوفك علينا من بعض صلاتك ونعمك.
وجودك بالمقام ولو قليلا فما فيما تجود به قليل
وجودك: نصب على تقدير: جد جودك، فهو مصدر في موضع الأمر كقوله تعالى: فضرب الرقاب وكذلك قليلا أي ولو فعلته وجدته، فهو صفة لموصوف محذوف. ويجوز نصبه على الحال. ويجوز أن يكون صفة لظرف محذوف. أي ولو زمانًا قليلا.
يقول: جد علينا بالمقام ولو زمانًا قليلا، ثم احترز وقال: كل ما تجود به ليس بقليل؛ لأن لنا فيه نفعًا كثيرًا.
لأكبت حاسدًا وأرى عدوّا كأنّهما وداعك والرّحيل
الكبت: القهر، والإذلال. وأرى: من الورى، وهو داء الجوف. وقيل: معناه أضرب رئته من قولهم: وريته أريه. كما تقول: رأيته.
يقول: جد علينا بالمقام؛ لأكبت بذلك حاسدي، وأمرض عدوي؛ لأنهما بغيضان عندي، مثل وداعك وارتحالك.
ويهدأ ذا السّحاب فقد شككنا أتغلب أم حياه لكم قبيل؟
ويهدأ عطف على ما تقدم: أي يسكن. وتغلب رفع بالابتداء، وقبيل خبره. وقيل تغلب خبر ابتداء محذوف.
يقول: أقم علينا حتى يسكن مطر هذا السحاب، فإنا قد تشككنا في أمر هذا المطر، فلا ندري أنه مطر، أم قبيلك؟ التي هي بنو تغلب. يعني: أن جود هذا المطر يشبه جود بني تغلب، أي كثرة هذا المطر يشبه كثرتهم. والحيا: مقصور، المطر العام.
وكنت أعيب عذلًا في سماح فها أنا في السّماح له عذول
له قيل: تعود الهاء إلى المطر. ومعناه: أني كنت أعيب كل من يعذل على السماح، فلما كثر هذا المطر صرت أعذله على كثرة سماحه. وقيل: إن الهاء تعود إلى سيف الدولة يعني: أني أعذل سيف الدولة على كثرة سخائه بعد ما كنت أعيب من يعذل السخي على سخائه.
وما أخشى نبوّك عن طريقٍ وسيف الدّولة الماضي الصّقيل
سيف الدولة مبتدأ. والماضي خبره. وهذه الجملة في موضع نصب على الحال. والكاف في قوله نبوك قيل: خطاب لسيف الدولة.
ومعناه: لم أقل لك أقم، حتى يهدأ هذا السحاب، لأنه يعوقك عن طريقك، لأني لا أخشى نبوك: أي كلالك وتقاعدك عن طريق تريد أن تسير فيه، وأنت سيف الدولة، وسيف الدولة لا يكون إلا ماضيًا صقيلًا، لا ينبو عن شيء.
وقيل: إنه خطاب للسحاب. ومعناه: لا أخشى انقطاعك عنا أيها السحاب وفقدنا إياك في طريق نسلكه، إذا كان سيف الدولة ماضيًا صقيلًا، لأنه ينوب عنك ويزيد عليك.
وكلّ شواة غطريفٍ تمنّى لسيرك أنّ مفرقها السّبيل
الشواة: جلدة الرأس. والغطريف: السيد. ومفرق الرأس: حيث يتفرق الشعر. وتمنى: الأصل فيه تتمنى، فحذف إحدى التاءين.
يقول: إذا ارتحلت فكل سيد يتمنى رأسه: أي مفرقه، طريقًا لك ليشرف بك وينال بسببك رفعة.
ومثل العمق مملوءًا دماءً مشت بك في مجاريه الخيول
[ ١ / ٢١٧ ]
العمق: الفج، وهو الطريق الواسع في الجبل. وقيل: موضع بالشام أوقع سيف الدولة فيها بالأعداء وقعة عظيمة. ويقال: هو موضع كثير الوحل. مملوءًا: قيل نصب على التمييز، وقيل: على الحال. وروى بالرفع فيكون خبرًا عن مثل وروى بالجر فيكون بدلا من العمق.
يقول: كم من مواضع في الحرب قد امتلأت بالدم فخاضت بك خيلك، ومشت بك في مجاريه، فكيف بالوحل والمطر؟! والهاء في مجاريه للعمق.
إذا اعتاد الفتى خوض المنايا فأهون ما يمرّ به الوحول
فأهون: مبتدأ. وما يمر به: صلة وما بمعنى الذي. ويجوز أن تكون نكرة موصوفة. يعني: فأهون شيء يمر به، وفاعل يمر ضميره. والوحول خبر أهون.
يقول: من تعود خوض المنايا والحروب، فخوض الوحل أهون شيء عليه.
ومن أمر الحصون فما عصته أطاعته الحزونة والسّهول
الحزون، والحزونة: جمع حزن، وهو ما غلظ من الأرض وارتفع. وقيل: إن الحزونة مصدر مثل السهولة.
يقول: من رام القلاع الحصينة والحصون المنيعة فلم يصعب عليه فتحها وأخذها حتى كأنها مأمورة له، فكيف يصعب عليه السير في حزن الأرض وسهلها؟!
أتحفر كلّ من رمت اللّيالي وتنشر كلّ من دفن الخمول؟!
خفرت الرجل خفارة: إذا أجرته وحفظته، وأراد من رمته الليالي ومن دفنته الخمول فحذف الضمير. وتنشر: أي تحيي، والخمول: خفاء الذكر والألف في أتخفر للاستفهام، والمراد به التقدير.
يقول: كل من رمته الليالي بشدائدها فإنك تحفظه، وكل من كان خامل الذكر فإنك ترفعه.
وندعوك الحسام وهل حسامٌ يعيش به من الموت القتيل؟!
يقول: كيف يجوز أن ندعوك الحسام وأنت أعظم منه فعلا؟! وليس حسام يعيش به القتيل بعد الموت! وأنت تحي من قتله الفقر، وترفع من خفضه الخمول.
وما للسّيف إلاّ القطع فعلٌ وأنت القاطع البرّ الوصول
إلا القطع: نصب لأنه استثناء مقدم. أي ليس للسيف فعل، وأنت تقطع رقاب الأعداء، وتبر قصادك وتصل أولياءك وعشيرتك.
وأنت الفارس القوّال: صبرًا وقد فني التّكلّم والصّهيل
أي أنك تقول: صبرًا صبرًا ونصب صبرا على الحكاية، فحكى ذلك اللفظ على إعرابه. وقيل: نصب بقوال.
يقول: أنت الفارس الذي يصبر أصحابه إذا اشتدت الحرب، ولم يقدر الشجاع على الكلام، ولا الفرس على الصهيل، من التعب والخوف.
يحيد الرّمح عنك وفيه قصدٌ ويقصر أن ينال وفيه طول
يقول: هيبتك ملأت قلوب الناس، فمن بارزك تخذله يده وأقدامه، فيحيد الرمح عنك ويقصر، فلا يصل إليك، وإن كان طويلا. وقوله: وفيه قصد وفيه طول في موضع نصب على الحال.
فلو قدر السّنان على لسانٍ لقال لك السّنان كما أقول
يقول: إن ما أقوله لو علمه من لا ينطق لقال لك مثل ما أقول، وأثنى عليك مثل ثنائي.
ولو جاز الخلود خلدت فردًا ولكن ليس للدّنيا خليل
يقول: لو جاز أن يخلد أحد دائمًا في هذه الدنيا، لخلدت أنت وحدك؛ إذ لا نظير لك، ولكن الدنيا ليست بخليل تدوم.
وقال يرثى والدة سيف الدولة، وقد ورد خبرها إلى أنطاكية في جمادي الآخرة سنة ٣٣٧:
تعدّ المشرفيّة والعوالي وتقتلنا المنون بلا قتال
نعد: أي نجعل عدة. والمنون: الموت، وأنثه ذهابًا به إلى المنية.
يقول: نحن نعد للمنون السيوف والرماح للقتال، والموت يقتلنا قبل القتال، فليس فيما نعده فائدة عند دنو الآجال كأنه من قوله تعالى: " أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْمُ الْمَوْتُ ".
ونرتبط السّوابق مقرباتٍ وما ينجين من خبب اللّيالي
نرتبط: أي نشد. والسوابق: الخيل. ومقربات: أي مدنيات من البيوت والخبب: السير السريع.
يقول: نحن نرتبط السوابق لنهرب عليها، إن جاءنا حادث، ولكن لا تنجينا من سير الليالي، فإنها تدركنا لا محالة.
ومن لم يعشق الدّنيا قديمًا ولكن لا سبيل إلى وصال
يقول: إن الإنسان يعشق الدنيا من قديم الدهر. يعني: أن كل أحد يعشق الدنيا ويحب البقاء فيها والخلوص من شوائبها، ولكن لا سبيل إلى ما يحب.
نصيبك في حياتك من حبيبٍ نصيبك في منامك من خيال
نصيبك: الأول مبتدأ، ونصيبك الثاني خبره.
[ ١ / ٢١٨ ]
يقول: إن ما تناله من اللذة والسرور بقرب حبيبك لا حقيقة له، وإنه لزائل، كما لا حقيقة لما تراه في المنام من خيال الحبيب، فنصيبك منه عيانًا كنصيبك من خياله الذي ليس هو بشيء حقيقة.
رماني الدّهر بالأرزاء حتّى فؤادي في غشاءٍ من نبال
يقول: إن الدهر رماني بسهام مصيبة، حتى عمت فؤادي وصار قلبي كأنه في غطاء أو غشاء من سهام.
فصرت إذا أصابتني سهامٌ تكسّرت النّصال على النّصال
يقول: إن سهام الدهر لم تدع في قلبي موضعًا إلا وفيه سهم، حتى كأنه إذا رماني بسهامه وقع سهم على سهم آخر، ولم يجد في فؤادي مكانًا خاليًا، فتكسرت السهام على السهام.
وهان فما أبالي بالرّزايا لأنّي ما انتفعت بأن أبالي
معناه: وهان على الدهر وحوادثه. وقيل: هان علي ما ألقاه، فأضمر الفاعل. وهان: أي خف.
يقول: خف علي أمور المصائب، فلا أبالي بها ولا أجزع عند نزولها. أي لأني ما انتفعت بما بليت قبل ذلك، فكذلك لا أنتفع بالمبالاة في المستقبل أيضا.
وهذا أوّل النّاعين طرّا لأوّل ميتةٍ في ذا الجلال
الناعي: المخبر بالموت. وطرا: نصب على المصدر، وهو توكيد. وميتة: تخفيف ميتة، وروى ميتة. والجلال كالجلة. وذا: بمعنى هذا. والجلال: هو ملك سيف الدولة.
يقول: هذا أول مخبر خبر بأول مصيبة في هذه الدولة! يعني: أنه لم ير في ملكه شيئًا يكرهه قبل هذه. وقيل معناه: لأول ميتة في هذا الجلال والعظمة.
كأنّ الموت لم يفجع بنفسٍ ولم يخطر لمخلوقٍ ببال
تقديره: لم يفجع أحدًا بنفس، فحذف المفعول.
يقول: كأن هذه المصيبة لعظمها، أنست كل مصيبة كانت قبلها، حتى كأن الموت لم يفجع أحدًا بموت أحد، ولم يخطر على قلب أحد، لعظم هذه المصيبة، أو لأنه لم يمت له أحد قبلها. ومثله قول الآخر:
كأن لم يمت حيّ سواك ولم يقم على أحدٍ إلاّ عليك النّوائح
صلاة الله خالقنا حنوط على الوجه المكفّن بالجمال
يقول داعيًا لها: إن صلاة الله عليك حتى تقوم مقام الحنوط للميت. وخص الوجه المكفن بالجمال: تشريفًا للوجه وهو عبارة عن جميع الشخص.
على المدفون قبل التّرب صونًا وقبل اللّحد في كرم الخلال
على المدفون: بدل من قوله: على الوجه. ونصب صونًا: على التمييز.
يقول: إن رحمة الله على الميت كان مدفونًا في الصيانة والعفة قبل أن يدفن في التراب، كذلك مدفونًا في الخصال الكريمة قبل الدفن في اللحد. وروى: قبل الموت بدل الترب
فإنّ له ببطن الأرض شخصًا جديدًا ذكرناه وهو بالي
أي للمدفون وذكرناه أي ذكرنا له. وجديدًا: نصب صفة لشخص.
يقول: إن هذا الشخص ذكرنا له جديد، وإن بلي في التراب ومضى.
أطاب النّفس أنّك متّ موتًا تمنّته البواقي والخوالي
فاعل أطاب: أنك، وهو في موضع رفع.
يقول: طيب نفسي، ونفوس أوليائك، موتك في العز والإكرام. ومثل هذا الموت، في مثل هذا العز مما يتمناه كل أحد من الأموات والأحياء.
وزلت ولم ترى يومًا كريهًا تسرّ الرّوح فيه بالزّوال
يقول: طيب نفسي أنك زلت ومت من الدنيا مسرورة ولم تر فيها يومًا مكروهًا يتمنى فيه الموت.
رواق العزّ فوقك مسبطرّ وملك عليّ ابنك في كمال
مسبطر. أي ممتد طويل، وروى مستطيل.
يقول: لم تموني حتى رأيت رواق عز ابنك ممتدًا وملكه كاملًا.
وذكر ابن جني وكثير ممن فسروا هذا الديوان: أن قوله: مسبطر لفظه مستقبحة خصوصًا في النساء، ولعلهم قالوا ذلك لما وقفوا على بيت لأني الشمقمق وهو قوله:
مررت بإير بغل مسبطر فويق الباع كالوتر المطوق
وليس كذلك، لأن هذه اللفظة قد تستعمل في غير هذا المعنى. فقد وصف أمر السير بها وقال: ومن سيرها العنق المسبطرة وذكرها ذو الرمة في الكواكب فقال:
من اللّيل جوز واسبطرت كواكبه
سقى مشواك غادٍ في الغوادي نظير نوال كفّك في النّوال
يقول: سقى القبر الذي ثويت فيه سحاب غاد أي: مطر مدرار يشبه نوال كفك في كثرته وغزارته، فكما أن نوال كفك أغر من نوال غيرك، فكذلك هذا السحاب أغر من كل سحاب.
لساحيه على الأجداث حفشٌ كأيد الخيل أبصرت المخالى
[ ١ / ٢١٩ ]
الساحي: القاشر. والهاء في لساحية تعود على قوله غاد والحفش: الأثر. وقيل: هو مصدر السيل حفشًا: إذا جمع الماء من كل جانب. وقوله: كأيدي الخيل: أي كحفش أيدي الحيل، فحذف المضاف. والمخالي. جمع مخلاة، وهي وعاء يجعل فيه العلف.
يصف شدة وقع المطر الذي دعا لقبرها بسقياه فيقول: سقى قبرك غاد: مطر يقشر عنه ويترك على القبر أثرًا مثل آثار أيدي الخيل إذا أبصرت المخالي ومثله. قول حميد:
فسقى ديارك غير مفسدها صوب الغمام وديمةٌ تهمى
وروى تنم. وقيل: هو من قولهم: حفش المطر الأرض: إذا أظهر نباتها. كأنه يقول: سقى قبرك غاد. مطر ينبت النبات. ثم شبهه بفعل أيدي الخيل في حالة مخصوصة، إشارة إلى معنى المبالغة في إنبات ما يدعو الناس إلى الإقامة بها والحلول فيها؛ لأنه كلما كان أشد كان أحسن لنباته. وقال ابن الأعرابي: حفشت السماء. إذا جاءت بمطر قليل، وهذا مما يزيد الطعن.
أسائل عنك بعدك كلّ مجدٍ وما عهدي بمجدٍ منك خالي
يقول: لما فقدتك جعلت أساءل عنك كل مجد؛ لأن المجد كان قرينك، وما رأيت مجدًا خاليًا منك، وكان هو الأولى بأن يسأل.
يمرّ بقبرك العافي فيبكي ويشغله البكاء عن السّؤال
يقول: إذا مر بقبرك من كان يقصدك، بكى أسفا لفقدك، فاشتغل ببكائه عن أن يسألك، كما كانت عادته في حياتك.
وما أهداك للجدوى عليه! لو أنّك تقدرين على فعال
الهاء في عليه للعافي.
يقول: ما أرشدك إلى الإجداء عليه، والإنعام لديه! لو قدرت على الفعل، ولكنك لا تقدرين على ذلك، لأنك ميته.
بعيشك هل سلوت؟ فإنّ قلبي وإن جانبت أرضك غير سالي
بعيشك: قسم على المتوفاة.
يقول: بعيشك، ألا أخبرتيني: هل سلوت عني وطابت نفسك بعدي؟! فإني وإن كنت بعيدًا عن أرضك غير صابر عنك.
وهذا قد ذكره على لسان سيف الدولة، ولو لم يرد هذا المعنى لكان سوء أدب! ويحكى عن أبي الطيب أنه أنكر هذا البيت وقال: إنه زيد في القصيدة ليفسد به حالي عند سيف الدولة.
نزلت على الكراهة في مكانٍ بعدت عن النّعامى والشّمال
النعامى: الجنوب، وقيل: كل ريح، وقوله بعدت: أي بعدت فيه فحذف للعلم بذلك.
يقول: إنك قد نزلت على كراهة منك. وقيل: على كره منا، في مكان منعت فيه عن اللذات، وفقد الحياة، وتنسم رياح الجنوب والشمال!
تحجّب عنك رائحة الخزامى وتمنع منك أنداء الطّلال
الخزامى: نبت طيب الرائحة. وروى: الظلال والطلال بالظاء والطاء. ومعناه: إنك فقدت لذات الدنيا لفقدك الحياة.
بدار كلّ ساكنها غريبٌ طويل الهجر منبتّ الحبال
يقول: نزلت بدار كل ساكنها غريب، لأنه لم يكن به أحد قط، ولأنه منفرد لا يزوره أحد، وكل ساكنها طويل الهجر، لا يرجع إلى يوم الحشر، وهو منقطع الأسباب، إذ لا وصل بين الأحياء والأموات.
وقيل: أراد بقوله: منبت الحبال انبتات المودة كما قال أبو نواس:
وجاورت قومًا لا تزاور بينهم ولا وصل إلاّ أن يكون نشور
حصانٌ مثل ماء المزن فيه كتوم السّرّ صادقة المقال
حصان بفتح الحاء: أي عفيفة. والهاء في فيه ترجع إلى المكان في قوله: نزلت على الكراهة في مكان. وقيل: ترجع إلى المزن يعني مثل ماء المزن في المزن قبل مفارقتها إياه.
يمدحها بالعفة والطهارة وكتمان السر وصدق القول. وشبهها في طهارة أخلاقها بالماء ما دام في السحاب لا يلحقه دنس ولا كدر. وقيل في قوله: صادقة المقال لأنها لا تقارب ريبة فتحتاج إلى العذر.
يعلّلها نطاسيّ الشّكايا وواحدها نطاسيّ المعالي
يعللها: أي يداويها. وعللت المريض: إذا أقمت عليه في علته. النطاسي: الطبيب الفطن. والشكايا: جمع شكية وهي ما يشكوه من مرض وغيره وأراد بواحدها: سيف الدولة والهاء: للمتوفاة.
يقول: إن طبيب الأمراض كان يداويها، وكذلك واحدها: أي ابنها الذي هو طبيب المعالي. أي أنه إذا وقع الخلل في المعالي سده برأيه.
إذا وصفوا له داءً بثغرٍ سقاه أسنّة الأسل الطّوال
يقول: إن طبيب المعالي، فإذا وصف له داء بثغر من ثغور المسلمين، سقاه الأسنة وداواه بها حتى يشفيه كما يشفي الطبيب من الأمراض بالعقاقير والأدوية ومثله لأبي تمام:
[ ١ / ٢٢٠ ]
وقد نكس الثّغر فابعث له صدور القنا لابتغاء الشّفاء
وليست كالإناث ولا اللّواتي تعدّ لها القبور من الحجال
يقول: ليست من النساء اللواتي تكون القبور سترا لهن، ويعد موتهن كرامة، لأنها كاملة الخصال، شريفة الخلال، ليس لها نقص النساء الذي يحتاج إلى الستر بالقبر. وهذا كأنه من الخبر، دفن البنات من المكرمات.
ولا من في جنازتها تجارٌ يطون وداعها نفض النعال
يقول: ليست هي من نساء العامة التي يحضر جنازتها التجار فإذا دفنوها وودعوها نفضوا نعالهم وانصرفوا عنها.
مشى الأمراء حوليها حفاةً كأنّ المرو من زفّ الرّئال
المرو: جمع مروة، وهي حجر أبيض. والزفة: الريش تحت الجناح للطائر وهو ألين ما يكون من الأشياء. والرئال: جمع الرأل وهو فرخ النعام.
يقول: مشت الأمراء والملوك حول نعشها حفاة فلم يشعروا بخشونة الأحجار على أقدامهم الناعمة حزنًا بها، حتى كأن الحجارة كانت عندهم في اللين كزف أفراخ النعام.
وقيل: إنهم لكثرتهم وشدة وطئهم على الحجارة وقلة مبالاتهم بها، صارت الأحجار مسحوقة لينة كريش النعام.
وأبرزت الخدور مخبّآتٍ يضعن النّقس أمكنة الغوالي
أبرزت: أي أظهرت. والخدور: الستور، وهي الفاعلة. ومخبآت: أي مخدرات، وهي المفعولة، والمراد بالنقس المداد، وهو السواد. والغالية: هي المسك والعنبر معجونان.
يقول: إن النساء المخبآت في الخدور برزن من خدورهن ووضعن المداد على خدودهن وشعورهن، ومواضع كن يضعن فيها الغوالي.
أتتهنّ المصيبة غافلاتٍ فدمع الحزن في دمع الدّلال
وروى: المصائب. يقول: إن هذه المصيبة أتت هؤلاء المخبآت وهو غافلات في السرور والدلال، بحيث كانت عيونهن تدمع من السرور، لحياة هذه المتوفاة ولوجوه أخر من المسرات، فأتتهن المصيبة فجأة فأخرجت من عيونهن دمع الحزن واختلط بدمع الفرح.
ولو كان النّساء كمن فقدنا لفضّلت النّساء على الرّجال
معناه ظاهر، وكونها كانت أفضل من الرجال، لما لها من زيادة العقل والرأي الكامل، والخصال الفاضلة. وروى: لفضلت النساء وذلك يلائم قوله: فقدنا فيكون كل واحد إخبار عن النفس. ويحكى عن سيد المؤيد؟ قدس الله روحه. قال: كنت أقرأ هذه القصيدة على المتنبي فقرأت لفضلت على ما لم يسم فاعله فرد علي فقال: أما أنا فلم أقل إلا فضلت على أن يكون الفعل لي. وهذا يؤيد ما ذكرناه من الرواية.
وما التّأنيث لاسم الشّمس عيبٌ ولا التّذكير فخرٌ للهلال
يقول: لا اعتبار بالتذكير والتانيث، وإنما الاعتبار بالفضل والنقص، فالهلال مذكر، والشمس مؤنث، ومع ذلك الشمس أفضل من الهلال.
وأفجع من فقدنا من وجدنا قبيل الفقد مفقود المثال
يقول: أعظم من فجائع المفقودين فجيعة من وجدناه قبل الموت وحيدًا لا نظير له يخلفه.
يدفّن بعضنا بعضًا ويمشي أواخرنا على هام الأوالي
الأوالي: مقلوب من الأوائل، فقدم اللام وأخر الهمز، ثم أبدلها ياء، فصارت كالقاضي.
يقول: الحي يدفن الميت، والآخر يمشي على هام الأول.
وكم عينٍ مقبّلة النّواحي كحيلٍ بالجنادل والرّمال
الجندل: الصخر. يقول: كم عين كانت مقبلة النواحي، أضحت مكحلة بالرمل تحت التراب.
ومغضٍ كان لا يغضى لخطبٍ وبالٍ كان يفكر في الهزال
يقول: كم رجل مغض: خاشع الطرف لأجل الموت. وقد كان لا يغضى لخطب من خطوب الدهر؛ لعزته ومنعته، وكم رجل قد بلي تحت التراب وتمزقت أوصاله، وقد كان يتفكر في هزال نفسه، ويطلب صلاح جسمه.
أسيف الدّولة استنجد بصبرٍ وأين بمثل صبرك للجبال؟!
يقول: يا سيف الدولة، استعن بصبرك الذي هو كالجبال الثوابت، على هذه المصيبة العظيمة. ومن أين للجبال مثل صبرك؟!
وأنت تعلّم النّاس التّعزّي وخوض الموت في الحرب السّجال
الحرب السجال: مرة لهؤلاء، ومرة لهؤلاء مأخوذ من المساجلة: وهو المغالبة في جذب الدلو، والسجل: الدلو العظيم.
يقول: لا تحتاج أن نعزيك على مصائبك؛ لأنك تعلم الناس التصبر وتعلمهم خوض المنايا في الحروب العظيمة.
وحالات الزّمان عليك شتّى وحالك واحدٌ في كلّ حال
[ ١ / ٢٢١ ]
ذكر الحال في قوله: وحالك واحد في كل حال لأنه يذكر ويؤنث.
يقول: أحوال الزمان عيك متفرقة ومختلفة، ولا يزعجك منها شيء، ولا يغيرك عن حالك من الصبر والثبات والحلم والوقار في جميع الأوقات.
فلا غيضت بحارك يا جمومًا على علل الغرائب والدّخال
غيضت: أي نقصت. والجموم: الكثير. والعلل: الشربة الثانية. والغرائب: جمع غريبة، وهي الناقة تدخل في الإبل وليست منها. والدخال: جمع دخل، وهو أن يدخل بعير قد شرب بين بعيرين لم يشربا يساعدهما على الشرب.
يقول: لا نقص الله من جمام بحارك، على كثرة ما يرد عليها من غرائب المصائب، وتكرير الحوادث، وهذا مثل. والمراد: لا نقص الله صبرك بكثرة ما يصيبك من حوادث الأيام. فشبه سيف الدولة بالبحر الكثير الماء، وحوادث الأيام بإبل ترد عليه مرة بعد أخرى.
وقيل معناه: لا نقص جودك على كثرة من يرده ممن لا يستحقه، كما أن الغرائب والدخال لا يستحق ورود الحوض، إذ الغرائب ليست من إبل هذا الحوض، والدخال قد شربت مرة. وقيل معناه: أنك كثير العطاء لمن هو مقيم عندك وهو المراد بالدخال، ولمن يرد عليك من مكان آخر وهو المراد بالغرائب، وهذا أبلغ من قول الكميت:
أناسٌ إذا وردت بحرهم صوادى الغرائب لم تقرب
رأيتك في الذين أرى ملوكًا كأنّك مستقيمٌ في محال
يقول: أراك بين الملوك كالمعنى المستقيم، والكلام المستقيم، والأمر المستقيم، الظاهر إلى جنب المستحيل الفاسد، أي أنك الملك على الحقيقة وغيرك من الملوك اسم بلا جسم.
فإن تفق الأنام وأنت منهم فإنّ المسك بعض دم الغزال
المسك للظبي: بمنزلة الحيض للنساء. وقيل: لا يكون إلا في إناثها.
يقول: إن فضلت الأنام وعلوتهم وأنت من جملتهم فليس ذلك بعجب فإن المسك دم، ولكن يخالف سائر الدماء ريحًا وطبعًا.
وهذا من اختراعات أبي الطيب وفرائده. وقوله فإن تفق شرط وأنت منهم حال. فإن المسك جواب الشرط.
وقال يمدحه ويذكر استنقاذه أبا وائل: تغلب بن داود بن حمدان لما أسره الخارجي الناجم من كلب. ويصف قتل الخارجي.
وكان أبو وائل قد ضمن لهم، وهو في الأسر خيلا طلبوا منها: العروس ومالا اشترطوه عليه وأقاموا ينتظرون وصول ذلك فصبحهم سيف الدولة بالجيش فأبادهم، وقتل الخارجي في شهر شعبان سنة سبع وثلاثين وثلاث مئة.
إلام طماعية العاذل ولا رأى في الحبّ للعاقل؟
إلى من حروف الجر دخلت على ما الاستفهامية، ثم حذف منها الألف وجعلت مع إلى بمنزلة اسم. ومعناه: إلى أي شيء. وقيل إلى متى والطماعية مصدر كالطمع وهي مخففة إليه.
يقول: إلى متى يطمع العاذل في رجوعي عن الهوى، والعاقل إذا ابتلى في الهوى فقد فقد رأيه وزال عقله.
يراد من القلب نسيناكم وتأبى الطّباع على النّاقل
يقول: إني مطبوع على حبكم، ومجبول على هواكم، والعاذل يريد مني أن أنساكم، وهذا محال، لأن الطبع لا يقدر أحد أن ينقه إلى غره، ويغيره عما هو عليه، ومثله قول الآخر:
لا تحسبوني عنكم مقصّرا إنّي على حبّكم مطبوع
وإنّي لأعشق من عشقكم نحولي وكلّ امرئٍ ناحل
أعشق: يجوز أن يكون فعلا مضارعًا، من عشقت ويكون كل منصوبا عطفًا على نحولي وهو في موضع النصب.
ومعناه: أني من فرط عشقي لكم أعشق نحولي، وأعشق كل عاشق مثلي ناحل مثل نحولي، للمشاكلة التي بيننا. ويجوز أن يكون أعشق أفعل تفضيل وكل يكون مجرورًا عطف على الياء في نحولي. ومعناه: أني أعشق لكم. أي أشد عشقًا لكم من عشقكم نحولي ونحول كل فتى ناحل. يعني: أنكم تعشقون نحولي ونحول كل عاشق، وعشقي لكم أشد من عشقكم نحولي ونحول كل فتى هذه صفته.
ولو زلتم ثمّ لم أبككم بكيت على حبّى الزّائل
يقول: لو فارقتموني وفراقكم دال على زوال حبي ثم لم أبك لفراقكم، لبكيت على حبي الزائل؛ لأني أحب حبي لكم، فإذا زال ساءني زواله فأبكي له، وإن لم أبك لفراقكم، ويجوز أن يكون بكيت دعاء على نفسه. أي: إن لم أبك لكم، جعل الله حبكم زائلا عني حتى أبكي عليه.
أينكر خدّي دموعي وقد جرت منه في مسلكٍ سابل؟
قيل: سابل بمعنى مسبول: أي مسلوك للمارة. وقيل: سابل: أي عامر بالمارة والهاء في منه للخد.
[ ١ / ٢٢٢ ]
يقول: إن خدي لا ينكر دموعي السابلة عليه؛ لأنها لم تزل تسيل على الخد حتى صار فيه طريق سابل، فهذا الذي يجري الآن يجري في ذلك الطريق المسلوك.
وروى: في مسلك سائل يقال: هذا المكان سائل الماء. أي يسيل عليه الماء
أأوّل دمعٍ جرى فوقه؟ وأوّل حزنٍ على راحل؟
يقول: ليس هذا بأول دمع جرى، لأني كثيرًا ما ابتليت بذلك، وليس الحزن الآن بأول حزن على حبيب راحل، لأني قد تجرعت من غمومه غير مرة.
وقيل معناه: لست أول عاشق بكى من الفراق وحزن من ألم الشوق، وقد كان قبلي عشاق يبكون ويحزنون على فراق الأحبة.
وهبت السّلوّ لمن لامني وبتّ من الشّوق في شاغل
يقول: تركت السلو على من لامني، ويأمرني بالسلو، ويعذلني عليه، واشتغلت بما أنا فيه من الوجد والشوق والمحبة.
كأنّ الجفون على مقلتي ثيابٌ شققن على ثاكل
يقول: كأن جفوني على مقلتي - لتباعد ما بين الجفون من شدة السهر - ثياب شققن على ثاكل؛ لأنها إذا شقت تباعد ما بين جانبي المشقق.
ولو كنت في أسر غير الهوى ضمنت ضمان أبي وائل
يقول: لو كنت أسيرًا كسائر الأسارى. الذين يكونون في أيدي الأعادي لضمنت لهم من المال ما ضمنه أبو وائل، واستعنت بسيف الدولة ليخلصني من الأسر، ولكني أسير الهوى، فلا أقدر على الخلاص منه، ولا أقهره بشدة ولا قوة.
فدى نفسه بضمان النّضار وأعطى صدور القنا الذّابل
يقول: فدى نفسه أبو وائل من الخارجي بأن ضمن لهم الذهب، وأعطاهم صدور القنا التي جاء بها سيف الدولة حين استنقذه من يديه.
ومنّاهم الخيل مجنوبةً فجئن بكلّ فتىّ باسل
مجنوبة: أي مقودة جنب الفارس.
يقول: مناهم أبو وائل الخيل مقودة ليفدى بها نفسه فجاءتهم الخيل بكل فارس شجاع يضرب رءوسهم ويهلكهم.
كأنّ خلاص أبي وائل معاودة القمر الآفل
شبه أسره وخلاصه بالقمر إذا غاب ثم طلع. يعني عاد كالقمر، وهو في نوره كما كان.
دعا فسمعت وكم ساكتٍ على البعد عندك كالقائل
يقول لسيف الدولة: إن أبا وائل دعاك لتخلصه، فسمعت دعاءه ثم قال: فكم ساكب أي أنك تراعي أمر القريب منك وأمر البعيد الذي لا يسألك مراعاته، فكأنه في سكوته استجارك كالناطق؛ لأن معونتك تعم الخاص والعام.
فلبيّته بك في جحفلٍ له ضامنٍ وبه كافل
ضامن وكافل: نعت لجحفل.
يقول: لما دعاك لبيته بنفسك في عسكر ضامن لأبي وائل، وكافل به، فخلصته من يد الخارجي، ولم يكن هناك دعاء ولا إجابة، ولكنه جعل وقوعه في يد الخارجي دعاء منه، وخروج سيف الدولة إجابة منه إياه.
خرجن من النّقع في عارضٍ ومن عرق الرّكض في وابل
خرجن: أي الخيل. والركض: الضرب بالرجل جنب الدابة.
يقول: إن الخيل لما ركضت، ثار الغبار مثل السحاب، وسال عرقها مثل المطر الوابل.
فلمّا نشفن لقين السّياط بمثل صفا البلد الماحل
نشفن: أي جف العرق عنهن. والصفا: جمع صفاة، وهي الصخرة البيضاء. والبلد الماحل: المجدب، فحجره أصلب.
يقول: إنها لما عرقت الخيل علاها الغبار، وتلبد التراب عليها، فلما جف عرقها أشبهت جلودها الصلاء؛ لصلابتها، فوقعت السياط على جلود هذه صفتها، وإنما خص البلد الماحل قيل: لأن أحجارها أصلب من غيرها. وقيل: هذا لا معنى له وأنها لا تتغير، وإنما خصها لأنها أكثر غبارًا من البلد الكثيرة الري، فشبه تراكم الغبار على جلودها في صلابتها بصفاء البلد الكثيرة التراب.
شفنّ لخمسٍ إلى من طلب ن قبل الشّفون إلى نازل
شفن: أي نظرن. والشفون: النظر.
يقول: إن الخيل سارت خمس ليال لم ينزل عنها فارس، فنظرت هذه الخيل إلى من طلبته من العدو، بعد خمس ليال، قبل نظرها إلى نازل عن ظهرها؛ وذلك لأن فرسانها واصلوا سيرها حتى أدركوا مقصودهم ولم ينزلوا عنها حتى لحقوا الخارجي.
فدانت مرافقهنّ البرى على ثقةٍ بالدّم الغاسل
روى: البرى والثرى.
يقول: قاربت مرافقهن التراب وخالطته عند العدو، ووثقت أن دم العدو يغسل هذه المرافق من التراب الذي عليها. ويجوز أن يكون دانت بمعنى أطاعت مرافقهن التراب، لأنها وثقت أن الدم يغسلها.
وما بين كاذتي المستغير كما بين كاذتي البائل
[ ١ / ٢٢٣ ]
الكاذة: لحم الفخذ.
يقول: إن الفرس التي تطلب الغارة قد اتسع ما بين فخذيه، من شدة العدو، مثل ما بينهما إذا أراد أن يبول.
وقيل: أراد بالمستغير. الخارجي؛ لأنه كالطالب لهذه الغارة من خيل سيف الدولة.
فيقول: الدم الذي يترشش بين لحمتي فخذ الخارجي أو فخذ فرسه كان كالبول: أي يترشش على هذه المواضع عند البول.
فلقّين كلّ وردينيّةٍ ومصبوحةٍ لبن الشّائل
المصبوحة: التي سقيت اللبن وقت الصبح. والشائل: التي لا لبن لها، والشائلة: التي حملت وقل لبنها.
قال ابن جني؛ قلت للمتنبي: إن الشائل هي التي لا لبن لها، وأنت تريد ما لها لبن، والتي لها لبن قليل يقول لها: الشائلة. فقال أردت الهاء فحذفتها كقول الشاعر:
إنّا بنو عمكم لا أن نباعدكم ولا نحاربكم إلاّ على ناجي
فإنه أراد: ناجية. فسألته عن غرضه. في ذلك، فقال: إن الناقة إذا قل لبنها، ونجع في شاربه، فلا يسقونها الإكرام خيولهم.
فكأنه يقول: إن خيول سيف الدولة لقين أي لقيت خيله في جيش الخارجي كل رمح رديني، وكل فرس مصبوح لبن الشائل. التي جف لبنها. وقيل أراد بالشائل: التي لا لبن لها أصلًا. ومعناه: أنها لا تطعم فتلزم الطوى توفيرًا لها على العدو.
وجيش إمام على ناقةٍ صحيح الإمامة في الباطل
أي: ولقين خيل سيف الدولة، جيش إمام في الباطل دون الحق. وكان الخارجي يدعى الإمامة.
فأقبلن ينحزن قدّامه نوافر كالنّحل والعاسل
ينحزن: أي يجتمعن، من قولك انحاز القوم إلى ناحية. إذا التجئوا إليها.
وقيل: يتفرقن يمينًا وشمالًا، تذهب كل فرقة إلى حيزة.
وقيل: هو من نحزت الناقلة برجلي: إذا ركلتها. أي أنهن يركلن بأرجلهن، قدامه: أي قدام الخارجي، والعاسل الذي يخرج العسل.
يقول: إن خيل الخارجي رأوا جماعات لها ضجيج ونفر، فشبههم بالنحل. وشبه الخارجي بالعاسل. والنحل عند معالجة العاسل، يكون لها ضجيج ونفر في وجه العاسل.
وقيل معناه: أقبلت خيل الخارجي - لما رأت جيش سيف الدولة - تتفرق عنه وتسلمه إلى سيف الدولة، كما يسلم النحل ويتفرق عنه، إذا دخل عليه العاسل.
فعلى هذا: العاسل: سيف الدولة، والنحل: جيش الخارجي.
فلمّا بدوت لأصحابه رأت أسدها آكل الآكل
يقول لسيف الدولة: لما ظهرت لأصحاب الخارجي، وكانوا كالأسود رأوا منك أسدًا يأكل كل أسدٍ آكلة لهم يأكلهم ويفنيهم.
بضربٍ يعمّهم جائرٍ له فيهم قسمة العادل
له أي للضرب. والباء متعلق بقوله: آكل الآكل. أي يأكلهم بضربٍ. جعل الضرب مجاوزًا للحد، خارجًا عن المعتاد. وقوله: قسمة العادل. فيه وجوه: أحدها: قيل معناه: أنه عدل، لأنه قربة إلى الله تعالى، لأنهم خوارج على إمامهم.
والثاني: أنه كان عدلا لخصوصة بالشجعان.
والثالث: أنه مقسوم بينهم على سواء، له في كل واحد منه حصة مثل حصة الآخر، ولم يفت منه أحد، فهو عدل من هذا الوجه.
والرابع: أنه كان عدلًا من حيث أنه جعل كل واحد منهم بنصفين على سواء، فكانت صورة القسمة النصفة.
وطعنٍ يجمّع شذّانهم كما اجتمعت درّة الحافل
روى: شذاذهم بذالين، وشذانهم بذال ونون، أي المتفرقون.
يقول: إن سيف الدولة كان يطعنهم طعنًا يجتمع عليه المتفرقون، ويتعجبون من سعتها، كما يجتمع الدر في الضرع الحافل، ووجه التشبيه أنهم يجتمعون عليه واحدًا واحدًا وينضم واحد إلى آخر، كما تجتمع الدرة شيئًا فشيئًا. وقيل: أراد أن خيل الخارجي من شدة الطعن تجمعوا ليتقوا كما يجتمع الدرة في الضرع الحافل.
إذا ما نظرت إلى فارسٍ تحيّر عن مذهب الرّاجل
أي عن مذهب مثل الراجل.
يقول: إذا نظرت إلى فارس منهم خذلته نفسه، وبقي متحيرًا لا يقدر على أن يسير مثل سير الراجل، ولا أن يذهب مثل مذهبه.
فظلّ يخضّب منها اللّحى فتى لا يعيد على النّاصل
الناصل: المضروب بالنصل، وهو فاعل بمعنى مفعول، والهاء في منها للأسد، وهي خيل الخارجي. وفاعل ظل فتى وهو سيف الدولة.
يقول: إن سيف الدولة إذا ضرب منهم إنسانًا ضربة قتله، فلا يحتاج إلى أن يعيد الضرب مرة أخرى.
وقيل: الناصل. من نصل الخضاب يعني: إذا ضرب فخضب المضروب بالدم، فإن خضابه لا ينصل عنه حتى يحتاج إلى إعادته.
[ ١ / ٢٢٤ ]
ولا يستغيث إلى ناصرٍ ولا يتضعضع من خاذل
تضعضع البناء: إذا انهدت أركانه أي لا يتذلل هذا الفتى، ولا يستعين بناصر ينصره، ولا يضعف إن خذله أصحابه، لأنه مستقل بنفسه لا يحتاج إلى أحد.
ولا يزع الطرف عن مقدمٍ ولا يرجع الطّرف عن هائل
يزع: أي يكف. ومقدم: أي الإقدام.
يعني: أنه لا يرد فرسه عن الإقدام، ولا يرد طرفه أي عينه عن أمر مخوف ومنظر هائل.
إذا طلب النّبل لم يشأه وإن كان دينًا على ماطل
النبل: الحقد. يقول: إذا طلب ثأرًا أدركه، فلم يفته وإن كان ثأره عند من لا يدرك لديه ثأر. فشبه هذا الثأر بدين على ماطل.
خذوا ما أتاكم به واعذروا فإنّ الغنيمة في العاجل
يقول للخارجي وجماعته الذين كانوا ينتظرون الفداء هزءًا بهم: خذوا ما أتاكم به سيف الدولة من الفداء، واعذروه في هذه الغنيمة المعجلة، فاغتنموا ذلك فإن الغنيمة في العاجل.
وإن كان أعجبكم عامكم فعودوا إلى حمص في القابل
يقول: لئن كان أعجبكم ما ملكتم في هذا العام من الخير، فعودوا في العام القابل إلى حمص، حتى تروا ما يزيد على ذلك فترضوا به.
فإنّ الحسام الخضيب الّذي قتلتم به في يد القاتل
يقول: السيف المخضب بدمائكم في يد القاتل، وهو سيف الدولة، فمتى شئتم فتعالوا إليه.
وقال ابن جني: أراد بالسيف. سيف الدولة. والخضيب: هو الخاضب اللحي بالدماء. والقاتل: هو الخليفة الذي ينصر سيف الدولة ويقاتل عنه.
يجود بمثل الّذي رمتم فلم تدركوه على السّائل
أي يجود على السائل بمثل المال الذي رمتم، فلم تدركوه على السائل: يعني أنه يعطي سائله مثل ما طلبتموه، وإنما لم يعطكم أنفة، من أن تأخذوه قهرًا.
أمام الكتيبة تزهى به مكان السّنان من العامل
أمام: نصب على الظرف. وتزهى به: أي تفتخر به. والتاء: ضمير الكتيبة والهاء: ضمير سيف الدولة. وعامل الرمح: قدر ذراعين من أعلى الرمح.
أي أن سيف الدولة يكون أبدًا أمام الكتيبة، كما يتقدم السنان على الرمح وأن الكتيبة تفتخر به، إذ لا غناء لهم عنه كما لا غناء للرمح عن السنان.
وإنّي لأعجب من آملٍ قتالًا بكمّ على بازل
البازل: البعير الذي دخل في السنة التاسعة. وكان الخارجي حينئذ على ناقة يومئ بكمه على أصحابه؛ يحرضهم على قتال سيف الدولة.
يقول: إني أعجب من ضعف رأي من يقاتل بكم على ناقة بازل.
أقال له الله: لا تلقهم بماضٍ على فرسٍ حائل؟
الهاء في له للخارجي وفي لا تلقهم لأصحاب سيف الدولة. بماض: أي بسيف ماض. والحائل: خلاف الحامل، وخض الحائل لأنها تكون أشد على العمل، وأصبر على الشدة، وهم لا يركبون يوم القتال إلا الفرس الأنثى الحائل.
يقول: كأن الله تعالى قال له. لا تلق جيش سيف الدولة بسيف ماض على فرس حائل! فلهذا ركب الناقة وأشار بكمه بدل السيف!
إذا ما ضربت به هامةً براها وغنّاك في الكاهل
الكاهل: أعلى الكتف بين المنكب والعنق. والهاء في به للسيف الماضي. أي كأن الله تعالى قال: لا تلقهم بسيف ماض، إذا ضربت به رأسًا قطعه ووصل إلى العنق، وهامة قطعها، وسمعت له صليلا كالغناء.
وقيل: معناه: قال الله لهذا الخارجي. لا تحارب بسيف ماض مثل سيفك الماضي يا سيف الدولة، الذي إذا ضربت به رأسًا تجاوزها وغنى لك في الكاهل.
وليس بأوّل ذي همّةٍ دعته لما ليس بالنّائل
يقول: إن الخارجي ليس بأول من لم يدرك مراده، وما دعته إليه همته، وقد خرج قبله كثير من الخوراج وطلبوا مثل ما طلب فقتلوا كما قتل.
يشمّر للّجّ عن ساقه ويغمره الموج في السّاحل
يقول: إن الخارجي كان يشمرّ عن ساقه؛ ليخوض لجة البحر، وقد علاه الموج في ساحل هذه اللجة.
أي قد تأهب لجيش سيف الدولة الذي هو كالبحر العظيم، والموج يغرقه في الساحل! أي أنه لقي مقدم عسكر سيف الدولة فهزموه، فكيف إذا لقي معظم عسكره؟! وقال ابن جني: إنه يصف تمويه الخارجي على الأعراب وادعاءه النبوة فيهم فكان يحسر عن ساقه عند الماء ليرى الناس أنه يخوضه تمويها ومخرقة، ومع ذلك قد غمره الموج وهو على الساحل.
أما للخلافة من مشفقٍ على سيف دولتها الفاصل؟!
[ ١ / ٢٢٥ ]
الفاصل: القاطع. يقول: هو أبدًا على سيف الدولة. هذا الخليفة، لأن بقاء هذه الخلافة وبقاء دولتها بسيف الدولة، فهل أحد يشفق على هذا السيف القاطع؛ لتبقى هذه الخلافة.
يقدّ عداها بلا ضاربٍ ويسري إليهم بلا حاملٍ
يقد: أي يقطع. والهاء في عداها للخلافة وفي إليهم للعدا.
يقول: هذا السيف بخلاف سيف الحديد، فهو يقطع أعداء الخلافة بلا ضارب، ويسير إلى الأعداء بلا حامل.
وقيل: أراد أنه يذب عن الخلافة وحده، وليس من أوليائها معين ينصره.
تركت جماجمهم في النّقا وما يتحصّلن للنّاخل
النقا: الكثيب من الرمل.
يقول: رضضت جماجمهم فيما بين الرمل فصارت كالهباء، واختلطت بالرمل، فلو نخل الرمل أحد بمنخل لم يحصل له شيء.
وروى: وما يتخلصن أي ما يتميزن: أي أن جماجمهم، لا تتميز عن الرمل للناخل.
وأنبتّ منهم ربيع السّباع فأثنت بإحسانك الشّامل
يقول: طرحت هؤلاء السباع حتى أكلت، وأخضبت كما تخصب السوائم في الربيع، فصارت لحومهم للسباع كالربيع، فأثنت عليك السباع لذلك.
وعدت إلى حلبٍ ظافرًا كعود الحلىّ إلى العاطل
العاطل: التي لا حلى عليها. يعني: أن حلب عريت عن زينتها لما فارقتها! فلما عدت إليها ظافرًا، عادت زينتها، كالحلي إذا عاد للعاطل.
ومثل الّذي دسته حافيًا يؤثّر فِي قدم النّاعل
يعني: هذا الذي وصلت إليه من الفتح العظيم بالهويني، لا يدركه غيرك بمشقة وتعب، أي وصلت إليه من غير آلة وعدة.
وكم لك من خبرٍ شائعٍ له شية الأبلق الجائل
يقول: ذكرك وخبر وقائعك مشهورة، كشهرة الفرس الأبلق فيما بين سائر الأفراس؛ إذا كان الأبلق جائلا من مكان إلى مكان كان أشهر وأظهر.
ويومٍ شراب بينه الرّدى بغيض الحضور إلى الواغل
وكم لك من يوم. وأيام العرب: حروبها. والواغل: الداخل في القوم؛ يشرب من غير دعوة. والهاء في بنيه لليوم.
يقول: كم لك من يوم حرب سقيت فيه أعداءك الموت، حتى كأن الواغل يبغض حضوره، وكان من عادته ألا يبغض ذلك؛ لأنه ليس بيوم شراب في الحقيقة.
تفكّ العناة وتغنى العفاة وتغفر للمذنب الجاهل
يقول: تطلق الأسرى، وتغني العفاة: أي السؤال، بما تعطيهم من الأموال، ومن أذنب إليك بجهل عفوت عنه.
فهنّأك النّصر معطيكه وأرضاه سعيك في الآجل
فاعل هناك معطيكه وفاعل أرضاه سعيك والهاء فيه ترجع إلى المعطى وهو الله تعالى والهاء في معطيكه للنصر.
يقول: هناك الله النصر الذي أعطاك، وأرضى الله سعيك في الآخرة، فأما هذه الدنيا فليس لها قدر يكون ثوابًا لك! وهذا دعاء له.
فذى الدّار أخون من مومسٍ وأخدع من كفّة الحابل
ذي الدار: إشارة إلى الدنيا. والمومس: الفاجرة. والكفة: شرك الصائد. والحابل: صاحب الحبالة.
يقول: هذه الدنيا خبيثة كالمرأة الفاجرة، غدارة لا تدوم لأحد، فهي في الغدر كشرك الصائد الذي يظن الصيد فيه خيرًا، فإذا فيه هلاكه!
تفانى الرّجال على حبّها وما يحصلون على طائل
يقول: إن الرجال تفانوا جميعًا - بقتل بعضهم بعضًا - في حب هذه الدار الغدارة، ثم يتركونها ولا يحصلون منها على فائدة وخير. والطائل: هو الخير.
وقال عند مسيره نحو أخيه ناصر الدولة لنصرته لما قصده معز الدولة أبو الحسن أحمد بن بويه الديلمي إلى الموصل في ذي القعدة سنة سبع وثلاثين وثلاث مئة.
أعلى الممالك ما يبنى على الأسل والطّعن عند محبيّهنّ كالقبل
يقول: أشرف الممالك قدرًا، ما ملك عنوة، وفتح بأطراف الأسنة، وكان الطعن عند من أحب هذه الممالك، أحلى من قبل الأحباب.
وما تقرّ سيوفٌ في ممالكها حتّى تقلقل دهرًا قبل في القلل
أي ما تستقر مملكة سيف الدولة، ولا تستقر سيوف في مملكته، حتى يقلقل أعداءه، وتتحرك سيوفه دهرًا في رءوس الأعداء. ومثله لأبي تمام:
سأجهد عزمي والمطايا فإنّني أرى العفو لا يمتاح إلاّ من الجهد
مثل الأمير بغى أمرًا فقرّبه طول الرّماح وأيدي الخيل والإبل
[ ١ / ٢٢٦ ]
معناه: من مثل الأمير؟ وقيل معناه: لا تستقر المملكة حتى يفعل مثل ما فعله سيف الدولة. فإنه يطلب أمرًا بعيدًا فيقرب هذا الأمر عليه: طول الرماح وخيله وإبله، أي يقصد إليه برماحه وإبله.
وعزمةٌ بعثتها همّةٌ زحلٌ من تحتها بمكان التّرب من زحل
زحل: مبتدأ. والمكان: خبره. والهاء في تحتها: للهمة. وفي بعثتها للعزمة.
يقول: قرب عليه مرامه عزمة بعثتها همة عالية، بحيث زحل نحت هذه الهمة بمكان التراب من زحل! أي أن ما بينها وبين زحل من البعد مثل ما بين زحل والتراب.
على الفرات أعاصيرٌ وفي حلبٍ توحّشٌ لملقّى النّصر مقتبل
الأعاصير: جمع إعصار، وهو غبار الحرب، ورهج الخيل.
يقول: على الفرات غبار الخيل من كثرة الحروب والنزول عليها، وفي حلب توحش بمفارقتها سيف الدولة، وهو ملقى النصر، ملقاه حيث توجه. مقتبل: أي هو في أول شبابه. وقيل: معناه أنه حسن تقبله العيون، وتحبه القلوب.
تتلوا أسنّته الكتب الّتي نفذت ويجعل الخيل أبدالًا من الرّسل
فيه وجهان: أحدهما: أن أسنته تتلوا الكتب الواردة إليه من أخيه ناصر الدولة، فجعل جواب كتبه خروجه إليه بنفسه، وجعل خيله بدل رسله. وهذا مثل قوله: فليته في محفل.
والثاني: أنه إذا كتب إلى الأعداء فأسنته تتبعها، وإنما يكتب إلى أعدائه ليعرفهم أنه متوجه إليهم، حتى لا يكون خروجه اغتيالًا؛ لأن هذا داخل في الشجاعة من أن يقصدهم مفاجأة، لأنه يدل على الجبن والاغتيال، وهذه فائدة كتبه إلى أعدائه.
يلقى الملوك فلا يلقى سوى جزر وما أعدّوا فلا يلقى سوى نفل
جزر: بمعنى مجزور، أي مقطوع. وقيل: هي جمع جزور. أي كأنهم جزر يساقون إليه لينحرهم.
يقول: إنه كلما لقى ملكًا في حرب قتله وغنم أمواله، فهي جزر لسيوفه، وما له غنيمة له ولعسكره.
صان الخليفة بالأبطال مهجته صيانة الذّكر الهنديّ بالخلل
الخلل: جمع الخلة، وهي غاشية جفن السيف. وقيل: هي واحد، وجمعه أخلة. والذكر الهندي: هو السيف. والهاء في مهجته قيل لسيف الدولة ومعناه: أن الخليفة صان مهجة سيف الدولة بما ضم إليه من الجند والفرسان، كما يصان السيف بالخلل.
لما كان للدولة سيفًا جعل الخليفة والأبطال جفنًا، وفيه إشارة إلى أن الاعتماد في الحرب عليه والجند فضلة، كما أن العمل للنصل دون الجفن.
وقيل: الهاء في مهجته للخليفة أي أنه صان نفسه بالأبطال الذين مع سيف الدولة، صيانة السيف بالخلل؛ لأنهم يقاتلون عنه أعداءه مع سيف الدولة فيصونه عن الأعداء.
الفاعل الفعل لم يفعل لشدّته والقائل القول لم يترك ولم يقل
يقول: إنه يفعل أفعالًا تعجز الناس عنها فيتركونها، أو أنهم لم يعرفوا ما يفعله من الأفعال ولم يهتدوا إليها، ويقول أقوالا حاول البلغاء أن يقولوا مثلها فلم يقدروا على ذلك، ولم يأتوا بها على وجهها ولم يتركوها؛ لأنهم تعرضوا لها ولم يستوفوا ما فيها من أنواع الفصاحة، فهي غير مقولة ولا متروكة. ومثله قوله من قصيدة أخرى:
فأنطق واصفيه وأفحما
وقيل معناه: أنه يقول أقوالا لم تعرف فلم تقل، ولم تترك لأنها إذا لم تعرف لا يمكن تركها، لأنه ما لا يعرف، كما لا يفعل، لا يترك.
والباعث الجيش قد غالت عجاجته ضوء النّهار فصار الظّهر كالطّفل
غالت: أي أهلكت. وفاعله العجاجة ومفعوله ضوء النهار والهاء في عجاجته للجيش لفظًا، والطفل: آخر النهار.
يقول: هو الذي يبعث الجيش العظيم الذي يستر غباره الشمس حتى يصير وقت الظهر مثل آخر النهار: وقت المغرب.
الجوّ أضيق ما لاقاه ساطعها ومقلة الشّمس فيه أحير المقل
أضيق قيل: في معنى ضيق. أي أن الجو يضيق بما لاقاه من الغبار. وقيل: هي على أصلها. أي أشد ضيقًا. والهاء في ساطعها للعجاجة وفي لاقاه للجو وفي فيه لساطعها.
يقول: إن أضيق الأشياء - بما يسطع عن غبار هذا الجيش - هو الهواء: الذي هو أوسع الأشياء، وإذا كان الهواء كذلك فما ظنك بغيره؟! وهذا الغبار أيضًا يغطي نور الشمس وقرصها حتى صارت عين الشمس أحير العيون في هذا الغبار، فكيف أحوال سائر العيون؟!
ينال أبعد منها وهي ناظرةٌ فما تقابله إلاّ على وجل
ينال: فعل السيف. والهاء في منها: للشمس، أو لمقلتها.
[ ١ / ٢٢٧ ]
يقول: إنه ينال ما هو أبعد منها. أي أبعد من الشمس. وهي ترى ذلك وتنظر إليه، فما تقابل هذه الشمس سيف الدولة عند طلوعها وفي سائر الأوقات، إلا وهي خائفة من أن يغير عليها.
قد عرّض السّيف دون النّازلات به وظاهر الحزم بين النّفس والغيل
قيل: أراد بالسيف نفسه، والهاء في به: ترجع إلى سيف الدولة.
يقول: جعل سيفه عارضًا بينه وبين النوائب وقد لبس الحزم مظاهرًا. حاجزًا بين نفسه وبين اغتيال عدوه، فحزمه سلاح له كالسيف.
ووكّل الظنّ بالأسرار فانكشفت له ضمائر أهل السّهل والجبل
الهاء في له ترجع إلى سيف الدولة، وقيل: إلى الظن.
يقول: وكل ظنه بضمائر الناس، فظهرت له ضمائر أهل السهل والجبل.
هو الشّجاع يعدّ البخل من جبنٍ وهو الجواد يعدّ الجبن من بخل
يقول: إنه يتجنب من البخل، كما يتجنب الشجاع من الجبن، ويتجنب من الجبن، كما يتجنب الجواد من البخل، فأجرى البخل مجرى الجبن. فشجاعته تريه أن البخل من جملة الجبن؛ لأن البخيل يبخل بماله خوف الفقر، فهو جبن. وجوده يريه أن الجبن بخل بالنفس فشجاعته تمنعه من البخل، وجوده يمنعه من الجبن.
يعود من كلّ فتحٍ غير مفتخرٍ وقد أغذّ إليه غير محتفل
أغذ إليه: أي أسرع إليه في السير. والاحتفال: التأهب.
يقول: إنه يفتح البلاد ويعود، ولا يفتخر بما فعل ولا يعتد به؛ لأنه يستصغر ما يفعله، ويسير إلى الأعداء مسرعًا غير مبال بهم ولا مستعد لهم فيهزمهم.
ولا يجير عليه الدّهر بغيته ولا يحصّن درعٌ مهجة البطل
البغية: الطلبة، وهي المطلوب، ولا يجير: أي لا يعيب.
يقول: إنه الدهر لا يمنعه مراده، والدرع لا يحفظ منه مهجة الشجاع إذا أراد قتله.
إذا خلعت على عرضٍ له حللًا وجدتها منه في أبهى من الحلل
أراد بالحلل: القصائد.
يقول: كسوته مدائح من شعري، لأجمله بحسن ذكره في الآفاق، فاكتسبت منه مدائحي جمالًا، ولبست من عرضه حللًا وكمالا، فصار هو الذي ينشر شعري. ومثل هذا قول كثير:
وإذا الدّرّ زان حسن وجوه كان للدّرّ حسن وجهك زينا
بذى الغباوة من إنشادها ضررٌ كما تضرّ رياح الورد بالجعل
يقول: إن الجاهل عن إدراكه وإدراك معناه، لا يعيب في شعري، بل هو على أبلغ وجوه الإحكام والجودة، وكما أن الجعل إذا شم ريح الورد غشى عليه وليس ذلك لنقص الورد، بل هو لخبث نفس الجعل ولؤم طبعه. ووجه ضررها بالغبي أنها تهتك ستر جهله، وتدل على بلادة فهمه، كما يظهر الورد لؤم طبع الجعل والهاء في إنشادها للحلل.
لقد رأت كلّ عينٍ منك مالئها وجرّبت خير سيفٍ خيرة الدّول
الهاء في مالئها للعين. والخيرة وإن كانت أفعل التفضيل، وهو لا يدخله الهاء، فإنها إنما حذفت منه الألف لحقت بغيرها فيقال: زيد خير الناس وهند خيرة النساء.
يقول: كل عين نظرت إليك ملأها حسنك وهيبتك، ولما كنت سيفًا كان مجربه: الذي هو الدولة. خيرة الدول.
فما تكشّفك الأعداء عن مللٍ من الحروب ولا الآراء عن زلل
يقول: إن الأعداء جرّبوك، فوجدوك لا تمل حروبهم، وكذلك لا تكشفك الآراء عن زلل؛ لأن رأيك لا يكون خطأ أبدًا.
وكم رجالٍ بلا أرضٍ لكثرتهم تركت جمعهم أرضًا بلا رجل
يقول: كم رجال من الأعداء ضاقت الأرض بهم لكثرتهم، فأفنيتهم، حتى صارت ديارهم خالية ليس فيها رجل.
ما زال طرفك يجري في دمائهم حتّى مشى بك مشي الشّارب الثّمل
يقول: قد أجريت دماءهم، وأكثرت من قتلهم، حتى كأن فرسك يتعثر فيهم؛ لكثرة جيفهم، ويتمايل بك كما يتمايل السكران الثمل.
يا من يسير وحكم النّاظرين له فيما يراه وحكم القلب في الجذل
الجذل: السرور.
يقول: إن الأرض كلها له، فحيثما سار يرى سرورًا، وهو مأخوذ من قوله تعالى: " وَفِيهَا مَا تَشْتَهيِه الأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ ".
إنّ السّعادة فيما أنت فاعله وفقت مرتحلًا أو غير مرتحل
يقول: كل ما فعلته مقرون بالسعادة والتوفيق، سواء ارتحلت أو أقمت. وقيل: إنه دعاء له بالتوفيق على كل حال.
أجر الجياد على ما كنت مجريها وخذ بنفسك في أخلاقك الأول
[ ١ / ٢٢٨ ]
عن ابن جني قال: سألت المتنبي عن هذا فقال: كان سيف الدولة ترك الركوب مدة لعلة أصابته، فحركته بهذا، فعلى هذا: البيت الأول بيت لهذا المعنى.
يعني أنك موفق الرأي فيما تفعله، ولكن الرأي أن ترجع إلى أمرك الأول من الغزو والقتال.
ينظرن من مقلٍ أدمى أحجّتها قرع الفوارس بالعسّالة الذّبل
الأحجة: جمع الحجاج، وهو العظم الذي فوق العين، وفاعل أدمى: قرع الفوارس. ومفعوله: أحجتها. وقرع: قيل مضاف إلى المفعول، ومعناه: قرعك الفوارس. أي أن خيلك ينظرن من عيون قد أدماها قرعك الفوارس بالعسالة: بالرماح اللينة الكثيرة الاضطراب؛ لأنها إذا شرعت للطعن يكون مرها على قرب الحجاج من الفرس. يعني أنها معودة للقتال. وقيل: إنه مضاف إلى الفاعل. أي أن خيلك قد أدمى عيونها طعن الفرسان إياها؛ لأنها تكون مقدمة لا تولى، فالطعن إنما يقع على وجهها.
فلا هجمت بها إلاّ على ظفرٍ ولا وصلت بها إلاّ إلى أمل
دعاء له بالظفر. يقول: كلما ركبت خيلك وصلت إلى ما ترجوه، وظفرت بما تطلبه والهاء في بها للخيل.
وقال يمدحه ويعتذر عن المسير معه وقد سأله السير معه في الطريق، لما سار لنصرة أخيه ناصر الدولي سنة ٣٣٧:
سر حلّ حيث تحلّه النّوّار وأراد فيك مرادك المقدار
النور والنوار واحد. ويجوز أن يكون النوار: جمع نور. وحل: قيل: دعاء بلفظ الخبر، ومعناه: سر، حل النوار حيث تحله.
والمقصود: سقاك الله الغيث حيث حللت حتى يحل هناك النوار.
وقيل: إنه خبر على الحقيقة، ومعناه: أنه جعل سقيًا. فيقول له: أنت السحاب فإذا حللت ببلد يحصل منك السقى، فيحصل بك النور والزهر.
وأما الصراع الثاني فأولى فيه حمله على الدعاء: معناه أن الأقدار ساعدتك على مرادك، وأرادت كما تريد أنت.
ويجوز حمل المصراع الثاني على الخبر: أي أن الأقدار، لا تريد إلا ما تريد أنت. وفاعل حل: النوار. وفاعل أراد: المقدار.
وإذا ارتحلت فشيّعتك سلامةٌ حيث اتّجهت وديمةٌ مدرار
توجهت: بمعنى اتجهت. والديمة. مطر يدوم أيامًا في سكون ريح ورعد. ومدرار: قيل متصل المطر. وشيعتك: دعاء، ومعناه حيث قصدت صاحبتك السلامة، وديمة غزيرة تسقي محلك، وتخضب منزلك.
وصدرت أغنم صادرٍ عن موردٍ مرفوعةً لقدومك الأبصار
وهذا البيت أيضًا دعاء. وقوله: مرفوعة لقدومك الأبصار: إشارة إلى ما يحصل من السرور، لأن الأبصار إنما ترفع عند ذلك.
يقول: إذا رجعت من مقصدك رجعت غانمًا قد شخصت الأبصار إليك وقوله: أغنم ومرفوعة: نصب على الحال.
وأراك دهرك ما تحاول في العدا حتّى كأن صروفه أنصار
يقول داعيًا له: أراك دهرك من أعدائك ما تريده منهم، حتى تكون صروف الدهر أنصارًا لك، ومن جملة أوليائك.
أنت الذي بجح الزّمان بذكره وتزيّنت بحديثه الأسمار
بجح: أي افتخر. يقول: إن الزمان يفتخر بذكرك؛ لأن له فضلًا على سائر الأزمنة المتقدمة.
وقيل: أراد بالزمان أهله، والأسمار إذا تضمنت حديثك وحديث وقائعك تزينت، إذ فيها من العجائب أكثر مما في الأحاديث الموضوعة.
وإذا تنكّر فالفناء عقابه وإذا عفا فعطاؤه الأعمار
وله وإن وهب الملوك مواهبٌ درّ الملوك لدرّها أغبار
الدر: أول ما ينزل من اللبن الكثير. والأغبار: جمع الغبر، وهو البقية بعد الحلب. والهاء في لدرها للمواهب.
يقول: إن عطايا الملوك في جنب إعطائك كالأغبار. يعني أن أقل مواهبك أعظم من مواهب سائر الملوك.
وقيل معناه: أن عطايا الملوك هي بقايا عطاياه، ومعناه أنه أفضل منهم وهم دونه ومحتاجون إليه، وإن صلاتهم من صلاته.
لله قلبك! ما تخاف من الرّدى وتخاف أن يدنوا إليك العار
لله قلبك: أي ما أعجب أمرك! وأعظم أمر قلبك! لما فيه من القوة والشجاعة والهمة التي لا تخاف معها الهلاك! ومع ذلك فأنت تخاف من أن يدنوا إليك العار.
وقيل: ألف الاستفهام محذوفة في الموضعين ومعناه: أما تخاف من الردى؟! وأتخاف من العار؟! وهو دون الردى في الصورة.
وتحيد عن طبع الخلائق كلّه ويحيد عنك الجحفل الجرّار
الطبع: قيل هو الدرن. والخلائق الأخلاق ومعناه أنك تميل عن دنس الأخلاق ودنس الطباع.
[ ١ / ٢٢٩ ]
وقيل الطبع: الخلق. والخلائق: البشر. أي أنك تميل وتكره أخلاق جميع الناس. والجحفل: العسكر. الجرار: الذي يجر نفسه أي بعضه بعضًا، وقيل: الذي يجر الرماح.
يقول: إنك تتجنب أخلاق الناس، أو دنىء الأخلاق، مع أن العسكر العظيم إذا أتبعته مال عنك.
يا من يعزّ على الأعزّة جاره ويذلّ في سطواته الجبّار
الأعزة: قيل هي أولاده وسائر من يعز عليه. ومعناه أن جاره المستجير به يكون أفضل في جواره من أعزته. وقيل أراد بالأعزة الملوك أي أن جاره عزيز، له فضل على سائر الملوك، والأعزة، فلا يمكن لأحد من الملوك ضيمه، ويذل الملك الجبار بسطوته. وعدوه. ذليل لفضل قوته.
كن حيث شئت فما تحول تنوفةٌ دون اللّقاء ولا يشطّ مزار
التنوفة: المفازة البعيدة الأطراف. وتحول: أي تمنع. ولا يشط: أي لا يبعد. والمزار: يجوز أن يكون كالزيارة، ويجوز أن يكون اسمًا لمكان الزيارة.
يقول: كن في أي موضع شئت فما يحول بيني وبين قصدك، وبين من يقصدك لمعروفك مفازة بعيدة، ولا يبعد على من يقصدك مستميحًا ومثله:
من عالج الشّوق لم يستبعد الدّار
وله:
كن كيف شئت تسر إليك ركابنا
وبدون ما أنا من ودادك مضمرٌ ينضى المطيّ ويقرب المستار
المستار: بمعنى المسير، وهو مفتعل منه، ويجوز أن يكون اسمًا لمكان السير.
يقول: ما أضمره لك من المودة والحرص على اللحاق بك - ومن ود إنسانًا بعض ما أودك - فإنه يهز المطيّ في اللحوق بك، ويقرب عليه المسير والمسافة البعيدة.
إنّ الّذي خلّفت خلفي ضائعٌ ما لي علي قلقي إليه خيار
يقول: لولا أهلي الذين خلفتهم ورائي، لصحبتك، ولكنهم إن رغبت عنهم ضاعوا، فقلقي إليهم شغل قلبي بهم، فمنعني من اختياري وإيثار صحبتك عليهم.
وقيل أراد بالقلق الاضطرار أي أني مضطر إلى الرجوع إلى أهلي ومالي مع هذا اختيار.
وإذا صحبت فكلّ ماءٍ مشربٌ لولا العيال وكلّ أرضٍ دار
يقول: لولا العيال، لما كان شيء عندي أطيب من مصاحبتك؛ لأني إذا صحبتك فكل ماء مشرب. أي طيب زلال، وكل بلد يكون دارًا لي؛ لأن كل راحة معك وكل عيش يتهيأ بك وبصحبتك. ومثله قول الآخر:
إذن الأمير بأن أعود إليهم صلةٌ تسير بشكرها الأشعار
وماهي إلا بلدة مثل بلدة وخيرهما ما كان عونًا على الزمن
يقول: إن أذن الأمير بالعودة إلى أهلي عددت ذلك صلة من صلاته، أشكره عليها، وأسير الأشعار بذكرها. وفيه تنبيه على أن الوقت وقت الصلة وعلى التحقيق أن سيف الدولة قدر رضى بالإذن من غير اقتران صلة.
وقال يرثى عبد الله بن سيف الدولة بحلب وقد توفى بميافارقين سنة ٣٣٨ قال:
بنا منك، فوق الرّمل، ما بك في الرّمل وهذا الّذي يضني كذاك الّذي يبلي
الرمل ها هنا: الأرض والتراب. والضنا: طول المرض، والاضناء: الإمراض. وقوله منك أراد من الغم عليك، فحذف المضاف.
يقول: تحت التراب تبلى ونحن فوقه نضنى، فبنا من الغم عليك فوق الأرض من طول الضنا، مثل ما بك تحتها من طول البلى، فهذا الحزن الذي بنا يضنينا ويهزلنا، مثل الموت الذي يبلى جسدك ويفرق أوصالك، فنحن أموات في صورة الأحياء.
كأنّك أبصرت الّذي بي وخفته إذا عشت فاخترت الحمام على الثّكل
الثكل: فقد المحبوب! يخاطب الولد على لسان سيف الدولة فيقول: كأنك أبصرت قبل موتك ما بي الآن من الحزن عليك، فرأيته أشد من الموت! وخفت أنك إن عشت تبتلى بثكل ولد كما ابتليت أنا بثكلك! ويصيبك من ألم الحزن مثل ما أصابني، فاخترت الموت على الثكل.
تركت خدود الغانيات وفوقها دموعٌ تذيب الحسن في الأعين النّجل
يقول: تركت النساء الغانيات يبكين عليك، حتى قرحت أجفانهن وذهب حسن عيونهن، وإنما اختار لفظ الإذابة، لأن حسن العيون لما كان كأنه يذهب بالبكاء على تدرج الأيام، ولم يذهب دفعة واحدة كان لفظ الإذابة أبلغ من قوله تزيل الحسن أو تذهب الحسن.
وقيل: إنما قال تذيب؛ لأن الذوب في معنى السيلان، والدمع سائل، فكما أن الحسن سال مع الكحل، فيزول حسن الكحل ويبقى حسن الكحل، وكأن الحسن قد ذاب ونقص.
تبلّ الثّرى سودًا من المسك وحده وقد قطرت حمرًا على الشّعر الجثل
[ ١ / ٢٣٠ ]
تبل أي من الدموع. والشعر الجثل: الكثير المجتمع. والهاء في وحده يرجع إلى المسك.
معناه: أن دموعهن كانت تقطر من أجفانهن حمرًا؛ لامتزاجها بالدم، فإذا سقطت على شعورهن الكثيرة المنتشرة، لأجل المصيبة، المسترسلة على خدودهن، خالطها ما في شعورهن من المسك، فاسودت، فوصلت إلى الترب سوداء من المسك.
وقوله: من المسك وحده فيه وجوه.
قيل: معناه أن سواد دموعهن ليس لأجل الكحل، لأنهن مستغنيات عن التكحل بالكحل، فليس ذلك السواد إلا لأجل المسك فقط.
والثاني: أنهن يستعملن الكحل لأجل المصيبة، فاسودت دموعهن بالمسك الذي استعملته قبل المصيبة وكان قد بقيت رائحتها وأجزاؤها على شعورهن.
والثالث: أنه إشارة إلى أنهن من بنات الملوك، فلم يستعملن من الطيب إلا المسك الخالص، دون ما يخلط به من أنواع الطيب.
فإن تك في قبر فإنّك في الحشا وإن تك طفلًا فالأسى ليس بالطّفل
يقول: إن مت، ودفنت في القبر، فقلوبنا معمورة بذكرك، وأحشاؤنا محترقة بحزنك! فكأنك حال في قلوبنا، وإن كنت طفلا، فإن حزننا عظيم عليك!
ومثلك لا يبكي على قدر سنّه ولكن على قدر المخيلة والأصل
المخيلة: الفراسة، وقيل: العلامة، وأصله في السحاب الذي يطمع منه المطر.
يقول: ليس نبكي عليك على مقدار سنك، ولكن على مقدار أصلك، وكرم منصبك وعلى ما يتفرس منك من الخصال الحميدة، وما كنا نتوقعه منك من الملك.
ألست من القوم الألى من رماحهم نداهم ومن قتلاهم مهجة البخل؟
ألست: استفهام، ومعناه التقرير. والألى: بمعنى الذين. وروى: من القوم الذي. ورده إلى لفظ القوم. وقيل: أراد الذين، فحذف النون.
قيل: في هذا البيت معنيان: أحدهما: ما قال ابن جني ومعناه: ألست من القوم الذين يقتلون البخل بنداهم؟ فكأن نداهم من جملة رماحهم، يطعنون به في مهجة البخل. وعلى هذا روى من رماحهم نداهم.
والثاني: أن سخاءهم؛ لأنهم يغيرون برماحهم على أعدائهم، ويغنمون أموالهم ويهبون منها المواهب. ثم استأنف معنى وقال: البخل من جملة قتلاهم. يعني: أنهم يهبون المواهب العظيمة حتى يكون البخلاء أسخياء، فلا يكون في الدنيا بخيل ولا بخيلة.
بمولودهم صمت اللّسان كغيره ولكنّ في أعطافه منطق الفضل
روى: منطق الفضل، والفصل. بالضاد والصاد: وهو الكلام الفاصل بين الحق والباطل.
يقول: مولودهم لا يتكلم في المهد، كسائر الأطفال، ولكن دلائل الفضل ناطقة من أعطافه! ومخايل النجابة موجودة في شمائله، فكأنها مقام النطق.
تسلّيهم علياؤهم عن مصابهم ويشغلهم كسب الثّناء عن الشّغل
يقول: إذا أصابتهم مصيبة فإن علياءهم وسلامتها، تسليهم عن المصيبة، ويشغلهم اكتساب الثناء عن كل شغل سواه.
أقلّ بلاءً بالرّزايا من القنا وأقدم بين الجحفلين من النّبل
أقل بلاء: أي أقل مبالاة، وأقدم: من قدم يقدم إذا سبق، وفي القرآن: يقدم قومه وإن كان من أقدم فعلى حذف الزوايد.
يقول: إنهم أقل مبالاة بالمصائب من الرماح التي لا يتصور فيها المبالاة، ولا تخشى من الكسر، وإنهم أشد تقدما بين الجيشين من السهام التي هي أسبق الأسلحة.
عزاءك سيف الدّولة المقتدى به فإنّك نصلٌ والشّدائد للنّصل
عزاءك: نصب على الإغراء أي الزم عزاءك، والمقتدى به: نعت لسيف الدولة يعني يا سيف الدولة الذي يقتدى به. وقيل: نعت للعزاء المقتدى به.
يقول: أنت قدوة لنا في صبر أو جزع، فالزم صبرك، فإن سيف الدولة من شأنه ملاقاة الشدائد، وقلة المبالاة بالضرب والثلم، وترك الجزع عند لقاء الكرائه.
مقيمٌ من الهيجاء في كلّ منزلٍ كأنّك من كلّ الصّوارم في أهل
المقيم: ضد المسافر.
يقول: إنك مقيم في حروب، في كل منزل، فكل حرب كأنها منزلك! وكأنها عشائرك وأهلك؛ لأنك سيف والسيوف منازلها الحروب، وعشائرها السيوف، فأنت أبدًا في دارك، وبين قومك. وقيل: معناه أنك من قلة مبالاتك بالحروب كأنها منزلك، وكأن السيوف أهلك، حيث تسكن إليها سكون الرجل إلى أهله؛ لأنها تحيد عنك ولا تعمل فيك بل تعمل في أعدائك.
ولم أر أعصى منك للحزن عبرةً وأثبت عقلًا والقلوب بلا عقل
[ ١ / ٢٣١ ]
يقول: ما رأيت إنسانًا أصبر على المصائب منك! وأعصى عند الحزن عبرة منك، ولا أثبت عقلا عند شدة؛ لأنه أبدًا ثابت لا يعتريه الطيش والخفة.
تخون المنايا عهده في سليله وتنصره بين الفوارس والرّجل
السليل: الولد.
يقول: إن المنية عاهدته على أن تنصره في الحروب، ثم تخون عهده في ولده، فكيف تجمع بين الإحسان والإساءة؟! لولا تقلب أحواله!!
ويبقى على مرّ الحوادث صبره ويبدو كما يبدو الفرند على الصّقل
الفرند: ماء السيف، وجوهره.
يقول: إن الحوادث تظهر صبره، وكرم أصله، كما يظهر الصقل جوهر السيف ورونقه.
ومن كان ذا نفسٍ كنفسك حرةٍ ففيه لها مغنٍ وفيها له مسلى
حرة: صفة لنفس، والتذكير: لمن والتأنيث: للنفس.
يقول: من كانت له نفس حرة مثل نفسك، ففيه ما يغنى نفسه عن تعزية غيره عليه، وعن كل شيء، وفي نفسه ما يسليه عما يجده من الهموم والمصائب.
وما الموت إلا سارقٌ دقّ شخصه يصول بلا كفٍ ويسعى بلا رجل
يقول: لا عيب لك، فالموت. كالسارق الذي دق شخصه دقة، ليس له يد ولا رجل، ولو كان أراد أن يجاهرك وظهر شخصه لم يقدر على غضبك، وقيل: معناه أن السارق يستحق القطع، والموت ليس له محل القطع من اليد والرجل.
يردّ أبو الشّبل الخميس عن ابنه ويسلمه عند الولادة للنّمل
أبو الشبل: الأسد، والشبل ولده. ويقال: إن ولد الأسد يجتمع عليه النمل - ما لم ينبت عليه الشعر - فيقتله، ولهذا لا تلد الأسدة إلا في ثجة؛ هربًا من ذلك.
فيقول: مثلك ومثل الموت، كمثل الأسد والنمل، فإنه يدفع الجيش عن ولده، ولا يقدر أن يمنعه من النمل، وليس ذلك لعجز الأسد، ولكن لقلة قدر النمل ودقة شخصه، وكذلك أنت، لو ظهر لك الموت لمنعته، ولكنه يأتي من حيث لا يراه أحد، ولا يدل ذلك على عدم شجاعتك.
بنفسي وليدٌ عاد من بعد حمله إلى بطن أم لا تطرّق بالحمل
طرقت المرأة بالولد: إذا نشب فيها، ثم يتسع فيقال: طرقت: أي ولدت.
يقول: نفسي فداء لهذا المولود الذي انفصل عن بطن أمه إلى بطن أم ليست كالأمهات في الولادة، أي أنا ليست بأم على الحقيقة. وقيل: معناه عاد إلى بطن أم لا تلد أبدًا، يعني أنه لا يخرج منها، فكأنه يقول: لقصر أيامه كأنه انتقل من بطن أمه إلى القبر.
بدا وله وعد السّحابة بالرّوى وصدّ وفينا غلّة البلد المحل
الروى بالفتحة على المصدر من روى يروي روى، وبالكسر هو الماء الكثير.
يقول: كانت مخايله تعدنا بجوده وأفضاله، كما تعدنا السحابة بالغيث، فمضى عنا وخيب آمالنا. شبهه بسحابة نشأت على بلد خرب ثم أقلعت! من غير شيء.
وقد مدّت الخيل العتاق عيونها إلى وقت تبديل الرّكاب من النّعل
يقول: كانت الخيل تنتظر كبره، لتتشرف بركوبه إياها، وبتنقله رجله إلى الركاب.
وريع له جيش العدوّ وما مشى وجاشت له الحرب الضّروس وما تغلى
ريع: أفزع. وروى: جاش العدو: أي قلبه، وجيش العدو، وجاش: أي هاج وارتفع. والضروس: الشديد.
يقول: إن أعداء أبيه خافوا منه وهو بعد في المهد لم يمش! وهاجت له الحروب الشديدة وارتفعت قبل غليانها، وروى وما يقلى من قليت بالقلة أقلى بها، وقلوت أقلو يعني أنهم خافوه قبل أن يبلغ إلى أن يقلى بالقلة.
أيفطمه التّوراب قبل فطامه ويأكله قبل البلوغ إلى الأكل
التوراب: لغة في التراب. قال الأصمعي: التراب والتوراب، والتيرب والتورب، والترباء كل ذلك بمعنى.
يقول: فطمه التراب قبل أوان فطامه! وأكله التراب قبل وقت أكله! يقول ذلك على معنى الإنكار والتأسف.
وقبل يرى من جوده ما رأيته ويسمع فيه ما سمع من العذل
قبل: مضاف إلى يرى. وإنما جاز إضافة الظرف إلى الفعل لقلة تمكنها. وفي القرآن: " يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُل "، " يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ ". وقيل: إن فيه إضمار أن وتقديره: وقبل أن يرى. فيكون في معنى المصدر: أي وقبل رؤيته، فتجرى الإضافة على بابها. فعلى هذا يجوز. في يسمع الرفع، والنصب.
يقول: كيف جآءت قبل أن يرى من جوده ما رأيته من جودك؟! من قصد العفاة، وعذل العذال، فيه ما رأيت وسمعت.
[ ١ / ٢٣٢ ]
ويلقى كما تلقى من السلم والوغى ويمسى كما تمسى مليكًا بلا مثل
معناه: أكله التراب قبل أن يلقى من الصلح والوغى مثل ما نلقى، وكذلك قبل أن يسمى مليكًا بلا مثل، كما أنت تسمى كذلك الآن.
تولّيه أوساط البلاد رماحه وتمنعه أطرافهنّ من العزل
فاعل توليه: رماحه، ومفعوله الأول الهاء من توليه، والثاني أوساط البلاد.
يقول: مات قبل أن توليه أطراف الرماح أوساط البلاد والممالك، وتمنعه أطراف الرماح من العزل. طابق بين أوساط البلاد، وأطراف الرماح، وبين الولاية، والعزل.
نبكّى لموتانا على غر رغبةٍ تفوت من الدّنيا ولا موهبٍ جزل
يقول: نبكي على من مات منا، ولم يفته من هذه الدنيا حظ له خطر يوجب الأسف على مفارقته.
إذا ما تأمّلت الزّمان وصرفه تيقّنت أنّ الموت ضربٌ من القتل
يقول: إذا تأملت أحوال الزمان، رأيت أنه عدو للإنسان، فلذا يحاربه، فإذا مات الإنسان فكأن الزمان قتله وظفر به.
وقيل: معناه أن الموت كله قتل! وأسبابه مختلفة، فلاختلاف الأسباب اختلفت تسميته، فبعضه يسمى قتلًا، وبعضه موتًا: وهو ما كان على الفراش.
هل الولد المحبوب إلاّ تعلّة وهل خلوة الحسناء إلا أذى البعل؟
التعلة: ما يعلل به الإنسان.
يقول: السرور بالولد ليس شيئًا يدوم، وإنما هو شيء يعلل به المرء نفسه ثم ينقطع! فإن الخلة بالمرأة الحسناء ليس إلا أذى البعل، من حيث يؤدي إلى أذى شديد؛ لأن غم موت الولد أكثر من السرور بهذه اللذة، فسمى تلك الخلوة بأسرها أذى لما يؤدي إليها.
وقيل: معناه أن الذى فيها أكثر من حيث المؤن والكلف والغيرة عليها، والاشتغال بذلك يمنع من اكتساب المجد والأجر، فإذا كان هاتان اللذتان لا حقيقة لهما، فما سواهما أولى بذلك.
وقد ذقت حلواء البنين على الصّبا فلا تحسبنّي قلت ما قلت عن جهل
الحلواء: الحلاوة.
يقول: قد ولدت في حداثة سني، وجربت حلاوة الأولاد فلا تظنن أني قلت ذلك عن جهل.
وما تسع الأزمان علمي بأمرها وما تحسن الأيّام تكتب ما أملي
يقول: علمي بالدهر أكثر من أحواله، فأزمانه لا تسع علمي بما أعلمه منه، ولو أمليت ما أعلم من أحوالها لم تحسن أن تكتبه.
وما الدّهر أهلٌ أن يؤمّل عنده حياةٌ وأن يشتاق فيه إلى النّسل
يقول: الدهر ليس بأهل أن يؤمل عنده حياة؛ لقلة وفائه! وليس بأهل أن يشتاق فيه إلى الولد.
وقال يمدحه ارتجالا، وقد سئل عن وصف فرس يهديه إليه.
موقع الخيل من نداك طفيف ولو أنّ الجياد فيها ألوف
الطفيف: اليسير الحقير.
يقول: الخيل عند جودك لا قدر لها، ولو وهبت منها ألوفا لاستقللتها، ولم تعتد بها.
ومن اللفظ لقطةٌ تجمع الوص ف وذاك المطهّم المعروف
الفرس المطهم: هو الحسن التام الخلق، الذي كل عضو منه حسن على انفراده.
يقول: من الألفاظ لفظ يجمع جميع الأوصاف، وهو المطهم المعروف. أتى بوصفه على وجه الإجمال، فجمع الوصف في أقل الألفاظ وأوجزها، ولم يذكر الوصف على سبيل التفصيل.
ما لنا في النّدى عليك اختيارٌ كلّ ما يمنح الشّريف شريف
يقول: ما لنا في الندى اختيار: أي ليس الاختيار في ذلك إلينا فأنت كريم، وكل ما تمنحه شريف مثلك.
وقال يمدحه وقد خيره بين فرسين: دهماء وكميت:
اخترت دهماء تين يا مطر ومن له في الفضائل الخير
دهماء: مضاف إلى تين أي: دهماء هاتين.
يقول: اخترت الدهماء من هاتين الفرسين، وسماه مطرا على المبالغة في الجود. أي يا من له في الفضائل الاختيار. والخير: جمع خيرة.
وربّما فالت العيون وقد يصدق فيها ويكذب النّظر
فالت: أي أخطأت وضعفت، والهاء في فيها للدهماء المختار، أو لجملة الخيل.
يقول: أنا اخترت منها هذه الدهماء؛ لأنها أحسن في عيني، وربما لم تكن كذلك بل غيرها خير منها؛ فإن العين ربما كذبت في النظر، وربما صدقت، وقد قلت ما رأيت.
أنت الّذي لو يعاب في ملإٍ ما عيب إلاّ بأنّه بشر
الملأ: جماعة الأشراف، والسادة.
يقول: لو عابك عائب فيما بين الملأ، لم يجد لك عيبًا إلا كونك من البشر، ومعناه لا عيب فيك؛ لأن هذا ليس بعيب.
[ ١ / ٢٣٣ ]
وأنّ إعطاءه الصّوارم والخي ل وسمر الرّماح والعكر
العكر: جمع عكرة: وهي ما بين الخمسين إلى المئة من الإبل.
يقول: لو عابك عائب ما وجد فيك عيبا! إلا كونك من البشر، وأنك تعطى السيوف، والخيل، والرماح، والإبل الكثيرة. وهذا ليس مما يعاب. ومثله قول الآخر:
ولا عيب في أخلاقه غير أنّه جوادٌ فما يبقى من المال باقيا
فاضح أعدائه كأنّهم له يقلّون كلّما كثروا
يقول: يفضح أعداءه بالقهر، وإظهار عجزهم، وكلما اجتمعوا عليه كان على كسرهم أقدر، فكأنهم عند كثرتهم يقلون له، وكأن كثرتهم سبب قلتهم.
وقيل: معناه أنهم كلما كثروا وازدادوا فضلًا، إذا قيسوا به صاروا إلى الإضافة إليه في حد القلة، وصار فاضحًا لهم.
أعاذك الله من سهامهم ومخطئٌ من رميّه القمر
وقال يشكره وقد أمر سيف الدولة بإنفاد خلع إليه:
فعلت بنا فعل السّماء بأرضه خلع الأمير وحقّه لم نقضه
الهاء في أرضه للسماء، ذكره لأنه أراد السقف، وقيل: أراد به المطر.
وقيل: إنه كناية الأمير، فأضمره قبل الذكر، كقوله تعالى: " فَإنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَار ".
يقول: إن خلع الأمير قد زينتنا وكستنا بأنواع الوشى، كما يكسو المطر، الأرض، ويزينها بأنواع الأنوار، وألوان الأزهار، ونحن لم نقض حق الأمير من الخدمة، ولم أقدر على أن أمدحه بما يليق بأوصافه، لقصور المدائح عن أوصافه.
فكأنّ صحّة نسجها من لفظه وكأنّ حسن نقائها من عرضه
شبه صحة نسج هذه الخلع بصحة معاني الممدوح في لفظه، وشبه نقاءها من الدنس بعرضه. والعرض: يمدح به الرجل، أو يذم.
وإذا وكلت إلى كريمٍ رأيه في الجود بان مذيقه من محضه
المذيق: المشوب. والمحض: الخالص.
يقول: إذا جعلت إلى كريم رأيه، وفوضته إليه، في الجود والكرم، ظهر لك الخالص من المشوب، والطبيعي من التكلفي.
وقال يمدح سيف الدولة:
لا الحلم جاد به ولا بمثاله لولا ادكار وداعه وزياله
الزيال: المزايلة: وهي المفارقة. وقيل: هو الزوال. يقال: زال زوالا وزيالًا. والكناية في به ومثاله ووداعه وزياله للخيال. وقيل: إن الكنايات ترجع إلى الحبيب. والمثال: مثال الحبيب.
يقول: إن النوم لم يسمح لي برؤية هذا الحبيب، ولا أهدي النوم إلي مثاله: أي خياله، لولا أني أطلت الفكرة بذكر وداعه ومفارقته، فرأيت في النوم ما كان هاجسًا في خاطري، من ذكره وذكر وداعه.
فإن كان الضمير للكناية، فمعناه لولا تذكري لوداعه ليلًا ونهارًا، لكان النوم لا يسمح لي بهذا الخيال، لا مثال الخيال! يشبه قول الطائي:
زار الخيال لها بل أزاركه فكرٌ إذا نام فكر القوم لم ينم
ومثله لآخر:
وما زال حتّى سهّل الشّوق طرقه وقاد إليه ناظر العين مركبا
إنّ المعيد لنا المنام خياله كانت إعادته خيال خياله
له معان: أحدها: أن ما أرانا المنام من خيال الحبيب - عودًا على بدء - ليس خياله، بل كان خيال خياله؛ لأن النوم أرانا أولا: خياله بعد الفراق؛ فأنبهنا، وفي نفوسنا طيب ذلك الخيال، فلما أردنا النوم ثانيًا: كان خيال الخيال الذي أراناه قبل ذلك، فالأول خيال الحبيب والثاني خيال ذلك الخيال.
والثاني: أنا كنا تذكرناه بعد فراقه، وأدناه في عيوننا، فكأنه لم يغب عنا، فما رأيناه في النوم خيال ذلك الخيال الذي كنا نراه بالفكر والوهم.
والثالث: أن لقاء الحبيب صار خيالا لبعد العهد، وتطاول الأيام على هجره، فلما رأيته في المنام فكأني رأيت خيال خياله؛ لأن صورته كانت لنا كالخيال؛ لزوال الانتفاع، كما لا ينتفع بالخيال.
بتنا يناولنا المدام بكفّه من ليس يخطر أن نراه بباله
الهاء في نراه وبباله لمن وهو الخيال.
يقول: رأيت في النوم كأني أشرب المدام من كف حبيب، ليس يخطر على باله أن نراه؛ لبعده عني وقلة تفكره في، وخلو قلبه عن ذكرى، فضلا من أن يسقيني المدام بكفه.
نجني الكواكب من قلائد جيده وننال عين الشّمس من خلخاله
أراد بالكواكب: الدر الذي في العقود. وشبهه بالكواكب في الحسن والصفاء، وشبه الخلخال بعين الشمس؛ لما عليه من الحمرة والاستدارة.
[ ١ / ٢٣٤ ]
وقيل: أراد بذلك بعد التناول، فكنت إذا أجلت يدي بين قلائده فكأني نلت الكواكب! وإذا لمست موضع خلخاله فكأني لمست عين الشمس؛ لتعذر الوصول.
بنتم عن العين القريحة فيكم وسكنتم طيّ الفؤاد الواله
الهاء في الواله أصلية، وقد استعملها وصلا، وهو جائز. وقد جاء مثله في الشعر. الواله: المتحير الذاهب العقل.
يقول: بعدتم عن عيني القريحة بالبكاء عليكم، ونزلتم وسط القلب المتحير لفراقكم، فإن لم أركم بعيني رأيتكم بقلبي وخاطري.
فدنوتم ودنوّكم من عنده وسمحتم وسماحكم من ماله
الها في عنده وماله للفؤاد، كأن الدنو من قلبي؛ لأنه هو الذي أدناكم مني، وسمحتم علي بالوصال والزيارة، وكأن هذا السماح من مال قلبي؛ إذ لولا تفكره لما زرتموني، وذكر المال لما ذكر السماحة.
إنّي لأبغض طيف من أحببته إذ كان يهجرنا زمان وصاله
يهجرنا: فعل الطيف، والهاء في وصاله لمن وهو الحبيب.
يقول: إني أبغض خيال حبيبي في النوم؛ لأني إنما أرى خياله أيام هجر الحبيب، فوصال الخيال إنما يكون عند بعد الحبيب؛ لأن الإنسان إنما يرى خيال المحبوب عند فراقه واشتغال قلبه بذكره.
مثل الصّبابة والكآبة والأسى فارقته فحدثن من ترحاله
يقول: إني أبغض طيف الحبيب؛ لأن رؤيته تكون بعد الفراق، كما أبغض هذه الأشياء؛ لأنها حدثت بعد فراقه، فالطيف لما كانت رؤيته بعد فراق الحبيب كانت هذه الأمور. والصبابة: الشوق، والكآبة: الحزن والاستكانة والأسى: الحزن أيضًا.
وقد استقدت من الهوى وأذقته من عفّتي ما ذقت من بلباله
الهاء في بلباله للهوى.
يقول: لما حيرني وقتلني شوقه أخذت القود منه؛ من حيث أني لما ظفرت بمن أهواه، عففت عنه، فأذقت الهوى من مرارة الصبر عن الحبيب، مثل ما أذاقني من الشوق والحيرة.
ولقد ذخرت لكلّ أرضٍ ساعةً تستجفل الضّرغام عن أشباله
تستجفل الضرغام: تهربه وتستعجله في الهرب عن أشباله: أي أولاده.
يقول: خبأت لكل أرض ساعة صعبة من الحرب، بحيث تزعج الأسد وتستعجله عن أولاده، وتحوجه إلى الهرب خوفًا على نفسه، ولا يبالي بولده!.
تلقى الوجوه بها الوجوه وبينها ضربٌ يجول الموت في أجواله
الأجوال: جمع الجول، وهو مصدر جال يجول جولا وجولانا. وقيل: أجواله: نواحيه. والهاء في بها قيل: للساعة، وقيل للأرض. وفي بينها للوجوه وفي أجواله للضرب.
يقول: ذخرت لكل أرض ساعة تلتقي فيها الفرسان، ويضرب بعضهم وجوه بعض ضربًا، يدور الموت في نواحي هذا الضرب.
ولقد خبأت من الكلام سلافةً وسقيت من نادمت من جرياله
السلافة والسلاف: أرق الخمر وألطفها، وهو ما يجري من العصير قبل أن يعصر، وهو يضرب إلى الصفرة، والجريال: ما كان أحمر، وهو دون الأصفر. وقيل: الجريال: نفس الخمرة. وقيل: لونها.
يقول: خبأت لسيف الدولة أحسن الكلام وأبدعه، ومدحت غيره بما هو دونه، الذي لم أتعب فيه فكرًا، ولم أبدع فيه معنى.
وإذا تعثّرت الجياد بسهله برّزت غير معثّرٍ بجباله
الهاء في قوله بجباله وسهله للكلام. وبرزت: أي سبقت.
يقول: إذا تعثر غيري من الخطباء في السهل من الكلام، برزت عليهم، ولم أتعثر في الصعب البعيد المرام. وجعل الكلام سهلا وجبلا مجازًا، وقيل: وصف في ذلك فروسيته. وشجاعته، وأن غيره لا يقاومه.
وحكمت في البلد العراء بناعجٍ معتاده مجتابه مغتاله
أي: تحكمت وصرت فيها كما اخترت والبلد العراء: الخالي الذي لا نبت فيه. والناعج: الخالص البياض من الإبل. وقيل: سريع السير، ومعتاده؛ أي قد تعود السير، والهاء: عائد إلى البلد، وكذلك فيما بعده، مجتابه: أي قاطعه بسيره، مغتاله: أي تغوله وتهلكه وتفنيه بسيره.
يمشي إذا عدت المطيّ وراءه ويزيد وقت جمامها وكلاله
يمشي: فعل الناعج والهاء في وراءه وكلاله: للناعج. وفي جمامها للمطي. والجمام: الراحة. والكلال: الإعياء.
يقول: إذا مشى هذا الناعج كان مشيه مثل عدو المطي خلفه، ويكون أزيد من ذلك أيضًا، وذلك في وقت راحة المطي وكلال هذا الناعج، فكيف يكون سيره وقت الجمام؟!!
وتراع غير معقّلاتٍ حوله فيفوتها متجفّلًا بعقاله
[ ١ / ٢٣٥ ]
وتراع: أي تخوف المطي. متجفلا: أي سريعًا.
يقول: إن هذا الناعج إذا كان معقولا بعقاله فإنه يسبق سائر المطي، وهن غير معقولات.
وفائدة قوله: وتراع. قيل: إن هذا الناعج يفزعها ويثيرها وهو معقول ويسبقها.
وقيل: أراد أنها تفزع وتخوف بقطع المفاوز، ولا يفزع هذا الناعج بل يسبقها إلى حيث يريد صاحبه.
وقيل: معناه أنها تفزع من شيء أفزعها، وهي غير معقوله، ويفرق هو معقولا، فإنه يسبقها في العدو.
فغدا النّجاح وراح في أخفافه وغدا المراح وراح في إرقاله
الإرقال: ضرب من السير السريع. وراح فعل النجاح. والمراح: النشاط وراح، الثاني فعل المراح.
يقول: إن النجاح غدا وراح في أخفاف هذا الناعج. أي أن من ركبه ظفر بما طلب وأدرك ما أراد، وكذلك النشاط غدا وراح في سيره: أي لا يلحقه كلال! فهو أبدا مرح نشيط. أي أنه مبارك حيثما توجه أدرك ما حوله، فنشط ومرح.
وشركت دولة هاشمٍ في سيفها وشققت خيس الملك عن رئباله
الرئبال: الأسد. والخيس: الأجمة. والهاء في سيفها للدولة وفي رئباله للخيس أو للملك.
يقول: صرت شريكًا مع دولة هاشم في سيف الدولة: أي كان لي حظ فيه كما للدولة فيه حظ، وشققت أجمة الملك حتى وصلت إلى أسده، فجعله أسدًا والملك خيسًا له.
عن ذا الّذي حرم اللّيوث كماله ينسى الفريسة خوفه بجماله
عن ذا الذي الذي بدل عن المبدل. وينسى: يتعدى إلى مفعولين، فنصب الفريسة على أنه مفعوله الأول وخوفه المفعول الثاني.
يقول: شققت أجمة الملك عن أسد منع الليوث كما له: أي ليس لها كما له؛ لأنه يفضلها بخلائق كثيرة، وليس لليوث إلا الإقدام، وهذا فيه كل خصلة جميلة، ثم قال: إن هذا الأسد إذا افترس فريسة أنسى هذه الفريسة خوفه بجماله! أي أنها إذا رأت جماله يشغلها جماله عما يلحقها من الخوف عن افتراسه، والليوث تكون قبيحة المنظر.
وتواضع الأمراء حول سريره وترى لمحبّة وهي من آكاله
الآكال: جمع أكل، وهو الذي يؤكل، وهي ضمير: الأمراء.
يقول: إن الأمراء يتواضعون حول سرير سيف الدولة ويظهرون المودة له، وهم من قتلاه وفرائسه. يعني أنهم يظهرون المودة خوفًا لا حبًا. وقيل: هي ضمير المحبة أي أن الأمراء يحبونه حبًا مفرطًا، فلفرط حبهم لا يلتمسون منه العطاء ويرون من جملة أرزاقه إياهم المحبة؛ لأنهم يرون محبته فخرًا وذخرًا.
ويميت قبل قتاله، ويبشّ قب ل نواله، وينيل قبل سؤاله
وروى: ويعيش فيكون قد طابق بين: يعيش، ويميت. يعني أنه يقتل أعداءه بالخوف قبل القتال، ويظهر السرور بالعطاء، ويعطى قبل السؤال.
إنّ الرّياح إذا عمدن لناظرٍ أغناه مقبلها عن استعجاله
عمدن: أي قصدن. والناظر: هو ناظر العين، وقيل: اسم الفاعل من نظر والهاء في أغناه واستعجاله للناظر وفي مقبلها للرياح.
يقول: إنه لا يحتاج في إعطائه إلى السؤال والاستعجال، كما أن الرياح إذا قصدت لناظر لا يحتاج الناظر في حال إقبالها إلى الاستعجال بل تصل إلى كل أحد وإن لم يستعجلها، فكذلك هو يعطى قبل السؤال.
أعطى ومنّ على الملوك بعفوه حتّى تساوى النّاس في إفضاله
يقول: نعمه قد عمت الناس كلهم، فأعطى العفاة من ماله، وعفا عن الملوك؛ بأن أسرهم ثم أطلقهم وعفا عنهم، أو ترك قتلهم والتعرض لهم، فكلهم تساووا في فضله.
وإذا غنوا بعطائه عن هزّه والى فأغنى أن يقولوا: واله
والى: أي تابع، وواله: أمر منه. والهاء في منه للعطاء.
يقول: إذا استغنى الناس بعطائه عن تحريكه وسؤاله، تابع العطاء وأغنى في المتابعة عن الاستمداد والسؤال.
وكأنّما جدواه من إكثاره حسدٌ لسائله على إقلاله
الهاء في إكثاره للممدوح. وقيل: للجدوى. وذكر على معنى النوال، والعطاء، وفي إقلاله للسائل. والإقلال: الفقر. جعل جدواه حسدًا، وجعل الممدوح حاسدًا، والإقلال محسودًا عليه.
يقولك إذا رأى فقيرًا أكثر له العطاء، فكأنه يحسده على إقلاله: أي فقره. فهو يحب إزالته، كما يحب الحاسد زوال نعمة المحسود.
غرب النّجوم فغرن دون همومه وطلعن حين طلعن دون مناله
غرب: أي غبن. والهموم: جمع الهم: الذي هو الهمة.
وقيل: أراد بهمومه مقاصده.
[ ١ / ٢٣٦ ]
يقول: إن همم الممدوح فوق الكواكب، وهو قد نال ما هو أبعد منها، فتغيب الكواكب دون همته، وتطلع دون مناله، فهو أعلى منالًا منها في كل حال.
والله يسعد كلّ يومٍ جدّه ويزيد من أعدائه في آله
يقول: إن الله تعالى يخصه كل يوم بسعادة، ويظفره بأعدائه، فينعم عليهم ويعفو عنهم، فيعودون أولياءه بعد أن كانوا أعداءه، وعلى هذا معناه: الخبر.
وقيل: إنه دعاء أن الله تعالى يوفقه للسعادة ويزيد الله من أعدائه في أوليائه.
لو لم تكن تجري على أسيافه مهجاتهم لجرت على إقباله
الهاء في إقباله لجده: أي على إقبال جده. وقيل: إنه راجع إلى الممدوح.
يقول: لو لم يقتل أعداءه بسيوفه، لقتلهم إقباله وسعادة جده، وبلغته الأقدار مراده.
فلمثله جمع العرمرم نفسه وبمثله انقصمت عرى أقتاله
العرمرم: الكثير. والأقتال: جمع القتل، وهو النظير في الحرب. ويقال أيضًا للعدو: قتل.
يقول: لمثل هذا الممدوح يجمع الجيش الكثير: يعني أن من كان مثله في الإقدام يفنى الجيش العظيم، ويفرق جمعه، ويقتل أبطاله.
وقيل: جمع العرمرم نفسه: معناه الفزع. يقال: جمع فلان نفسه: إذا فزع. يعني: أن العسكر العظيم من مثله يفزع، وبمثله يقتل.
لم يتركوا أثرًا عليه من الوغى إلا دماءهم على سرباله
يقول: إن أعداءه في الحرب لم يقدروا له على شيء، سوى أنهم خصبوا ثوبه بدمائهم؛ من جرحه إياهم، وانتضاح دمائهم إليه.
يا أيّها القمر المباهى وجهه لا تكذبنّ فلست من أشكاله
يقول للقمر: لا تكذبن. أي لا تغتر بما سولت نفسك من الكذب، ولا تباهى، ولا تفاخر وجهه في الحسن والبهاء، ولا تغتر بما حدثتك نفسك: بأنك مثله في الحسن والعلاء، فإنها كذبتك فسلت من أمثاله.
وإذا طما البحر المحيط فقل له دع ذا فإنّك عاجزٌ عن حاله
وهب الّذي ورث الجدود وما رأى أفعالهم لابنٍ بلا أفعاله
يقول: وهب ما ورث عن آبائه من الأموال، لأنه لم ير ما بنوه من المجد وشيدوه من الفخر فخرًا ما لم يفعل هو لنفسه فوق ما ورث لنفسه ما هو فخر له. كما قال بعضهم:
إنّا وإن أحسابنا كرمت لسنا على الأحساب نتّكل
نبني كما كانت أوائلنا تبني ونفعل مثل ما فعلوا
ومثله لابن الرومي.
وما الحسب الموروث لادر دره بمحتسب إلا بآخر مكتسب
إذا لم يكن وإن كان شعبه من المثمرات اعتده الناس من خطب
حتى إذا فنى التراث سوى العلا قصد العداة من القنا بطواله
يقول: لما أفنى بهباته ما ورث من آبائه، فلم يبق منه شيء، إلا معالي آبائه، فإنه شحيح بها، قصد الأعداء وأغار عليهم، فاحتوى على أموالهم ووهبها.
وبأرعنٍ لبس العجاج إليهم فوق الحديد وجرّ من أذياله
الأرعن: الجيش العظيم، والهاء في أذياله للأرعن.
يقول: قصد الأعداء بجيش عظيم، قد لبس الغبار فوق الدرع، يعني أن الغبار قد علا الفرسان، حتى صار لها كالدرع السابغة وجر من أذياله يعني به التجافيف، وأنه يسحبها لطولها.
فكأنّما قذى النّهار بنقعه أو غضّ عنه الطّرف من إجلاله
يقول: إن غبار الجيش قد غير ضوء النهار، وكأن الشمس قد قذيت بهذا الغبار، أو غض عينه؛ من الإعظام للممدوح؛ فالهاء: للممدوح، وقيل للجيش، وقيل للغبار.
الجيش جيشك غير أنّك جيشه في قلبه ويمينه وشماله
يقول: الجيش لك، وأنت عليه أمير؛ لأنك تحميه بنفسك وتذب عنه بسيفك، فكأنك جيش الجيش. والكنايات للجيش.
ترد الطّعان المرّ عن فرسانه وتنازل الأبطال عن أبطاله
هذا تفسير البيت الأول.
يقول: إنك تباشر الطعان الصعب عن فرسان جيشك، وتقاتل شجعان العدو عن شجعان جيشك.
كلّ يريد رجاله لحياته يا من يريد حياته لرجاله
يقول: كل الملوك إنما يريدون الجنود لحياة نفوسهم، حتى يدفعوا عنها الأعداء، وهو يريد الحياة؛ ليدفع عن جيشه ويصونهم.
دون الحلاوة في الزّمان مرارةٌ لا تحتظى إلاّ على أهواله
الهاء في أهواله للزمان.
[ ١ / ٢٣٧ ]
يقول: كلا حلاوة الدنيا دونها مرارة! فلا تنال حلاوة الزمان إلا بتجرع مرارته وأهواله! يعني أن معالي الأمور لا تدرك إلا باقتحام القتال والحروب ومباشرة الأمور العظام، وتحمل المؤن والمغارم.
فلذاك جاوزها عليّ وحده وسعى بمنصله إلى آماله
يقول: فلهذا احتوى سيف الدولة على معالي الأمور دون غيره، وأدرك بسيفه ما أمل من المعالي، مالا يأمل غيره.
وقال أيضًا يمدحه:
أنا منك بين فضائلٍ ومكارم ومن ارتياحك في غمامٍ دائم
الفضائل: جمع فضيلة، وهي كل خلق شريف. والمكارم: جمع مكرمة، وهي كل فعل كريم. والارتياح: السخاء، والاهتزاز.
يقول: حصلت أنا منك بين شرف أخلاقك، وكرم أفعالك، وحللت من جودك في مطر دائم، من غمام سخائك وغزارة عطائك.
ومن احتقارك كلّ ما تحبو به فيما ألاحظه بعيني حالم
يقول: أنت تعطى العطايا الجليلة وتحتقرها مع عظمها! وإني وأنا أتعجب من عظم هذا الشان، فأقدر - فيما أشاهده من فعلك - أني نائم وأن ما أراه حلم!
إنّ الخليفة لم يسمّك سيفها حتّى بلاك فكنت عين الصّارم
بلاك: أي جربك. فكنت عين الصارم: أي حقيقته.
يقول: إن الخليفة لم يلقبك بسيف الدولة إلا بعد أن جربك، فوجدك أمضى من السيف الصارم.
فإذا تتوّج كنت درّة تاجه وإذا تختّم كنت فصّ الخاتم
يقول: أنت زينة ملكه، وقوام دولته فموقعك من الخليفة موقع الدرّة من التاج، إذ هي زينته، والفص من الخاتم؛ لأن قدر الخاتم بالفص.
وإذا انتضاك على العدى في معركٍ هلكوا وضاقت كفّه بالقائم
يقول: إذا جردك الخليفة على أعدائه أهلكتهم، وملأ يده قائمك. يعني أنت أعظم منه قدرًا، وأنفذ أمرًا، وإن كنت له مطيعًا.
أبدًا سخاؤك عجز كلّ مشمرٍ في وصفه وأضاق ذرع الكاتم
الذرع: القلب ها هنا.
يقول: من اجتهد في وصف سخائك ظهر عجزه عن بلوغ كنهه، ومن أراد أن يكتمه ضاف صدره؛؟ لأنه لا ينكتم.
وقال أيضًا يمدحه بحلب وقد أر له بفرس وجارية:
أيدري الرّبع أيّ دم أراقا وأيّ قلوب هذا الرّكب شاقا؟!
الألف: للاستفهام. ومعناه: النفي. أي لا يدري الربع. وشاقه الحبيب: أي هيج شوقه إليه.
سأل أصحابه وقوفهم ساعة على ربع حبيبه. هل يدري الربع من قتل منا لوجوده؟! وقلب من هيه لشوقه؟ أراد به دم نفسه وقلبه، تغظيمًا لهما.
لنا ولأهله أبدًا قلوبٌ تلاقى في جسومٍ ما تلاقى
الهاء في لأهله للربع. وتلاقى: أصله تتلاقى في الموضعين. وما: النفي. يقول: لنا ولأهل الربع قلوب تتلاقى بالذكر، وإن كانت الجسوم متباينة في العين.
وما عفت الرّياح له محلًا عفاه من حدا بهم وساقا
عفا المنزل، وعفتها الرياح: يلزم ويتعدى.
يقول: إن الرياح لم تعف محلًا بهذا الربع، فقد كانت تهب الرياح عليه، وهم حلول به، فلا تمحو له رسمًا، ولا تعفو له أثرًا، فلما حدى بهم حادي الرحيل، وساق إبلهم سائقه، عفت منازله ودرست أطلاله، فليس للرياح فيه صنع، وإنما ذلك من صنيع من حدى إبلهم وساقها.
فليت هوى الأحبة كان عدلًا فحمّل كلّ قلبٍ ما أطاقا
يعني أن الحب قد جار على فحملين فوق ما أطيقه من الشوق، فليت الهوى كان بالتسوية والنصفة بين العشاق. فيكون حظ كل عاشق منه قدر ما يطيقه.
نظرت إليهم والعين سكرى فصارت كلّها للدّمع ماقا
سكرى: أي مملوءة من الدمع. والماق: طرف العين مما يلي الأنف، وهو مصب الدمع.
يقول: نظرت للتوديع عند ارتحال الحبيب وعيني مملؤة من لدمع، فلما رحلوا فاض الدمع من كل جانب، فصارت الجوانب كلها والمآق سواء في انصباب الدمع منه.
وقد أخذ التّمام البدر فيهم وأعطاني من السّقم المحاقا
يقول: إن البدر فيما بين أهل هذا الربع، قد أخذ التمام والكمال، وأعطاني من السقم الذي في المحاق. يعني: أنا والحبيب بمنزله القمرين، فاختص التمام به، والمحاق بي.
وبين الفر والقدمين نورٌ يقود بلا أزمّتها النّياقا
النور: قيل: أراد به جسمها، وقيل: أراد به الوجه، وفاعل يقود ضمير النور.
[ ١ / ٢٣٨ ]
يقول: بين أعلى هذه المرأة، وبين قدميها جسم، أو وجه، له نور. مضىء بحيث يقود الإبل بلا زمام؛ لأن الإبل - لحسنها - تنقاد لها، والهاء في أزمتها للنياق، فهو مؤخر في الرتبة وإن كان مقدما في اللفظ.
وطرفٌ إن سقى العشّاق كأسًا بها نقصٌ سقانيها دهاقا
وطرف عطف على قوله: نور يعني لها طرف إذا سقى عشاقة كأسًا من الهوى ناقصة، سقانيها مملوءة. أي حبه لطرفها أكثر من حب كل عاشق له.
وخصرٌ تثبت الأبصار فيه كأنّ عليه من حدثٍ نطاقا
وخصر أيضًا عطف على ما تقدم من البيت، والكنايات للخصر يقول: إن خصرها إذا بدا نظرت إليه العيون من كل جانب، وثبتت فيه شاخصة متحيرة، لا يمكن للناظر أن يصرف عينه، فيصير طرف الناس بإحاطته به كالنطاق المحيط بالخصر، وأخذ هذا المعنى بعضهم فقال:
أحاطت عيون العالمين بخصره فهنّ له دون النّطاق نطاق
وقال ابن جني: معناه أن الأبصار تؤثر فيه لنعومته، ورقة بشرته! فيصير ذلك الأثر الحاصل عن الأبصار حوالي خصره كالنطاق. والأول أولى.
سلي عن سيرتي فرسي ورمحي وسيفي والهملّعة الدّفاقا
الهملعة: الناقة الخفيفة. والدفاقا. بكسر الدال وفتحها: الكثيرة السير فكأنها تتدفق كما يتدفق الماء، إذا جرى بشدة. والسيرة: الطريقة، والعادة.
يقول لعاذلته؛ سلى عن شجاعتي: فرسي ورمحي، وعن السير: ناقتي، فإنها تخبرك بأفعالي، فلا أصغو إلى عذلك.
تركنا من وراء العيس نجدًا ونكّبنا السّماوة والعراقا
نكبنا: أي بعدنا، وعدلنا عنه. والسماوة: مفازة بين الشام والعراق.
يقول: وتركنا نجدًا وراء ظهورنا، وعدلنا عن السماوة والعراق، وقصدنا سيف الدولة، بحلب.
فما زالت ترى والليل داجٍ لسيف الدّولة الملك ائتلاقا
الائتلاق: اللمعان.
يقول: ما زالت العيس ترى لمعان غرة سيف الدولة في ظلمة الليل، فتهتدي بضوء غرته في طريقها إليه.
وقيل: أراد أن مقصودنا لما كان سيف الدولة، كان الليل لنا بمنزلة النهار عند قصدنا إياه، من الفرح.
وقيل: أراد أنه قد بلغ من كرمه أن يوقد النار للضيوف في كل موضع، فترى العيس ذلك وتستأنس به. والأول هو الظاهر.
أدلّتها رياح المسك منه إذا فتحت مناخرها انتشاقا
الانتشاق: طلب الرائحة بالأنف، والهاء في منه للممدوح.
يقول: العيس كانت تستدل على مكانه بما تنتشق من رائحته، فكانت رياح المسك أدلة لها إليه إذا فتحت العيس مناخرها للانتشاق، فكأنه عبر عن كرمه بالمسك، وعن صيته بالرياح.
أباح الوحش يا وحش الأعادي فلم تتعرّضين له الرّفاقا؟
تقدير البيت: يا وحش أباح سيف الدولة. الوحش الأعادي. فالوحش أحد المفعولين، والأعادي المفعول الآخر. وروى: أباحك أيها الوحش الأعادي والرفاق: هم قوم يجتمعون في السفرة. وكان الأسد افترس له ناقة في قصد مسيره إلى سيف الدولة. فيقول للوحش: يا وحش أباح لك سيف الدولة الأعادي؛ فإنه يقتلهم ويطرحهم لك، فلم تتعرضين الرفاق القاصدين إليه؟ لأنك مستغنية عن ذلك بما مكنك من لحوم قتلاه.
ولو تبّعت ما طرحت قناه لكفّك عن رذايانا وعاقا
ما طرحت: في موضع نصب، لأنه مفعول تبعت أي لو تبعت مطروح قناته. والرذايا: جمع رذية، وهي البعير الذي قام من الإعياء، ولم يقدر على السير.
يقول للوحش: لو تبعت ما طرحت رماح سيف الدولة من القتلى لمنعك عن أكل الإبل المعيبة، لأن لك بقتلاه مندوحة عن إبلنا.
ولو سرنا إليه في طريق من النّيران لم نخف احتراقا
يقول للوحش: كيف تعرضت لنا ونحن نقصده؟ ولم تخافي صولته وهيبته، فإن لو سرنا في طريق يلتهب نارًا، وعلمت النار أنا قاصدوه لم تضرنا! ولم تقدر على إحراقنا، يعني أن كل شي من الوحش والعاتين في الأرض يخافه، حتى لو تصور في الجمادات أن تخافه لخافته.
إمامٌ للأئمّة من قريشٍ إلى من يتّقون له شقاقا
الهاء في له قيل: راجع إلى إمام، ويجوز أن يكون راجعًا إلى ضمير من تقديره: إلى من يتقون شقاقه. فلما قدمه أدخل فيه اللام كقوله تعالى: " لِلّرؤْيَا تَعْبُرُون " والشقاق: العصيان والمخالفة.
[ ١ / ٢٣٩ ]
يقول: هو إمام للأئمة من قريش: أي الخلفاء من ولد العباس. يعني أن الأئمة إذا ساروا إلى عاص عليهم، خارج عن طاعتهم، كان سيف الدولة إمامهم في مقدمة جيوشهم، فهو لهم إمام في كل حرب يتبعون خطوه، ويرجعون إلى رأيه ومثله للبحتري:
ولو جمع الأئمّة في مكانٍ تكون به لكنت لهم إماما
يكون لهم إذا غضبوا حسامًا وللهيجاء حين تقوم ساقا
يقول تأكيدًا لما تقدم: إن الأئمة إذا غضبوا على مخالف، كان لهم سيفًا يقتلون به، ويكون ساقًا للحرب حين تقوم الحرب، فقوام الحرب به كما يقوم الإنسان على ساق.
فلا تستكثرنّ له ابتساما إذا فهق المكرّ دمًا وضاقا
فهق: امتلأ.
يقول: لا تستعظم منه الابتسام، وإشراق الوجه عندما امتلأ مكان الحرب بالدماء، وصار كالسيول.
فقد ضمنت له المهج العوالي وحمّل همّه الخيل العتاقا
فاعل..ضمنت: العوالي. ومفعوله: المهج.
يقول: إنما يبتسم في حال شدة الحرب؛ لأن الرماح قد ضمنت له نفوس الأعداء، فوثق بها، وحمل خيله العتاق همته، فكما أنه لا يولى عن العدو، كذلك خيله؛ لتحملها همته.
إذا أنعلن في آثار قومٍ وإن بعدوا، جعلنهم طراقا
الطراق: نعل يطرح تحت النعل يؤكد بها.
يقول: إذا أنعلت لطلب قوم أدركتهم، وجعلتهم نعلًا ثانية، لأنها تطؤهم وتدوسهم، وتجعلهم بين حوافرها، فتلحق بهم وإن كانوا على مسافة بعيدة وعليها نعلها الأولى فيصيروا نعلا ثانية.
وإن نقع الصّريخ إلى مكانٍ نصبن له مولّلةً دقاقا
نقع: ارتفع. وروى: وقع الصريخ والصريخ، والصراخ: الصوت. والمؤللة: المدققة المحددة، وهي الآذان ها هنا.
يعني: أن خيله قد تعودت إجابة الصارخ، واستغاثة المستغيث، فإذا ارتفع صوت مستغيث من مكان ووصل إليها. نصبت له آذانا محددة دقاقا. لاعتيادها إجابة الصارخ.
فكان الطّعن بينهما دراكًا وكان اللّيث بينهما فواقا
الفواق: الوقت الذي بين الحلبتين. ودراكا: أي متتابعة.
يقول: بين دعاء المستغيث، وبين إجابة سيف الدولة، لا يكون الليث إلا قدر ما بين الحلبتين، حتى يلحق به، ويداركه الطعن في عدوه: أي يتابع. ويروى بينهما جوابًا أي يكون هناك الطعن بدل الكلام.
ملاقيةً نواصيها المنايا معاودةً فوارسها العناقا
نصب ملاقية ومعاودة على الحال أي لحقن الصريخ على هذا الحال.
يقول: إن الخيل تلاقي الموت بنواصيها، وتعانق فرسانها الأبطال:
تبيت رماحه فوق الهوادي وقد ضرب العجاج لها رواقا
الرواق: مقدم البيت. وقيل: سقف البيت المقدم، والهاء في رماحه للممدوح وفي لها للخيل والهوادي.
يقول: تبيت رماح سيف الدولة فوق أعناق الخيل في حال قد ضرب العجاج للخيل، ولهواديها، رواقا؛ لكثرته وتكاتفه عليها.
تميل كأنّ في الأبطال خمرًا عللن به اصحباحًا واغتباقا
روى يميل وتميل يذكر ويؤنث، ولأنه أراد به الدم.
يقول: تميل هذه الرماح عند طعنه بها في أجسام الأعداء، فكأنها قد اصطحبت واغتبقت في الأبطال من الخمرة فصارت من شربها سكارى.
تعجّبت المدام وقد حساها فلم يسكر وجاد فما أفاقا
تعجبت الخمر حين شربها سيف الدولة ولم يسكر؛ لأنه شرب المسكر لا الجود! وقيل: يمدحه بالإسراف في الجود والقوة على الشرب فهو سكران من الجود، وصاح من الشراب الذي شربه.
أقام الشّعر ينتظر العطايا فلمّا فاقت الأمطار فاقا
يقول: قام شعري ينتظر عطاياك، حتى يكون على قدرها، فلما فاقت عطاياك الأمطار، فاق شعري الأشعار.
وزنّا قيمة الدّهماء منه ووفّينا القيان به الصّداقا
الهاء في منه وفي به للشعر.
يقول: جازيتك على ما أعطيتني بمدحي إياك، فوزنت لك ثمن الفرس، ومهر الجارية.
وقيل: معناه أن عطاياك لما فاقت العطايا صار شعري الذي يفوق سائر الأشعار وفاء لها.
وحاشا لارتياحك أن يبارى وللكرم الّذي لك أن يباقى
المباراة: المعارضة بالفعل. أي يفعل مثل فعله. ويباقي: يغالب في البقاء. واعتذر بهذا عن قوله: وزنا قيمة الدهماء وقيل: هو اعتذار من قوله: فلما فاقت الأمطار فاقا يعني: حاشا لجودك وكرمك أن يعارض بحمد، فجودك أكثر، ومدى كرمك أطول.
[ ١ / ٢٤٠ ]
ولكنّا نداعب منك قرمًا تراجعت القروم له حقاقا
المداعبة: الممازحة، والدعابة: المزاح. والقوم، الفحل الكريم من الإبل. والحقاق: جمع الحق، وهو الذي دخل في السنة الرابعة، والأنثى حقة.
يقول: جودك لا يقاومه شكر، وإنما قلت هذا مزحًا، وأنت سيد تفضل جميع السادة، فكل سيد قيس إليك وقوبل بك يعود ذليلا كالحقة إذا قيست إلى القرم، فكما أنه يفضلها كذلك أنت تفضل كل سيد كريم.
فتىّ لا تسلب القتلى يداه ويسلب عفوه الأسرى الوثاقا
الوثاق: بالكسر والفتح ما يشد به الأسير.
يقول: هو لا يسلب قتيله أبدًا ويفك الغل من الأسارى بالعفو والإحسان.
ولم تأت الجميل إليّ سهوًا ولم أظفر به منك استراقا
يقول: لم يكن إحسانك إلي عن غلط منك، ولا عن خديعة واستراق مني له، ولكني نلته باستحقاق، وأحسنت إلي بعد الامتحان. والهاء في به يعود إلى الجميل.
فأبلغ حاسديّ عليك أنّى كبا برقٌ يحاول بي لحاقا
كبا الفرس يكبو: إذا عثر.
يقول: أبلغ من يحسدني على محلي عندك، ويحاول لحاق غايتي في مدحك: أن البرق إذا أراد اللحاق بي فإنه يكبو خلفي، فكيف يدركني؟! ويحاول إدراك محلي.
وقيل: هذا أمر للممدوح ويقتضي أن يكون دون الأمر، وذلك قبيح، ولكنه لما قال: حاسدي عليك أخرجه عن حد القبيح بأن بين: أن الحسد كان لاختصاصه.
وهل تغني الرّسائل في عدوّ إذا ما لم يكنّ ظبي رقاقا
رجع عن قول: حاسدي وقال: الرسالة لا تشفيني منهم، إلا أن يكون بدلها السيف، فأقتلهم وأستريح منهم، والكناية في قوله: إذا ما لم يكن للرسائل.
إذا ما النّاس جرّبهم لبيبٌ فإنّي قد أكلتهم وذاقا
تقديره: إذا ما الناس جربهم لبيب وذاق، فإني قد أكلتهم.
يقول: إني أعرف بأحوال الناس من كل عاقل، فأنا بمنزلة الآكل وغيري كالذائق.
فلم أر ودّهم إلاّ خداعًا ولم أر دينهم إلا نفاقا
يقول: جربت الناس فوجدت باطنهم بخلاف ظاهرهم في الصداقة، ووجدتهم منافقين في دينهم! قال علي بن عيسى الربعي: إن أبا الطيب كان يردد مع نفسه هذين البيتين كل يوم أكثر من خمسين مرة.
يقصّر عن يمينك كلّ بحرٍ وعمّا لم تلقه ما ألاقا
ألاق يليق إلاقة، ولاق يليق: إذا أمسك وحبس.
يقول: كل بحر يقصر عن جود يمينك، وما أمسكه البحر من جواهره، ومن بابه الذي هو فيه، يقصر عما لم تمسكه من العطاء، فيكون ما من عطائك أكثر من جواهر البحر ومائه.
ولولا قدرة الخلاّق قلنا أعمدًا كان خلقك أم وفاقا؟
يقول: لولا علمنا بقدرة الله ﷿، على ما يعجز عنه كل قادر، ويخرج عن العادة، لشككنا في خلقك! أوقع عن قصد واتفاق من غير مانع!؟
فلا حطّت لك الهيجاء سرجًا ولا ذاقت لك الدّنيا فراقا
يقول: لا زالت خيالك مسرجةً أبدًا في الحرب، ولا ذاقت الدنيا مرارة فراقك.
وقال يمدحه ويرثي ابن عمه أبا وائل تغلب بن داود، في جمادي الأولى سنة ثمان وثلاثين وثلاث مئة:
ما سدكت علةٌ بمورود أكرم من تغلب بن داود
ما سدكت: أي ما علقت. يقال: سدك به، لصق به، إذا لازمه ولم يفارقه. والمورود: المحموم الذي تتردد عليه الحمى كل يوم.
يقول: ما دامت علة على مريض، أكرم من تغلب بن داود. يعني أنه أكرم من كل مريض طال عليه مرضه.
يأنف من ميتة الفراش وقد حلّ به أصدق المواعيد
الميتة: الهيئة. الجلسة.
يقول: كان يأنف من أن يموت على فراشه؛ بشجاعته في حال قد نزل به - وهو - الموت الذي هو أصدق المواعيد.
ومثله أنكر الممات على غير سروج السّوابح القود
السابح: الفرس السهل، الذي يمد ذراعيه في عدوه، كأنه يسبح. والقود: جمع أقود، وهو الطويل العنق.
يقول: من كان مثله في الشجاعة أنكر هذه الموتة، يعني أنه لا يرضى الموت إلا على سروج الخيل السوابح الطوال الأعناق.
بعد عثار القنا بلبّته وضربه أرؤس الصّناديد
العثار: السقوط على الوجه، وأراد ها هنا سقوط الرماح عليه. واللبة: النحر. والصناديد: السادات، وقيل: الشجعان.
يقول: إن مثله في شجاعته ينكر موته على فراشه، بعد مباشرته الحروب، وكثرة وقع الرماح بصدره، وضرب رءوس كثير من الشجعان الكرام.
[ ١ / ٢٤١ ]
وخوضه غمر كلّ مهلكةٍ للذّمر فيها فؤاد رعديد
الغمر: الماء الكثير، وجعل المهلكة غمرًا اتساعًا، وأراد به معظمها، وقيل: أراد وسطها، والذمر: الشجاع، والرعديد: الجبان، الذي يرتعد من شدة الخوف، وقوله: للذمر إلى آخره. صفة للمهلكة.
يقول: إنه ينكر الموت على الفراش بعد خوض المهالك التي يصير قلب الشجاع فيها كقلب الجبان المرتعد من شدة الخوف، ومن كان هذه حاله، يستنكر موته على فراشه.
فإن صبرنا فإنّنا صبرٌ وإن بكينا فغير مردود
الصبر: جمع صابر، وقيل: جمع صبور.
يقول: إن صبرنا على هذه المصيبة، فكذلك عادتنا، وإن بكينا عليه، فغير مستنكر لعظم المصيبة.
وإن جزعنا له فلا عجب؛ ذا الجزر في البحر غير معهود
الجزر: نقصان الماء. والمد: زيادته.
يقول: إن جزعنا عليه فليس بعجب، لأن هذا الجزر في البحر غير معهود. يعني أن مثل هذا المصاب لم نعهده لنصب عليه، وعبر عن الرجل بالبحر، وعن المصيبة بالجزر، يعني: إنا وإن رأينا المصائب قبل هذا. فلم نر مثل هذه المصيبة، فهي جزر غير معهود على هذا الوجه.
وقيل: معناه أنه كالجزر لم يعهد في البحار، وإنما يكون في الأنهار، فهذا أمر هائل عجب، فجزعنا له غير عجب.
وقيل: أراد بالبحر سيف الدولة، ومعناه أن موت هذا الرجل كالجزر العظيم في البحر، الذي ليس بحر أعظم منه، وهو غير معهود. أي لم يمت لسيف الدولة أحد أجل منه.
أين الهبات الّتي يفرّقها على الزّرافات والمواحيد؟؟
الزرافات: الجماعات. والمواحيد: جمع الموحد.
يقول: أين المواهب التي كان يفرقها على الجماعات والآحاد من قصاده.
سالم أهل الوداد بعدهم يسلم للحزن لا لتخليد
يقول: مات بموته أهل وده، فمن سلم منهم، فإنما يسلم لتجرع الحزن لا لأن يخلد في الدنيا ويدوم له البقاء، لن كلا يموت.
فما ترجّى النّفوس من زمنٍ أحمد حاليه غير محمود؟!
يقول: أي رجاء يكون للإنسان في الدنيا، ويكون أحمد حاليه وهو البقاء غير محمود! لأنه مشوب بأنواع من الحزن والمكاره، وغايته الموت.
إنّ نيوب الزّمان تعرقني أنا الّذي طال عجمها عودي
نيوب: جمع ناب في الكثرة، وتعرقني: أي ما علي من اللحم. والعراق: فجربني حتى عرفني؛ لكثرة تقلي لصروفه.
وفىّ ما قارع الخطوب وما آنسنى بالمصائب السّود
المقارعة: المضاربة. والخطوب: الأمور العظيمة. والمصائب السود: هي الشديدة التي يسود بها البصر. وقيل: وصفها بالسود للبس الحداد فيها، لشدتها.
يقول: فيّ من الصبر ما يقاوم الخطوب، ويؤنسني بالمصائب الشديدة.
ما كنت عنه إذا استغاثك يا سيف بني هاشم بمغمود
غمدت السيف وأغمدته: إذا أدخلته في الغمد، وهو قرابه.
يقول: استغاث بك وهو في أسر الخارجي، فلم تك بمغمود عنه، ومغيب عن نصرته وإغاثته، فلو قدرت الآن على تخليصه من الموت لخلصته، لكن لا يقدر أحد على دفع الموت.
يا أكرم الأكرمين يا ملك الأم لاك طرًّا يا أصيد الصّيد
الأصيد: المتكبر المائل العنق من الكبر، وجمعه صيد. والأملاك جمع في القلة وفي الكثرة: الملوك.
قد مات من قبلها فأنشره وقع قنا الخطّ في اللّغاديد
أنشر الله الموتى فنشروا هم: أي أحياهم الله فحيوا. واللغاديد: جمع لغدوج، وهي لحم باطن اللهوات، وهي أيضًا اللغنون. والنغنغ.
يقول: كان قد مات من قبل هذه المرة، أو هذه الحالة حين أسره الخارجي، فأحياه وقع الرماح الخطية، في اللغاديد. يعني: أن سيف الدولة أوقع بالخارجي واستنقذه منه، بعد ما قتل منه خلقًا كثيرًا.
ورميك اللّيل بالجنود وقد رميت أجفانهم بتسهيد
رميك: عطف على قوله: وقع الرماح.
أي أنشره بعد موته، قصدك الخارجي بجنودك، وسيرك إليه ليلًا، حتى طلعت عليهم مع الصبح.
فصبّحته رعالها شزبًا بين ثباتٍ إلى عباديد
الهاء في صبحته للمرثى ورعال الخيل: أوائلها، الواحد رعيل ورعلة، والهاء في رعالها للجنود. والشزب: الضوامر. والثبات: الجماعات. والعباديد: المتفرقون يمينًا وشمالًا.
يقول: جاءت هذا الرجل أوائل خيلك يا سيف الدولة، وقت الصبح، جماعة ومتفرقين، حتى خلصته من أيدي بني كلاب.
[ ١ / ٢٤٢ ]
تحمل أغمادها الفداء لهم فانتقدوا الضّرب كالأخاديد
الهاء في أغمادها للسيوف، وذكر الجنود يدل عليها، ويرجع إلى الجنود إذ لا بد من كون أغماد السيوف معهم؛ لكون السيوف فيها. والأخدود: الحفرة المستطيلة في الأرض، وشبه الضربة العظيمة بها.
يقول: كانوا ينتظرون الفداء فجئتهم بخيلك، وفي أغماد سيوفهم الفداء، وهي السيوف ونقدوهم ضربًا فانتقدوا وكل شربة كأنها أخدود.
موقعه في فراش هامهم وريحه في مناخر السّيد
الفراش: عظام الرأس. والسيد: الذئب، وجمعه السيدان. والهاء موقعه راجعة إلى الضرب. والموقع: مصدر، وموضع الوقوع.
يقول: موضع هذا الضرب في رءوس - بني كلاب، ولكن ريحه في مناخر الذئاب؛ لأنها أكلتهم بعد ما صاروا جيفًا، فوصلت روائحهم إلى مناخرهم.
وقيل: معناه أنه إذا وقع بهم هذا الضرب، تطاير عنه الدم، وانتشرت رائحته إلى مناخر الذئب، واستدل به على القتلى، فأتى إليها وأكلها.
أفنى الحياة الّتي وهبت له في شرفٍ شاكرًا وتسويد
شاكرًا: نصب على الحال. وروى: في شامخ، وباذخ أي عال. والتسويد: السيادة.
يقول: أفنى أبو وائل الحياة التي وهبتها له حين استنقذته من يد الخارجي في شرف وزيادة، وهو لك شاكرًا ولإحسانك إليه ناشرًا.
سقيم جسيم، صحيح مكرمةٍ منجود كربٍ، غياث منجود
سقيم وما بعده نصب على الحال. والمنجود: المكروب.
يقول: أفنى الحياة التي وهبتها له وهو سقيم الجسم، ولكن مكارمه صحيحة، وهو منجود كرب: أي مجهود كرب العلة، وهو مع ذلك غياث كل مكروب. وهذا يدل على أنه لم يزل مريضًا منذ تخلص إلى أن مات.
ثمّ غدا قدّه الحمام، وما تخلص منه يمين مصفود
القد: السير. المقدود. والمصفود: المقيد المشدود.
يقول: كان أسيرًا في يد الخارجي، فخلصته من أسره، ثم مات أسيرًا للموت الذي لا يقدر أحد على الخلاص منه! فمن صار مقيدًا مغلولًا للموت، لم يخلصه أحد من قيده.
لا ينقص الهالكون من عددٍ منه عليّ مضيّق البيد
النقص ها هنا متعد والهاء في منه راجعة إلى العدد.
يقول: لا ينقص من هلك من عدد يكون من ذلك العدد سيف الدولة الذي يضيق المفاوز بجيوشه، ففيه خلق من كل هالك، وبدل من كل ناقص.
تهبّ في ظهرها كتائبه هبوب أرواحها المراويد
الهاء في ظهرها راجع إلى البيد وكذلك في أرواحها والمراويد: واحدها مرواد، وهي التي تجىء وتذهب. وقيل: هي الريح اللينة السهلة.
يقول: أن جيوشه تجري في المفاوز مجرى الرياح، غير مسترخية ولا ضعيفة، وخص المراويد؛ لأنه أراد أن عساكره جرارة لا تسير إلا بالهويني؛ من كثرتها.
أوّل حرفٍ من اسمه كتبت سنابك الخيل في الجلاميد
شبه آثار سنابك الخيل على الأحجار الصلبة بأول حرف من اسم سيف الدولة وهو العين من علي وهو يشبه أثر السنابك.
مهما يعزّ الفتى الأمير به فلا بإقدامه ولا الجود
الأمير رفع لأنه اسمه، والهاء في به تعود إلى مهما لأنه اسم موضوع للشرط، ومعناه مهما عزى الفتى: الذي هو الأمير سيف الدولة فلا يعزى بشجاعته وجوده، لأنهما لا يفارقانه أبدًا، ويجوز أن يكون دعاء ومعناه: فلا عزى بهاتين الخصلتين؛ لأنهما متى سملا له فما سواهما حلل، وروى: مهام يعز، فيكون الفتى فاعله، والأمر ينصب لأنه مفعوله، ومعناه: مهما يعزيه بإقدامه وجوده.
ومن منانا بقاؤه أبدًا حتّى يعزّى بكلّ مولود
يجوز من بالفتح بمعنى: الذي، فيكون عطفًا على قوله: فلا بإقدامه ولا الجود أي فلا يعزى بإقدامه وجوده، ونفسه التي نتمنى أن تبقى هنا أبدًا، ويهلك كل مولود، حتى نعزيه بهم. والمراد: أنه لا يعزى بمصبة في نفسه. ويجوز من بالكسر فيكون مستأنفًا، والمعنى أن مرادنا أن يبقى. هو إلى أن يعزى بكل مولود ولد.
وقال أيضًا يمدحه وقد ركب سيف الدولة يشيع عبده يماك لما أنفذه في المقدمة إلى الرقة فهاجت ريح شديدة. فقال:
لا عدم المشيّع المشيّع
ليت الرّياح صنّعٌ ما تصنع
[ ١ / ٢٤٣ ]
روى الأول بالكسر، والثاني بالفتح. وقد روى بالكسر، من ذلك يقول داعيًا له: لا عدم يماك المشيع، سيف الدولة المشيع أو لا عدم سف الدولة غلامه المشيع، وهذا أيضًا يتضمن الدعاء لسيف الدولة. ثم قال: ليت الرياح كانت تفعل مثل فعله، لأن أفعاله تزيد على فعل الرياح.
بكون ضرًّا وبكرت تنفع
وسجسجٌ أنت وهنّ زعزع
وواحدٌ أنت وهنّ أربع
وأنت نبعٌ والملوك خروع
يقول مفضلًا له على الرياح: إنها تضر، وتنفع أنت. وقيل: إنه اتفق هبوب الريح الشديدة فذكر ذلك.
والسجسج: اللينة. والزعزع: الشديدة. يعني: هي شديدة صعبة، وأنت نفع خالص كالريح السجسج.
والرياح أربع: جنوب، وشمال، وصبا، ودبور، وأنت واحد تقوم مقامها أجمع. وقيل: أراد لا نظير له والريح له نظير.
والنبع: شجر صلب يتخذ منه القسى، والخروع: شجر ضعيف. شبه شجر التين. يعني أنت أفضل من الملوك، كالنبع أفضل من الخروع.
وقال أيضًا يمدحه وهو سائر يريد الرقة، وقد اشتد المطر بموضع يعرف بالثديين.
لعيني كلّ يومٍ منك حظّ تحيّر منه في أمر عجاب
العجاب: أبلغ من العجيب. والهاء في منه للحظ.
يقول: إن لعيني منك كل يوم حظًا! يتحير من ذلك الحظ، ويتعجب منه.
حمالة ذا الحسام على حسامٍ وموقع ذا السّحاب على سحاب
حمالة: أي ذلك العجاب هو حمالة. هذا هو العجاب.
يقول: أرى أمرًا عجيبًا وهو حمالة السيف، وقعت على السيف، الذي هو سيف الدولة، لأنه سيف تقلد سيفًا، وكذلك وقوع السحاب الذي هو المطر، على سيف الدولة، الذي هو كالسحاب جودًا.
وزاد المطر فقال فيه أيضًا
تجفّ الأرض من هذا الرّباب ويخلق ما كساها من ثياب
الرباب: السحاب الأبيض، وأراد تجف الأرض من مطر هذا الرباب فحذف المضاف.
يقول: تجف الأرض من هذا المطر، وكذلك يخلق ما كسى هذا المطر الأرض من أثواب الربيع وأنواع الأزهار، وألوان الأنوار.
وما يتفكّ منك الدّهر رطبًا ولا يتفكّ غيثك في انسكاب
يقول: إن الأرض تجف من هذا المطر، ولا يزال الدهر من سحاب جودك رطبًا ولا يزال جودك متصلًا، فيبقى أثره على الدهر.
تسايرك السّواري والغوادي مسايرة الأحبّاء الطّراب
تسايرك: أي تسير معك. والطراب: جمع طرب، وهو الذي استخفه الشوق.
يقول: إن السحب التي تأتي ليلا والتي تأتي غدوة تسير معك حيث سرت، كما يسير الحبيب مع حبيبه، إذا طرب إليه واستخفه الشوق نحوه.
تفيد الجود منك فتحتذيه وتعجز عن خلائقك العذاب
تفيد: أي تستفيد، والتاء للسواري والغوادي. يقال: أفاد واستفاد والاحتذاء: أن تفعل مثل ما فعل صاحبك. ويروى فتحتديه: أي تطلب حدى جودك.
يقول: إن السحاب تسايرك حتى تستفيد الجود منك، وتحذو على حذوك من الجود، فهي وإن استفادت عنك الجود احتذاء، تعجز عن أخلاقك العذبة.
وأجمل سيف الدولة ذكره وهو يسايره في طريق آمد فقال.
أنا بالوشاة إذا ذكرتك أشبه تأتي النّدى ويذاع عنك فتكره
يقول: أنا إذا ذكرت جودك، وأثنيت عليك بإحسانك كنت بمنزلة من ينم عليك، ويفشي أسرارك؛ لأنك تفضل على الناس، وتستره، وتكره أن يظهر ذلك منك، فأنا إذا أظهرته كنت في حيز الواشين بك.
وإذا رأيتك دون عرضٍ عارضًا أيقنت أنّ الله يبغي نصره
يقول: إذا رأيتك عارضًا دون عرض إنسان، وذابًا عنه تيقنت أن الله تعالى ينصره على أعدائه.
وإنما قال ذلك؛ لأن سيف الدولة أحسن ذكره.
فقال: إذا أثنيت علي، لم أبال بمن عابني؛ وعلمت أن الله تعالى ينصرني على من يطعن علي ذنبًا من عرضي.
وفي قافية البيتين اضطراب لأنا إن جعلناها رائية، فالهاء تكون وصلًا، وهذا لا يجوز؛ لأن الهاء أصل في البيت الأول، وهو قوله: فتكره وفي الثاني ضمير وهو نصره فالبيت الأول هائي والثاني رائي، وإن جعلناها هائية فالثانية تكون رائية لما بينا: أن الهاء أصل في الأول، ووصل في الثاني. والكلام في هذا المعنى يطول، وموضعه كتاب القوافي، وقيل القافية رائية وقد جاء مثل هذا في الشعر القديم، وقد تركت ذكره لئلا يطول.
وزاد سيف الدولة في وصفه فقال له.
ربّ نجيعٍ بسيف الدّولة انسفكا وربّ قافيةٍ غاظت به ملكا
[ ١ / ٢٤٤ ]
النجيع: الدم الطوى، وقيل: اليابس، وقيل: الخالص.
يقول: رب دم أجراه سيف الدولة، ورب قصيدة نظمت في مدحه، أو نظمها الشعراء في مدحه، فغاظ الملوك حسنها، وحسدوه حيث قصروا عن صفاته وخصاله.
من يعرف الشّمس لا ينكر مطالعها أو يبصر الخيل لا يستكرم الرّمكا
يقول: مثلك مثل الشمس، من عرفها لا ينكر مطالعها؛ لشهرتها، وفضلها، فكذلك أنت لا ينكر فضلك، وعلو محلك؛ فلهذا قصدتك دون سائر الملوك. وكذلك مثلك مع الملوك. مثل الخيل الجياد مع الرمك: وهي الإناث من البراذين.
تسرّ بالمال بعض المال تملكه إنّ البلاد وإنّ البلاد وإنّ العالمين لكا
يقول: نحن من جميع مالك، فأنت إذا وهبت لنا مالك فقد سررت بمالك بعض مالك الذي تملكه، لأنك تملكت البلاد والعباد، فكأنك وهبت مالك، من مماليكك، فالكل عائد إليك.
وقال يخاطب سيف الدولة وقد سار يريد آمد وتوسط جبالًا:
يؤمّم ذا السّيف آماله ولا يفعل السّيف أفعاله
وروى: يؤمل.
يقول: هذا السيف يقصد إلى آماله ويدركها بسعيه، ولا يفعل سيف الحديد مثل فعله، ولا يمضي مضاءه.
إذا سار في مهمةٍ عمّه وإن سار في جبلٍ طاله
طاله: أي علاه. يعني إذا سار في البر ملأه بخيله، أو بخيره وبركته أو هيبته، وإذا سار في الجبل: علاه وغطاه بجيشه. وقيل: علاه من حيث القدر والجاه، فهو أعلى منه وأعظم. وقيل: علاه بكثرة الخير والبركات.
وأنت بما نلتنا مالكٌ يثمّر من ماله ماله
نلتنا: أي أعطيتنا.
يقول: أنت بما أعطيتنا من العطايا، كالمالك الذي يكثر ماله بماله ويصلحه به، لأنا عبيدك، والدنيا كلها لك، وهذا كقوله: تسر بالمال.
كأنّك ما بيننا ضيغمٌ يرشّح للفرس أشباله
الضيغم: الأسد، وهو فعيل من الضغم: وهو العض والترشيح: التعليم والتدريب. ويروى: يحرض والفرس: الاصطياد، وأصله دق العنق.
يقول: أنت تعلمنا الحرب والشجاعة، كالأسد يعلم أولاده الاصطياد.
ونزل سيف الدولة آمد، وكثر المطر بها، ودعا أبا الطيب، فدخل وهو يشرب، فقال له: قال بعض الناس، في قولك:
ليت أنّا ارتحلت لك الخي ل وأنّا إذا نزلت الخيام
جعل الخيام فوقك، وعرض بجليس له. فأجابه أبو الطيب، وأراد بهذا قطع الكلام.
لقد نسبوا الخيام إلى علاءٍ أبيت قبوله كلّ الإباء
يقول: نسبوا الخيام إلى العلاء، فأبيت أنا قبوله، وامتنعت منه كل الامتناع، لأني لا أسلم أن تكون السماء فوقك، فكيف الخيام؟!
وما سلّمت فوقك للثّريا ولا سلّمت فوقك للسماء
وقد أوحشت أرض حتّى سلبت ربوعها ثوب البهاء
يقول: إني لم أسلم أن السماء والثريا فوقك؛ لأن اعتقادي أنها دونك، وأنت فوقها! وكيف أسلم أن الخيام فوقك مع أنها دونك؟!
تنفّس والعواصم منك عشرٌ فتعرف طيب ذلك في الهواء
تنفس: أي تتنفس، فحذف تاء الخطاب. والعواصم: بلدان كانت من أعمال سيف الدولة، فتعرف: أي العواصم.
يقول: إذا تنفست وبينك وبين العواصم مسرة عشرة ليال، عرفت العواصم طيب نفسك في الهواء!! وأراد أهلها، وبالطيب: العدل والإحسان.
وذكر سيف الدواة لأبي العشائر جده وأباه، وفي نسخة ذكر سيف الدولة جد أبي العشائر فقال أبو الطيب:
أغلب الحيّزين ما كنت فيه وولىّ النّماء من تنميد
الحيز: الجانب، وقيل: الفريق، والجيش. ويجوز تنميه بفتح التاء: أي تنتمي إليه، ويجوز بضم التاء: أي تزيد فيه، من أنميت المال، ونمى هو.
يقول: هو أغلب الجانبين أو الفريقين أو العسكرين، الذي أنت فيه، والأولى بالكثرة من كنت منتسبًا إليه، أو من كنت تزيد فيه.
ذا الّذي أنت جدّه وأبوه دنيةً دون جدّه وأبيه
دنية: أي قربًا، وهو مصدر في موضع الحال، لما قال: القبيل الذي أنت فيه أولى بالزيارة، استدرك ها هنا فقال: إنما يغلب الذي أنت جده وأبوه الأدنى، لا أبوه الذي ولده جده. فكأنه قال: إنما انتسبت هذه القبيلة إليك في الحقيقة.
وأذن المؤذن فوضع سيف الدولة القدح من يده، فقال أبو الطيب رحمه الله تعالى:
ألا أذّن فما أذكرت ناسي ولا ليّنت قلبًا وهو قاسي
ولا شغل الأمير عن المعالي ولا عن حقّ خالقه بكاس
[ ١ / ٢٤٥ ]
كان الوجه أن يقول: ناسيًا، لكنه حذفه للضرورة، فجاء به على قول من قال: رأيت قاض.
يقول للمؤذن: أذن فإن أذانك لم ينبه سيف الدولة من غفلته، وليس قلبه قاسيًا فتلينه بأذانك ولم يشغله الكأس عن حق الله تعالى، ولا عن المعالي.
وذكر سيف الدولة بيتًا أحب إجازته وهو:
خرجت غداة النّحر أعترض الدّمى فلم أر أحلى منك في العين والقلب
الإجازة في البيت: إضافة بيت، أو أبيات إلى بيت آخر يتم به معناه، أو إضافة مصراع إلى مصراع يوافقهن ويتم معناه كقول بعضهم وقد شرب ماء:
عذب الماء وطابا
فقال أبو العتاهية:
حبّذا الماء شرابا
فما ذكره أبو العتاهية هو الإجازة ومعنى البيت: خرجت يوم الأضحى أنظر إلى وجوه الحسان وصورهم، فما رأيت فيه أحسن منك في عيني وقلبي. والدمى: جمع جمية وهي الصورة.
فقال أبو الطيب مجيزًا.
فديناك أهدى النّاس سهمًا إلى قلبي وأقتلهم للدّارعين بلا حرب
أهدى الناس: أي أكثرهم هداية وأقصد، وسهمًا نصب على التمييز، وأراد به العين. وقوله: أهدى يعني يا أهدى الناس، ويجوز أن يكون صفة لكاف الخطاب.
يقول: فديناك من معشوق يهدي سهمه إلى القلوب، ويقتل الرجال الشجعان اللابسين الدروع، وقيل أراد به سيف الدولة، يعني أنك تقتل أعداءك ولا تقيهم الدروع فعلى هذا يكون القلب بلا ياء. والأول أولى.
تفرّد بالأحكام في أهله الهوى فأنت جميل الخلف مستحسن الكذب
يقول: حكم الهوى يخالف سائر الأحكام، فالكذب فيه حسن! وخلف الوعد فيه جميل! وإن كان قبيحًا من سائر الناس.
وإنّي لممنوع المقاتل في الوغى وإن كنت مبذول المقاتل في الحبّ
المقتل: الموضع الذي إذا أصيب من الجسد مات صاحبه.
يقول: مقاتلي ممنوعة في الحرب بشجاعتي، وإن كنت مبذول المقاتل في الحب، فيصيب الهوى مقتلي بأهون سعي! وهذا أيضًا من أحكام الهوى المخالفة لسائر الأحكام.
ومن خلقت عيناك بين جفونه أصاب الحدور السّهل في المرتقي الصّعب
يقول: مقاتلي مبذولة في الحب، وإن كانت ممنوعة في الحرب، لأن من كان له عينان مثل عينيك، سهل عليه المرام الصعب، وأدركه بأهون سعي.
وقيل: أراد من كانت عيناك نصب جفونه، صار طوعًا لهما، فلا يملك الامتناع من سهامها.
وهذه الأبيات ليست بجيدة في الإجازة؛ لأنها لا تتضمن معنى البيت الذي أجازه، غير أنها على وزنه ورويه، وهذا القدر لا يكفي في الإجازة، بل لا بد أن يكون له تعلق بالعنى الذي في البيت الأول.
وقال يمدحه بميّا فارقين، وقد نزلها سيف الدولة في شوال سنة ثمان وثلاثين وثلاث مئة وقد أمر الغلمان والجيش بالركوب بالتجافيف والسلاح:
إذا كان مدحٌ فالنّسيب المقدّم أكلّ فصيحٍ قال شعرًا متيّم؟!
كان ها هنا بمعنى: وقع، لا يحتاج إلى خبر.
يقول: من عادة الشعراء أن يقدموا النسيب على المديح، حتى كأن كل شاعر عاشق؟! ليس الأمر كذلك بل يجوز أن يكون فيهم من يمدح ولا ينسب، إذ لا يجب أن يكون كل شاعر عاشقًا.
لحبّ ابن عبد الله أولى فإنه به يبدأ الذّكر الجميل ويختم
يقول: إذا كان ذكر النّسيب لا يدل على كون الشاعر عاشقًا، فذكر محاسن سيف الدولة، والتشبب بأوصافه أولى؛ فإن الذكر الجميل يبدأ به ويختم، إذ هو في جميع أوصافه.
أطعت الغواني قبل مطمح ناظري إلى منظر يصغرن عنه ويعظم
طمح بنظره: إذا رفعه. وقيل: هو أن ينظر إلى مكان بعيد. وناظر العين: سوادها.
يقول: أطعت الغواني قبل أن أنظر إلى معالي الأمور، فلما نظرت إليها صغر في عيني أمر الغواني. وقوله: يصغرن أي الغواني ويعظم أي المنظر.
وقيل معناه أطعتهن قبل أن أرى سيف الدولة، فلما رأيته عظم في عيني شأنه وصغر أمرهن عندي.
تعرّض سيف الدّولة الدّهر كلّه يطبّق في أوصاله ويصمّم
تعرض: أي أتاه من عرضه: أي من جانبه. والتطبيق في القطع: أي يقطع المفصل فيكون أسهل، والتصميم: أن يمضي في العظم فلا ينبو عنه.
يقول: إن سيف الدولة قصد إلى الدهر فقطع أوصاله، وأمضى على أحكامه تارة بالعنف: وهو التصميم. وتارة بالرفق: وهو التطبيق، ولما جعله سيفًا: جعل مضيّ أمره على الدهر قطعًا لأوصاله.
[ ١ / ٢٤٦ ]
فجازله حتّى على الشّمس حكمه وبان له حتّى على البدر ميسم
ميسم، قيل: هو الحسن. وقيل: هو من العلامة، وحكمه رفع بجاز أي جاز له حكمه على الشمس وميسم رفع ببان.
والميسم: من قوله وسمه يسمه، ومعناه على الأول أنه ملك الدهر حتى جاز حكمه على الشمس، ونفذ فيه مراده، وبان على البدر، وحسنه ظهر عليه وغلبه، وقيل: إن جواز أمره على الشمس هو أنه متى شاء غير لونها بغبار خيله، وأخفى ضياءها بلمع سيوفه، والأولى أن يحمل على مجرد الدعوى، مبالغة في المدح.
وإن أريد بالميسم العلامة فمعناه: أنه قد ظهر وسمه وأثره على كل شيء من الدهر، حتى على البدر، يعني أنه يذهب بضوء البدر.
وقيل: إنه أراد به الكلف الذي نراه في القمر، وأنه من تأثير سيف الدولة فيه، وقد وسمه، كما يسم الرجل دوابه وإبله.
كأن العدا في أرضهم خلفاؤه فإن شاء حازوها وإن شاء سلّموات
يقول: كأنّ أعداءه في بلادهم عماله وخلفاءه، فإن شاء حاز بلادهم بالقهر، وإن شاء سلموها وتسلمها منهم.
ولا كتب إلاّ المشرفيّة عنده ولا رسلٌ إلاّ الخميس العرمرم
العرمرم: الجيش الكثير المضطرب.
يقول: ليس له إلى أعدائه كتب إلا السيوف، ولا يرسل إليهم رسلا سوى الجيش.
فلم يخل من نصرٍ له من له يدٌ ولم يخل من شكرٍ له من له فم
ولم يخل من أسمائه عود منبرٍ ولم يخل دينارٌ ولم يخل درهم
يقول: إنه ملك البلاد، وعم بإحسانه العباد، وليس أحد من الناس إلا ناصره، ولا ناطق إلا شاكره، وما من منبر في البلاد إلا وخطيبه يدعو له، ويذكر اسمه، ولا دينار ولا درهم إلا وهو مضروب باسمه.
ضروبٌ وما بين الحسامين ضيقٌ بصيرٌ وما بين الشّجاعين مظلم
يقول: إذا تدانت الأقران في الحرب، وضاق ما بين الحسامين فلم يتمكن الشجاع من الضرب وجد هو لسيفه مجالًا، وإذا اشتد الأمر، وعلا الرهج حتى يظلم بين الشجاعين، كان هو بصيرًا في الحلة، ولا يخفى عليه وجوه الصواب.
تبارى نجوم القذف في كلّ ليلةٍ نجومٌ له منهنّ وردٌ وأدهم
تبارى: أي تعارض. ونجوم القذف: النجوم المنقضة لرجم الشياطين. والورد: الأشقر. والأدهم: الأسود.
يقول: خيله تعارض النجوم المنقضة في السرعة وفي رمي الأعداء، فكما أن النجوم لا يرمى بها إلا الشياطين وتحرقها، فكذلك خيله التي منها الورد والأدهم، تسري إلى الأعداء فتحرقها كالنجوم المنقضة على الشياطين.
يطأن من الأبطال من لا حملنه ومن قصد المرّان مالا يقوّم
القصد: ما تكسر من الرماح، الواحدة: قصدة. والمران: الرماح اللينة والضمير في يطأن: للخيل، والهاء في حملنه لمن.
يقول: تطأ خيله من الشجعان ما لا تحمله الخيل: يعني القتلى. وتطأ الرماح المتكسرة التي لا تقوم. وقوله: من لا حملنه. معناه من لم يحملنه. أقام لا، مقام لم ويجوز أن يكون وحملنه: بمعنى يحملنه. وتقديره يطأن من الأبطال من لا يحملنه، فيكون موافقًا لقوله: ما لا يقوم. وقيل: إنه دعاء. ومعناه من لا أظفره الله على الممدوح وجيشه، ومعناه من يستحق أن يقال: لا حملنه. أي من يستحق هذا الدعاء عليه. وهذا كقوله: فداءه: أي يستحق أن أقول له: جعلت فداءه.
فهنّ مع السّيدان في البرّ عسّلٌ وهنّ مع النّينان في الماء عوّم
وهنّ مع الغزلان في الواد كمّنٌ وهنّ مع العقبان في النّيق حوّم
السيدان: جمع السيد. وهو الذئب. والعسل: جمع عاسل، وهو المضطرب في عدوه. والنينان: جمع نون، وهو الحوت العظيم. والواد: أصله والوادي فاكتفى بكسر الدال. والنيق: رأس الجبل. والعقبان: جمع عقاب.
يقول: إن خيله قد ملأت البر والبحر والسهل والجبل، ففي البر كالذئاب، وفي البحر كالحيتان، وتكمن مع الغزلان في كل واد، وتحوم مع العقبان في كل نيق فلا موضع يخلو منها.
إذا جلب النّاس الوشيج فإنّه بهنّ وفي لبّاتهنّ يحطّم
جلب: حمل. والوشيج: أصول الرماح، وأراد به الرماح ها هنا. يعني أن خيله قد تعودت القتال، فإذا جلب الناس الرماح من معادنها، فإنها لا تتكسر إلا في صدورهن، أو بأيدي فرسانه؛ لأنه لا يكون حرب إلا معه.
بغرّته في الحرب والسّلم والحجا وبذل اللها والحمد والمجد معلم
اللها: الدراهم.
[ ١ / ٢٤٧ ]
يقول: سيف الدولة معلم بغرته، مشهور بوجهه في هذه المواضع، لا يحتاج إلى علامة غيرها؛ لشهرتها. وروى: معلم أي قد أعلم لذلك، أو عليه موضع علامة.
يقرّ له بالفضل من لا يودّه ويقضي له بالسّعد من لا ينجّم
يقول: قد ظهر فضله في الناس، حتى تساوي في الإقرار به الأولياء والأعداء، وثبتت له السعادة، واستمرت له السلامة، حتى تشارك المنجم وغيره بالقضاء له بالسعادة؛ استشهارًا بظاهر الحال فيعتبر به المآل.
أجار على الأيّ؟ ام حتّى ظننته تطالبه بالرّد عادٌ وجرهم
أجار على الأيام: أي منع جورها عن الناس. وعاد وجرهم: أمتان هلكتا في قديم الزمان.
يقول: إنه أجار جميع النام من حوادث الأيام، حتى ظننت أن عادًا وجرهمًا. تجيئان إليه، وتطالبانه بردهما إلى الدنيا، والانتقام لهما من الأيام.
ضلالًا لهذي الريح! ماذا تريده!؟ وهديًا لهذا السّيل! ماذا يؤمّم
ضلالًا، وهديا: نصب على المصدر بفعل مضمر.
كان سيف الدولة زار قبر أمه فأصابه في طريقه ريح فيه مطر فقال للريح: ضلالًا: أي أضلها الله ضلالًا؛ لأنها تزعم أنها عارضته، وأرادت أن تثنيه عن طريقه. ودعا للسيل بالهدى؛ لأنه زعم أنه جاء مع سيف الدولة يزور قبر أمه، ويسقى تربتها.
وقيل: الدعاء على الريح؛ لأنها تضر في الغالب، ودعاء للمطر لأنه ينفع في الأكثر.
ألم يسأل الوبل الّذي رام ثنينا فيخبره عنك الحديد المثلّم؟
يقول: هلاّ يسأل هذا المطر الذي أراد صرفنا عن مقصدنا، حتى يخبره عنك الحديد المثلم، بأنك إذا رمت مرامًا لم يصدك عنه سيف حسام، فكيف يثنيك المطر والغمام. وأراد بالحديد سلاح الأعداء.
ولمّا تلقّاك السّحاب بصوبه تلقّاه أعلى منه كعبًا وأكرم
الصوب: المطر. وأعلى منه كعبًا: أي منزلة.
يقول: لما تلقاك السحاب بمطره في طريقك، تلقاه من هو أعلى منه محلًا وأجل منه قدرًا.
فباشر وجهًا طالما باشر القنا وبلّ ثيابًا طالما بلّها الدّم
يقول: باشر السحاب وجهًا أكثر منه مباشرة للرماح، وبل ثيابًا بلها الدم قبل ذلك، فالمطر أهون شيء عنده.
تلاك وبعض الغيث يتبع بعضه من الشّام يتلو الحاذق المتعلّم
يعني يتبعك هذا المطر لأنك غيث مثله، والغيث يتبع بعضه بعضًا كما يتبع المتعلم الأستاذ.
فزار الّتي زارت بك الخيل قبرها وجشّمه الشّوق الّذي تتجشّم
فاعل زار: الغيث، ومفعوله التي والذي في موضع نصب؛ لأنه مفعول جشمه، والهاء للغيث.
يقول: زار هذا الغيث قبر والدتك، وكلفه الشوق من السير مثل ما تكلفت أنت، أي هو يشتاق قبرها كما تشتاقه أنت.
ولمّا عرضت الجيش كان بهاؤه على الفارس المرخى الذّؤابة منهم
يقول: لما عرضت الجيش، كان بهاء هذا الجيش وجماله بالفارس الذي أرخى ذؤابته. سيف الدولة الممدوح.
حواليه بحرٌ للتّجافيف مائجٌ يسير به طودٌ من الخيل أيهم
الطود: الجبل. والأيهم: الصعب الذي لا يهتدي إلى موضع صعوده. والمائج: الفاعل من ماج يموج إذا اضطرب. شبه تجافيف الخيل ببحر يموج لكثرتها وصفائها، وشبه الخيل في اجتماعها بجبل صعب المرتقى، فجعل التجافيف بحرًا مائجًا على جبل شاهق.
تساوت به الأقطار حتّى كأنّه يجمّع أشتات الجبال وينظم
الأقطار: نواحي الأرض، والواحد قطر وقتر والهاء في به للجيش، أو للبحر أو للقطر.
والمعنى: أن هذا الجيش قد ملأ بين الجبال حتى تساوت به جميع نواحي الأرض، وصارت الأرض جبالًا؛ فكأنه جمع الجبال المتفرقة. وروى: أشتات البلاد.
وكلّ فتىً للحرب فوق جبينه من الضّرب سطرٌ بالأسنّة معجم
يقول: كل واحد من هذا الجيش فوق جبينه أثر الضرب والطعن؛ لشجاعته وتعوده الحرب. فشبه أثر الضرب بالسطر لا ستطالتها كالسطر وأثر الطعن بالمعجم؛ لاستدارته كالنقط، وهو أحسن من قول أبي تمام:
كتبت أوجههم مشقًا ونمنمةً ضربًا وطعنًا يقدّ الهام والصّلفا
كتابة لآتنى مقروءةً أبدًا وما كتبت بها لاما ولا ألفا
يمدّ يديه في المفاضة ضيغمٌ وعينيه من تحت التّريكة أرقم
[ ١ / ٢٤٨ ]
المفاضة: الدرع الواسعة. والتريكة: البيضة. والأرقم: ضرب من الحيات منقط كأنه مرقوم، بما عليه من النقط. والهاء في يديه يعود إلى الفتى، وقيل: إلى الضيغم. وفي عينيه إلى الأرقم؛ لأنه المقدم في المعنى، وإن تأخر في اللفظ. وعينيه عطفًا على يديه شبه ساعدي الفتى في الدرع، بساعدي الأسد، وعينيه تحت البيضة، بعيني الحية.
كأجناسها راياتها وشعارها وما لبسته والسّلاح المسمّ؟ م.
الشعار: العلامة التي يتعارف بها أهل الحرب. والمسمم: المسقى السم. وروى: المسه وهي التأنيث كله للخيل. وقيل في معنى البيت وجوه.
أحدها: أن هذا الجيش كثير مختلف، اجتمع فيه كل أمة من الجند، وكما اختلفت هذه الأجناد، كذلك اختلفت شعارها وأعلامها وسلاحها. فكل طائفة على هيئة مخالفة لغيرها من الطوائف. كقوله:
في موضع تجمع فيه كل إنس وأمة
هذا ما ذكره المخزومي.
وثانيها: أنه كلما اختلفت ألوان الخيل وأجناسها وأنواع الرجال وأجنادها، كذلك الرايات والسلاح والشعار فإنهم في هيئات الأسود والعقبان، فالأسود من جنس الرجال، والعقبان من جنس الأفراس، وشعارها مختلفة الألوان كألوان هذه الخيل، وما لبسته من الحديد، ففي الخيل والرجال صلابة مثله:
وهم في النفاد واله لاك كالسلاح المسمم
وثالثها: معناه أن جنسها كالحديد في صبره على التعب والقتال، ونداؤهم باسم الحديد لأنهم يتنادون بشعار سيف الدولة المنصور، والسيف: حديد، وما لبسته من التجافيف والجواشن، وهي أيضًا حديد، والسلاح حديد، وعلى الرايات اسم سيف الدولة وهو حديد، ولأنه جعل الرماح رايات.
وقال ابن جني: معناه أن عسكره كله عربي. خيله وشعاره وملبوسه وسلاحه.
وأدّبها طول القتال فطرفه يشير إليها من بعيدٍ فتفهم
الهاء في أدبها وإليها للخيل. وتفهم فعل الخيل، والهاء في طرفه لك فتى.
يقول: إن خيله تأدبت بآداب القتال، فإذا أشار صاحبها إليها من بعيد فهمت مراده، فجاءت إليه مسرعة. وروى: طول القياد وطول الطراد.
تجاوبه فعلًا وما تسمع الوحى ويسمعها لحظًا وما يتكلّم
الوحى: الصوت. يقول: إن صاحبها إذا دعاها بلحظه وإشارته، أجابت بالفعل والمجيء، وإن لم تسمع صوته.
تجانف عن ذات اليمين كأنّها ترقّ لميّا فارقين وترحم
تجانف: أي تتجانف، فحذف التاء، أي تميل.
يقول: إن الخيل عدلت عن ميا فارقين وأخذت في جانب فكأنها ترحمها، وكانت ميا فارقين عن يمين هذه الخيل وهي من جملة ممالكه فلم يتعرض لها لأن القصد كان إلى ديار الروم.
ولو زحمتها بالمناكب زحمةً درت أيّ سورينا الضّعيف المهدّم
يقول: لو زحمت الخيل ميا فارقين بمناكبها، لكانت تدري أي السورين أضعف سورها أم سور الخيل؟ يعني جعل الخيل سورًا؛ لثباتها وبعد انزعاجها عن موضعها بإزعاج مزعج، والتصاقها للحرب، ومعناه: لو لم تعدل عنها، ونزلت عليها؛ لهدمت سورها.
قال ابن حني: وحكى أن المتنبي أنشده هذه القصيدة عصرًا، فسقط سور ميا فارقين ليلًا، وكان السور جاهليًا.
على كلّ طاوٍ تحت طاوٍ كأنّه من الدّم يسقى أو من اللّحم يطعم
الطاوي: الضامر، واللطيف البطن، وقوله: كأنه يرجع إلى الطاوي الأول، وهي الفرس.
يقول: على كل فرس ضامر، فارسٌ مثله في الضمور. فكأن هذا الفرس سقى من الدم، وأطعم من اللحم.
قيل فيه وجوه: منها: كأنه ذئب يأكل اللحم ويشرب الدم، فهو يهجم بفارسه على الحرب كما يهجم الذئب على الصيد.
وثانيها: كأنه يأكل لحم نفسه، ويشرب دم نفسه. مبالغة في وصفة بالضمور، والهزال؛ لاعتياده القتال.
والثالث: أراد أنه أطعم لحوم الأعداء وسقى دماؤهم، فهو مجد في طلبهم اقتداء بما مضى من العادة.
لها في الوغى زيّ الفوارس فوقها فكلّ حصانٍ دارعٌ متلثّم
يقول: زي هذه الخيل مثل زي فوارسها؛ لأن كل فارس عليه درع ومغفر ولثام، وفرسه مغطى بالتجافيف، والبرقع.
وما ذاك بخلًا بالنّفوس على القنا ولكنّ صدم الشّرّ بالشّرّ أحزم
بخلًا: نصب لأنه خبر ما واسمه ذاك وهو في موضع الرفع.
يقول: تغطيتهم أنفسهم وخيلهم ليس لجبنهم وبخلهم بالحياة، ولكنه مقابلة الشر بالشر، ودفع الشر بمثله، هو الحزم وجودة الرأي.
[ ١ / ٢٤٩ ]
والصدم: ضرب الشيء بمثله. وهذا قريب من قولهم: الحديد بالحديد يفلح.
أتحسب بيض الهند أصلك أصلها وأنّك منها؟ ساء ما تتوهّم!
يقول لسيف الدولة: إن السيوف الهند كأنها تظن أصلها أصلك، وأنك سيف مثلها؛ لما سميت باسمها وقد ساء ما توهمت، لأنك أشرف منها جوهرًا، وأمضى منها في الأمور، وإنما أشركتها في الاسم لا في الجوهر والخصال، فأنت من العرب أصلًا، وهي من الهند، وليس فيها خصالك.
إذا نحن سميّناك خلنا سيوفنا من التّيه في أغمادها تتبسّم
يقول: إذا سميناك تبسمت سيوفنا في غمودها عجبًا بأنك سميها، فكأنها حسبت أنك منها أصلًا ومنظرًا، وليس الأمر كذلك.
ولم نر ملكًا قطّ يدعى بدونه فيرضى! ولكن يجهلون وتحلم
بدونه: أي بدون قدره.
يقول: ما رأيت ملكًا يسمى بدون قدره ويرضى بذلك غيرك! فإنك لقبت بسيف الدولة فرضيت به لحلمك، وهو لا يرضون لجهلهم.
أخذت على الأرواح كلّ ثنيّةٍ من العيش تعطى من تشاء وتحرم
الثنية: العقبة.
يقول: حكمت بين الأرواح وبين العيش، فكأنك قعدت على طريق الحياة، فمن شئت خليت سبيل حياته، ومن شئت صرفتها عنه. يعني أنك قد استوليت على أرواح العباد، فمن أغثته يبقى، ومن لم تغثه يهلك..
فلا موت من سنانك يتّقى ولا رزق إلاّ من يمينك يقسم
يقول: إن آجال الخلق في سنانك، وأرزاقهم في يدك، فلا موت يتقى إلا من سنانك، ولا رزق يقسم إلا من يمينك.
وضربت خيمة كبيرة لسيف الدولة بميا فارقين، وأشاع الناس أن المقام يتصل، فهبت ريح شديدة فسقطت الخيمة فأرجف بذلك وتطير وتحدث الناس فيه، وتكلموا عند سقوطها فقال أبو الطيب رحمه الله تعالى. يمدحه ويذكر الخيمة:
أينفع في الخيمة العذّل؟ وتشمل من دهرها يشمل
العذل: جمع العاذل.
يقول: عذل الخيمة على سقوطها غير نافع، لأنها لا تقدر أن تشمل سيف الدولة مع اشتماله على الدهر، وإحاطته به ودهرها نصب بيشمل ومن كناية سيف الدولة، وهو بمعنى الذي وهو نصب بيشمل.
وتعلوا الّذي زحلٌ تحته محالٌ لعمرك ما تسأل
وتعلو: فعل الخيمة: والذي: في موضع نصب، لأنه مفعول تعلو.
يقول: كيف تعلو الخيمة سيف الدولة؟ مع كون زحل تحته! وما تسأل الخيمة من العلو عليه أمر محال.
فلم لا تلوم الّذي لامها؟ وما فصّ خاتمه يذبل
التاء في تلوم للخيمة. وقيل: للخطاب. وما في قوله: وما فص خاتمه. للنفي بمعنى وليس. ويذبل: جبل.
يقول: من لامها على سقوطها فقد سامها أمرًا محالًا، فلها أن تقابله بما هو محال مثله. فتقول: لم لم تجعل فص خاتمه يذبلا؟ الذي هو الجبل، فكما أن هذا محال، فكذلك استقرارها فوق سيف الدولة محال، والهاء في خاتمه تعود إلى الذي.
تضيق بشخصك أرجاؤها ويركض في الواحد الجحفل
الأرجاء: النواحي، الواحد رجًا.
يقول: جوانب الخيمة، ونواحيها تضيق عن شخصك؛ والواحد من الجوانب - لسعته - لو ركض فيه جيش عظيم لما ضاق عنه. يعني أنها على سعتها تضيق عنك! وقيل: أراد بالواحد: الواحد من الخيام: يعني أن الواحد من الخيام يركض فيه العسكر الكثير، لعظمه وسعته، إلا أنه تضيق عن شخصك نواحيها.
وتقصر ما كنت في جوفها وتركز فيها القنا الذّبّل
يقول: إنها وإن كانت عالية السمك بحيث يمكن أن يركز فيها الرمح، ولكنها تقصر عنك، في الوقت الذي تكون فيها؛ لأنك أعلى من النجم، وأرفع من السماء.
وكيف تقوم على راحةٍ؟ كأن البحار لها أنمل!
يقول: كيف تستقر الخيمة على راحتك؟ فكل أنملة منها مثل البحر، فلا يستقر البناء على الماء. وإن قل، فضلًا عن البحار.
فليت وقارك فرّقته وحمّلت أرضك ما تحمل
الوقار: السكون. والتاء في تحمل قيل: للأرض: ومعناه ليتك قسمت وقارك على جميع الخلق، وحملت الأرض من الوقار ما يمكنها أن تحمله؛ لأنها لا تستطيع أن تحمل جميع وقارك.
وقيل: التاء للخطاب ومعناه: ليتك حملت الأرض ما تحمل أنت من الوقار. ولو فرقت وقارك على جميع الخلق لوصل إلى هذه الخيمة جزء منه وأمكنها بذلك القدر من الوقار السكون والاستقرار.
فصار الأنام به سادةً وسدتهم بالّذي يفضل
[ ١ / ٢٥٠ ]
يعني: لو فرقت وقارك وحلمك بين الناس، لوسعهم وصاروا به سادة حلمًا وكنت تفوقهم بالذي يفضل عنك من الوقار والحلم.
رأت لون نورك في لونها كلون الغزالة لا يغسل
الغزالة: الشمس وقت طلوعها، وكذلك المشرق.
يقول: رأت الخيمة نورك قد عادها، وأضاءت الخيمة به، كما تضيء الأرض بالشمس، فلا يمكن إزالته عنها كما لا يزال ضوء الشمس. وروى: كلون الغزالة لا ينصل من نصول الخضاب.
وأنّ لها شرفًا باذخًا وأنّ الخيام بها تخجل
باذخًا: أي عاليًا. والعامل في أن مفتوحة رأت.
يقول: رأت هذه الخيمة لنفسها شرفًا عاليًا على سائر الخيام، ورأت أن الخيام تخجل من شرفها.
وقيل: أراد أصحاب الخيام.
فلا تنكرنّ لها صرعةً؛ فمن فرح النّفس ما يقتل
يقول: لا تنكر سقوطها، فإنها لما رأت نورك فيها، وتشرفها بك، غلبها الفرح فسقطت؛ بما داخلها من الطرب والسرور. ومن الفرح ما يقتل صاحبه!! وهذا مثل قوله ومن السرور بكاء.
ولو بلّغ النّاس ما بلّغت لخانتهم حولك الأرجل
يقول: لو بلغ الناس ما بلغته هذه الخيمة، لخانتهم أرجلهم من هيبتك، ولسقطوا كما سقطت.
ولمّا أمرت بتطنيبها أشيع بأنّك لا ترحل
التطنيب: من الأطناب، وهي الحبال تشد إلى أوتاد الخيمة.
يقول: إنك لما أمرت بضرب الخيمة، أشيع فيما بين الناس بأنك لا ترحل، بل تقيم.
فما اعتمد الله تقويضها ولكن أشار بما تفعل
التقويض: هو قلع الخيام، ونقض البناء من غير الهدم. وأشار: من الإشارة إلى الشيء. وهو بمعنى الدلالة، لا بمعنى المشورة. واعتمد وأعمد: أي ما قصد الله إسقاط هذه الخيمة، ولكن أراد أن يعلم الناس أنك راحل، ودل بذلك على بطلان اعتقادهم باتصال المقام، وترك الارتحال.
وعرّف أنّك من همّه وأنّك في نصره ترفل
من همه: أي من إرادته. وقيل: من عنايته ونصره، والهاء في همه ونصره ترجع إلى اسم الله تعالى. وترفل: أي تسحب في أذيال النصر.
يقول: إن الله تعالى عرف الناس أن سيرك من مراده، وأنك في عنايته، وأنك مؤيد بنصره، وعليك من نصره حلل ترفل فيها؛ فلهذا أسقطت الخيمة.
فما العاندون؟ وما أثلوا وما الحاسدون؟ وما قوّلوا
العاندون: الأعداء. والواحد عاند، وأصله من المغالبة عند الجرح، إذا غلب دمه ولم ينقطع سيلانه، وأثلوا: أصلوا من التطير لسقوط الخيمة وما في قوله: فما العاندون وما الحاسدون للاستفهام، ومعناه الإنكار والاستحقار. وما في قوله: فما أثلوا ما قولوا بمعنى الذي.
يقول: ما قدر الأعداء وما أصلوه من الأراجيف والأقوال، وما قدر الحاسدون، وما تقولوا من الأكاذيب.
هم يطلبون فمن أدركوا؟ وهم يكذبون، فمن يقبل؟
يقول: هم يطلبون غايتك، أو يطلبون أعداءهم، فمن أدركوا منهم؟! أي لا يدركون ما يؤملون، وهم يكذبون عليك فمن يقبل قولهم؟! أي لا يقبل منهم ما يقولون.
وهم يتمنّون ما يشتهون ومن دونه جدّك المقبل
الهاء في من دونه تعود إلى ما أي أن أعداءك يتمنون ما تشتهيه أنفسهم، ولكن سعادة جدك، وإقبال دولتك، يحول بينهم وبين مرادهم.
وملمومةٌ زردٌ ثوبها ولكنّه بالقنا مخمل
ملمومة: أي كتيبة مجموعة. والزرد: حلق الدرع. وقوله زرد ثوبها في موضع الصفة لملمومة ولما جعل الدرع ثوبا: جعل الرماح خملها؛ طلبا للمشاكلة.
يقول: من دونه جدك المقبلن وكتيبته مجموعة، أثوابها الدروع، وعلى هذه الأثواب خمل من الرماح: فهي مخملة بالرماح
يفاجئ جيشًا بها حينه وينذر جيشًا بها القسطل
الحين: الهلاك. والقسطل: الغبار. وحينه رفع لأنه فاعل يفاجئ والقسطل فاعل ينذر ويجوز أن يكونا مرفوعين بالابتداء وبها في موضع رفع خبر الابتداء. ويفاجئ وينذر: فعل سيف الدولة. والأول أظهر. وبها يعود إلى الملمومة.
يقول: إن سيف الدولة تارة يسرى إلى العدو ليلا، فيفاجئه هلاكه ولم يشعر به، وتارة يسير نهارًا بهذه الكتيبة، فينذر جيشًا بغبارها فيهرب منه. وقيل: أراد أنه يسير مرة في الحزن من الأرض ولا يثير الغبار فيفاجئ جيش العدو، ومرة في السهل فيثير الغبار فيهربون.
جعلتك بالقلب لي عدّةً لأنّك باليد لا تجعل
[ ١ / ٢٥١ ]
يقول: أنت أجل من أن تنالك الأيدي فتدخرك، كما تدخر سائر السيوف والأموال، ولكن صيرتك في اعتقادي عدة لي لكل شدة، وذخرًا لكل نائبة.
لقد رفع الله من دولةٍ لها منك يا سيفها، منصل
يقول: رفع الله دولة أنت سيفها، وأبان على جميع الدول فضلها، والهاء في لها وسيفها للدولة. والكاف في منك خطاب لسيف الدولة.
فإن طبعت قبلك المرهفات فإنّك من قبلها المقصل
المرهفات: السيوف المرققة الحد، والمقصل: القاطع.
يقول: إن كانت السيوف سبقتك بالطبع، فأنت سبقتها في جودة الجوهر والقطع، فأنت أول سيف قاطع.
وإن جاد بقلك قومٌ مضوا فإنّك في الكرم الأوّل
يقول: إن تقدمك الأجواد في الجود، فأنت سبقتهم في الفعال، وتقدمتهم في كرم الخلال، فأنت وإن تأخرت عنهم وجودًا، تقدمتهم كرمًا وجودًا.
وكيف تقصّر عن غايةٍ وأمّك من ليثها مشبل
المشبل: التي معها أشبال، وأراد بالليث: أباه. والهاء في ليثها للأم فجعلهما أسدين، وجعله شبلهما.
يقول: فكيف تقصر عن غاية ترويها، وأنت ليث ابن ليث ابن لبؤة.
وقد ولدتك فقال الورى ألم تكن الشّمس لا تنجل؟!
تنجل: أي تلد.
يقول: إنها في شرفها شمس، فلما ولدتك تعجب الناس وقالوا: أليس الشمس لا تلد؟ فكيف ولدت الآن! فجعله شمسًا مولودًا من شمس.
فتبّاّ لدين عبيد النّجو م ومن يدّعي أنّها تعقل
تباّ: نصب على المصدر وعلى الذم بفعل مضمر، ومعناه: ضلالًا وخسرانا لدين من يعبد النجوم، ومن يدعي أنها تعقل وتختار وتميز. بين العلة في الذم.
وقد عرفتك فما بالها تراك تراها فلا تنزل؟!
يعني: لو كانت النجوم تعقل، لكانت إذا رأتك تراها، وتنظر إليها نزلت إليك وخضعت لك، لأنك أعلى منها محلا، فلما لم تفعل علم أنها غير عاقلة.
ولو بتّما عند قدريكما لبتّ وأعلاكما الأسفل
يقول: لو حل كل واحد منكما المحل الذي يستحقه، لعلوت عليها وصرت في الفلك، وسفلت هي عنك، فصار أعلاكما الآن وهو النجم: الأسفل.
أنلت عبادك ما أمّلت أنا لك ربّك ما تأمل
التاء في أملت، تعود إلى العباد.
يقول: أنلت عبادك وهم الخلق ما أملوه منك، فبلغك الله آمالك في دنياك وآخرتك. وقيل: الضمير في قوله: ما أملت راجع إلى النجوم: أي أن ما فعلته من تبليغ الناس مناهم، كانت النجوم تأمله، فلا تقدر عليه فأملت ما أملته النجوم.
قال ابن جني: ولما أطلق على الناس لفظ العبودية له، بين في آخر البيت أنه من جملة العباد وأنه محتاج كسائر الناس فقال:
أنا لك ربّك ما تأمل
فجعله مثل سائر الناس في الحاجة. صنعة وحذاقة.
وقال وقد ركب سيف الدولة في بلد الروم، من منزل يعرف بالسنبوس في جمادي الأولى سنة تسع وثلاثين وثلاث مئة فأصبح وقد صف الجيش يريد سمندو. وكان أبو الطيب متقدمًا، فالتفت فرأى سيف الدولة خارجًا من الصفوف يدير رمحًا، فعرفه فرد الفرس إليه. فسايره وأنشده:
لهذا اليوم بعد غدٍ أريج ونارٌ في العدوّ لها أجيج
الأريج، والأرج: الرائحة الطيبة. والأجيج: من تأجج النار وهو التهابها.
يقول: سيكون لهذا اليوم الذي ركبت فيه، بعد غد أريج: أي ذكرى حسن يسر المسلمين، ويسوء المشركين، ويكون في العدو نار لها توقد والتهاب: أي حروب ووقائع تلتهب مثل النار.
تبيت به الحواصن آمناتٍ وتسلم في مسالكها الحجيج
الحواصن: جمع الحاصن وهي العفيفة من النساء. وقيل: المتزوجة.
وروى: الحواضر: جمع الحاضرة بخلاف البادية. وروى: الحواضن: جمع الحاضنة لأولادها.
يقول: يأمن بركوبك هذا بعد غد: من في الثغور من النساء، ويأمن أهل الحضر والبدو من الغارات، ويسلم الحجاج والمسافرون في أسفارهم وطرقهم من اللصوص وقطاع الطرق.
فلا زالت عداتك حيث كانت فرائس أيّها الأسد المهيج
المهيج: هو الهائج: تقول هيجته أهيجه هيجا، وهاج هو بنفسه.
يقول: جعل الله أعداءك حيث كانوا، فرائسك أيّها الأسد.
عرفتك والصّفوف معبّآتٌ وأنت بغير سيرك لا تعيج
لا تعيج: أي لا تبالي. تقول: ما عجت بكلامه أي ما باليت به. وعبأت الجيش وعبيته: إذا زينته وسويت صفوفه.
[ ١ / ٢٥٢ ]
يقول: عرفتك في حال تعبئة الجيش، وتسوية الصفوف؛ لأنك كنت معروفا فيما بينهم ببأسك وإقدامك، ومن حيث أنك لا تبالي بغير سيرك، فكان الوقت جامعًا للأمرين: لتعبئة الجيوش، وللحالة الثانية وهي أنك لا تعيج بغير سيرك، وكان من عادته أنه كان لا يعيج بسير غيره، وإنما كان يعتمد سير نفسه، ولا يعتمد على أن تسير الجيوش إلى الأعداء، بل كان يتولاها بنفسه.
ووجه البحر يعرف من بعيدٍ إذا يسجو فكيف إذا يموج
يسجو: يسكن.
يقول: أنت البحر! يعرف من المكان البعيد، وهو ساكن، فكيف إذا ماج واضطرب؟! شبهه بالبحر المائج، لبأسه وهيبته.
بأرضٍ تهلك الأشواط فيها إذا ملئت من الرّكض الفروج
الأشواط: عدو الفرس. يقال: عدا شوطًا، أي طلقا. والفروج: جمع فرج، وهو ما بين القوائم.
يقول: رأيتك في أرض واسعة بعيدة الأطراف. تهلك: أي تفنى. الأشواط فيها: أي عدو الفرس فيها، لسعتها ولا تقطعها إذا جرت أشد الجري، وهو في معنى قوله:
إذا ملئت من الرّكض الفروج
تحاول نفس ملك الرّوم فيها فتفديه رعيّته العلوج
العلوج: جمع علج، وهو الشديد الخلق، القوى على معالجة العمل. والهاء في فيها تعود إلى الروم ويجوز أن تعود إلى الأرض.
يقول: تطلب نفس ملك الروم، وتقصده دون غيره، ولكن تفديه رعيته وأصحابه وجنوده فتقتلهم بين يديه.
أبا لغمرات توعدنا النّصارى ونحن نجومها وهي البروج!؟
الغمرات: الشدائد، وأراد بها الحروب.
يقول: تهددنا النصارى بالحروب والشدائد والخوض في المهالك ونحن لا ننفك عنها، وليس لنا منزل سواها فكأنا نجوم، والغمرات بروج تلك النجوم، فكما لا تزايل النجوم بروجها فكذلك نحن لا نزايل الغمرات.
وفينا السّيف حملته صدوقٌ إذا لاقى وغارته لجوج
يقول: كيف توعدنا النّصارى؟ وفينا سيف الدولة! الذي إذا حمل صدقت حملته: أي لا يرجع حتى يقتل المحمول عليه، وإذا أغار لج على الإغارة وأدامها.
تعوّذة من الأعيان بأسًا ويكثر بالدّعاء له الضّجيج
بأسًا: قيل نصب على التمييز، وقيل: على أنه مصدر، وقيل: على أنه مفعول له. أي نعوذه لأجل بأسه وإقدامه.
يقول: إذا رأينا بأسه وإقدامه. خفنا عليه من العيون، فنعوذه من شر العيون أن تصيبه، ورفعنا أصواتنا بالدعاء له، حتى ينصرف الله عنه العين.
رضينا والدّمستق غير راضٍ بما حكم القواضب والوشيج
الدمستق عند الروم: قائد الجيش مثل اسفهسالار عند الفرس والقواضب: السيوف والوشيج: في الأصل. أصول الرماح، وعروقها التي تنبت عليها الرماح، ثم سميت الرماح بمنبتها.
يقول: نحن رضينا بما حكمت السيوف والرماح، والدمستق غير راض بذلك، لأنها حكمت لنا بالظفر والنصر، وعلى الدمستق بالقتل والهزيمة.
فإن يقدم فقد زرنا سمندو وإن يحجم فموعده الخليج
سمندو: مدينة في بلاد الروم، وأراد بالخليج: خليج قسطنطينيه: وهي دار مملكة الروم.
يقول: إن أقدم فنحن توسطنا بلاده، حتى نزلنا على سمندو، وإن أحجم عنا فالموعد بيننا وبينه أن ننزل على الخليج ونحاصره في دار مملكته.
[ ١ / ٢٥٣ ]
ومر سيف الدولة بسمندو وعبر آلس وهو نهر عظيم فنزل على صارخة وأحرق ربضها وكنائسها وربض الخرشنه وما حولها وأكثر القتل، وأقام بمكانه يومًا ثم رحل حتى عبر آلس راجعًا، فلما أمسى ترك السواد وأكثر الجيش وسرى حتى جاز خرشنة، وانتهى إلى بطن اللقان في غد ظهرًا، ولقى الدمستق في الألوف من الخيل، فلما نظر الدمستق إلى أوائل الخيل، ظنها سرية، فثبت لها وقاتل أول الناس حتى هزمهم، وأشرف عليه سيف الدولة فانهزم. قيل: وقتل من فرسانه خلق كثير، وأسر من بطارقته وزراورته ووجوه رجاله خلق كثير نيف على ثمانين، وأفلت الدمستق، وعاد سيف الدولة إلى عسكره وسواده، وقفل غانما فلما وصل إلى عقبة تعرف بمقطعة الأثفار فصادفه العدو على رأسها، فأخذ ساقة الناس يحميهم، فلما انحدر بعد عبور الناس ركبه العدو فخرج من الفرسان جماعة، فنزل سيف الدولة على بردى وهو نهر عظيم وضبط العدو، وعقبة السير صعبة طويلة، فلم يقدر على صعودها لضيقها وكثرة العدو بها، فعدل متيا سرًا في طريق وصفه له بعض أدلته، وأخذ ساقة الناس يحميهم، وكانت الإبل كثيرة مثقلة وجاءه العدو آخر النهار من خلفه، وقاتله إلى العشاء وأظلم الليل، فتسلل أصحاب سيف الدولة يطلبون سوادهم، فلما خف عنه أصحابه سار حتى لحق بالسواد تحت عقبة قريبة من بحية الحدث، فوقف وقد أخذ العدو الجبلين من الجانبين، فجعل سيف الدولة يستنفر الناس فلا ينفر أحد فمن نجا من العقبة نهارًا لم يرجع، ومن بقي تحتها لم تكن فيه نصرة! وتخاذل الناس وكانوا قد ملوا السفر، فأمر سيف الدولة بقتل البطارقة والزراورة ولك من كان في السلاسل - وكان فيها مئات - وانصرف سيف الدولة.
فاجتاز أبو الطيب آخر الليل بجماعة من المسلمين، بعضهم نيام بين القتلى - من التعب - وبعضهم يحركونهم فيجهزون على من تحرك، فلذلك قال:
وجدتموهم نيامًا في دمائكم كأن قتلاكم إيّاهم فجعوا
فقال أبو الطيب: يصف الحال بعد القفول في جماد الآخر سنة تسع وثلاثين وثلاث مئة. ويقال: إنه قد قتل في هذه الغزاة من المسلمين زهاء مئة ألف فارس ولم ينج سيف الدولة إلا في شرذمة يسيرة.
غيري بأكثر هذا النّاس ينخدع إن قاتلوا جبنوا أو حدّثوا شجعوا
قوله: هذا الناس إنما وجه فيه الإشارة، أنه حمله على لفظ الناس ثم قال: إن قاتلوا إلى آخره، فرد الكناية إلى المعنى، وروى: هذا الخلق: وهذا ظاهر.
يقول: غيري ينخدع بأكثر هؤلاء الناس، ويغتر بأقوالهم، فأما أنا، لا أنخدع بهم، ولا أغتر بقولهم، لأني جربتهم فوجدتهم لا خير فيهم، يقولون ما لا يفعلون! فهم في ألسنتهم شجعان، وفي القتال جبناء لا خير عندهم، ولا غناء.
أهل الحفيظة إلاّ أن تجرّبهم وفي التّجارب بعد الغيّ ما يزع
الحفيظة: الشجاعة وأصلها: الغضب؛ لأن الشجاع يغضب عند الحروب، فيحمى عن قومه. وقيل: الحفيظة: الحمية والأنفة، والتجارب: جمع التجربة. ويزع: أي يكف يقول: هم أهل الشجاعة والحمية في الظاهر، وإذا جربتهم ظهر لك ما يزع عن الاغترار بهم، والانخداع بظاهر أحوالهم.
وما الحياة ونفسي بعدما علمت أنّ الحياة كما لا تشتهي طبع؟
الطبع: الدنس، ثم سمى العار والعيب طبعًا وما استفهام في قوله: وما الحياة وموضعها رفع بالابتداء، والحياة: خبره، ونفسي: معطوفة على الحياة. يعني: وما الحياة، وما نفسي.
يقول: ما لنفسي وطلب الحياة، وكيف ترغب نفسي في حياة هي عار عليها، وغير موافقة لها! وقد علمت نفسي أن الحياة إذا كانت تنغص بما لا تشتهيه: مرة فقر، ومرة تعب، فهي طبع وعار.
ليس الجمال لوجهٍ صحّ مارنه أنف العزيز بقطع العزّ يجتدع
المارن: مالان من طرف الأنف. يجتدع: أي ينقطع.
يقول: ليس جمال الرجل في صحة وجهه ومارنه، ولكن جماله في عزته ومنعته، فإن العزيز إذا ذهب عزه ذهب جماله، وكان في الحقيقة مثل من جدع أنفه، لأن السماجة فيه أكثر من قطع الأنف.
أأطرح المجد عن كتفي وأطلبه؟ وأترك ألغيث في غمدي وأنتجع؟!
يقول: المجد وحسن الحال إنما يكسبان بالسيف. فأطرح هذا المجد عن كتفي ثم أطلبه! وأترك سيفي في غمدي، وأنتجع المعروف من وجه آخر! فإذا فعلت ذلك فكأني قد طلبت الأمر من غير وجهه.
[ ١ / ٢٥٤ ]
وقيل: إنه إشارة إلى سيف الدولة. أي كيف أتركه وأطلب الخير والمجد من غيره؟!
والمشرفيّة، لا زالت مشرّفةً دواء كلّ كريمٍ أو هي الوجع
يقول داعيًا للسيوف: إنها لا تزال شريفة، فإن العز بها يدرك؛ لان الإنسان إما أن ينال بغيته بها، أو يقتل بها، فهي داء ودواء.
ومثله قول بعضهم:
من عاش بالسّيف لاقى عيشه عجبًا موتًا على عجل، أو عاش منتصفًا
وفارس الخيل من خفّت فوقرها في الدّرب والدّم في أعطافها دفع
خفت: أي الخيل. والدرب: مضايق الروم. وقيل: الضرب. وهو المضيق في الجبل مثل الباب. والأعطاف: الجوانب. ودفع: أي دفعة بعد دفعة. رجع إلى ذكر سيف الدولة.
يقول: الفارس الشجاع من ثبت خيله وسكنها في الدرب، والدم يجري في أعطافها دفعة بعد دفعة.
وأوحدته وما في قلبه قلقٌ وأغضبته وما في لفظه قذع
وأوحدته: أي جعلته الخيل وحيدًا فريدًا وانفرد عنها، ولم يداخله قلق لوحدته، وكذلك لما أغضبته الخيل، بتقاعدهم عنه، لم يتلفظ بالخنا والفحش.
وروى: وأوجدته: أي أغضبته. من الموجدة وهي الغضب. يعني أن أصحابه لما انهزموا غضب لذلك، ولكن لم يعلق لهذا الغضب ولم يتلفظ بالقبيح.
بالجيش تمتنع السّادات كلّهم والجيش بابن أبي الهيجاء يمتنع
يقول: كل سيد وأمير يمنعه جيشه من الأعداء، ويدفع عنه شرهم، إلا سيف الدولة، فإنه يمنع جيشه بنفسه، ويذب عنه بسيفه.
قاد المقانب أقصى شربها نهلٌ على الشكيم وأدنى سيرها سرع
المقنب: الجماعة من الخيل. والنهل: الشرب الأول، والشكيم: جمع الشكيمة، وهي الحديدة المعترضة في فم الدابة. وسرع: في معنى سريع. وقيل: مصدر سرع سرعًا مثل ضخم ضخما.
يقول: قاد الجيش إلى بلاد الروم، وكان غاية شرب خيله النهل، ومع ذلك كانت لجمها في أفواهها لا تنزع، وكان أقل سيرها سريعًا. فكيف أعلاه؟!
لا يعتقى بلدٌ مسراه عن بلدٍ كالموت ليس له ريّ ولا شبع
لا يعتقى: أي لا يمنع، يقال: عاقه واعتاقه، مقلوب من عقاه واعتقاه ومسراه: مصدر سرى يسري، وهو مفعول لا يعتقى.
يقول: لا يثبت في بلد من بلاد الروم، ولا يعوقه بلد عن آخر، فإذا فتح بلدًا تحاوزه إلى آخر فيفتحه، فكأنه الموت لا يشبع، ولا يروى من هلاك الأنام، وسلب لنفوس. وشبهه بالموت، وشبه البلاد بالنفوس.
حتّى أقام على أرباض خرشنةٍ تشقى به الرّوم والصّلبان والبيع
الأرباض: جمع الربض، وهي نواحي المدينة، وما يبنى حول سورها من خارج. والصلبان: جمع صليب، تزعم النصارى أنه صورة الخشبة التي صلب عليها المسيج. وخرشنة: بلد أو حصن.
يقول: لم يزل يسير في بلاد الروم حتى انتهى إلى خرشنة، ونزل على أرباضها، يغير على نواحيها ويكسر صلبانها ويهدم بيعها
للسّبي ما نكحوا، والقتل ما ولدوا والنّهب ما جمعوا، والنّار ما زرعوا
إنما قال: ما نكحوا وما ولدوا لأحد ثلاثة أوجه.
أحدها: أنه أجراهم مجرى ما لا يعقل من البهائم، فاستعمل لهم لفظ ما لأنها لما لا يعقل.
والثاني: أن ذلك لغة حكاها أبو زيد عن أهل الحجاز. قال، يقولون: سبحان ما يسبح الرعد بحمده.
والثالث: أنه في معنى المصدر، تقديره: للسبي نكاحهم، وللقتل ولادتهم.
يقول: إنه كان يسبي نساءهم، ويقتل أولادهم، وينهب أموالهم ويحرق زرعهم.
مخلىً له المرج منصوبًا بصارخةٍ له المنابر، مشهودًا بها الجمع
مخلى: في موضع نصب على الحال. وكذلك منصوبًا ومشهودًا والهاء في بها تعود إلى صارخة. والمرج وصارخة: موضعان من نواحي خرشنة، وهي من أوسط ممالك الروم.
يقول: أخلى له هذان الموضعان. ونصب له بصارخة المنابر، وبني فيها المساجد، وأقام الجمعة، فشهد الناس الجمع بها.
يطمّع الطير فيهم طول أكلهم حتّى تكاد على أحيائهم تقع
الطير: مفعول يطمع. وطول: فاعله.
يقول: إن الطير قد تعودت أكل لحوم القتلى منهم، فتكاد تقع على أحيائهم، فضلا عن موتاهم.
ولو رآه حواريّوهم لبنوا على محبّته الشّرع الّذي شرعوا
يقول: إنه مع نكايته فيهم، محبوب إلى قلوبهم لشجاعته وسخاوته، فلو رآه حواريّ النصارى لبنوا شريعيتهم على محبته.
[ ١ / ٢٥٥ ]
ذمّ الدّمستق عينيه وقد طلعت سود الغمام فظنّوا أنّها قزع
القزع: السحاب المتفرق.
يقول: إن عيني الدّمستق كذّبتاه، حتى ظنّ جيشك العظيم، الذي هو بمنزلة الغمام الأسود، أنه قليل، بمنزلة القطع المتفرقة من السحاب، فلما علم ذلك ذم عينيه، وإنما خص الغمام الأسود، لأنه أهول منظرًا وأكثر في السماء إجراء وتراكمًا، فهو إشارة إلى الكثرة، ولأن فيها تكون الصواعق أكثر من غيرها، فهي بمنزلة الجيوش.
فيها الكماة الّتي مفطومها رجلٌ على الجياد الّتي حوليّها جذع
الكمى: الشجاع المتكمي في السلاح أي المستتر. وقيل: إنما سمى كميًا؛ لأن مواضع مقاتله كمى على قرنه. والحولي: الذي أتى عليه حول. والجذع: الذي تم له حولان.
يقول: في هذه الغمام السود، الشجعان الذي كل طفل منهم كأنه رجل؛ لشدته، أو كأنه أرجل من غيرهم، وكل مهر حولي من خيلهم كأنه جذع لقوته أو كأنه جذع من أفراس غيرهم.
يذرى اللّقان غبارًا في مناخرها وفي حناجرها من آلس جرع
اللقان: جبل في بلاد الروم. وقيل موضع. وآلس: نهر. وقيل بينهما مسيرة يومين. ويذرى: أي يثير ويفرق. وفيه معنيان.
أحدهما: أنه يريد سرعة السير أي أن الخيل شربت الماء من آلس وسارت منه ووصلت إلى اللقان، والماء بعد في حلوقها لم تسغه فاختلط غبار اللقان في مناخرها، بماء آلس في حناجرها.
والثاني: أنه يريد كثرة الجيش حتى أن أوله يثير الغبار باللقان، وآخره على آلس يشرب من مائه كما قال غيره:
بيثرب أخراه وبالشّام قادمه
كأنّها تتلقّاهم لتسلكهم فالطّعن يفتح في الأجواف ما يسع
يقول: كأنه خيله تتلقى الروم لتسلكهم وتنفذ فيهم، كما ينفذ السهم، فالطعن يفتح لهم في أجواف أعدائهم ما تسع الفارس وفرسه. يعني أن كل طعن كأنه درب يسع الفارس، فلو أراد السلوك فيها أمكنه..
تهدى نواظرها والحرب مظلمةٌ من الأسنّة نارٌ والقنا شمع
نار: فاعل تهدى ومفعوله. نواظرها. والهاء للخيل. والقنا: في موضع الجر عطفًا على الأسنة، ويجوز أن يكون في موضع الرفع على الابتداء، وشمع: خبره، والجملة في موضع النصب على الحال.
يقول: إذا أظلمت الحرب بالغبار، وتحيرت فيها عيون الفرسان، هداها لمع الأسنة في الرماح.
شبه القنا بالشمع، والأسنة بالنار التي في رءوسها، وهذا تشبيه بديع.
دون السّهام ودون الفرّ طافحةٌ على نفوسهم المقوّرة المزع
الفر: الفرار، وطافحة: أي مرتفعة، من طفحت القدر إذا جاشت وعلا زبدها. والمقورة: الخيل الضامرة. والمزع: السراع.
يعني أن هذه الخيل الضامرة السراع، واثبة على نفوس الأعداء عالية عليهم، وحائلة بينهم وبين الرمي بالسهام، والفرار بالانهزام، بل تسبق إليهم الخيل دون ذلك.
وروى: دون السهام ودون القر والمراد بالسهام: السموم، وهي الحر والقر: البرد والمزع بكسر الميم وفتح الزاي، والمقورة: الدرع، والمزع: صفتها، وهي الخلقة.
يعني أن خيله لا يلبسها من الحر والبرد والثياب المعتاد، ولكن دروع أخلقتها كثرة اللبس، والمداومة عليها.
إذا دعا علجًا حال بينهما أظمى تفارق منه أختها الضّلع
أراد بالعلج: الرومي. وبالأظمى: الرمح الأسمر.
يقول: إذا دعا الرومي روميًا آخر لينصره حال بين الداعي والمدعو. رمح أظمى، فيفرق بينهما، كما يفرق أحد الأضلاع من الآخر. والهاء في منه تعود إلى الأظمى وفي أختها إلى الضلع وهي المقدمة في المعنى، ورفعها لأنها فاعلة: تفارق.
أجلّ من ولد الفقّاس منكتفٌ إذ فاتهنّ، وأمضى منه منصرع
ولد الفقاس: هو الدمسق والمنكتف: المشدود إليه إلى خلف. والكناية في فانهن تعود إلى خيل سيف الدولة، وهي المعبر عنها بسود الغمام.
يقول: إن كان الدمستق قد نجا بنفسه، وفات خيلك، فقد أسر من أصحابه من هو أجل منه، وصرع منهم من هو أشجع منه.
وما نجا من شفار البيض منفلتٌ نجا ومنهنّ في أحشائه فزع
الشفار: جمع الشفرة، وهي حد السيف. وأراد بالبيض: السيوف، والأصل فيه الصفة، ثم صار اسمًا لها، والكناية في منهن تعود إلى الشفار. ومنفلت ليس بالفصيح. والجيد المفلت والأول أيضًا لغة.
[ ١ / ٢٥٦ ]
يقول: إن كان الدمستق قد نجا من سيوفك، فلم يفلت إلا وقلبه مملوء من الفزع، فقد حل في قلبه من الخوف ما يقوم مقام قتله. ومثله لأبي تمام:
إن ينج منك أبو نصر فعن قدرٍ ينجو الرجال ولكن سله كيف نجا؟!
يباشر الأمن دهرًا وهو مختبلٌ ويشرب الخمر حولًا وهو ممتقع
المختبل: الفاسد العقل. والممتقع: المتغير اللون.
يقول: قد دخل قلب الدمستق من الخوف، ما يباشر معه الأمن دهرا طويلا، وعقله زائل ويشرب الخمر حولا كاملا ولونه حائل، لشدة الفزع الذي حصل له، مع أن شرب الخمر يظهر في اللون حمرة.
كم من حشاشة بطريقٍ تضمّنها للباترات أمينٌ ما له ورع
الحشاشة: بقية النفس. والبطريق: عند الروم القائد. وتضمنها: أي تكفل بها. والمراد بالأمين: القيد.
يقول: كم من روح قائد من قواد الروم تكفل بها للسيوف القواطع القيد، وهو أمين، حتى يرد عليها، وإن لم يكن له ورع يكفه عن الخيانة.
وقيل: أراد بالأمين سيف الدولة، وتركه للتورع هو أنه يقتلهم لأنهم كفار، ويعرض عن عفوهم، إذ التورع يقتضي ذلك. والأول أولى.
يقاتل الخطو عنه حين يطلبه ويطرد النّوم عنه حين يضطّجع
يقاتل الخطو عنه: الضمير في عنه للبطريق.
يقول: إذ طلبه خطوه لينجيه، دفع القيد عنه فجعل ذلك مقاتلة بين الخطو وبين القيد، وإذا أراد أن ينام طرد عنه النوم هذا القيد. وهذا أحسن المعاني في وصف القيد. وقد قال أبو نواس مثله أو قريبًا منه:
إذا قام أعيته على السّاق حلقةٌ بها خطوه عند القيام قصير
تغدو المنايا فلا تنفكّ واقفةً حتّى يقول لها: عودي، فتندفع
تندفع: أي تسير سيرًا سريعًا.
يقول: إن الموت تحت طاعته، فيغدوا كل يوم، فيقف بين يديه، انتظارًا لأمره، فإذا أمره بالوقوع بالأعداء يقول له: اعد إليهم، اندفع إليهم في السير، وأسرع في إجابته وطاعته، فأتى على أرواحهم.
قل للدمستق: إن المسلمين لكم خانوا الأمير فجازاهم بما صنعوا
يقول: إن المسلمين بفتح اللام: أي الذين أسلمهم سيف الدولة إلى أعدائهم ولم يذب عنهم، إنما فعل ذلك لأنهم خانوه، وخالفوا أمره، فتركهم حتى ظفر بهم العدو، وجعل ذلك جزاء مخالفتهم لأمره، ومعناه: أنهم لما خالفوه لم يظفروا بعدوهم.
وجدتموهم نيامًا في دمائكم كأنّ قتلاكم إيّاهم فجعوا
لما انهزم أصحاب سيف الدولة، التجأ من لا يمكنه الفرار منهم إلى قتلى الكفار، وطرح نفسه بين القتلى، وتخضب بدمائهم؛ ليحسب أنه قتيل فلا يتعرض له.
فيقول: إنما أسرتم كل عاجز لم يكن له حيلة سوى أن يطرح نفسه بين القتلى، ويخضب بدمائهم، فكأنه هو الفجيع بقتلاكم، يلقى نفسه عليهم أسفًا، ويتخضب بدمائهم جزعًا
ضعفي تعفّ الأعادي عن مثالهم من الأعادي وإن همّوا بهم نزعوا
يقول: الذين أسرتموهم، وقتلتموهم كانوا ضعفى، بحيث إذا ظفر العدو بعدوه على حالة مثلها أمسك عنه، وإن هم بقتله نزع عنه: أي كف عنه، لأن حاله شر من القتلى.
وروى: وإن هموا وإن نزعوا أي لا يقتلهم العدو وإن هموا بقتلهم، ومالوا إليه.
لا تحسبوا من أسرتم كان ذا رمق فليس يأكل إلاّ الميّت الضّبع
يقول: لا تظنوا أن من أسرتم كان حيًا، بل لم تأسروا إلا كل ميت لم يبق فيه رمق، لأنكم كالضبع، والضبع لا يأكل إلا الميت فلو كانوا أحياء لما أمكنكم أسرهم.
هلاّ على عقب الوادي وقد صعدت أسدٌ تمرّ فرادى ليس تجتمع؟
العقب: جمع عقبة. وروى على عقب الوادي: وهو أسفله وآخره. وقيل: هو موضع بعينه.
يقول: فهلا أسرتم، أو هلا وقفتم أو حاربتم حين عبرنا الوادي وصعدنا عقبه، وكانت خيلنا كالأسود، تمر فرادى للحرب لا يتوقف بعضها لبعض.
تشقكم بفتاها كلّ سلهبةٍ والضرب يأخذ منكم فوق ما يدع
روى: بقناها: أي برماحها. وروى: بفتاها، والمراد به سيف الدولة. والسلهبة: الفرس الطويلة، وقيل: الضامرة الخفيفة.
يقول: هلا تعرضتم لنا حين كانت الخيل السلاهب تشقكم برماحها، أو بفتاها: أي تحمل إليكم رجلا يقتلكم، أو رماحًا تطعنون بها. وقوله: الضرب يأخذ منكم فوق ما يدع أي أن من قتل منكم وجرح أكثر ممن سلم وتخلص من القتل والجرح.
[ ١ / ٢٥٧ ]
وإنّما عرّض الله الجنود بكم لكي يكونوا بلا فسلٍ إذا رجعوا
يقال: عرضته للسيف: أي أمكنت السيف من عرضه، أي جانبه. والفسل: الضعيف الردىء من الرجال.
يقول: إنما مكنكم الله تعالى من جيش سيف الدولة ليتطهروا من الأوباش، فلا يبقى فيهم إلا كل شجاع فاتك فيعاودكم جيشة ليس فيه إلا الحماة والكماة.
فكلّ غزوٍ إليكم بعد ذا فله وكلّ غازٍ لسيف الدّولة التّبع
يقول: قد صفا جيشه من كل فسل، فكل غزو بعد هذا الغزو هو لسيف الدولة، والظفر له دونكم، وكل غاز تابع له، وداخل في جملته.
تمشي الكرام على آثار غيرهم وأنت تخلق ما تأتي وتبتدع
يقول: كل كريم يتبع في كرمه من تقدمه من الكرام، وأنت تحدث من الكرم ما لا يسبقك إليه أحد، وتبتدع ابتداعًا، ليس لأحد مثله!
وهل يشينك وقتٌ كنت فارسه وكان غيرك فيه العاجز الضّرع
يشينك: أي يعيبك. والضّرع: الضعيف. والهاء في فارسه للوقت وكذلك في فيه وكان أصله: فارسًا فيه. إلا أنه أضافه إليه.
يقول: أي عيل لك، إذا ثبت وانهزم أصحابك! ليس فيه عيب، بل فيه فخر، لأنه أظهر شجاعتك وعجز غيرك.
وقيل: معناه ما شانك وقت من الأوقات في الحروب لأنك لم تنهزم قط، في وقت انهزم غيرك فيه، بل كنت الغالب وغيرك العاجز.
من كان فوق محلّ الشّمس موضعه فليس يرفعه شيءٌ ولا يضع
يقول: أنت أعلى من أن تضع الهزيمة من قدرك، أو يرفع الظفر محلك؛ لأنك فوق الشمس ومن كان كذلك لا يضع منه شيء ولا يرفعه؛ لأنه لا نهاية فوقه.
لم يسلم الكرّ في الأعقاب مهجته إن كان أسلمها الأصحاب والشّيع
يقول: إن أصحابه أسلموه فإن كره في أعقاب عدوه لم يخذله، فلم يضره خدلان أصحابه وأشياعه إياه. والهاء في أسلمها للمهجة.
ليت الملوك على الأقدار معطيةٌ فلم يكن لدنيٍّ عندها طمع
يقول: لو أن الملوك يعطون الناس على أقدارهم، لم يطمع الدنيء في الاتصال بهم والقرب منهم. كأنه يعرض بسيف الدولة، أنه لو كان ينفي الأراذل من جنده لم تتنفق هذه الهزيمة عليه. ويعرض بشعرائه، لأنهم لا يستحقون ما يستحقه من العطاء.
رضيت منهم بأن زرت الوغى فرأوا وأن قرعت حبيك البيض فاستمعوا
حبيك البيض: طرائقه.
يقول: كنت رضيت من جندك أن يكونوا نظارة، وإن ضربت الأعداء سمعوا صوت وقع السيف على رءوس الأعداء وبيضهم.
وقيل: إنه تعريض لبعض شعرائه. ومعناه: وقد رضيت منهم أن يحضروا القتلا، وأن يروا ضربك الأعداء، ويستمعوا وقع الصوت على بيضهم، ومن الواجب ألا ترضى منهم بذلك، بل كان يجب أن يضربوا بين يديك، كما أضرب أنا. والأول أظهر.
لقد أباحك غشًا في معاملةٍ من كنت منه بغير الصّدق تنتفع
يقول: قد أوسع في الغش معك، في معاملة، من كذبك من نفسه، وأظهر لك غير ما في ضميره، ونافقك في موالاته.
الدّهر معتذرٌ والسّيف منتظرٌ وأرضهم لك مصطافٌ ومرتبع
المصطاف: موضع الإقامة في الصيف والمرتبع: في الربيع.
يقول: هذه الهزيمة كانت زلة من الدهر، فهو يعتذر منها إليك، وسيفك ينتظر معاودتك غزوهم، ليتلافى ما فرط، وأرضهم لك تنزلها أيام الصيف والربيع، ولا يقدرون على ردك عنهم، ودفعك عن ديارهم.
وما الجبال لنصرانٍ بحاميةٍ ولو تنصّر فيها الأعصم الصّدع
الأعصم: الوعل الذي في إحدى يديه بياض. والصدع: الوعل بين السمين والهزيل. وقيل: الوعل اللطيف الجثة.
يقول: لو التجأت النصارى إلى الجبال لم تمنعهم منك، حتى لو تنصرت الأوعال التي في الجبال لكنت تصطادها بقوتك وتمضي فيها مرادك.
وما حمدتك في هولٍ ثبتّ له حتى بولتك والأبطال تمتصع
تمتصع: أي تقتتل يقول: لم أمدحك في شعري إلا بعد أن جربتك وشاهدتك ثباتك في الأهوال، ومضاربتك فيما بين الأبطال.
فقد يظنّ شجاعًا من به خرقٌ وقد يعدّ جبانًا من به زمع
الخرق: الطيش. والزمع: الروية والعزم، وقيل: هو الثبات، وقيل: رعدة تصيب الرجل عند الغضب.
يقول: لم أمدحك إلا بعد التجربة فقد يحسب الأخرق المتهور في الحروب من غير تدير شجاعا، ويحسب الشجاع إذا قدم بالتدبير والعزم والثبات على الحروب جبانًا أو إذا رؤى زمعه وارتعاده من الغضب يظن أنه جبان.
[ ١ / ٢٥٨ ]
إنّ السّلاح جميع النّاس تحمله وليس كلّ ذوات المخلب السّبع
كل ذوات المخلب السبع: مبتدأ وخبر. في موضع نصب بخبر ليس، والاسم: مضمر وهو ضمير الأمر والشأن. وقيل: إن ليس ها هنا بمنزلة ما في لغة بني تميم لا ينصب خبرها.
يقول: ليس كل من يحمل السلاح شجاعًا، كما أن ليس كل ذي مخلب أسد، فقد يحمل الجبان السلاح كما يحمله الشجاع، وقد يكون لغير الأسد مخلب، كالكلب والذئب والضبع، كما يكون للأسد.
وتوقف سيف الدولة في الغزاة الصائفة في جمادي الآخرة سنة أربعين وثلاث مئة ببقعة عربسوس على افتراق القرى ثم أصبح صافا يريد سمندو، وقد اتصل به أن العدو بها جامعًا معد في أربعين ألفا، فتهيب جيش سيف الدولة الإقدام عليها، وأحب سيف الدولة المسير إليها، فاعترضه أبو الطيب وأنشده ارتجالا فلما بلغ إلى قوله:
وإن كنت سيف الدّولة العضب فيهم
قال سيف الدولة: قل لهؤلاء وأومأ بيده إلى من حوله من العرب والعجم - يقولوا كما تقول حتى لا ينثني الجيش، فما تجمل أحد منهم بكلمة.
نزور ديارًا ما نحبّ لها مغنى ونسأل فيها غير سكّانها الإذنا
المغنى: المنزل. والضمير في لها وسكانها للديار.
يقول: نحن نزور ديارًا لا نحب مغانيها، لأنها ديار الأعداء، لا ديار الأحباب، وإن كانت هذه ليست بزيارة، غير أن الصورة صورة الزيارة، لأنا لا نريد المقام بها كما يفعل الزائر، ونحن نسأل لدخول هذه الديار الإذن من غير سكانها الذين هم الروم، فنستأذن سيف الدولة، وندخلها بإذنه.
نقود إليها الآخذات لنا المدى عليها الكماة المحسنون بها ظنّا
الكناية في إليها ولها للديار، وفي عليها بها للآخذات، والمدى: الغاية. يقال: أخذ هذا الفرس المدى: إذا سبق.
يقول: نقود إلى ديار الروم خيلًا سوابق، عليها شجعان، يحسنون الظن لأنهم جربوها فعرفوها بالجودة.
ونصفي الّذي يكنى أبا الحسن الهوى ونرضى الّذي يسمى الإله ولا يكنى
يقول: نصفي الحب للّذي كنيته: أبو الحسن، وهو سيف الدولة، ونرضي الله تعالى، وذلك اسمه، ولا يجوز أن يكنى.
وقد علم الرّوم الشّقيّون أنّنا إذا ما تركنا أرضهم خلفنا عدنا
يقول: قد علم الروم الأشقياء أنا إذا ارتحلنا عن ديارهم، عدنا إليها مرة أخرى، ولا نزال نعاودهم حتى نستأصلهم.
وإنّا إذا ما الموت صرّح في الوغى لبسنا إلى حاجاتنا الضّرب والطّعنا
صرح: ظهر، وانكشف.
يقول: قد علموا أنا نخوض الضرب والطعن، حتى نصل إلى مرادنا ولا يردنا عنه الموت الصريح.
قصدنا له قصد الحبيب لقاؤه إلينا، وقلنا للسّيوف هلمّنّا
الضمير في له يعود إلى الموت. وفي قوله لقاؤه إلى الحبيب.
يقول: إذا ظهر الموت في الحرب قصدنا إليه مسرعين. كما نقصد جيبًا نشتهي لقاءه وأشهدنا علينا السيوف، وقلنا لها تعال إلينا. وهلم: اسم للفعل ومعناه: تعال، وهو مركب من فعل وحرف أصلها لم فها تنبه ولم أمر من لم. إذا أتاه والأمر: لم يا رجل. وألم يلم والأمر منه ألمم. ثم جعلا اسمًا واحدًا. وقيل: هلم فيه لغتان: إحداهما: التسوية بين المذكر والمؤنث والتثنية والجمع.
والثانية: التمييز فتقول: هلما: يا رجلان وهلموا يا رجال، وهلمي يا امرأة. وما في البيت على هذه اللغة، لأنه خطاب للسيوف وأصله هلمي يا سيوف ثم أدخلوا عليه النون الثقيلة فحذفت الياء لسكونها وسكون النون الأولى بعدها فبقي: هلمن فعلى هذا يكون بكسر الميم كما تقول: اضربن يا امرأة. وحكى عن المتنبي أنه كان ينشده بضم الميم، فعلى هذا يكون أجرى السيوف مجرى المذكرين ممن يعقل. كقوله تعالى: " كلّ في فلكٍ يسبحون " ورأيتهم لي ساجدين. وكان أصله هلموا فلما أدخل عليه النون للتأكيد الثقيلة حذفوا الواو؛ لسكونها وسكون النون الأولى، لأن النون الثقيلة كالتنوين.
وخيلٍ حشوناها الأسنّة بعدما تكدّسن من هنّا علينا ومن هنّا
حشوناها الأسنّة: أي طعنّاها، وأدخلنا الأسنّة في جلودها، أي رب خيل ملأنا جلودها بالأسنة، بعدما اجتمعن علينا من ها هنا وها هنا، أي من كل جانب. أو من اليمين والشمال، حتى تفرقت عنا مدبرة بين أيدينا.
ضربن إلينا بالسّياط جهالةً فلمّا تعارفنا ضربن بها عنّا
[ ١ / ٢٥٩ ]
وروى: فلما تلاقينا وتقارعنا وجهالة: نصب على أنا المفعول له.
يقول: لما رأونا ضربوا خيولهم إلينا؛ لجهلهم بنا، فلما عرفوا أمرنا ولوا عنا، يضربون خيولهم بالسياط للهرب عنا، كما كانوا يضربونها للإقبال علينا.
وقيل: معناه أنهم ظنونا عسكر الروم فأقبلوا نحونا، فلما تحققوا الأمر ولوا عنا هاربين مستحثين خيولهم.
تعدّ القرى والمس بنا الجيش لمسةً نبار إلى ما تشتهي يدك اليمنى
تعد: أي تجاوز. والمس بنا: أي اقصد بنا. نبار: أي نسابق أو نسبق. والتاء في تشتهي: للخطاب لسيف الدولة، فيكون يدك منصوبًا. وقيل: راجع إلى اليد، فيكون مرفوعًا.
ومعناه: تجاوز قرى الروم، وأعرض عن الإعادة، واقصد بنا جيش الروم، لكي نسبق في طاعتك، وما تشتهيه يدك اليمنى، فنكون أطوع لك منها.
وقيل: معناه أنا نكون كالرماح نسبق السيف في يدك.
فقد بردت فوق اللّقان دماؤهم ونحن أناسٌ نتبع البارد السّخنا
بردت: جمدت. واللقان: موضع.
يقول: إذا أردت دماء الذين قتلناهم، فاقصد بنا إليهم، لتجري دماؤهم الآن، لأنا قوم نتبع البارد. الحار.
وإن كنت سيف الدولة العضب فيهم فدعنا نكن قبل الضّراب القنا اللّدنا
يقول: إن كنت سيفًا قاطعًا ماضيًا في الروم، فاجعلنا أرماحًا لينة، لنسبق ضربك، أي قدمنا أولًا إلى الحرب، فنكون مثل الرماح، يبدأ بها في القتال فإذا كسرت وآل أمرها إلى الضراب، رجعت النوبة إليك؛ لأنك سيف قاطع، ومثله:
فلمّا أن توافينا قليلًا أنخنا للكلاكل فارتمينا
فلمّا لم ندع قوسًا وسهمًا مشينا نحوهم ومشوا إلينا
فنحن الألى لا نأتلي لك نصرةً وأنت الّذي لو أنّه وحده أغنى
الألى: بمعنى الذين. لا نأتلي: أي لا نقصر. ونصرة: نصب على التمييز. وقيل: أصله في نصرة ثم حذف حرف الجر، وأوصله إلى ما بعده فنصبه.
يقول: نحن لا نقصر في نصرتك، مع أنك لا تحتاج إلى نصرة أحد، بل في غنائك ما يكفي كل الأعداء.
يقيك الرّدى من يبتغي عندك العلا ومن قال: لا أرضى من العيش بالأدنى
يقول: من طلب عندك العلا صار وقاية لك، وجعله الله فداء لك، وكذلك من لا يرضى بالأدنى من العيش، وطلب أقصاه، يقيك الهلاك بنفسه، فإنه لا يدرك منا إلا بك في حياتك.
يعني: إذا كنا نطلب عندك العلو وصفو العيش، فلا بد أن نتقدمك في الحرب، ونجعل نفوسنا وقاية لك، وإن كنت تغتني عنا بنفسك.
فلولاك لم تجر الدّماء ولا اللها ولم يك للدّنيا ولا أهلها معنى
القياس: فلولا أنت. كقوله تعالى: " لَوْلاَ أَنْتُم لَكُنَّا مًؤْمِنين " لأن الاسم بعد لولا مبتدأ، فإذا وقع الضمير بعدها، يجب أن يكون ضمير رفع منفصل، ولكنه أقام ضمير المجرور مقام المرفوع، واللها: الدراهم والدنانير.
يقول: الدماء كلها تجري بسيفك، والعطايا تجري على يديك، وأنت معنى الدنيا وزينة أهلها، فلولا أنت لم يكن للدنيا ولا لأهلها معنى، ولم يكن شجاعة ولا جود.
وما الخوف إلا ما تخوّفه الفتى ولا الأمن إلاّ ما رآه الفتى أمنا
تخوفه: أي يخافه.
يقول: الخوف والأمن، ما تصوره الإنسان في نفسه، فإذا تصور في الشيء أنه مخوف خافة، وإن لم يكن مخوفًا وإذا تصور في نفسه أن الشيء مأمون أمن منه، وإن لم يكن كذلك في الحقيقة، وفيه حث على قتال الروم، ومنع من الخوف منهم.
وقال أيضًا يمدحه ويذكر هذه الغزاة وأنه لم يتم له قصد خرشنة؛ بسبب الثلوج وهجوم الشتاء.
عواذل ذات الخال فيّ حواسد وإنّ ضجيع الخود منّي لماجد
الخال: قيل هو الخيلاء، أي ذات الخيلاء. وقيل أراد به: الخال الذي يكون في الخد، مثل الشامة وجمعة خيلان. والخود: الناعمة الحسنة الخلق. والماجد: الكثير الشرف، وكنى به عن العفيف.
يقول: إن النساء اللواتي يعذلن هذه الجارية ذات الخال في وصلها إياي لسن بعواذل في الحقيقة، وإنما هن الحواسد، يحسدونها علي، بحبي إياها. ثم استأنف وقال: إن ضجيع الخود مني لماجد أي إذا ضاجعتها عففت عنها، ولم ينلها من جهتي عار. وأراد بالضجيع نفسه وهمته ولهذا قال منى أي أن الذي يضاجعها منى ماجد عفيف.
يردّ بدًا عن ثوبها وهو قادرٌ ويعصى الهوى في طيفها وهو راقد
[ ١ / ٢٦٠ ]
فاعل يرد ضمير الضجيع، وكذلك جميع الكنايات تعود إليه.
يقول: إذا خلوت معها رددت يدي عنها وأمسكتها عن ثوبها، ولو أردت لقدرت منها على ما اشتهيت، وإذا رأيت طيفها في النوم عصيت الهوى فيه، وعففت عنه، فحالي في النوم مع الطيف كحالي في اليقظة معها.
ومعناه: أن الفاحشة لا تخطر ببالي لاستعمال العفة في اليقظة، لأن الإنسان إنما يرى في المنام ما حدثته به نفسه في حال اليقظة، وأخذ منه التهامي هذا المعنى فقال:
إذا ما أراد الطّيف تقبيل ثغره ثنى وجهه عن لثمه بلثامه
فكيف يرجّى منه حال انتباهه حنوًّا، فهذا فعله في منامه
متى يشتفي من لاعج الشّوق في الحشى محبّ لها في قربه متباعد
لاعج الشوق محرقه، وفاعل يشتفي محب.
يقول: متى يشتفي العاشق من شوقه المحرق له، إذا كان في حال قربه من الحبيب متباعد منه. يعني أن العاشق إنما يداوي شوقه بلقاء حبيبه، فإذا باعده أيام قربه لم يشتف منه.
إذا كنت تخشى العار في كلّ خلوةٍ فلم تتصبّاك الحسان الخرائد؟!
تتصباك تستميل قلبك. وقيل: تحملك على الصبي. وتعرضك له، والخريدة: الجارية الناعمة.
يخاطب نفسه ويقول: إذا كنت تختار العفاف في كل خلوة وتعد القرب من الحسان عارًا، فلماذا تعشقك النساء الحسان؟! ومالك والتعرض للهوى! وقريب منه:
من راقب النّاس مات غمًّا وفاز باللّذة الجسور
ألحّ عليّ السّقم حتّى ألفته وملّ طبيبي جانبي والعوائد
ألح دام والعوائد جمع العائد؛ وخص النساء لأنهن أعطف قلوبًا، وأدوم على العيادة، فإذا ملت النساء من العيادة فالرجال أكثر ملالًا.
يقول: إن السقم قد لازمني حتى ألفته واستأنست به، وحتى ملني الطبيب والعوائد وأسلموني لما بي.
مررت على دار الحبيب فحمحمت جوادي، وهل تشجو الجياد المعاهد؟!
تشجو أي تحزن والجياد مفعوله والمعاهد الفاعل. وهي المنازل، والواحد معهد.
يقول: مررت بدار الحبيب فعرفت جوادي، فحمحمت لما تذكرت أيامها حين، كنت أزور الحبيب عليها. ثم تعجب وقال: كأن الجياد أيضًا تشتاق إلى الديار! وتشجوها المنازل ومفارقة الأحباب! ثم رجع عن التعجب في البيت الذي بعده.
وما تنكر الدّهماء من رسم منزلٍ سقتها ضريب الشّول فيها الولائد؟
الدهماء الفرس السوداء، وهي الجواد المذكورة قبل، والضريب: اللبن الخاثر والشول: جما شائل وهي الناقة التي قل لبنها، وذلك أحمد اللبن، وألطفه، والهاء في فيه للمنزل. والوليدة: الأمة والخادمة.
يقول: كيف تنكر فرسي أثر الموضع التي كانت الولائد تسقيها اللبن فيه من الشول حتى اعتادت ذلك؟ أي كان من الواجب عليها أن تعرف ذلك، وتحزن لفراق هذا المنزل.
أهمّ بشيٍ واللّيالي كأنّها تطاردني عن كونه وأطارد
أهم بشيء: أي عزم عليه وأريده. والمطاردة: المحاربة. وقوله: أطارد فيه محذوف، أي وأطاردها عن كونه، وأخبر عما يهم به بالنكرة، ليكون أعظم في النفوس.
يقول: إني أحاول أمرًا عظيمًا وأريد أن أحصل مرادي فيه، والأيام تدافع عنه وتحاربني عليه. ومثله لآخر:
يطردني دهري وأحداثه عن كون ما أبغي وما أطلب
وما ينال المرء مأموله ودهره عنه به يهرب
وحيدًا من الخلاّن في كلّ بلدةٍ إذا عظم المطلوب قلّ المساعد
نصب وحيدًا على الحال في الضمير الذي في أطارد أي أطارد الليالي وحيدًا. وروى: مرفوعًا، فيكون خبر ابتداء محذوف. أي أنا وحيد.
يقول: أحاول أمرًا عظيمًا وأنا وحيد فالليالي تدافعني عنه، ولا أجد خليلًا يساعدني عليه، والمطلوب إذا كان عظيمًا قل من أن يساعد طالبه.
وتسعدني في غمرةٍ بعد غمرةٍ سبوحٌ لها منها عليها شواهد
وروى: تساعدني، وهو معنى تسعدني والشواهد: الدلائل والهاء في لها وعليها ومنها للسبوح.
[ ١ / ٢٦١ ]
يقول: يساعدني فيما أطلبه فرسي السبوح، وتقتحم معي الغمرات والشدائد، مرة بعد مرة، ثم وصف فرسه فقال: لها منها عليها شواهد أي لها من خلقها شواهد على عتقها. يعني إذا نظرت إلى حسن أعضائها استدللت على كرمها. وقيل: إن الضمير في لها للسبوح وفي منها وعليها للغمرة. يعني بهذه الفرس شواهد من هذه الغمرة التي خاضتها، وهذه الشواهد التي لها، تشهد على الغمرة بأنها قد خاضتها، وهي آثار الطعن.
وعيب عليه في الجمع بين حروف الجر، والكنايات المتناسبة ولا مطعن عليه. ومثله: في القرآن العظيم قوله تعالى: " وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا "، " وَلِيَ فِيهَا مآرِبُ أَخْرَى " وفي الشعر قول الكميت:
إنّ ابن حزم عمرو من ذوى كرمٍ لي فيه منه علاماتٌ وآثار
تثنّى على قدر الطّعان كأنّما مفاصلها تحت الرّماح مراود
المراود جمع مرود، وهو الحلقة التي في رسن الدابة، يكون فيها مسمار يدور عليها ذلك، فذلك المسمار هو المرود.
يقول: إنها تتمايل وتتصرف بفارسها عند المطاعنه، على حسب ما يحتاج إليه الفارس، فكأن مفاصلها تحت الرماح: المرود الذي يدور في الحلقة، أو تدور الحلقة حيثما أديرت.
وقيل: المرود: هو الذي يكحل به، وهو الميل. فيكون من باب المقلوب ومعناه: كأن الرماح تحت مفاصلها المراود.
والمقصد في الوجهين وصفها بلين المفاصل، وجودة الانعطاف عند الجولان والطعان.
وأورد نفسي والمهنّد في يدي موارد لا يصدرن من لا يجالد
والمهند السيف المطبوع، على مثال سيوف الهند. من لا يجالد أي من لا يحارب، ولا يجيد الضرب بالسيف.
يقول: إني أورد نفسي - وسيفي في يدي - موارد الحرب التي لا يسلم منها إلا كل شجاع فاتك مجيد الضرب.
ولكن إذا لم يجمل القلب كفّه على حالةٍ لم يحمل الكفّ ساعد
الهاء في كفه يعود إلى من في قوله: من لا يجالد.
يقول: الرجل إذا لم يكن له قلب يحمل كفه لم يحملها ساعده، لأن القوة والشجاعة من القلب.
خليليّ إنّي لا أرى غير شاعر فلم منهم الدّعوى منّى القصائد؟
يقول: كلمن أرى يدعي أنه شاعر، ولكنما بلهم اقتصروا على مجرد الدعوى، ولم يشاركوني في المعنى كما يشاركوني في الاسم.
فلا تعجبا؛ إنّ السّيوف كثيرةٌ ولكنّ سيف الدّولة اليوم واحد
يقول: لا تعجبا من حالنا، فأنا واحد في الشعر، وغيري مدع، كما أن السيوف كثيرة، وليس شيء، منها كسيف الدولة، فهو واحد بين السيوف. يعني أنه في الشعر كسيف الدولة في الأمراء، وقوله: اليوم زائدة.
له من كريم الطّبع في الحرب منتض ومن عادة الإحسان والصّفح غامد
يقول: الكرم يبعثه على المحاماة في الحرب والذب، فينتضى من غمده على الأعادي، وله عادة الإحسان والصفح عن المذنب. وذلك يحثه على العفو.
ولمّا رأيت النّاس دون محلّه تيقّنت أنّ الدّهر للنّاس ناقد
يقول: لما رأيت سيف الدولة أعلى الناس محلا، ورأيتهم دونه، علمت أن الدهر ناقد، ينزل كل أحد منزلته.
أحقّهم بالسّيف من ضرب الطّلى وبالأمر من هانت عله الشّدائد
يقول: أحق الناس بأن يسمى سيفا: من يضرب رقاب الأعداء، فيعمل عمل السيف، وأولاهم بالأمر والنهي: من تسهل عليه شدائد الزمان، وليس كذلك إلا سيف الدولة، فلهذا اختص بهذا الاسم، وتفرد بالأمر والنهي.
وقيل: معناه أحقهم بأن يكون صاحب السيف، من يضرب رقاب الأعداء ومن يتحمل شدائد الدهر، أولى بالأمر. وروى: بالأمن بالنون.
وأشقى بلاد الله ما الّروم أهلها بهذا وما فيها لمجدك جاحد
ما الأولى: بمعنى الذي أي الروم أهلها. وما الثانية: للنفي. والضمير في أهلها وفيها يعود إلى معنى ما الأولى، لأنه بمعنى البلدة والأرض. ولمجدك جاحد هذا مثل قوله تعالى: " حَتَّى إذا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْن بِهم " ومثل قول جرير:
متى كان الخيام بذي طلوح سقيت الغيث أيّتها الخيام
استفهم أولا عن الغائب، ثم عدل إلى الخطاب.
وفي إعراب البيت خلل، لأنه إن حمل على أنه فصل بين أفعل، وما هو من تمامه، بخبر الابتداء، وهو قبيح، لأنه قال: أشقى بلاد الله ما الروم أهلها بهذا.
وتأويله: أن قوله: بهذا متعلق بمحذوف يدل عليه أشقى، أي شقوا بهذا.
[ ١ / ٢٦٢ ]
المعنى: أشقى البلاد بك بلاد الروم، وأهلها أشقى الناس بك، لأنها أبدًا بك تخرب بلادهم، وتغير عليهم وتسبي نساءهم، وأهليهم، وهممع ذلك يقرون بفضلك، وشرفك حتى ليس فيهم أحد ينكر ذلك.
شننت بها الغارات حتّى تركتها وجفن الّذي خلف الفرنجة ساهد
شننت أي فرقت بها أي بالروم. والغارات هي التي تغير عليها. والفرنجة ناحية بأقصى بلاد الروم، تجاور الأندلس. وقيل: خلف الفرنجة أراد به قسطنطينية، وهي وراء الفرنجة. وأراد بالذي ملك الروم أو ملك الفرنجة. يعني أغرت على بلاد الروم وعممتها بخيلك وسراياك، حتى صاحب الفرنجة، أو ملك الروم، لا تنام عينه خوفًا منك.
مخضّبة والقوم صرعى كأنّها وإن لم يكونوا ساجدين، مساجد
مخضبة نصب على الحال. أي شنت بها الغارات، وسفكت فيها الدماء، حتى خضبت الأرض بدماء القتلى، فكأن الأرض مساجد مخلقه، والقوم الصرعى فيها، كأنهم ساجدون، وإن لم يكونوا سجودًا في الحقيقة.
شبه الدم بالخلوق الذي يكون في المساجد.
تنكّسهم والسّابقات جبالهم وتطعن فيهم والرّماح المكايد
قال الليث: طعنه بالرمح يطعنه طعنًا، وطعنه بالقول يطعنه طعانًا، ففرق بينهما في المصدر، وأما في المستقبل فمضموم العين. وقيل: يجوز طعانًا في الرمح أيضًا. وعن الليث عن بعضهم: يطعن بالرمح ويطعن بالقول. قال: وكلاهما يطعن. ومثله للكسائي بالضم فيهما. قال الفراء: سمعت يطعن بالرمح. ونكست الفارس عن فرسه: إذا طرحته عنه، على رأسه.
يقول: تحصنوا بالجبال فرارًا منك، فطاعنتهم برماح كيدك، حتى نكستهم عن رءوس الجبال، التي هي كالخيور لهم.
وقيل: أراد بالسابقات الخيل نفسها، أي تقلب بالقتل عن أفراسهم التي هي كالجبال الحصينة، ويصل طعنك إليهم، والذي يوصله إليهم هو رماح المكايد والتدابير. والأول هو الوجه.
وروى والسابقات حبالهم بالحاء. أي حبالك التي تصطادهم بها: خيلك. ومكايدك: رماحك تطعنهم بها.
وتضربهم هبرًا وقد سكنوا الكدى كما سكنت بطن التّراب الأساود
الهبر: أن يقطع اللحم ويبينه عن الجسم يقال: يضرب هبرًا. أي يقطع. وقيل: هو تجاوز الضريبه والكدى جمع الكدية، وهي الأرض الصلبة. والأساود جمع الأسود وهي الحية السوداء.
يقول: فروا منك إلى المغارات والمطامير ودخلوا تحت الأرض كالحية السوداء، فأخرجتهم منها وقتلتهم.
وقيل: معناه ضربتهم هبرًا حتى دخلوا الكدى، خوفا منك، فاستتروا بالمطامير، كالحيات تحت التراب.
وقيل: إن سيف الدولة أسرهم وأدخلهم المطامير.
وقيل: أراد بالكدى القلاع والحصون.
وتضحى الحصون المشمخّرات في الذّرى وخيلك في أعناقهن قلائد
الذرى: رءوس الجبال، الواحد: ذروة. يعني أن خيلك تصعد رءوس الجبال، فتحيط بحصونهم إحاطة القلائد بالأعناق.
عصفن بهم يوم اللّقان وسقتهم بهنزيط حتّى أبيضّ بالسّبي آمد
عصفن بهم أي هلكنهم، والكناية للخيل. وفي بهم للروم، وكذلك ناحية الأرض، من وراء آمد، لأنه ذهب به مذهب البلد أو الموضع، ولأن التأنيث إذا كان غير حقيقي يجوز تذكيره.
يقول: إن خيلك أهلكتهم يوم اللقان، ثم قدت خيلك إلى هنزيط حتى أغرن عليها وسببن ذراريهم ونساءهم، ثم عدت إلى آمد. حتى ابيضت من كثرة السبي الذي ملأها، لأن أهل الروم بيض الألوان وآمد سورها مبني بالحجارة السود، وكذلك دورها كلها سود.
وألحقن بالصّفصاف سابور فانهوى وذاق الرّدى أهلاهما والجلامد
الصفصاف وسابور حصنان. وانهوى أي سقط، والجلامد: الصخور.
يقول: ألحقت خيلك سابور بالصفصاف، لأنها هدمت الصفصاف أولا، ثم ألحقت سابور بها في الهدم والإخراب، وذاق أهلاهما، وصخورهما الهلاك.
وغلّس في الوادي بهنّ مشيّعٌ مبارك ما تحت اللّثامين عابد
[ ١ / ٢٦٣ ]
الضمير في بهن للخيل. وفاعل غلس: مشيع أي جرى، شجاع يشيعه قلبه، ومبارك. بدل من المشيع، وما تحت اللثامين الوجه. أي مبارك الوجه، ميمون النقية. واللثامان: أحدهما، لثام الفم، والآخر لثام الأنف وقيل: أراد بهما الشيب، واللثام المعهود. وقيل: الغبار واللثام. وقيل: تلثم بلثامين. وقيل، أحدهما لثام الفم، الذي هو طرف العمامة، والآخر لثام البيضة. أي سار بخيله بالغلس في الوادي، وهو شجاع مبارك الوجه، عابد متورع، أو لأنه جهاد وغزو، فجميع ما يفعله طاعة وعبادة.
فتىً يشتهي طول البلاد ووقته تضيق به أوقاته والمقاصد
ووقته جر عطفًا على البلاد وفتى بدل من مشيع وما بعده صفة له.
يقول: هو يتمنى طول البلاد التي يقتحمها، أو يتمنى طولها، لتسع جيشه، ويتمنى طول وقته: أي طول عمره، ليدرك غاية همه، فأوقاته تضيق به، لأنه يطلب غاية لا تتسع لها الأوقات، وجيشه عظيم ضاقت عليه البلاد، وقوله: تضيق به يجوز أن يكون حالًا من يشتهى أي يشتهي به ضائقًا به أوقاته، ويجوز أن يكون خبرًا آخر كما كان يشتهي خبرًا وجميعه صفة للفتى، وهو في موضع رفع، وهذا أولى.
أخو غزواتٍ ما تغبّ سيوفه رقابهم إلاّ وسيحان جامد
أخو غزات نعت لفتى وقيل: خبر ابتداء محذوف: أي هو أخو غزوات. ما تغب أي ما تقصر وما تتأخر وسيحان نهر في بلاد الروم. وقيل بحر.
يقول: هو أبدًا يغزوهم ويسفك دماءهم ولا يرجع عن بلادهم، إلا عند شدة البرد وجمد الماء، وإن حملته على البحر كان معناه: أن سيوفه لا تغب رقابهم أبدًا، لأن البحر لا يجمد، فعلق ذلك بأمر محال.
فلم يبق إلاّ من حماها من الظّبي لمى شفتيها والثّديّ النّواهد
الضمير في حماها راجع إلى معنى من إذ المراد به المرأة المسبيه.
يقول: لم يبق من الروم إلا نساؤهم الحسان الوجوه اللمى الشفاة، حماها من السيوف حسنهن وملاحتهن، ونهود ثديهن، فسبين ولم يقتلن.
يبكّى عليهنّ البطاريق في الدّجى وهنّ لدينا ملقياتٌ كواسد
يقول: إن النساء اللاتي سبيناهن، بنات الكبار من الروم ونساؤهم؛ فهم يبكون عليهن، عندما يخلون بأنفسهم في ظلمة الليل، لأنهن أقاربهم، وهو مع ذلك عندنا مهانات ملقيات كواسد، لا يلتفت إليهن لكثرتهن.
بذا قضت الأيام ما بين أهلها: مصائب قومٍ عند قومٍ فوائد
بذا إشارة إلى ما وصفه فيما تقدم، وقيل: إشارة إلى الحال، وهو يذكر ويؤنث.
يقول: هكذا حكم الأيام فيما بين الناس. أن يجعل مصيبة قوم فائدة لقوم؛ لأن هذه السبايا لنا فوائد، وعلى أهلها مصائب.
ومن شرف الإقدام أنّك فيهم على القتل موموقٌ كأنّك شاكر
الموموق المحبوب، من ومقته. والشاكد المعطى.
يقول: شرف الشجاعة أنك تقتلهم، وهم يحبونك! كأنك تعطيهم وتحسن إليهم.
وأنّ دمًا أجريته بك فاخرٌ وأنّ فؤادًا رعته لك حامد
وأن بالفتح عطفا على قوله: أنك فيهم يقول: من شرف الإقدام أن كل دم تجريه يفتخر بك، وكل إنسان قتلته أكسبته شرفًا، وكل فؤاد خوفته وملأته خوفًا يحمدك ويثنى عليك؛ لما يرى من شجاعتك وإقدامك ومثله لآخر:
فإن أك مقتولًا فكن أنت قاتلي فبعض منايا القوم أكرم من بعض
وكلّ يرى طرق الشّجاعة والنّدى ولكنّ طبع النّفس للنّفس قائد
يقول: كل أحد يعرف فضل الشجاعة والسخاء ويعرف الطريق إليهما، ولكن طبع اللئيم يقوده إلى الجبن والبخل، وطبع الكريم يحثه على الشجاعة والبذل، فطبع كل إنسان يقوده إلى ما يميل إليه، إذ الإنسان طوع الطبع.
نهبت من الأعمار ما لو حويته لهنئت الدّنيا بأنّك خالد
يقول نهبت من أعمار الأعداء ما لو جمعته وملكته، وزيد في عمرك، لبقيت في الدنيا خالدًا دائمًا.
وفيه إشارة إلى أن الدنيا مسرورة بكونه فيها، فلو رزق هذه الأعمار، لدام سرورها، وفيه مدح من وجهين: أحدهما: وصفه بالشجاعة المؤدية إلى قتل جماعة الأعداء.
والثاني: أن سرور الدنيا ببقائه، إذ هو زينتها. وقيل: معناه لهنئ أهل الدنيا. حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، كقوله تعالى: " واسْألِ القَرْية " أي أهل القرية.
فأنت حسام الملك والله ضاربٌ وأنت لواء الدّين والله عاقد
[ ١ / ٢٦٤ ]
يقول: أنت سيف الملك، وهو ملك بني العباس، لكن الله تعالى يضرب بك أي ينصرك ويسلطك على الأعداء، وأنت لواء الدين: يعني أنت تظهر شعاره، وتدعو الناس إليه، والله يعقد هذا اللواء؛ لأن ما يعقده الله لا يقدر أحد على حله.
وأنت أبو الهيجا ابن حمدان يا ابنه تشابه مولودٌ كريمٌ ووالد
أبو الهيجاء: أبو سيف الدولة.
يقول: أنت أبوك. أي تشبهه في أفعاله وأخلاقه، يا ابنه نداء لسيف الدولة، معناه: يا ابن أبي الهيجاء أشبهته وأشبهك، فالمولود الكريم، ووالده متشابهان، في الأخلاق والأفعال.
وحمدان حمدونٌ، وحمدون حارثٌ وحارث لقمانٌ، ولقمان راشد
حمدان جد سيف الدولة. وحمدون جد أبيه، وكذلك ما بعده.
يعني: أنك أشبهت أباك، وأبوك أشبه جدك، وجدك أشبه أباه، فكل واحد منكم يشب أباه إلى الجد الأكبر، في الكرم والخصال.
وطعن الصاحب لإيراده لقطة حمدان وحمدون. وليس فيه مطعن لأنه لم يمكنه أن يغير اسم آبائه وأجداده، وأن يجعل مكانة لفظة حسنة يخترعها.
أولئك أنياب الخلافة كلّها وسائر أملاك البلاد الزّوائد
الأنياب جمع الناب. والزوائد ما زاد على الأسنان المعروفة في الفم، وقيل: إنما جعلهم أنياب الخلافة، لأن ذوات الأنياب يسطون بها، وكان الخلفاء يسطون بهم على أعدائهم، وجعل غيرهم من الملوك كالزوائد، لا يحتاج إليها، بل يتأذى بها، فكأنه قال: أنت وآباؤك الأمراء حقًا، وأنتم للخلافة كأنياب يذبون عنها، وغيركم التي لا خير فيها.
أحبّك يا شمس الزّمان وبدره وإن لامني فيك السّها والفراقد
جعله كالشمس وكالبدر. يعني أن الشمس تضيء النهار، والبدر يضيء الليل، وأنت قد جمعت معنيين فاستحققت الاسمين، وجعل غيره من الملوك إلى جنبه كالسها والفرقدين لأن السها: نجم حفي لا يكاد يراه إلا حاد البصر، والفرقدان: نجمان خفيان أيضًا، من بنات نعش الصغرى، وأتى بلفظ الفرقدين، وما حولهما من الكواكب، وقيل: أقام لفظ الجمع مكان لفظ التثنية.
وذاك لأنّ الفضل عندك باهرٌ وليس لأنّ العيش عندك بارد
باهر: أي ظاهر غالب، وبارد: أي طيب.
يقول: أحبك لفضلك، لا لما أناله من طيب العيش عندك، لأن ذلك يحصل في كل موضع.
فإنّ قليل الحبّ بالعقل صالحٌ وإن كثير الحبّ بالجهل فاسد
يقول مؤكدًا لقوله: أحبك يا شمس الزمان، وإن القليل من المحبة مع العقل ينتفع بها، فأنا أحبك بالعقل، فإن قدرت أن محبتي لك قليلة، ولكنها لما كانت مع العقل كانت أنفع من محبة الجاهل إياك؛ لأن العاقل إنما يجب الإنسان لما يرى من فضله، فمحبته دائمة لذي الفضل، وأن الكثير من المحبة مع الجهل، فاسد لا أصل له، لأن الجاهل إنما يحب الإنسان للطمع، فإذا انقطع انقطعت المحبة، فغيري من الشعراء وإن كان يظهر لك من نفسه حبًا كثيرًا؛ فحبه لما كان مع الجهل ليس فيه طائل ومنه قوله:
يحبّ العاقلون على التّصافي وحبّ الجاهلين على الوسام
وقيل: أراد أنت تحبني محبة قليلة، وغيرك من الملوك يحبونني كثيرًا، غير أن محبتك مع العقل، فإنك تعرف فضلي ومحبتهم مشوبة بالجهل بفضلي، والقليل من الحب إذا كان مع العقل، أصلح من الحب الكثير إذا كان مع الجهل.
وقال يمدحه ويعزيه بغلامه التركي يماك، وقد توفي في سحر يوم الأربعاء لعشر بقين من شهر رمضان سنة أربعين وثلاث مئة.
لا يحزن الله الأمير فإنّني لآخذ من حالاته بنصيب
لا حزن الأمير، فإني أشاركه في أحواله. إذا حزن حزنت لأجل حزنه، وإذا سر شاركته في السرور، وهذا معنى قوله: لآخذ من حالاته بنصيب. فكأنه دعاء لنفسه. كما تقول: حرس الله على نعمه ببقائك. وهذا إشارة إلى خلوص الدعاء له وصفاء النية في حبه.
ومن سرّ أهل الأرض ثمّ بكى أسىً بكى بعيونٍ سرّها وقلوب
أسى في موضع نصب، لأنه مفعول له. وقيل: تمييز. والهاء في سرها للعيون وقلوب سرها، فحذف لدلالة الأول عليه.
يقول: من سر الناس كلهم بإحسانه إليهم، ثم بكى لحزن أصابه، ساء بكاؤه الذين سرهم، فكأنه يبكي بعيونهم ويحزن بقلوبهم، ومثله لآخر:
عمّت فواضله فعمّ مصابه فالنّاس فيه كلّهم مأجور
[ ١ / ٢٦٥ ]
وقيل: معناه أن من سر أهل الأرض، إذا بكى لزم كل من سره أن يشاركه على بكائه، حتى تتحقق المحبة التي يقتضيها سرورهم بفعله، وهذا قريب من الأول ومعناه: أنهم شاركوه في حزنه، كما شاركوه في سروره. ومثله ليزيد بن محمد:
أشركتمونا جميعًا في سروركم فلهونا إذ حزنتم غير إنصاف
وإنّي وإن كان الدّفين حبيبه حبيبٌ إلى قلبي حبيب حبيبي
يقول: أنا أحب سيف الدولة، وهذا المدفون حبيبه، فهو إذًا حبيب حبيبي فمن كان حبيب حبيبي فهو حبيب إلى قلبي، فكيف لا أحزن عليه؟!.
وقد فارق النّاس الأحبّة قبلنا وأعيا دواء الموت كلّ طبيب
أعيا: أي أعجز.
يقول: قد فارق الناس قبلك أحبتهم، وذاقوا ألم الفراق، فليس هذا بأول حبيب فارق حبيبه.
سبقنا إلى الدّنيا فلو عاش أهلها منعنا بها من جيئةٍ وذهوب
يقول: لو عاش من كان قبلنا في الدنيا، لضاقت الدنيا علينا، ومنعنا لكثرة أهلها عن المجيء والذهاب، والتصرف فيها.
تملّكها الآتي تملّك سالبٍ وفارقها الماضي فراق سليب
السالب: الآخذ مال غيره قهرًا والسليب: المسلوب.
يقول: إن هذه الدنيا كانت في يد السابق، ثم تنتقل إلى من يأتي بعده، فكأن الآتي سلبها من الماضي، فجعل الوارث الآتي سالبًا، والميت الماضي مسلوبًا والإرث سلبًا.
ولا فضل فيها للشّجاعة والنّدى وصبر الفتى لولا لقاء شعوب
شعوب: اسم الموت، معرفة لا يدخلها التعريف؛ لأنه اسم علم للمنية، فقد اجتمع فيه التأنيث والتعريف.
يقول: لولا خوف الموت، لكان لا يظهر فضل الشجاعة والسخاء والصبر؛ لأن الإنسان إنما جبن خوفًا من القتل، وإذا علم أنه لا يموت ارتفع الجبن، كذلك البخيل، إنما يبخل لأنه يخاف أن تبلغ به الحاجة إلى الموت، فإذا أيقن بالخلود، فقد سمحت نفسه بما في يده، لأنه آمن من الهلاك، ويرجو أن يكتسب فيما يأتي من الزمان، وكذلك من جرح فإنما يجزع خوفًا من الموت، فإذا علم أنه لا يموت، لا فضل لصبره، وفي الموت هذه الحكمة والصلاح.
وأوفى حياة الغابرين لصاحبٍ حياة امرئٍ خانته بعد مشيب
أوفى: أفعل من الوفاء.
يقول: الحياة لا بد لها من النفاد، وآخر غاياتها المشيب، فإذا دام الإنسان حتى يبلغ المشيب، فقد بلغ غاية الحياة، ثم تخونه هذه الحياة في الوفاء له، فأوفى الحياة، هي الحياة التي تخون صاحبها عند المشيب.
لأبقى يماكٌ في حشاي صبابةً إلى كلّ تركيّ النّجار جليب
اللام في قوله: لأبقى في جواب قسم مضمر، أي والله لأبقى. وقيل: اللام للتأكيد. والنجار: الأصل، وهو اللون أيضًا. وجليب: أي مجلوب، وروى في حشاي جراحة.
يقول: إني رأيت من نجابة يماك، وحسن أخلاقه وطاعته لمولاه، ما ترك في قلبي محبة لكل تركي مجلوب من بلاد الترك.
وما كل وجهٍ أبيضٍ بمباركٍ ولا كلّ جفنٍ ضيّق بنجيب
يقول: إني كنت أشتاق إلى تركي، وأعلم أنه لا يشبهه في نجابته وكرامته، إذ ليس كل وجه أبيض مباركًا، وكل جفن ضيق نجيبًا.
وقيل: إنه رجع عما قبله من الاشتياق إلى كل تركي، إذ ليس لكل أحد من الخصال ما فيه.
لئن ظهرت فينا عليه كآبةٌ لقد ظهرت في حدّ كلّ قضيب
الكآبة: الحزن، والقضيب: ها هنا هو السيف.
يقول: إن ظهر علينا الحزن لموته، فقد ظهر أيضًا في السيوف، لفقدها من يضرب بها وطول لبثها في غمودها بعد موته.
وفي كلّ قوسٍ كلّ يومٍ تناضلٌ وفي كلّ طرفٍ كلّ يوم ركوب
التناضل: الترامي بالسهام. والطرف: الفرس الكريم.
يقول: ظهرت الكآبة أيضًا في القوس والفرس.
يعزّ عليه أن يخلّ بعادةٍ وتدعو لأمرٍ وهو غير مجيب
روى بعادة أي بعادة من عادات خدمتك. وروى بغارة يقول: يشتد على هذا الميت أن يخل بعادة من عادات خدمتك، أو يخل بغارة من غاراتك، وأن تدعوه لأمر وهو لا يجيبك، لكن به ما منعه عن ذلك.
وكنت إذا أبصرته لك قائمًا نظرت إلى ذي لبدتين أديب
لبدة الأسد: ما تلبد من الشعر على عاتقه.
يقول: كنت إذا رأيته قائمًا بين يديك في الخدمة، رأيت أسدًا له عقل وأدب. يعني أن الأسد شجاع لا عقل له ولا أدب. وهذا قد جمع الشجاعة والعقل والأدب، فهو أفضل من الأسد.
[ ١ / ٢٦٦ ]
فإن يكن العلق النّفيس فقدته فمن كفّ متلافٍ أغرّ وهوب
العلق خبر يكن والنفيس نعت له، واسمه مضمر. أي إن يك يماك العلق النفيس. يعني إن كان هذا العبد علقًا نفسيًا فقدته، فلا تأسف عليه، لأنك مالك، ومن عادتك إتلاف الأموال وهبة الأعلاق.
كأنّ الرّدى غادٍ على كلّ ماجدٍ لم يعوّذ مجده بعيوب
روى عاد أي ظالم. وروى من الغداة.
يقول: كأن الهلاك يتسلط على ماجد، إلى لم يجعل لمجده عوذة من العيب، تقيه عين الحساد، ومثله الكشاجم:
شخص الأنام لحسن وجهك فاستعذ من شرّ أعينهم بعيبٍ واحد
ولولا أيادي الدّهر في الجمع بيننا غفلنا فلم نشعر له بذنوب
يقول: إن كان الدهر قد أساء في التفريق بين الأحبة، فقد تقدم إحسانه في الجمع بينهم، فلولا ما سبق من إحسانه في الجمع بيننا وبين الأحبة، لما شعرنا بذنوبه في تفريقه شملنا، ولم نعد ذلك عليه ذنبا.
وللتّرك للإحسان خيرٌ لمحسنٍ إذا جعل الإحسان غير ربيب
ربيب: بمعنى مربوب، وربى الإحسان إذا رباه.
يقول: الدهر أحسن أولًا ثم أفسد إحسانه آخرًا، وترك الإحسان ابتداء، خير من أن يبتدئ به ثم لا يربيه بالمداومة عليه.
ورجع في هذا البيت إلى ذم الدهر.
وإنّ الذي أمست نزارٌ عبيده غنيّ عن استعباده لغريب
يقول: إنك ملكت نزارًا كلها بإحسانك، واستعبدتهم بفضلك، وهم قومك وعشيرتك، فلا حاجة بك إلى استعباد عبد غريب.
كفى بصفاء الودّ رقًّا لمثله وبالقرب منه مفخرًا للبيب
بين كيفية استعباده لنزار: أي هم عبيدك بالطاعة وصفاء المودة، وكفى بصفاء المودة منهم رقًا لك، فلا تريد منهم إلا أن تصفوا لك المودة، وكفى بالقرب منك فخر لمن كان لبيبًا.
فعوّض سيف الدّولة الأجر إنّه أجلّ مثابٍ من أجلّ مثيب
الهاء في إنه يعود إلى سيف الدولة، والمثاب: هو سيف الدولة أيضًا.
يقول: عوض سيف الدولة الأجر، على جهة الدعاء أي عوض الله ذلك أجل من أثيب الأجر، والله أجل مثيب.
وقيل: إن الهاء للأجر، أي إن الأجر أجل مثاب، أي أجل ثواب من أجل مثيب، وهو الله تعالى، والمثاب على هذا: مصدر كالإثابة.
فتى الخيل قد بلّ النّجيع نحورها يطاعن في ضنك المقام عصيب
النجيع: قيل: هو الدم الطري على الإطلاق، وقيل: دم الجوف والضنك: الضيق. والعصيب: الشديد الصعب. وروى يطاعن: أي فتى الخيل يطاعن وروى: تطاعن أي تتطاعن.
يقول: هو الفتى المشهور في الشجاعة، الذي يطعن في ضنك المقام عند اشتداد القتال، وابتلال نحور الخيل بالدم.
يعاف خيام الرّيط في غزواته فما خيمه إلاّ غبار حروب
يعاف: يكره. والرّيط: الملاء البيض.
يقول: يكره المبيت والتنعم في الخيام، وإنما يحب القتال، فليس له خيمة إلا غبار الحروب.
وقيل: معناه أنه لا يستظل في غزواته بخيمة، كما يفعله الملوك، وإنما يستظل بغبار الحروب.
علينا لك الإسعاد، إن كان نافعًا، بشقّ قلوبٍ لا بشقّ جيوب
الإسعاد: المساعدة. يعني لو كان شق الجيوب والبكاء يردان ميتًا. لأسعدناك بشق القلوب، عن شق الجيوب.
فربّ كئيبٍ ليس تندى جفونه وربّ كثير الدّمع غير كئيب
يقول: إن الدمع ليس دلالة الوجد، فكثير من الناس ينحرق قلبه ولا يجري منه دمع! وكثير منهم يجري دمعه ولا حزن في قلبه!
تسلّ بفكرٍ في أبيك فإنّما بكيتفكان الضّحك بعد قريب
يروى: أبيك بفتح الباء. وهو جمع قولهم أبًا. مثل: عصا، وكان في الأصل أبين فانقلبت الياء ألفًا، وبعدها ياء جمع، فحذفت لالتقاء الساكنين، فبقي أبين ثم أضافه إلى كاف الخطاب، فحذف النون للإضافة فصار أبيك، وفي حال الرفع: أبون والأبا لغة في الأب. فعلى هذا تقول: هذا أباك ورأيت أباك ومررت بأباك. ويجوز أن يكون تثنية بمعنى أبويك. وروى: أبيك فيجوز أن يكون واحدًا وجمعًا.
يقول: تفكر في آبائك فإنك بكيت عند موتهم، ثم سليت عن قريب وصبرت، فاعتبر حالك اليوم بحالهم حين فقدت أباك.
إذا استقبلت نفس الكريم مصابها بخبثٍ ثنت فاستدبرته بطيب
[ ١ / ٢٦٧ ]
المصاب: المصيبة. وقوله ثنت أي ثنت النفس المصاب. وأراد بالخبث: الجزع، وبالطيب: الصبر. ومعناه: إذا جزع الكريم عند أول المصيبة، راجع أمره في آخرها، فعاد إلى الصبر، والرضا والتسليم.
وقيل: أراد بالخبث: الصبر، لأن النفس تنفر عنه، لما فيه من المشقة، والطيب: عاقبة الصبر، وهو ما يجد الصابر من المدح على صبره والثواب في الآخرة. لأن ذلك يطيب النفس.
ومعناه: أن الكريم وإن خبثت نفسه في الابتداء لصبره على المصيبة في الأول قبل وقوعها صعب عليه الصبر عند وقوعها.
وللواجد المكروب من زفراته سكون عزاءٍ أو سكون لغوب
الواجد: الحزين يقول: كل جازع على مصيبة، فآخر أمره السلوة والسكون: إما صبرًا واحتسابًا، وإما تعبًا وملالًا. ومثله لمحمود الوراق:
إذا أنت لم تسل اصطبارًا وحسبةً سلوت على الأيّام مثل البهائم
ومثله لأبي تمام:
أتصبر للبلوى عزاءً وحسبةً فتؤجر أو تسلو سلوّ البهائم
وكم لك جدًّا لم تر العين وجهه فلم تجر في آثاره بغروب
الغروب: مجاري الدموع في العيون. ونصب جدًا على التمييز، وكم يحتمل الاستفهام، والخبر: فإن كان استفهامًا، كان الواجب نصب جدًا لأنها في الاستفهام تنصب تمييزها، وإن كانت خبرًا، فالاختيار هو النصب ها هنا، لأنك إذا فصلت بينها وبين ما يضاف إليها بفاصل، كان الواجب النصب.
يقول: إن ما مضى وغاب عنك، كشيء لم تره، فكما أنك لم تبك على أجدادك الماضين، الذي لم ترهم، فكذلك ينبغي أن تسلو عمن فقدته الآن، لغيبته عن عينك.
فدتك نفوس الحاسدين فإنّها معذّبة في حضرةٍ ومغيب
يقول: نفوس حسادك معذبة بحسد معاليك، حضروا أم غابوا، فجعلهم الله فداك، ووقاك بهم صروف الزمان، ليستريحوا من هذا العذاب الذي ينالهم، وهذا مثل قوله:
فإن لهم في سرعة الموت راحةً
وفي تعبٍ من يحسد الشّمس نورها ويجهد أن يأتي لها بضريب
الضريب هو النظير والشبيه. شبهه بالشمس، وخصاله بنورها وقال: من حسد الشمس على نورها فهو في تعب، لأن نورها لا يزايلها، ومن جهد أن يأتي بنظيرها لم يقدر عليه؛ لأنه لا نظير لها، كذلك أنت لا نظير لك في علو محلك وخصالك الجميلة وخلائقك الحسنة.
وقال أيضًا يمدحه. ويذكر بناءه مرعش، وإصابته المطر عند دخوله، ومحاربته الدمستق وهزمه، في سنة إحدى وأربعين وثلاث مئة.
فديناك من ربعٍ وإن زدتنا كربا فإنّك كنت الشّرق للشّمس والغربا
قوله: فديناك، من ربع: أي فديناك ربعًا ومن زائدة وربعًا: بدل من الكاف في فديناك.
خاطب ربع حبيبته فقال: نحن نفديك بأنفسنا، وإن كنت تزيد في غمنا؛ لخلوك من المحبوبة، ثم قال: إنما قد فديناك، لأنك كنت مألف محبوبتي، التي هي كالشمس، فكنت مطلعًا لها حين تخرج وتبرز بروز الشمس من مطلعها الذي هو المشرق، وإذا احتجبت وغابت فيك كنت لها مغربًا، لما جعلها الشمس جعل الربع مطلعًا لها ومغربًا.
وكيف عرفنا رسم من لم تدع لنا فؤادًا لعرفان الرّسوم ولا لبّا؟!
العرفان: مصدر عرفت وتدع: تعود إلى معنى من وأنث على معنى المرأة، ويجوز من يدع ردًا إلى لفظ من.
يتعجب من رسم دار المحبوبة التي هي الشمس فيقول: كيف عرفنا رسم دارها، مع أنها لم تدع لنا قلبًا ولا عقلًا؟!
نزلنا عن الأكوار نمشي كرامةً لمن بان عنه أن نلمّ به ركبا
الأكوار: جمع كور، وهو الرحل، وكرامة نصب لأنه مفعول له وركبًا: على الحال: أي نلم به راكبين، وأصله عن أن نلم به، فحذف عن ويجوز أن يكون معناه كراهة أن نلم به، أو ألا نلم به، فحذف والهاء في عنه وبه للربع.
يقول: لما أتينا الربع نزلنا عن رواحلنا كرامةً لأهله، ورفعًا لقدره، عن أن نلم به فحذف راكبين.
يا ساكن النّوب انهض طالبًا حلبًا نهوض معنى لحسم الدّاء ملتمس
واخلع حذاءك إن حاذيتها ورعًا كفعل موسى كليم الله في القدس
ندمّ السّحاب الغرّ في فعلها به ونعرض عنها كلّما طلعت عتبا
السحاب: بمعنى الجمع، ولذلك وصفها بالغر وهو جمع أغر، ونصب عتبا على أنه مصدر واقع موقع الحال أي عاتبين. وقيل: إنه مفعول له، والعتب: أدنى الغضب.
[ ١ / ٢٦٨ ]
يقول: نحن نذم السحاب البيض في فعلها بهذا الربع، لأنها درست آثاره، وإذا طلعت وظهرت في السماء أعرضنا عنها، وصرفنا وجوهنا، كما يفعل العاتب إذا رأى من عتب عليه.
ومن صحب الدّنيا طويلًا تقلّبت على عينه حتّى يرى صدقتها كذبا
يقول: إن الربع قد تغير وحال عن الحسن الذي كان له بكون الحبيب فيه، وكذا عادة الزمان، فمن صحب الدنيا علم أن ما يعانيه من أحوالها زائل، فكأن ما يراه حقيقة وصدقًا، فهو محال وكذب.
وقيل: معناه من عمر تبدل به الحال، فصار العمر الذي يسره يسوءه، لقربه من الفناء، فكأن كل شيء في الدنيا وإن كان سرورًا فإنه غم، فصاحب الدنيا يرى صدقها كذبًا، وحياتها موتًا، لما كان عاقبتها إلى الفناء وغاية أمرها إلى الزوال.
وكيف التذاذي بالأصائل والضّحى إذا لم يعد ذاك النّسيم الّذي هبّا؟!
الأصائل: واحدها أصيل، وهو آخر النهار والنسيم: الريح الطيبة التي يلتذ بها، وأراد به قرب الحبيب.
يقول: كيف ألتذ بأوقاتي: الغدوات والعشيات، مع أني بعيد عمن أهواه، إذا لم تعد إلى أوقاتي في الأصائل والضحى؛ لأنها أطيب الأوقات، لا حر فيها يؤدي، ولا برد شديد، وخص الأصائل والضحى ليعلم أنه إذا لم يلتذ بأطيب الأوقات فكيف يلتذ بغيرها؟
ذكرت به وصلًا كأن لم أفز به وعيشًا كأنّي كنت أقطعه وثبا
الباء: بمعنى في أي في الربع، وهو متعلق بذكرت أي ذكرت في الربع، كقول النابغة: وما بالربع من أحد.
وقيل: إن الباء متعلق بقوله: وصلًا وعيشا أي ذكرت وصلًا وعيشًا كان لي به أي فيه. والهاء في قوله: لم أفز به للوصل وفي أقطعه للعيش.
يقول: لما وقفت بهذا الربع تذكرت عيشًا مر لي فيه، كأني لم أظفر به من قصر، كأنه لم يكن، كما قال عبد الصمد بن المعذل:
شبابٌ كأن لم يكن وشيبٌ كأن لم يزل
وتذكرت عيشًا كان من قصره وقصر أوقاته وكل نعمة فيه، كأنه قصر وقت الوثب، فكل زيارة من الحبيب وثبة، ولك ساعة من اللقاء والاجتماع وثبة، والوثب في معنى قصر الوقت وقصر العيش. وفيه معنى بديع ومبالغة حسنة.
وفتّانة العينين قتّالة الهوى إذا نفحت شيخًا روائحها شبّا
وفتانة: عطفًا على قوله: ذكرت وصلًا وعيشًا أي ذكرت جارية تفتن الناس بحسن عينيها، وتقتلهم بهواها، ولو اتصلت روائحها بالشيخ، لعاد إليه شبابه، وهذا كقولي الأعشى:
لو أسندت ميتًا إلى صدرها عاش ولم ينقل إلى قابر
لها بشر الدّرّ الّذي قلّدت به ولم أر بدرًا قبلها قلّد الشّهبا
البشر: جمع بشرة، وهي ظاهر الجلد. والشهب: قيل: إنه جمع شهاب وهو النجم. وقيل جمع أشهب، وهو أيضًا النجم، والتأنيث كله للفتانة والهاء في به للدر.
يقول: هي في نعومة بشرتها كالدر الذي قلدت به، وهي في الحسن كالبدر. والدر الذي عليها كالنجوم، وما رأيت بدرًا متقلدًا بالدر حتى رأيتها. والأول أليق بذكر البدر.
فيا شوق ما أبقى! ويالي من النّوى ويا دمع ما أجرى! ويا قلب ما أصبى!
وأصله: يا شوقي ما أبقاك! ويا دمعي ما أجراك! ويا قلبي ما أصباك! فحذف الياء من المنادى كما تقول: يا غلام وحذف ضمير المفعول الذي هو المتعجب منه ويجوز الرفع في قوله: يا شوق ويا دمع ويا قلب على أن يكون نداء مفردًا وقوله: ويالي من النوى توجع منه لنفسه فيما لقي من ألم النوى، ومعناه يا شوقي ما أدومك، ويا دمعي ما أجراك، ويا قلبي ما أشد صبوتك.
لقد لعب المشتّ بها وبي وزوّدني في السّير ما زوّد الضّبّا
[ ١ / ٢٦٩ ]
المشت: المفرق، من أشت جمعهم، وشت القوم: تفرقوا. وفاعل ما زود ضمير البين وهو السفر، ومعناه زودني البين في سيري، ما زود البين الضب في سيره وما في موضع النصب. قوله: لعب البين بها وبي أي فرق بيننا. وقوله: زودني إلى آخره معناه: لم يزودني البين من حبيبتي شيئًا أتعلل به بعد فراقنا: كالقبلة والعناق، وغير ذلك. إلا التفرق. وخص الضب لأنه يتبلغ بالنسيم، ولا يرد الماء، ولا يشرب بل يكتفي بنسيم الرياح عند العطش، فكأنه قال لم يزودني البين من حبيبتي شيئًا إلا النسيم والتعلل به كما يتعلل الضب به. وقال أبو علي بن فورجة. معناه أن الضب إذا فارق حجره ضل وتحير، لأنه لا يهتدي للرجوع إليه، على ما ضرب به المثل فقيل: أضل من ضب، وأتيه من ضب، وأحير من ضب. فكأنه قال زودني البين في رحيلي حيرة الضب إذا فارق حجره. أي سرت متحيرًا واله العقل.
ومن تكن الأسد الضّواري جدوده يكن ليله صبحًا ومطعمه غصبا
ومن تكن: عنى به نفسه أي من كان شجاعًا كالأسد، لم يثنه الليل عن مرام ولا يحول بينه وبين مراده ظلامه ليل، فهو مثل الصبح يسعى فيه لطلب مآربه، وإذا حاول أمرًا أو طلب مالًا، تناوله غصبًا وقسرًا. ومعناه أن الممدوح أسد ومن كان أسدًا كان جده أسدًا لا محالة، وليس المراد به من كان له أب أو جد شجاع، لأنه قد يكون أبوه شجاعًا وهو جبان.
ولست أبالي بعد إدراكي العلا أكان تراثًا ما تناولت أم كسبا
يقول: إذا نلت الشرف ومعالي الأمور، فلا أبالي بأن يكون ذلك موروثًا، أو مكتسبًا. ومثله:
نفس عصام سوّدت عصاما وصيّرته ملكًا هماما
فربّ غلام علّم المجد نفسه كتعليم سيف الدّولة الدّولة الضّربا
يقول: رب إنسان علم نفسه المجد من غير أن يعلمه أحد، لأن طبعه وجوهره يحمله عليه، ولأنه إذا نظر في أفعال المجد يحمل نفسه عليها، حتى يبلغ إلى منازلهم، كما أن أهل الدولة إذا نظروا إلى مواقف سيف الدولة في الحروب، وشجاعته فيها تعلموا منه الضرب، واقتدوا به في أفعاله، فكأنه هو الذي علم الدولة الضرب أي أهل الدولة، فحذف أهل.
إذا الدّولة استكفت به في ملمّةٍ كفاها فكان السّيف والكفّ والقلبا
الملمة: المصيبة، والشدة. يعني: إذا نزلت بالدولة ملمة، فاستعانت به. أراد سيف الدولة وهو الخليفة كفى الدولة تلك الحادثة، فكان لها سيفًا وكفًا وقلبًا: لأن السيف لا يعمل إلا بالكف، ولا يضرب به الكف حتى يشيعه القلب، وسيف الدولة يستغني عن ذلك، فهو السيف والقلب والكف، فيكفي الدولة ما ينوبها، ولا يحتاج إلى ناصر ومعين.
تهاب سيوف الهند وهي حدائدٌ فكيف إذا كانت نزاريّةً عربا؟!
الحدائد: جمع حديدة، وهي نصل السيف. يقال: سيف جيد الحديدة، أي جيد النصل.
يقول: إذا كانت سيوف الهند يحذر منها ويهاب بأسها، وهي حدائد لا تعمل حتى تجد ضاربًا بها، فسيف الدولة الذي هو عربي يضرب بنفسه رءوس الفرسان، وكذلك قومه، الذين هم من نزار، أولى بأن يخاف منهم، ولهذا قال: إذا كانت نزاريةً عربا.
ويرهب نناب اللّيث واللّيث وحده فكيف إذا كان اللّيوث له صحبا؟!
يقول: إذا كان الليث يتقي نابه، ويخاف افتراسه وهو وحده، فلأن يتقي سيف الدولة وحوله الليوث أولى وأجدر.
ويخشى عباب البحر وهو مكانه فكيف بمن يغشى البلاد إذا عبّا؟!
عباب البحر: تراكم أمواجه. يقال: عب البحر إذا ماج. وقيل: عبابه: صوت أمواجه. ومكانه: نصب على الظرف.
يقول: يخاف موج البحر إذا اضطرب، وهو مستقر مكانه، فكيف لا يخاف البحر الذي يملأ البلاد بخيله ورجله؟!
عليم بأسرار الدّيانات واللّغى له خطراتٌ تفضح النّاس والكتبا
اللغى: جمع لغة، والخطرات: جمع خطرة، وأراد به الخواطر يقول: هو عالم بأحوال الناس وديانتهم، ومذاهبهم، واختلاف ألسنتهم، ولغاتهم، وله خواطر يستنبط بها ما ليس في الكتب وما لا يدركه الناس ولا يجري على قلب أحد.
فبوركت من غيثٍ كأنّ جلودنا به تنبت الدّيباج والوشى والعصبا
العصب: ضرب من برود اليمن.
[ ١ / ٢٧٠ ]
يقول: بارك الله فيك أيها الغيث، فإن الغيث يكسو الأرض أنواع الأزهار وأصناف النبات والأنوار، وأنت تكسونا الخلع النفسيه من ضروب الوشى والديباج، فكأن جلودنا أنبتت هذه الثياب، كما أنبتت الأرض النبات بالغيث. شبه الجلود بالأرض، والخلع بالنبات، وسيف الدولة بالغيث.
ومن واهب جزلًا ومن زاجر هلًا ومن هاتك درعًا، ومن ناثرٍ قصبا
وهذا معطوف على قوله: فبوركت من غيث، ومن واهب، وهلا: زجر للخيل، ينون على النكرة ولا ينون على معنى المعرفة، وذلك كناية عن كونه فارسًا مقتدرًا، على أن يصرف فرسه كيف شاء والقصب: الأمعاء وروى: باتر قصبا أي قاطع أمعاء.
يقول: بوركت من واهب كثيرًا، وزاجر فرسه في المعركة، وهاتك درع عدوه عليه بسيفه، وناثر أمعاءه: إذا أصاب جوفه ونثر أمعاءه على الأرض.
هنيئًا لأهل الثّغر رأيك فيهم وأنّك حزب الله صرت لهم حزبا
نصب هنيئًا على المصدر، وقيل: على الحال لفعل مضمر، أي ثبت رأيك هنيئًا وحزب الله نصب لأنه منادى مضاف، والثغر: مدينة مرعش.
يقول: هنأ الله أهل الثغر بحسن رأيك فيهم واهتمامك بأمرهم، وهنأهم الله، يا حزب الله، أنك صرت لهم حزبًا وجيشًا وناصرًا، تعاونهم وتذب عنهم.
وأنّك رعت الدّهر فيها وريبه فإن شكّ فليحدث بساحتها خطبا
الكناية في فيها وساحتها راجعة للثغر، وأنثه على معنى المدينة، أو البلدة، أو الأرض، وفاعل فليحدث ضمير الدهر، وخطبا مفعوله، وفاعل شك ضمير الدهر أيضًا.
يقول: وهنيئًا لهم انك خوفت الدهر في هذه المدينة، وخوفت حوادثه، فإن شك الدهر في ذلك، فليحدث بساحة هذه المدينة خطبا، ولينزل بها حادثة.
فيومًا بخيلٍ تطرد الرّوم عنهم ويومًا بجودٍ تطرد الفقر والجدبا
يقول: لا تزال تذب عنهم، وتحامي عليهم، فإن قصدهم الروم طردتهم بخيلك، وإن نازلهم فقر وجدب كشفته عنهم بجودك وأفضالك.
سراياك تترى والدّمستق هاربٌ وأصحابه قتلى وأمواله نهبى
يقول: سراياك متصلة إلى الروم، والدمستق لا يثبت لها بحال، أي من قتلك أصحابه، وأمواله نهبة للمسلمين.
أتى مرعشًا يستقرب البعد مقبلًا وأدبر إذ أقبلت يستبعد القربا
مرعش: مدينة كان سيف الدولة جدد بناءها.
يقول: أتى الدمستق مدينة مرعش وهو مسرور، لطمعة فيها، فكأن الأرض تطوى له، والبعيد يقرب عليه، فلما قصدته ولى مدبرًا، وهو شديد الغم، وطال عليه الطريق فصار قريبه بعيدًا ومثله:
أرى الطّريق قريبًا حين أسلكه إلى الحبيب بعيدًا حين أنصرف
ومثله لتوبة:
وكنت إذا ما زرت ليلى بأرضها أرى الأرض تطوى لي ويدنو بعيدها
كذا يترك الأعداء من يكره القنا ويقفل من كانت غنيمته رعبا
أراد بالأعداء: سيف الدولة، وجيشه.
يقول: من يكره أن يقتله أعداؤه، هكذا ينهزم ويرجع، ولم يغنم في قتاله إلا الخوف.
وهل ردّ عنه باللّقان وقوفه صدور العوالي والمطهّمة القبّا
يقول: قد فر بين يديك، لعلمه أنه لا يقاومك؛ لأنه لما ثبت لك حين لقيته على اللقان، قتلت أصحابه، وغنمت أمواله، ولم يرد عنه وقوفه الرماح، فلهذا لم يقف لك الآن، والقب: جمع أقب، وهو الضامر من الخيل.
مضى بعد ما التفّ الرّماحان ساعةً كما يتلقّى الهدب في الرّقدة الهدبا
أراد بالرماحين: رماح العسكرين، فثنى الجمع، كأنه قال: رماح هؤلاء ورماح أولئك. والهدب: شعر الجفن، شبه التفاف الرماح واشتباكها، عند الطعن باشتباك الأجفان عند النوم.
يقول: ثبت لك على اللقان ساعة، فلما اشتبكت رماح العسكرين، ولى منهزمًا، وكأن اشتباك الرماح كالتقاء الهدبين إذا نام الإنسان.
ولكنّه ولّى وللطّعن سورةٌ إذ ذكرتها نفسه لمس الجنبا
السورة: الحدة، والشدة، وقوله: إذا ذكرتها نفسه إلى آخر البيت: صفة لسورة.
لما اشتد الطعان ولى، وقد امتلأ قلبه خوفًا، وكلما ذكر سورة الطعن، لم يصدق أنه سلم منها فيلمس جنبه، هل هو صحيح أم مطعون؟ ومثله لأبي نواس:
إذا تفكّرت في هواي له لمست رأسي: هل طار عن جسدي؟
وقيل: معناه يلمس جنبه وينثني عليه خوفًا من أن تنشق مرارته من الخوف كما قال آخر:
[ ١ / ٢٧١ ]
وأذكر أيّام الحمى ثمّ أنثنى على كبدي من خشيةٍ أن تصدّعا
وقيل: إنه يلمس الجانب الذي فيه قلبه، هل يخفق قلبه خوفًا أم لا؟!
وخلّى العذارى والبطاريق والقرى وشعث النّصارى والقرابين والصّلبا
العذارى: جمع عذراء، وهي البكر، وشعث النصارى: الرهابين جمع أشعث، والقرابين: خاصة الملك. والصلب: جمع صليب.
المعنى: أنه ترك هذه الأشياء وترك عسكره وبلاده وجميع ما فيها، ونجا بنفسه خوفًا منك.
أرى كلّنا الحياة بسعيه حريصًا عليها مستهامًا بها صبّا
المستهام، والصب: بمعنى. روى بسعيه وبجهده والمستهام: العاشق.
يقول: كل أحد يحب نفسه وحياتها، ويسعى ليدفع عن نفسه الضرر والهلاك.
فحبّ الجبان النّفس أورده التّقى وحبّ الشّجاع النّفس أورده الحربا
ويختلف الرّزقان والفعل واحدٌ إلى أن ترى إحسان هذا لذا ذنبا
النفس: منصوبة بحب في الموضعين؛ لأنه مصدر، فيعمل عمل الفعل وأورده: فعل، فاعله ضمير الحب.
يقول: كل أحد يطلب لنفسه البقاء، فالجبان يحذر لقاء الأقران، ويستعمل الخوف إبقاء على نفسه وطلبًا لنجاته، والشجاع، يطرح نفسه في المهالك ويباشر القتال طلبًا لاستبقاء النفس، بدفع الشر والأعداء عن نفسه، وإبقاء للذكر الجميل بعده، والقصد منهما واحد: وهو طلب الحياة، والسعي مختلف.
يقول: إن الجبان والشجاع قد اتفق فعلاهما في طلب الحياة، واختلف رزقاهما؛ لأن رزق أحدهما المدح، ورزق الآخر الذم.
وقيلك معناه أن الشجاع أعطى الحياة التي طلبها، والجبان حرم ذلك، لأنه في حال حياته ميت فكيف بعد الممات؟! وقيل: إن الشجاع رزق موتًا هو كحياة، لبقاء الذكر له، ورزق الجبان حياة هي كممات لحصول الذم له.
وقيل: رزق الشجاع رفاهية ورغدا، والجبان شقاء وتعبًا.
وقوله: إلى أن ترى إحسان هذا لذا ذنبا معناه: أن الشجاع إذا تعرض للقتل حتى يقتل، كان ذلك عنده إحسانًا إلى نفسه، وذلك عند الجبان أكبر ذنب لإلقائ بنفسه إلى التهلكة، والجبان إذا أحسن إلى نفسه بترك الحرب وطالب الصلح، يراه الشجاع ذنبًا.
وقيل: معناه أن الجبان إذا علم - مثلا - أنه لا ينتقم من اللاطم لجبنه، كان هذا إحسانًا إلى اللاطم، لنه عفو في الظاهر، وهو ذنب عظيم عند الشجاع. وفي جميع هذه الوجوه يكون البيت متصلا بما قبله.
وقد قيل: إنه منقطع عما قبله ومعناه: أن الرجلين ربما طلبا أمرًا من وجه واحد فيرزق هذا، ويحرم الآخر، فيكون ذلك الفعل إحسانًا لأحدهما يرزق به، وذنبًا للآخر يحرم لأجله. ومثله الآخر:
يخيب الفتى من حيث يرزق غيره ويعطى الفتى من حيث آخر يحرم
فأضحت كأنّ السّور من فوق بدؤه إلى الأرض قد شقّ الكواكب والتّربا
فأضحت: أي مدينة مرعش، وفوق: مضموم كقبل وبعد.
يقول: كأن سورها ابتدئ ببنائه من فوق، حتى انتهى إلى الأرض، فأصله شق الكواكب، وطرفه شق الترب: أي الأرض، وقيل: أراد بالترب: الغبار الذي ارتفع إلى السور من الحرب حواليه، أي أنه شق الغبار المرتفعة وجاوزها، وشق الكواكب أيضًا.
وقيل: أراد أن سورها لاتساعه على وجه الأرض كأنه شق الترب لطوله، وكأنه قد شق الكواكب وهو كعكس قول السموءل:
رسا أصله تحت الثّرى، وسما به إلى النّجم فرعٌ لا ينال طويل
تصدّ الرّياح الهوج عنها مخافةً وتفزع فيها الطّير أن تلقط الحبّا
الرياح الهوج: الشديدة الهبوب، التي لا تثبت على سمت واحد.
يقول إن الرياح لا تجسر أن تمر بها، وتخاف الطير أن تلقط منها الحب؛ لأنها إذا لقطت الحب نقصت من حبوبها، وذلك إضرار بها، وأنت قد أحميتها من كل ضرر.
والمصراع الثاني ضعيف؛ لأن الطير في كل موضع، تفزع أن تلقط الحب، فلا وجه لعطفه على الرياح.
وقيل في المصراع الأول: إن الرياح تعدل عنها؛ لطول السور الذي رفعتها في الجو والأولى أنه يريد أنها تعدل للهيبة.
وتردى الجياد الجرد فوق جبالها وقد ندف الصّنّبر في طرقها العطبا
وتردى: من الرديان، وهو ضرب من العدو، وأراد بالصنبر: ها هنا السحاب البارد، وقيل: أراد البرد والعطب: القطن.
شبه الثلج على الجبال بقطن مندوف.
[ ١ / ٢٧٢ ]
يقول: إن خيلك تطوف فوق جبال مرعش وحولها وتحرسها، والثلج على جبالها كأنه قطن مندوف، والضمير في جبالها لمرعش، وفي طرقها للجبال.
كفى عجبًا أن يعجب النّاس أنّه بنى مرعشًا تبًّا لآرائهم تبًّا!
التب الخسران، وأراد به الدعاء على آرائهم، كقولك: قبحًا له. وفاعل كفى أن يعجب، لأن أن مع صلتها كاسم مفرد وعجبًا نصب على التمييز وتبًا على الذم أو على المصدر.
يقول: ليس من العجب بناؤه مرعش، ولكن العجب استعظام الناس وتعجبهم من بنائها.
وما الفرق ما بين الأنام وبينه إذا حذر المحذور واستصعب الصّعبا؟!
إذا كان يحذر من الأمر المحذور، ويصعب عليه الأمور الصعبة، مثل سائر الناس، فأي فرق بينه وبين سائر الناس.
لأمر أعدّته الخلافة للعدى وسمّته دون العالم الصّارم العضبا
يقول: لولا اختصاصه من بين سائر الأنام بمعان، لم تجعله الخلافة من بينهم، عدة لها، ولما سمته سيفًا قاطعًا وأراد بالخلافة: الخليفة أي ذوي الخلافة.
ولم تفترق عنه الأسنّة رحمةً ولم تترك الشّام الأعادي له حبّا
يقول: لولا شجاعته، لم تفترق الأسنة عنه في حروبه، ولم تترك الأعادي له الشام، لولا خوفهم منه.
ولكن نفاها عنه غير كريمةٍ كريم النّثا ما سبّ قطّ ولا سبّا
الضمير في نفاها للأعادي، وغير كريمة حال من الأعادي، والعامل فيها نفاها والهاء في عنه لسيف الدولة، وقيل: يرجع إلى الشام والنثا بالنون قيل: مقصور، هو الذكر في الحمد، والذم.
يقول: لم يترك العادي له الشام محبة منهم له، ولكنه طردهم قهرًا، مهانين غير مكرمين، وهو ملك كريم الذكر ما سب قط: أي لم يشتمه أحد؛ لأنه لم يفعل ما يشتم عليه، ولا شتم أيضًا هو أحدًا؛ لأن الشتم سلاح من لا قلب له على المحاربة؛ ولأن الناس بعضهم مطيع له فلا يشتمه، وبعضهم خائف أن يشتمه.
وجيشٌ يثنّى كلّ طودٍ كأنّه خريق رياحٍ واجهت غصنًا رطبا
يثنى: أي يعطف، ويجعل اثنين. والطود: الجبل. والخريق: الريح الشديدة التي تخرق كل شيء تجري عليه.
يقول: نفي أعداءه عن الشام كريم النثا، وجيش عظيم يثنى كل جبل: أي يعطفه ويهده، ويزعزه، عن موضعه، وأراد به أن يجعل الجبل اثنين: أحدهما الجبل، والثاني نفس الجيش، ثم شبه الجيش بريح شديدة قابلت غصنًا رطبا: يعني أنه يكسر الجبل ويعطفه كريح هذه صفتها، وإن هذا الجيش وإن كانوا كالجبل، فالجبل الذي تحتهم كالغصن الرطب عند الريح الشديدة الهبوب.
كأنّ نجوم اللّيل خافتت مغاره فمدّت عليها من عجاجته حجبا
مغاره: إغارته والهاء فيها، وفي عجاجته: للجيش.
يقول: كأن النجوم قد خافت أن يغير عليها هذا الجيش، فمدت على نفسها من غبار هذا الجيش حجبًا، حتى لا يراها. يعني أن غباره وصل إلى النجوم.
فمن كان يرضى اللّؤم والكفر ملكه فهذا الّذي يرضى المكارم والرّبّا
هذا في قوله: فهذا إشارة إلى سيف الدولة.
يقول: هو أبدًا في الجهاد، يرضى الرب بفعله، ويبذل الأموال، يرضى بها مكارمه، وغيره من الملوك: إما مشرك برضى الكفر، وإما بخيل برضى البخل، واللؤم.
وأهدى سيف الدولة إلى أبي الطيب هدية فيها ثياب ديباج رومية، ورمح وفرس معها مهرها وكان المهر أحسن من الفرس فقال يمدحه:
ثياب كريمٍ ما يصون حسانها إذا نشرت كان الهبات صوانها
الصوان: ما يلف به الثوب ويصان به: ثياب: رفع لأنه خبر ابتداء محذوف: أي هذه ثياب كريم، أو هي مبتدأ وخبره محذوف: أي عندي ثياب كريم، ليس يصون حسان الثياب، ولكن إذا نشرها فرقها على جلسائه، وجعل صوانها أن يهبها لأصحابه.
ترينا صناع الرّوم فيها ملوكها وتجلو علينا نفسها وقيانها
امرأة صناع: حاذقة دقيقة اليد في صنعتها وجمعها صنع، ورجل صنع وجمعها صناع. وروى: صناع الروم وهي جمع صنعة، والكناية في فيها للثياب، وفي نفسها للصناع، وفي ملوكها وقيانها للروم، ويجوز أن تكون راجعة إلى صناع الروم. والقيان: جمع قينة، وهي الجارية المغنية.
يقول: إن المرأة الصانعة من الروم ترينا في هذه الثياب الملوك، وتظهر علينا نفسها أي نفس هذه الصانعة من الروم، وصور القيان. يعني: أن هذه الثياب صورة ملوك الروم، وصورة الناقشة، وصورة القيان.
[ ١ / ٢٧٣ ]
ولم يكفها تصويرها الخيل وحدها فصوّرت الأشياء إلاّ زمانها
الهاء في يكفها راجعة إلى صناع الروم، وكذلك في تصويرها وفي وحدها إلى الخيل، وفي زمانها إلى الأشياء.
يقول: لم يكفها أنها صوّرت على الثياب صور الخيل، حتى صورت معها كل شيء من طائر وسبع وغيرهما من الزمان، إلا الزمان فإنها لا تقدر على تصويره.
وما ادّخرتها قدرةً في مصوّرٍ سوى أنّها ما أنطقت حيوانها
تاء التأنيث الساكنة في ادخرتها راجعة إلى صناع، والهاء، إلى الثياب، وأصلها: ادخرت عنها، فحذف حرف الجر، وأوصل الفعل إلى الضمير: أي ما خبأت هذه المرأة عن هذا الثياب قدرةً عليها في مصور إلا صورت على هذه الثياب، غير أنها لا تقدر على إنطاق الحيوان المصور عليها، إذا لو قدرت على ذلك لفعلت، والهاء في حيوانها راجعة إلى الثياب.
وسمراء يستغوى الفوارس قدّها ويذكرها كرّاتها وطعانها
وسمراء: عطف على قوله: ثياب كريم. والضمير في قدها للسمراء وفي يذكرها وكراتها وطعانها للفوارس ويستغوي: أي يستميل، ويحمله على الغي، وسمراء: صفة لمحذوف: أي وهذه فتاة سمراء، يحمل قدها واستواؤها الفوارس على ملاقات الأقران، ويسوقهم إلى الطعان. وذكر الفوارس موافق للقتال.
ردينةٌ تمّت وكان نباتها يركّب فيها زجّها وسنانها
الزج: الحديدة التي في أول الرمح، يعني أنها مستقيمة نبتت كذلك، لم تحتج إلى تثقيف مثقف، فلم يبق إلا أن يركب فيها الزج، والسنان.
وأمّ عتيقٍ خاله دون عمًه رأى خلقها من أعجبته فعانها
وهذا أيضًا عطف على ما تقدم، وأراد بالعتيق: المهر، وقوله: خاله دون عمه أي أبوه أكرم من أمه؛ لأنه إذا كان خاله دون عمه، كانت أمه دون أبيه.
يقول: هذه أم مهر كريم، أمه دون أبيه في الكرم، وكانت هي حسنة الخلق فرأى خلقها من أعجبته فعانها، أي أصابها بالعين، فصار ولدها أحسن منها وأكرم.
إذا سايرته باينته وبانها وشانته في عين البصير، وزانها
يقول: إذا سارت الأم معه بانت منه، وبان منها. أي لم يشبهها في الحسن والجمال، كما يشبه المهر أمه، وشانته في عين البصير: أي أن البصير بالخيل لم ير فيه عيبًا إلا كونه من هذه الأم التي هي دونه، فهو له عيب وشين، وهذا المهر زان الأم، لأنها ولدت مهرًا كريمًا، فهو يزينها، وهي تشينه.
فأين الّتي لا تأمن الخيل شرّها وشرّى، ولا تعطي سواي أمانها؟
يقول: هلا وهبت لي فرسًا أكرم منها؟ وهي التي لا تأمن الخيل شرها يعين أنها سابقة إذا سابقت سائر الخيل، لم تأمن شرها ولا تأمن الفرسان شري، ولا تعطى سوى أمانها: أي لا يقدر على ركوبها إلا مثلي من الفرسان الحذاق بالركوب.
وأين الّتي لا ترجع الرّمح خائبًا إذا خفضت يسرى يديّ عنانها
يقول: هلا وهبت لي الفرس التي إذا رخيت عنانها بيدي اليسرى وجلت عليها لا أرجع خائبًا، ولا ترد رمحي من دون قتل العدو.
ومالي ثناءٌ لا أراك مكانه فهل لك نعمى لا تراني مكانها؟
يقول: ليس عندي ثناء لا أراك مستحقًا له، فهل عندك نعمة لا تراني أهلًا لها؟ يعني: كما لا أدخر عنك ثناء، فلا تدخي عني نعمة.
وكان سيف الدولة إذا تأخر عنه مدحه شق عليه، وأكثر أذاه وأحضر من لا خير فيه، وتقدم إليه بالتعرض له في مجلسه بما لا يحب، فكان أبو الطيب لا يجب أحدًا عن شيء، فيزيد ذلك في إنكاء سيف الدولة، ويتمادى أبو الطيب في ترك قول الشعر، ويلح سيف الدولة فيما يستعمله من هذا القبيح وأكثر عليه مرة بعد أخرى فقال أبو الطيب هذه القصيدة وأنشده إياها في محفل من العرب والعجم.
واحرّ قلباه ممّن قلبه شبم ومن بجسمي وحالي عنده سقم
وأحر قلباه: ندبة وهذه الهاء لا تدخل عند أهل البصرة إلا في الوقف، فإذا وصلت حذفت.
وأجاز الفراء دخولها في حال الوصل، وأنشد فيه أبياتًا، وإذا كان كذلك، فما ذكره لا مطعن عليه، إذ جاءت عن العرب، والرواة الثقات.
وحكى أبو الفتح بن جني: أن المتنبي كان ينشده بكسر الهاء وضمها، قال: والوجه إذا جاز إثبات الهاء، كسرها لالتقاء الساكنين قال: ولا أرى للضم وجهًا. قال: ولو فتحت الهاء لالتقاء الساكنين ومجاورة الألف كان قياسًا.
[ ١ / ٢٧٤ ]
وطعن فيه من وجوه أخر: وهو حذف الياء من قلباه، وكان الوجه: قلبياه، لأن هذه الياء إنما تحذف قياسًا على التنوين، فحيث يحذف التنوين في المنادي، جاز سقوط الياء وثباتها كقولك. يا زيد، فتحذف منه التنوين، ثم تقول: وازيداه، لتحذف الياء، وحيث ثبت التنوين لم يجز حذف الياء، كقولك: واغلام زيد فتنون زيد، فإذا قلت: واغلامياه، أثبتت الياء.
والحاصل: أن الياء إنما تحذف من المنادى، لا من المضاف إليها المنادى، وقد أجاز بعض النحويين إسقاط الياء في هذا الموضع وإن كان ضعيفًا، فيجوز في الشعر لأنه موضع الضرورة. والشيم: البارد.
يقول: أشكو حرارة قلبين وشدة وجدي ممن قلبه خالي مما أنا مبتلى به، وممن حالي عنده ضعيفة سقيمة مثل جسمي. يعني أني سقيم بحبه، وليس لي عنده حال ولا منزلة.
مالي أكتّم حبّا قد برى جسدي وتدّعي حبّ سيف الدّولة الأمم
وروى: أكاتم: يقول: كل أحد من الأمم، يدعي حبه! فلم لا أقتدي بهم، وأظهر حبه مثل ما يظهرون؟ ومعناه: أنهم يظهرون حبه، وأنا أحتاج إلى أن أكتمه، كأنه يشير إلى أنه يتأذى بإظهار حبه فيكتمه! فيؤدي كتمانه إلى سقمه ونحول جسمه، وقيل: كتمانه الحب من حيث أنه يتجنب التملق بحبه، لما فيه من التكلف، وأن غيره يتملقون إليه بحبه ويتكلفون ذلك.
إن كان يجمعنا حبّ لغرّته فليت أنّا بقدر الحبّ نقتسم
يقول: إن كان يجمعني والأمم حب سيف الدولة، فليت حظنا منه على قدر حبنا، فأكون أخصهم منه قربًا، كما أني أكثرهم له حبًا، أو أكون مثلهم في قوة أجسامهم، وحسن أحوالهم، وهو مثلي في مرضي ورثاثة حالي.
قد زرته وسيوف الهند مغمدةٌ وقد نظرت إليه والسّيوف دم
يقول: نظرت إليه في حالتي السلم والحرب. وصحبته في حالتي الخوف والحب، كأنه عليه بطول الخدمة، ثم يصف قيامه بجميع الأمور.
فكان أحسن خلق الله كلّهم وكان أحسن ما في الأحسن الشّيم
الشيم: جمع الشيمة، وهي الخليقة، وأحسن الأول: نصب لأنه خبر كان واسمه ضمير سيف الدولة، وأحسن الثاني، خبر كان الثاني، والشيم: اسمه، وأراد بالأحسن الممدوح.
يقول: نظرت إليه فكان أحسن خلق الله، وأحسن ما في هذا الأحسن الذي نظرت إليه أخلاقه، فكأنه يقول: هو أحسن الناس، وخلقه أحسن من حسن وجهه.
فوت العدوّ الّذي يمّمته ظفرٌ في طيّه أسفٌ في طيّه نعم
الهاء في طيه الأول للظفر، والثاني للأسف.
يقول: هرب عدوك الذي قصدته، منك ظفر، ذلك، غير أن في طي هذا الظفر أسفًا، لأنك كنت تشتهي أن تقتله، أو تأسره، وفي طي هذا الأسف نعم لأنه هرب منك خوفًا.
قد ناب عنك شديد الخوف واصطنعت لك المهابة ما لا تصنع البهم
البهم: جمع بهمة، وهو الشجاع.
يقول قد حصل لك في قلوبهم من الخوف والهيبة، ما يزيد على فعل الشجعان فيهم.
ألزمت نفسك شيئًا ليس يلزمها ألاّ تواريهم أرضٌ ولا علم
تواريهم: أي تسترهم. والعلم: الجبل.
يقول: كلفت نفسك في طلب أعدائك، تهزمهم وتكسر جموعهم، بل تريد ألا تسترهم أرض ولا جبل، بأن تخرجهم من مكان من الأرض، وتحطهم من رءوس الجبال.
وقيل: معناه لا ترضي أن تسترهم أرض ولا جبل، وإنما ترضى أن يواريهم بطون الطير، والوحوش.
أكلّما رمت جيشًا فانثنى هربًا تصرّفت بك في آثاره الهمم؟
أكلما: استفهام، ومعناه التقرير، وانثنى: أي انصرف. تصرفت بك: أي صرفتك.
يقول: كلما قصدت جيشًا وهرب من بين يديك حملتك همتك العلية على طلبه، واتباع أثره.
وقيل: معناه حملتك همتك على الجزع في فوتهم منك.
عليك هزمهم في كلّ معترك وما عليك بهم عارٌ إذا انهزموا
الجمع: راجع إلى معنى الجيش.
يقول: إنما عليك أن تهمزمهم، فإذا انهزموا فليس عليك عار في انهزامهم بل ذلك يدل على قوتك.
أما ترى ظفرًا حلوًا سوى ظفرٍ تصافحت فيه بيض الهند واللّمم؟
اللمم: جمع اللمة، وهي الشعر. الملم بالمنكب، وأراد بالتصافح: التلاقي.
يقول: لا تعد الظفر ظفرًا إلا بعد القتل والقتال، وضرب السيوف على رءوس الأبطال. وعبر عن ذلك بتصافح السيوف واللمم؛ لأن القتل يحصل عند ذلك.
يا أعدل النّاس إلاّ في معاملتي فيك الخصام وأنت الخصم والحكم!
[ ١ / ٢٧٥ ]
يقول: أنت أعدل الناس إلا بيني وبينك، فأنت لا تنصفني ولا تعينني قدر ما أستحقه عندك من المنزلة. فيك الخصام: أي الخصومة بيني وبين أعدائي وقعت فيك، وأنت الخصم: لأنك ملت إليهم، ولأني أخاصمك على منزلتي عندك، وأنت الحاكم: فاحكم على نفسك، فوفني ما أستحقه من المنزلة! وقيل: معناه مع ذلك كيف أطمع في الانتصاف منك!
أعيّها نظراتٍ منك صادقةً أن تحسب الشّحم فيمن شحمه ورم
نظران نصب على التمييز. قال أبو الفتح: قلت له: الهاء في أعيذها لأي شيء تعود؟ فقال: إلى النظران. أجاز الأخفش مثله في قوله تعالى: " فَإنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ " وقال أبو الفتح: وإنما جاز إضمارها قبل الذكر، لأنها كانت مشاهدة في الحال، فاكتفى بمشاهدتها من تقدم ذكرها.
يقول: أعيذ نظراتك الصادقة، أن تغلط، فترى الشيء على خلاف الحقيقة، فتحسب الشحم ورمًا فجعل الشحم مثلا لنفسه، والورم لسائر الشعراء.
وما انتفاع أخي الدّنيا بناظره إذا استوت عنده الأنوار والظّلم
بناظره: أي ببصره.
يقول: إن الإنسان إذا لم يفرق بين النور والظلمة، فاستويا في عينه، فلا ينتفع بناظرهن بل هو بمنزلة الأعمى.
يعني أن حاله تخالف غيره من الشعراء والفضلاء، وأنت إذا لم تميز بيننا كنت كالأعمى.
أنّا الّذي نظر الأعمى إلى أدبي وأسمعت كلماتي من به صمم
من في موضع نصب، لأنه مفعول أسمعت وفاعله كلماتي وأراد بها القصائد.
يقول: إذا نظر الأعمى إلى أدبي يعرفه ويراه، فكيف البصير؟! والأصم يسمع شعري، فكيف السميع؟! معناه أن أدبي وشعري قد اشتهرا، حتى استوى في معرفتها العالم والجاهل، فضرب الأعمى والأصم مثلا للجاهل الذي لا يتفكر فيعرف.
أنام ملء جفوني عن شواردها ويسهر الخلق جرّاها ويختصم
جراها: من أجلها، والهاء في شواردها للكلمات، وهي جمع شاردة: أي سائرة تروى بكل مكان.
وقيل: معناه أنها تشرد، وتصعب على صاحبها.
يقول: أنا أقول القصائد الشوارد عفوًا، من غير إتعاب فكر، وأنام عنها ملء جفوني، والخلق كلهم يسهرون من أجلها، ويتنازعون في دقيق معانيها، وجودة مبانيها.
وقيل: معنى قوله: أنام أي أموت. والأول أظهر.
وجاهل مدّه في جهله ضحكي حتّى أتته يدٌ فرّاسةٌ وفم
فراسة: من الفرس، وهو دق العنق.
يقول: ﵁ جاهل غره ضحكي في وجهه، فتمادى في جهله، حتى سطوت عليه وقصدته مني يد فراسة، وفم: أي أهلكته بيدي ضربًا وقتلا، وأهلكته بفمي من طريق الهجو، والذم.
إذا رأيت نيوب اللّيث بارزةً فلا تظنّنّ أنّ اللّيث مبتسم
يقول: لما رآني أكشر الأسنان، حسب أني مسرور بفعله، ولم يعلم - من جهله - أني كالليث، إنما يكشر عن أنيابه وأسنانه، إذا اشتد غضبه.
والأصل فيه قول عنترة:
لا رآني قد نزلت أريده أبدى نواجذه لغير تبسّم
ومهجةٍ مهجتي من همّ صاحبها أدركتها بجوادٍ ظهره حرم
الهاء في صاحبها وأدركتها للمهجة الأولى.
يقول: رب نفس كانت همتها إتلاف نفسي، فأدركتها بفرس جواد، ظهره حرم: يعني من ركبه أمن، لأنه إذا طلب فات، فلا يخاف أحدًا، كما لا يخاف سكان الحرم.
رجلاه في الرّكض رجلٌ واليدان يدٌ وفعله ما تريد الكفّ والقدم
الركض: في الأصل ضرب الدابة بالرجل لتعدون، ثم ذكر ذلك حتى قيل لنفس العدو ركض فيقال: ركض الفرس: أي عدا.
يقول: إن رجليه تقعان معًا على الأرض وكأنهما رجل واحدة، وكذلك يداه وأنه لجودة جريه يغني راكبه عن تحريك يده بالسوط، وتحريك رجليه للركض، بل هو يعطيه من العدو ما يطلبه منه، بيده وقدمه، ذكره ابن جني.
وقال غيره: معناه أن فرسه مؤدب مطيع لفارسه، متصرف على اختياره، فكأن رجليه رجل راكبه، فيضع قوائمه حيث شاء صاحبه، ويتصرف راكبه فيهما، كما يتصرف في جوارح نفسه.
ولا يقال: إن هذا المعنى الذي ذكرتموه هو معنى المصراع الثاني، فيكون المصراعان واحدًا، فليس فيه إلا التكرير بلا فائدة.
[ ١ / ٢٧٦ ]
لأنا نقول: إن الأول يفيد أن رجليه رجلًا راكبه، ويديه يداه في حال ركضه فقط، والمصراع الثاني يدل على أن فعل هذا الفرس، ما يريده صاحبه في جميع الأحوال، من ركض أو غيره، وأنه مطيع لصاحبه في جميع جوارحه، فكأنه قال: أفعال الفرس من أحواله كلها وجوارحه جميعًا موافقة لاختيار صاحبه، وتصريف كف راكبه وقدمه، وهذه فائدة جديدة.
ومرهفٍ سرت بين الموجتين به حتّى ضربت وموج الموت يلتطم
وروى: الجحفلين أي العسكرين. والموجتين: هما صفتا العسكرين وأراد بالموج. الأمواج، فهو واحد في معنى الجمع، ولهذا قال: يلتطم، والالتطام لا يكون من واحد، ويجوز أن يكون الموج: جمع موجة.
يقول: رب سيف محدد شققت به الصفين، وضربت به الأعداء في حال اشتداد الحرب، والتطام موج الموت. وأراد به مقدمات الموت، من الضرب والطعن.
وقيل: أراد بالموجتين: جملة كل واحد من الصفين على الآخر كالتطام الأمواج.
فالخيل واللّيل والبيداء تعرفني والحرب والضّرب والقرطاس والقلم
يقول: أنا لجامع بين آداب السيف والقلم: فالخيل تعرفني بالفروسية لإدماني ركوبها، والليل يعرفني لدوام سيري في ظلامه، والبيداء تعرفني لإدمان قطعي إياها، ودوام سكناي فيها، والحرب يعرفني لكثرة مباشرتي له، والقرطاس والقلم يعرفاني لأني كاتب أديب.
وقيل: أراد به أهل الخيل، وأهل البيداء إلخ يعرفوني.
قال ابن جني: قد سبق بجميع هذه الأمور في بيت واحد، ولم يجتمع مثله في بيت مما أعلمه، الأقرب إليه قول البحتري:
اطلبا ثالثًا سواي فإنّي رابع العيس والدّجى والبيد
وحكى أن سيف الدولة قال لما أنشد هذا البيت: والله لو قال هذا البيت في لشاطرته في ملكي.
صحبت في الفلوات الوحش منفردًا حتّى تعجّب منّي القور والأكم
القور: جمع قارة، وهي صرة من الأرض، فيها حجارة سود، وقيل: جبل صغير أسود كأنه مطلي بالقار، والأكمة: الجبل الصغير، وجمعها الأكم، والآكام، وقيل: هي ما ارتفع من الأرض.
يقول: إني لا أزال أقطع المفاوز وحدي، من غير أن يدلني أحد. وأراد بذلك وصف شجاعته، وقيل: أراد بذلك أنه بدوي، تربيته مع الوحش، بين الأكم والقور.
يا من يعزّ علينا أن نفارقهم وجداننا كلّ شيء بعدكم عدم
يعز: أي يشتد، يعرض برحيله عن سيف الدولة، يقول: يا من يشتد علينا مفارقتهم، كل شيء نجده بعد فراقكم فهو عندنا عدم، أي وجوده كعدمه ومثله:
ومن اعتاض عنك إذا افترقنا وكلّ النّاس زورٌ ما خلاكا
ما كان أخلقنا منكم بتكرمةٍ لو أنّ أمركم من أمرنا أمم
يقول: ما أخلقه بهذا الأمر! وما أجدوه! وما أولاه! والأمم: القصد والقرب يقول: ما أولانا منكم بأن تكرمونا! لو أن أمركم قريب من أمرنا، وجواب لو محذوف أي لو كنتم تحبوننا، كما نحبكم، لكنتم تكرموننا.
إن كان سرّكم ما قال حاسدنا فما لجرح إذا أرضاكم ألم
يقول: إن كان سركم قول الحساد وسعايتهم بي، فإني أصبر على ذلك، وكل جرح يصيبني فلا أتألم به، إذا كان فيه رضاكم.
وبيننا لو رعيتم ذاك معرفةٌ إنّ المعارف في أهل النّهي ذمم
قوله: معرفة مبتدأ وبيننا خبرها مقدم عليها، وذكرها ذهابا بها إلى العرفان أو الحق، وتقديره: بيننا معرفة لو رعيتم ذاك: أي لو رعيتم حق المعرفة، وجواب لو محذوف أي لو رعيتم لرفعتم منزلتي، وكافأتموني عليه.
يقول: قد تقدمت بيننا معرفة، وحرمة يجب عليك رعاية حقها؛ لأن المعارف ذمم بين أهل العقول: يعني يمتنع كل أحد من المتعارفين أن يسيء إلى صاحبه إذا كان عاقلًا، فكأن هذه المعرفة ذمة وعهد بينهما.
كم تطلبون لنا عيبًا فيعجزكم؟ ويكره الله ما تأتون والكرم
يقول: لا تزالون تطلبون عيبًا فيّ، فيعجزكم عيبي: أي لا تقدرون عليه، وهذا الفعل لا يرضى الله به، ولا يليق بالكرم.
ما أبعد العيب والنّقصان من شرفي أنا الثّريّا وذان الشّيب والهرم
ذان: إشارة إلى العيب، والنقصان.
يقول: كما أن الثريا لا تشيب، ولا تهرم، كذلك شرفي لا يلحقه عيب ولا نقصان.
ليت الغمام الّذي عندي صواعقه يزيلهنّ إلى من عنده الدّيم
[ ١ / ٢٧٧ ]
الضمير في صواعقه: للغمام، ويزيلهن فعله، والكناية التي هي هن تعود إلى الصواعق كني بالغمام عني سيف الدولة وصواعقه عن إيذائه إياه وبالديم عن عطائه عند غيره.
فيقول: ديم هذا الغمام عند غيري، وصواعقه عندي، فليت صواعقه عند من ديمه عنده، يعني ليته إن ليم يخصني بكرامة لا يقصدني بأذاه، بل يصرف امتنانه إلى من عنده عطاياه، ومثله لآخر:
فلو شاء هذا الدّهر أقصر سوءه كما أقصرت عنّا لهاه ونائله
ومثله للبحتري:
سحابٌ خطاني جوده وهو مسبل وبحر عداني قطره وهو مفعم
وبيت ابن الرومي أقرب إلى أبي الطيب:
أعندي تنقضّ الصّواعق منكما وعند ذوي الكفر الحيا والثّرى الجعد
والأصل في ذلك قول الحسين بن علي ﵄: نال حارها من تولي قارها.
أرى النّوى تقتضيني كلّ مرحلةٍ لا تستقلّ بها الوخّادة الرّسم
تقتضيني: أي تتقاضاني، وتطالبني، والوخادة الإبل التي تسير الوخد، وهو ضرب سريع من السير، والرسم: جمع رسوم، وهي التي تسير الرسيم، وهو أيضًا ضرب من السير، والهاء في بها للمرحلة: أي لا ينهض بها.
يقول: أرى البعد يطالبني بكل مرحلة لا تقطعها الإبل السريعة السير، من طولها، فأظهر لسيف الدولة السير عنه والرحيل. وبينه أيضًا فيما يليه.
لئن تركن ضميرًا عن ميامننا ليحدثنّ لمن ودّعنهم ندم
ضمير: اسم ماء في السماوة وقيل: جبل عن يمين طالب مصر، إذا خرج من الشام قاصدًا مصر، والكناية في تركن وميامنها وودعن إلى الوخادة الرسم.
يقول: لئن تركت الإبل الوخادة الرسم ضميرًا عن ميامنها، وأخذت بنا طيق مصر، ليحدثن لمن أفارقه ندم. واللام في قوله: ليحدثن جواب قسم محذوف: أي والله ليحدثن. واللام في لئن تركن زائدة دخلت توطئة للام الثانية، وحل جواب القسم محل جواب الشرط.
إذا ترحّلت عن قومٍ وقد قدروا ألاّ تفارقهم فالرّاحلون هم
الراحل: المرتحل.
يقول مخاطبا لنفسه: إذا قدر قوم على ألا يضطروك إلى مفارقتهم والرحيل عنهم، ثم اضطروك إلى ذلك، فهم مخلون بحقك، فيكونون بمنزلة المرتحلين عنك، لرغبتهم عنك، فلا فرق بين رحيلهم عنك، وإلجائهم إياك إلى فراقهم.
شرّ البلاد بلادٌ لا صديق بها وشرّ ما يكسب الإنسان ما يصم
ما يصم أي ما يصمه، ومعناه: ما يلحقه الوصم، وهو العيب.
يقول: شر البلاد بلاد لا صديق بها تسكن إليه، ويعينك على ما تريده، ويدفع ما يضرك، وشر كسب يكسبه الإنسان، ما يعاب به، وبذل عرضه بسببه.
وشرّ ما قنصته راحتي قنصٌ شهب البزاة سواءٌ فيه والرّخم
البزاة: الشهب البيض، وهي كرامها، والرخم: جمع رخمة، وهي طائر يشبه النسر، تأكل الجيف ولا تصيد، وهي من لئام الطير وقيل: الرخمة: الأنثى من النسور. وروى: اقتنصته وقنصته.
يقول: أنا كالبازي، وشعراؤك كالرخم، فلم سويت في المنزلة بيننا في الجائزة فيبطل فضل البازي فيم يعد لذلك العطاء عندي قدر. ومثله لأبي تمام:
كلابٌ أغارت في فريسة ضيغم طروقًا وهامٌ أطمعت صيدًا أجدلا
بأيّ لفظٍ يقول الشّعر زعنفةٌ تجوز عندك لا عربٌ ولا عجم؟!
الزعانف: سقاط الناس، واحدها زعنفة، وأصله من زعنفة الأديم: وهو ما سقط منهن إذا قطع فلا ينتفع به، فشبه به رذال الناس، وقيل: الزعانف: أجنحة السمك، ثم يقال للدعي الملحق بالقوم زعنفة.
يقول: إن شعراءك الذين تسوي بيني وبينهم أدعياء في الشعراء، وإنهم من جملة رذال الناس، ليسوا بأهل للإقبال عليهم؛ لأنهم دخلاء في الشعر، ليسوا من العرب ولا من العجم، فتقبل منهم شعرهم، ويجوز عليك تمويههم.
وقال ابن جني: معناه ليست لهم فصاحة العرب، ولا تسليم العجم، والفصاحة للعرب، فهم فضول رذال.
وقيل: إنه عرض في هذا بالنامي، وكان أخص شعراء سيف الدولة وأنشد أبو الطيب يوما قول النامي:
ومن العجائب أنّ بيض سيوفه تلد المنايا السّود وهي ذكور
فاستحسنه.
هذا عتابك إلاّ أنّه مقةٌ قد ضمّن الدّرّ إلاّ أنّه كلم
العتاب: أدنى الملامة والمقة: المحبة.
[ ١ / ٢٧٨ ]
يقول: هذا عتابك في الظاهر، ولكنه محبة لك، يعني لم أعاتبك إلا من محبتي إياك، فكلامه كالدر في الحسن والرونق والصفاء، وإن كان في الصورة كلامًا، وهو كقول أبي تمام:
تخال به مبردًا عليك محبرّا وتحسبه عقدًا عليك مفصّلا
والمصراع الأول من قول القائل:
ويبقى الودّ ما بقي العتاب
ومثل لآخر:
نعاتبكم يا أمّ عمرو لحبّكم ألا إنّما المقلىّ من لا يعاتب
فلما أنشد هذه القصيدة وانصرف، اضطرب المجلس، وقال له نبطي كان في المجلس: اتركني أسعى في ذمه، فرخص له في ذلك، والنبطي هو السامري، وفيه يقول أبو الطيب:
أسامريّ ضحكة كلّ رائي فطنت وأنت أغبى الأغبياء
صغرت عن المديح فقلت أهجى كأنّك ما صغرت عن الهجاء
وما فكّرت قبلك في محالٍ ولا جرّبت سيفي في هباء
فانصرف المتنبي فوقف له رجاله سيف الدولة في طريقه ليغتالوه، فلما رآهم أبو الطيب؛ وتبين السلاح تحت ثيابهم أمكن يده من قائم سيفه، وجاءها حتى خرقها، فلم تقدم عليه، ثم أنفذت الطير إلى أبي العشاير في أمره، فأنفذ عشرة من خاصته، فوقفوا بباب سيف الدولة أول الليل، وجاءه الرسول على لسان سيف الدولة، فسار إليه، فلما قرب منهم ضرب راجل منهم - بين أيديهم - إلى عنان فرسه، وسل أبو الطيب السيف، فوثب الراجل وتقدمت فرسه به الجيل، فعبر قنطرة كانت بين أيدهم واجترهم إلى الصحراء، فأصاب أحدهم نحرة فرسه بسهم فأنفذه، فانتزع أبو الطيب السهم، ورمى به. واستقلت الفرس وتباعد بهم ليقطعهم عن مدد - إن كان لهم - ثم رد عليهم بعد أن فنى النشاب، فضرب أحدهم فقطع الوتر وبعض القوس، وأسرع السيف في ذراعه ووقفوا على المضروب، فسار وتركهم. فلما يئسو منه، قال له أحدهم في آخر الوقت: نحن غلمان أبي العشائر، فلذلك قال: ومنتسب عندي إلى من أحبه وللنبل حولي من يديه حفيف الأبيات .
وعاد أبو الطيب إلى المدينة في الليلة الثانية مستخفيًا فأقام عند صديق له، والمراسلة بينه وبين سيف الدولة متصلة، وسيف الدولة ينكر أن يكون فعل ذلك، أو أسر به فعند ذلك قال أبو الطيب:
ألا ما لسيف الدّولة اليوم عاتبا فداه الورى أمضى السّيوف مضاربا
ألا تنبيه وما للاستفهام على جهة الإنكار، وعاتبا نصب على الحال ومضاربا نصب على التمييز، والعتب: أدنى الغضب.
يقول: ما باله اليوم قد عتب علي، جعل الله الورى فداء له، وقوله: أمضى السيوف مضاربا: هذه الجملة في موضع نصب على الحال، أي فداه الورى في هذه، أي في حال كونه أمضى السيوف.
وما لي إذا ما اشتقت أبصرت دونه تنائف لا أشتاقها وسباسبا!
التنائف: جمع تنوفة، وهي الأرض الواسعة البعيدة الأطراف. والسباسب: جمع سبسب وهو الفضاء الواسع.
يقول: ما لي إذا ما اشتقت إلى لقائه حال بيني وبينه إعراضه. أقام عتب سيف الدولة مقام المفاوز التي يحتاج أن يقطعها، حتى يصل إلى مراده، كما أن المفاوز مانعة لمن أراد الحاجة، فكذلك عتبه مانع من مراده.
وقيل: ضرب التنائف والسباسب: مثلا للصد والمباعدة.
وقد كان يدني مجلسي من سمائه أحادث فيها بدرها والكواكبا
أي ماله أبعدني عن مجلسه؛ بعد أن كان يقربني منه، ويجعلني من جلسائه؟! لما جعله بدرًا جعل مجلسه سماء وجعل خصاله وأفعاله كواكب، وكذلك جعل ندماءه كواكب سمائه، والهاء في فيها وفي بدرها تعود إلى السماء.
حنانيك مسئولًا، ولبّيك داعيا وحسبي موهوبًا وحسبك واهبًا
حنانيك: أي تحننًا بعد تحنن، ومعناه الرحمة، معناه أسألك رحمة بعد رحمة وأرجو أن تضاعف على النعمة، ولبيك: أي إجابة بعد إجابة إذا دعوتني وحسبي موهوبًا: أي حسبي من جميع هباتك، أن تهب لي نفسي، وقيل: يكفني ما وهبت من المال، وحسبك واهبًا: أي كملت في هذه الصفة، فالكفاية واقعة في كونك واهبًا، لا يزاد معك إنسان آخر يكون واهبًا، وقيل: حسبك من جميع المناقب أن تكون واهبًا نفسي مني، ونصب حنانيك ولبيك على المصدر. أو بفعل مضمر، ونصب مسئولا وداعيًا وموهوبًا وواهبا على الحال.
أهذا جزاء الصّدق إن كنت صادقًا؟ أهذا جزاء الكذب إن كنت كاذبا؟
[ ١ / ٢٧٩ ]
يقول: إن كنت صادقا في مدحك، فليس جزائي منك الإبعاد والعتب، وإن كنت كاذبًا في مدحك فقد تكلفت لك المجاملة في القول، فكان من الواجب أن تعاملني بمثل ذلك، فعلى الحالين أستوجب منك خلاف ما فعلته بي.
وقيل: معناه إن كنت صدقت فيما عاتبتك عليه فما جزاء الصدق أن تأمر بقتلي! وإن كذبت، فالواجب على كرمك أن تعفو عني.
وإن كان ذنبي كلّ ذنبٍ فإنّه محا الذّنب كلّ المحو من جاء تائبا
الهاء في إنه ضمير الشأن، أي فإن الشأن محا الذنب من جائ تائبا.
يقول: إن كان ذنبي يوازي ذنوب الناس كلهم، فإن توبتي تمحوه، فإن من جائ تائبًا استوجب العفو، وإن كان ذنبه بمنزلة جميع الذنوب، أخذه من قول النبي ﷺ: التائب من الذنب كمن لا ذنب له ومثل البيت قول الآخر:
إذا اعتذر الجاني محا العذر ذنبه وكلّ امرئٍ لا يقبل العذر مذنب
قال: ودخل على سيف الدولة، بعد تسع عشرة ليلة، فتلقاه الغلمان، وأدخلوه إلى خزانة الكسوة فخلع عليه وطيب، ثم دخل على سيف الدولة فسأله سيف الدولة عن حاله وهو مستح منه، فقال له أبو الطيب: رأيت الموت عندك أحب إلي من الحياة دونك، فقال له سيف الدولة: بل يطيل الله بقاءك ودعا له.
ثم ركب أبو الطيب وسار معه خلق كثير إلى منزله، وأتبعه سيف الدولة طيبًا كثيرًا وهدية، فقال أبو الطيب يمدحه وأنشدها إياه في شعبان سنة إحدى وأربعين وثلاث مئة.
أجاب دمعي وما الدّاعي سوى طلل دعا فلبّاه قبل الرّكب والإبل
يقول: لما وقفت على الطلل، بكيت قبل أصحابي، وقبل بكاء الإبل، فكأن الطلل دعا دمعي فأجابه قبل أصحابي.
ظللت بين أصيحابي أكفكفه وظلّ يسفح بين العذر والعذل
الأصيحاب: تصغير الأصحاب، وأكفكفه: أي أحبسه، وأردده والها: للدمع. وظل: أي الدمع. يسفح: أي يجري.
يقول: ظللت عند إجابة الدمع أكف دمعي عن السيلان، وأمنعه من الهملان، وظل الدمع يسيل ولا ينقطع، وأمنعه ولا يمتنع، فكان يجري بين عاذل من أصحابي على البكاء، وبين عاذر منهم، لما يرى من شدة صبابتي.
أشكو النّوى ولهم من عبرتي عجبٌ كذاك كانت وما أشكو سوى الكلل
الكلل: جمع الكلة، وهي الحجلة والتاء في كانت: للعبرة.
يقول: كنت أشكو النوى إليهم، وهم يتعجبون من دمعي، وليس ذلك بموضع تعجب؛ لأن الدمع كان هكذا، حين كانت المحبوبة قريبة منين لا يغيبها عن عيني سوى كلل. فالآن وقد بعدت وحالت بيننا المفاوز والبلاد، أجدر أن أبكي، وقوله: كذا كانت خطاب للأصحاب، أي قلت لهم: لا تعجبوا فإني كنت هكذا أبكي وهي قريبة مني.
وما صبابة مشتاق على أمل من اللّقاء كمشتاق بلا أمل
أي كصبابة مشتاق بلا أمل، فحذف المضاف.
يقول: إذا كنت أبكي وهي بالقرب، وكان البعد بيننا كله، فالآن - مع هذا البعد - أولى بالبكاء، لأن الاشتياق، إذا كان مع الأمل من اللقاء، لا يكون في الشدة كالاشتياق إذا كان من غير الأمل! ومثله لأبي تمام:
يصدّون عمّن لو تيقّن أنّه صدود انقطاعٍ لانثنى فتقطّعا
متى تزر قوم من تهوى زيارتها لا يتحفوك بغير البيض والأسل
يقول: إذا زرت قوم حبيبك الذي تهواه: جعلوا تحفتك السيوف والرماح، يعني أنهم وإن قصدوني عن زيارتي إياها بالرماح والسيوف، طلبًا لقتلي، فإني لا أمتنع عن زيارتها، وقد بين ذلك بقوله.
والهجر أقتل لي ممّا أراقبه أنا الغريق فما خوفي من البلل؟!
يقول: إن هجرت زيارتها خوفًا من القتل، فالهجر أشد قتلًا لي، وما أراقب من قومها، ربما قارنته السلامة، وخوفي من قومها كالبلل.
ما بال كلّ فؤادٍ في عشيرتها به الّذي بي وما بي غير منتقل؟
يقول: ما بال كل قلب من قلوب عشيرتها يحبها! فبهم مثل ما بي من حبها، وكلنا ثابت الحب لها، غير منتقل الهوى عنها؛ لأنه إذا أخبر أن لكل فؤاد ما بفؤاده ثابت، فقد تضمن ذلك الإخبار عما في قلوبهم من الحب، أنه غير منتقل.
وقيل - وهو الأولى - معناه: أن كل أحد من عشيرتها يحبها مثلما أحبها لا تفاوت بيننا في حبها، فكأننا نحبها بحب واحد، وهذا الحب في قلوبنا أجمع، فكيف يكون وجدي وشوقي في قلب غيري وهو غير منتقل عني، والشيء الواحد لا يحل مكانين في زمان واحد؟!
[ ١ / ٢٨٠ ]
مطاعة اللّحظ في الألحاظ مالكةٌ لمقلتيها عظيم الملك في المقل
اللحظ: العين ها هنا.
يقول: إنها ملكت عيون الناس بحسن عينيها، وغنج ألحاظها، فلم تدع عينا أن تتخطاها إلى غيرها، فهي إذًا مطاعة العين فيما بين العيون كلها، وهي مالكة لمقلتيها الملك العظيم فيما بين المقل.
تشبّه الخفرات الآنسات بها في مشيها فينلن الحسن بالحيل
الخفرة: الحيية، والآنسة: التي تأنس محدثها ويأنس هو بها.
يقول: إن النساء الحسان يتشبهن بها في مشيها فيمسن كما تميس هي، فينلن حسن مشيها بالحيل والسرقة، وكأنهن يحاكينها في المشي فقط.
قد ذقت شدّة أيّامي ولذّتها فما حصلت على صابٍ ولا عسل
الصاب: شجر مر.
يقول: جربت أحوال الدهر، وذقت حلاوته ومرارته، فما وجدت لشيء منها حقيقة، لأنه لا يدوم ولا يبقى.
وقد أراني الشّباب الرّوح في بدني وقد أراني المشيب الرّوح في بدلي
فاعل أراني: الشباب، والمشيب والروح مفعوله الثاني، والكناية في أراني مفعوله الأول. والبدل قيل: أراد به غيره من الشبان ومعناه: أني ما دمت شابًا رأيت روحي في بدني، والآن لما شبت أرى الحياة في غير من الشبان، فكأن الروح التي كانت في انتقلت مني إلى غيري.
وقيل: معناه أيقنت عند طلوع الشيب أني قد ندبت إلى فراق الدنيا ليعمرها غيري.
وقيل: أراد بالبدل ولده، أي ما كنت أراه في نفسي من اللذة والروح في الحياة، انتقل مني إلى ولدي، فصرت أرى في بدلي وهو ولدي الذي يخرج مني، بعد ما كانت في بدني، وكأني قد انتقلت من الدنيا، وقام ولدي مقامي.
وقد طرقت فتاة الحيّ مرتديًا بصاحبٍ غير عزهاةٍ ولا غزل
طرقتها: أتيتها ليلًا والعزهاة: الجافي الذي لا يصبو إلى النساء ولا يرغب فيهم والغزل: ضده.
يقول: ربما زرت حبيبتي ليلا، وأنا متقلد بسيفي، وجعله صاحبه، ثم قال: إن صاحبي لا يكره النساء ولا يميل إليهن، فهو لا عزهاة ولا غزل.
فبات بين تراقينا ندفّعه وليس يعلم بالشّكوى ولا القبل
يقول: ضاجعتها، وعلي سيفي، فبات بيني وبينها، وكنا ندفعه إلى جانب عند المباشرة، وهو لا يعلم ما يجري بيننا من القبل والشكوى.
ثمّ اغتدى وبه من ردعها أثرٌ على ذؤابته والجفن والخلل
الردع: أثر الزعفران وأثر الطيب، وذؤابة السيف: السير الذي في طرف قائمه. والجفن: الغمد. والخلل: الغاشية التي يغشى بها السيف.
يقول: اغتدى السيف وقد علق به من طيها أثر، وكذلك علق بذؤابته وغمده.
لا أكسب الذّكر إلاّ من مضاربه أو من سنان أصمّ الكعب معتدل
يقول: لا أكسب الذكر الجميل، والثناء الحسن، إلا بحد السيف وسنان الرحم الأصم الكعب، فلهذا لا أفارقه.
جاد الأمير به لي في مواهبه فزانها وكساني الدّرع في الحلل
به: أي بالسيف فزانها: أي زان المواهب.
يقول: هذا السيف الذي لا أكسب الذكر إلا من مضاربه، وهبه لي الأمير في جملة مواهبة، فزان هذا السيف.
وقيل: زان سيف الدولة المواهب، وكذلك كساني الدرع في جملة ما كساني من الحلل.
ومن عليّ بن عبد الله معرفتي بحمله، من كعبد الله أو كعلي؟!
معرفتي: ابتداء. ومن علي بن عبد الله خبره.
يقول: إنما تعلمت حمل السيف من سيف الدولة، ومن يشبه سيف الدولة أو والده في الجود والكرم؟!
معطى الكواعب والجرد السّلاهب وال بيض القواضب والعسّالة الذّبل
السلاهب: الطوال من الخيل والعسالة: الرماح المضطربة.
يقول: سيف الدولة هو يهب هذه الأشياء كلها.
ضاق الزّمان ووجه الأرض عن ملكٍ ملء الزّمان وملء السّهل والجبل
عن ملك: يعني ملأ الزمان بأفعاله ومناقبه وذكره، وملأ الأرض بخيله ورجله، حتى ضاقت عنه.
فنحن في جذلٍ، والرّوم في وجلٍ والبرّ في شغلٍ، والبحر في خجل
يعني: نحن في سرور من إحسانه إلينا، والروم في خوف من غزوه إليهم، والبر في شغل بخيله وجوده، والبحر في خجل من كثرة عطائه.
من تغلب الغالبين النّاس منصبه ومن عديّ أعادي الجبن والبخل
هو من تغلب، وتغلب من عدي، وروى: العنصر والمنصب، وهما الأصل.
[ ١ / ٢٨١ ]
يقول: أصله من تغلب الذين هم يغلبون الناس، ومن عدي أيضًا وهم أعادي البخل والجبن.
أي إنهم في طباعهم الجود والشجاعة.
والمدح لابن أبي الهيجاء تنجده بالجاهليّة عين العيّ والخطل
تنجده: أي تعينه، والخطل: الكلام الفاسد.
يقول: إذا استعنت في مدحه بذكر أيام آبائه، الذين كانوا في الجاهلية وإعانة مدحه بوصفهم عين العي والخطل، لأنك تجد في مناقبه ما لا يحتاج معه إلى ذكر آبائه.
قال ابن جنيك سألته عن هذا، قال: بعض الشعراء قد مدح سيف الدولة بذكر آبائه وأجداده ويعني به: النامي الشاعر.
وقيل: يجوز ألا يراعي السبب في ذلكن غير أنه لما قال فيما قبله من تغلب البيت. عاد إلى مدحه في نفسه، وبين أنه لم يذكر آباءه لاحتياجه إلى ذلك.
ليت المدائح تستوفي مناقبه فما كليبٌ وأهل الأعصر الأول؟!
يقول لذلك الشاعر. أو لنفسه: ليت أن الشعر يستوفي فضائله ومآثره، أي أن ما فيه من المناقب لا تحيط به المدائح، فما كليب وغيره من المتقدمين في الأزمنة الخالية بالإضافة إليه، حتى تذكر مناقبهم في مدحه!
خذ ما تراه ودع شيئًا سمعت به في طلعة الشّمس ما يغنيك عن زحل
يقول: خذ ما قرب منك، ودع ذكر من غاب عنك، ولا سيما القريب منك الذي تشاهده، أكثر مناقب من البعيد الذي سمعت بذكره، وضرب المثل وشبهه بالشمس وأباه بزحل، فإن الشمس أقرب إلينا من زحل، وأبين منه نورًا، وأكثر منه فضلا.
يعني: عليك بمدح سيف الدولة الذي هو كالنور. وهذا البيت من محاسن الشعر.
وقد وجدت مكان القول ذا سعةٍ فإن وجدت لسانًا قائلًا فقل
يقول: قد وجدت لمدحك مجالًا، ولمكانك في الوصف مقالًا، فإن كان لك لسان يساعدك، وبيان يطاوعك فامدح. ومثله للنميري:
إذا امتنع المقال عليك فامدح أمير المؤمنين تجد مقالا
إنّ الهمام الّذي فخر الأنام به خير السّيوف بكفّي خيرة الدّول
خير السيوف: خبر إن.
يقول: إن الملك الهمام الذي يفتخر به الأنام هو خير السيوف بكفي خيرة الدول، وهي دولة الإسلام، لأنه سيفها.
تمسي الأمانيّ صرعى دون مبلغه فما يقول لشيءٍ: ليت ذلك لي
يقول: إنه بلغ فوق ما يتمناه، فلا يرى شيئًا لم يصل إليه، فيتمنى أن يكون له! بل إذا تمنى شيئًا وصل إليه، وإلى ما هو خير منه.
ومعنى قوله: تمسي الأماني صرعى دون مبلغه معنى بديعي، لأبلغ مبلغًا، كل أمنية ساقطة دونه، فلا يحتاج أن يتمناها مع تجاوزه عنها، وهو في هذا ينظر إلى قول عنترة العبسي.
ألا قاتل الله الطّلول البواليا وقاتل ذكراك السّنين الخواليا
وقيلك للشّيء الّذي لا تناله إذا ما حلافي العين: يا ليت ذاليا!
انظر إذا اجتمع السّيفان في رهجٍ إلى اختلافهما في الخلق والعمل
الرهج: الغبار.
يقول: إذا ارتفع غبار الحرب، فانظر إلى سيف الدولة، وإلى السيف الذي في يده؛ لتعرف فضل ما بينهما خلقًا وعملا، يعني أنه وإن شارك السيف في الاسم، فهو مخالف له في الخلق والعمل والمضاء، والعزم والفناء.
هذا المعدّ الدّهر منصلتًا أعدّ هذا الرّأس الفارس البطل
أعد: فاعله المعد لريت الدهر. والمنصلت: المتجرد من الغمد، ومنصلتًا نصب على الحال.
يقول: إن سيف الدولة سيف جعله الخليفة عدته لحوادث الدهر، وهذا السيف قد اتخذ سيف الحديد عدة للحرب، ليضرب رءوس الأبطال، فهذا الأول إشارة إلى سيف الدولة والثاني إشارة إلى سيف الحديد.
فالعرب منه مع الكدريّ طائرةٌ والرّوم طائرةٌ منه مع الحجل
الكدري: ضرب من القطا، تضرب ألوانها إلى الكدرة والحجل: القبج.
يقول: إن الروم والعرب هربت منك، والتجأت إلى البوادي والجبال، فالعرب هاربة إلى البوادي مع القطا، والروم إلى الجبال مع القبج.
وخص العرب بالقط؛ لأنها تكون في بلاد العرب دون الروم، وخص الروم بالحجل، لأنها تكون في بلاد الروم وجبالها.
وما الفرار إلى الأجبال من أسدٍ تمشي النّعام به في معقل الوعل
الضمير في به للأسد، وأراد به: سيف الدولة، وأراد بالنعام ها هنا الخيل خيل سيف الدولة العراب.
يقول: كيف يمنع الروم فرارها إلى الأجبال من أسد تمشي به الخيل في الجبل التي هي معقل الوعل.
[ ١ / ٢٨٢ ]
شبه الخيل بالنعام لسرعتها. وفيه إشارة إلى أنه لا يمتنع عليه أمر رامه؛ لأنه إذا أمكنه أن يبلغ بالنعا وهي سهلية إلى رءوس الجبال، فكيف يقدرون على التحرز منه في معقل الأوعال.
وقيل: معناه أن سيف الدولة لو ركب النعام مشت به في معاقل الأوعال، مع أنها من طير السهل، لأنه قد سهل له كل صعب.
وقيل: أراد بالنعام حقيقتها. ومعناه: أنه قد أحوج النعام التي هي من طيور السهل إلى الفرار منه ومن جيشه إلى رءوس الجبال.
جاز الدّروب إلى ما خلف خرشنةٍ وزال عنها وذاك الرّوع لم يزل
الدروب: مضايق الروم. وقيل: هي دروب الروم. وقيل: موضع بعينه. وخرشنة: بلد في الروم.
يقول: دخل بلاد الروم حتى جاوز الدروب والمضايق، وخلف خرشنة وراء ظهره، ثم عاد منها بعد الإغارة والسبي وخوفه بعد في قلوبهم لم يزل عنهم.
فكلّما حلمت عذراء عندهم فإنّما حلمت بالسّبي والجمل
يقول: قد تمكن رعبك في قلوبهم، فالبكر منهم ترى في نومها أنها تسبى؛ لتمكن ذلك في نفسها في حال اليقظة، فهي تراه في المنام، أو ترى الجمل؛ لأنه لا يكون في بلاد الروم، فالنفس له أنكر والطباع منه أنفر.
وقيل: خص الجمل؛ لأنها إذا سبيت تحمل على الإبل.
وقيل: معناه أنهن يسبين صغارًا فيحملن على الجمال إلى عند أصحاب سيف الدولة؛ لأنها أصحاب جمالز ومثله لعلي بن جبلة:
وعلى عدوّك يا ابن عمّ محمّدٍ رصدان: ضوء الصّبح والإظلام
ومثل ذلك لأبي الطيب:
يرى في النّوم رمحك في كلاه ويفرق أن يراه في السّهاد
إن كنت ترضى بأن يعطوا الجزي بذلوا منها رضاك ومن للعور بالحول!؟
الجزي: جمع جزية يقول: إن كنت ترضى منهم بالجزية، أعطوك منها ما تطلب، فهم يتمنون ذلك، كما يتمنى الأعور الحول، لأن الجزية خير لهم وأحب في أنفسهم من السبي والقتل، كما أن الحول خير من العور.
ناديت مجدك في شعري وقد صدرا يا غير منتحلٍ في غير منتحل
صدرا: راجع إلى مجد سيف الدولة وشعر المتنبي، وفيه إشارة إلى أنهما ليسا بمستحدثين، ولو قال: وردا لأوهم ذلك، والانتحال: ادعاء الشيء كذبًا.
يقول: ناديت مجدك فيما أقوله في مدائحك، فقلت في ندائي: يا مجدًا غير منتحل في شعر غير منتحل. يعني: أن مجدك حقيقة لك لم تنتحله، كما أن شعري كذلك غير منتحل.
وقوله: قد صدرا أي صدر الشعر مني والمجد منك ويجوز أن يريج صدر الشعر، والمجد من فعلك، إذ لولا عطاؤك لما كان مني مدح.
بالشّرق والغرب أقوامٌ نحبّهم فطالعاهم وكونا أبلغ الرّسل
يقول، قلت لمجدك وشعري لما سارا في البلاد: إن في الشرق والغرب لي أحبة، فأبلغا أحبتي عند سيف الدولة.
وذلك إشارة إلى اشتهار المجد والشعر، إلا أنه لما كان مشتملا على ذكره مجده، كان المجد أيضًا سائرًا بسيره ومشتهرًا باشتهاره. وقد بين تتمة الرسالة فيما يليه فقال:
وعرّفاهم بأنّي في مكارمه أقلّب الطّرف بين الخيل والخول
الخول: جمع الخائل، وهو الخادم.
يقول للمجد والشعر: عرفا أحبتي ما أنا فيه من الكرامة، وما أعطاني الأمير من الخيل والعبيد.
يا أيّها المحسن المشكور من جهتي والشّكر من قبل الإحسان لا قبلي
يقول: أحسنت إلي وشكرت على إحسانك إلي، فالشكر من جهة إحسانك لا من جهتي، فكأنه هو الشاكر دوني.
ما كان نومي إلاّ معرفتي بأنّ رأيك لا يؤتى من الزّلل
أقام النوم مقام الغلفة والسهو، يعتذر مما بدر منه في القصيدة الميمية.
يقول: ما نمت عما وجب من صيانة مدحك، عن خلطه بالعتاب المؤلم، إلا بعد ثقتي باحتمالك وحلمك، وأنك لا تعجل علي بعقوبتك. وفوق ها هنا ظرف كما تقول: نمت فوق السرير. وقيل: إنه صفة لمصدر محذوف، أي لما وثقت بحلمك وعلمت أنك لا تزل في رأيك، تسحبت في العتاب تسحبًا فوق ما عرفته من ثبات رأيك.
وقيل: معناه يا أيها الملك الذي أحسن إلي وشكرته على إحسانه، ما لحقني السهو والتفريط إلا بعد سكون نفسي إلى فضلك، وأنك لا تزل في رأيك.
أقل، أنل، أقطع، أحمل، علّ، سلّ، أعد زد، هشّ، بشّ، تفضّل، أدن، سرّ، صل
[ ١ / ٢٨٣ ]
أقل: من الإقالة من العثرة، والعفو عن الزلل. أنل: من الإنالة، وهو إسداء العطية. أقطع من الإقطاع. أحمل: من حملته على فرسي، ومنه قوله تعالى: " ولا عَلَى الَّذِينَ إذَا مَا أَتَوْك لِتَحْمِلهُمً ". عل: من إعلاء المحل. يقال: عليت منزلته، وأعليتها. سل: من تسلية الهموم أعد: من الإعادة إلى العادة الأولى. زد: من الزيادة. وهش بش من الهشاشة، والبشاشة، وهما: التهلل، واللقاء بالبشر، والطلاقة. تفضل: من تفضل فلان على صاحبه. أدن: من الإدناء وهو التقريب. وسر: من سررته أسره. صل: من الصلة وهي العطية، أو من المواصلة وهي المقاربة.
ومعنى هذه الكلمات: إما دعاء لسيف الدولة. أي لا زلت أبدًا تقيل عثرة من يبغي من أصحابك وتنيل أولياءك وتقطعهم ضياعك، وتحملهم على خيلك إلى آخر البيت.
وإما للسؤال والطلب، فالمعنى: أقلني من عثرتي، وأنلني من فضلك، وأقطعني ضيعة من ضياعك، واحملني على فرس من خيلك، وعل منزلتي عندك، وسل ما حصل في قلبك من غش، أو سل ما في قلبي من الهم بإعراضك عني، وأعدني ما كنت عليه من المنزلة، وسرني إلى الإجابة إلى ما سألتك وقيل سر قلبي برضاء عني، وصلني بصلة من صلاتك، أو صل ما بيني وبينك.
ويحكى أن سيف الدولة وقع بخطه تحت أقل أقلناك. وتحت أنل يحمل إليه كذا وكذا ألف درهم، وتحت أقطع أقطعناك الضيعة الفلانية بباب حلب، وتحت أحمل يقاد إليه فرس مركب وتحت عل قد فعلنا وتحت سل قد فعلنا فاسأل، وتحت أعد أعدناك إلى حالك من حسن رأينان وتحد زد يزاد كذا وكذا، وتحت تفضل قد فعلنا، وتحت أدن قد أدنيناك وتحت سر قد سررناك.
فقال أبو الطيب: إنما قلت هب سرّية لي فأمر بجارية له، وتحت سل قد فعلنا.
ويحكى أن المعقلي وكان شيخًا ظريفًا قال لسيف الدولة: قد فعلت به كل شيء سألك، فهلا قلت: لما قال: هش بش هئ هئ: يحكى الضحك، فضحك سيف الدولة وقال: اذهب يا ملعون.
لعلّ عتبك محمودٌ عواقبه فربّما صحّت الأجسام بالعلل
يقول: لعلي أتأدب بعد عتبك علي، ثم بعد عفوك عني هذه الكرة، فيكون عتبك علي تهذيبًا لأدبي، ويؤدي إلى العاقبة المحمودة، كما أن بعض العلل يكون محمود العاقبة، لما يؤمن معه من الأمراض، كالزكام، فإنه يؤمن معه من أدواء كثيرة من أدواء الرأس، ويعقبه الصحة. كالفتور الذي ينال شارب الدواء ثم يتعقبه صحة كثيرة وكضرب المؤدب للغلام.
قال ابن جني: وهذا من الكلام الذي يقضي بفضله كل من فهمه.
وما سمعت ولا غيري بمقتدر أذبّ منك لزور القول عن رجل
عن رجل: عني به نفسه، كأنه كان قد كذب عليه بعض حاسديه عند سيف الدولة، ولم يقبل قوله، ولكنه عاتبه على ذلك من غير علم هذا الحاسد. فقال: لم أسمع أنا ولا غيري بملك يقتدر على الانتقام. أذب منك لزور القول عن رجل سعى إليك بزور القول.
لأن حلمك حلمٌ لا تكلّفه ليس التحكّل في العينين كالكحل
الكحل: أن تكون أشفار العين سودًا خلقةً. والتكحل: استعمال الكحل.
يقول: إنما توقف على أمر من يسعى عندك، لن حلمك في طباعك غير متكلف، فلا يتغير بسعاية ساع، كما يتغير الحكم التكلفي. فحلمك ثابت لا يزول، كما أن الحكل في العين إذا كان خلقة لا يزول ولا يحول، وحلم غيرك من الملوك متكلف سريع الانتقال، كما أن التكحل لا دوام له.
وما ثناك كلام النّاس عن كرمٍ ومن يسدّ طريق العارض الهطل؟!
ما ثناك: ما صرفك. والهطل: المتتابع، وروى: ومن يرد ومن يسد شبه كرمه بالعارض الهطل فقال: فكما أن أحدًا لا يمكنه سد طريق العارض الهطل، كذلك لا يمكن أحد أن يمنعك من استعمال الكرم.
أنت الجواد بلا منٍّ ولا كدرٍ ولا مطالٍ وى وعدٍ ولا مذل
المذل: الضجر من الشيء.
يقول: أنت الجواد الذي لا يمن بعطائه، ولا يكدر معروفه بالمن وغيره، وليس في عطائه مطل ولا مدافعة ولا وعد، بل يعطى العطية ابتداء، ولا يضجر من جوده ولا يندم.
وقيل: معناه أن يجود بالتثبت والسكون، لا بالطيش والخفة.
أنت الشّجاع إذا ما لم يطأ فارسٌ غير السّنّوز والأشلاء والقلل
السنور: قيل: جميع السلاح، وقيل: ما يلبس من السلاح، كالدروع ونحوها، والأشلاء: جمع شلو، وهو جسد المقتول. والقلل: الرءوس
[ ١ / ٢٨٤ ]
يقول: أنت الشجاع المشهور، في حال لا يقع حافر فرسه إلا على أجساد القتلى، ورءوسهم وسلاحهم.
وردّ بعض القنا بعضًا مقارعةً كأنّه من نفوس القوم في جدل
يقول: أنت الشجاع إذا ضاق المجال، وقرع القنا بعضه بعضًا، فصار الرمح يرد الآخر عن الطعن، كما يرد الخصم حجة خصمه.
شبه النفوس بالمعاني، والرماح بالحجج، والاعتراضات التي تدور بين الخصمين والحرب بالجدال. وهذا البيت متصل بالذي قبله.
والمعنى: يعني أنه الفارس الشجاع في جميع الأحوال.
لا زلت تضرب من عاداك عن عرضٍ بعاجل النّصر في مستأخر الأجل
عن عرض: أي عن يمنة ويسرة، وهو متعلق بقوله تضرب.
يقول: لا زلت تضرب أعداءك معترضًا لهم بسيفك، والله يؤيدك بنصر قد عجله لك، وأجل قد أخره الله عنك، فكأنه أخر الله أجلك، وعجل نصرك.
فاستحسن سيف الدولة ومن حضره القصيدة هذه وأطنبوا في وصفها، فقال ارتجالا:
إنّ هذا الشّعر في الشّعر ملك سار فهو الشّمس والدّنيا فلك
يقول: شعري ملك الشعر، كما أنك ملكت الخلق، وهو شمس يسير في الدنيا، كما تسير الشمس في الفلك.
عدل الرّحمن فيه بيننا فقضى اللّفظ لي والحمد لك
يقول: عدل الله تعالى في قسمه هذا الشعر بيني وبينك، فأعطاني لفظه، وأعطاك معناه. وهو الحمد والثناء.
فإذا مرّ بأذني حاسدٍ صر ممّن كان حيّا فهلك
يقول: إذا سمعه من يحسدك على مجدك، ومن يحسدني على فضلي، غلب على قلبه الحسد، فأهلكه، فيهلك بسببه.
ولم أنشده: أقل أنل رأى قومًا يعدون ألفاظه فزاد فيه وأنشده.
أقل، أنل، أن، صن، احمل، علّ، سلّ، أعد زد، هش بشّ، هب، اغفر، أدن، سرّ، صل
أن: أمر من الأون، وهو الرفق. وصن أمر من الصيانة، والمراد به حفظ الجاه.
فرآهم يستكثرون الحروف فقال. يظهر مقدرته على جمع كلمات كثيرة في بيت واحد.
عش، ابق، اسم، سد، قد، جد، مر، انه، ره، فه، اسر، نل غظ، ارم، صب، احم، اغز، اسب، رع، زع، ده، له، اثن، بل
عش: من العيش، وابق: من البقاء، واسم: من السمو. وسد: من السيادة، وقد: من قاد الجيش، وجد: من الجود، ومر: من الأمر بالشيء، وانه: من النهي، أي لا زلت آمرًا ناهيًا. وره: من وريته أريه، وهو داء في الجوف، أي أصب اعدو بهذه الآفة. وفه: من الوفاء بالعهد، واسر: من السرية، أي جهز الجيش إلى الأعداء.
وقيل: معناه الدعاء، أي لا زلت أبدًا تسري إلى أعدائك. ونل: من النيل، وهو الإدراك، أي لا زلت تدرك من أعدائك إرادتك، ويجوز نل بضم النون من نلته: أي أعطيته. وغظ: أي غظ حسادك بما يرون من إقبال دولتك وارم: من يكيدك. وصب: من صاب السهم الهدف، أي أصابه، أي لا زلت ترمي أعداءك فتصيب مقاتلهم. واحم: من حميت الرجل إذا منعته، أي احفظ حوزتك. واغز: من الغزو. واسب: من السبي أي لا زلت أبدًا تغزو الأعداء، وتسبي زراريهم. ورع: أي أفزع أعداءك، أي لا زلت كذلك. زع: أي كف شر أعدائك. ده: من وديت القتيل، إذا أعطيت ديته، أي لا زلت تحمل الدية عن القاتل لكرمك. له، من الولاية، أي لا زلت تلي الولايات. واثن: أي اصرف أضدادك عن الوصول إليك: وقيل اثن من ثنيت الفعل إذا فعل مرة بعد مرة. أي لا زلت كلما وليت ولاية ثنيتها بأخرى، وشفعتها بما هو خير منها، وبل: من الوبل. وهو المطر إذا اشتد، أي لا زلت تعطي عطاء كالوابل.
وهذا البيت لم يسبقه أحد إلى مثله. ولا لحقه أحد فيه، وهو مركب من أربع وعشرين كلمة، وهي مع ذلك فصيحة، وقد قال قبله عدة من الشعراء فلم يزيدوا على عشر كلمات كقول أبو العميثل:
اصدق، وعفّ، وبر، واصبر، واحتمل واحلم، ودار، وكاف، وانصر، واسمع
والأصل قول امرئ القيس:
أفاد، وجاد، وساد، وحاد وقاد، وباد، وعاد، وأفضل
فقال سيف الدولة: أيمكن أكثر من هذا؟! فقال: نعم ولكن يغيظ جدًا
وهذا دعاء لو سكتّ كفيته لأني سألت الله فيك وقد فعل
أي هذا الدعاء أمر زائد، لأن كلما سألت الله فيك، قد فعله الله فيك، فلو سكت كنت كفيته.
[ ١ / ٢٨٥ ]
وقال أيضًا وقد حضر مجلس سيف الدولة في شوال سنة إحدى وأربعين وثلاث مئة، وبين يديه طلع ونارنج، وهو يمتحن الفرسان فقال لابن جش وهو شيخ المصيصة وكان عالمًا: لا يتوهم أن هذا للشرب. فقال أبو الطيب ارتجالا:
شديد البعد من شرب الشّمول ترنج الهند أو طلع النّخيل
الشمول: الخمرة. وسميت بذلك لأنها تشمل عقل شاربها، وقيل: لأنها تجتمع شمل الندامى عليها. والترنج: جمع ترنجة، وهي لغة. والأصح: الأترج، والأتجة. والطلع: الثمر: أول ما يخرج وهو في كمة، وكان الذي بين يدي سيف الدولة هو نارنج فسماه أترجًا، لأنه نوع من أنواعه.
يقول: هذا الطلع والأرتج بعيد من الشرب عليه، لم يحضر لذلك. قوله: ترنج الهند مبتدأ، وشديد البعد خبره مقدم عليه.
وقال ابن جني: في الكلام حذف. فقوله شديد البعد خبر ابتداء محذوف، أي أنت شديد البعد. وقوله: ترنج الهند: مبتدأ، وخبره محذوف: أي عندك، أو في مجلسك، أو بين يديك ترند الهند. وعلى الوجه الأول لا حذف فيه، وهو أولى وأو في قوله: أو طلعب النخيل بمعنى الواو، كما قيل في قوله تعالى: " أَوْيزيدونَ ".
ولكن كلّ شيءٍ فيه طيبٌ لديك من الدّقيق إلى الجليل
يعني: أنك لم تحضر هذا لأجل الشرب، ولكن لأجل طيبه، وكل شيء فيه طيب دق أو جل، فهو عندك وبين يديك.
وميدان الفصاحة والقوافي وممتحن الفوارس والخيول
ممتحن: يجوز أن يكون موضع الامتحان، ويجوز أن يكون مصدرًا كالامتحان.
يقول: عندك أيضًا مجال الفصاحة، والأشعار، لمعرفتك بهما، وعندك موضع امتحان الفوارس والخيل، لأنك أعرف الناس بهذه الأشياء كلها.
فلم يتبين معنى البيت الأول لقوم حضروا فقال يرد على من أنك عليه استعمال لفظ: الترنج:
أتيت بمنطق العرب الأصيل وكان بقدر ما عانيت قيلي
الأصيل: هنا القوى المكين الذي له أصل.
يقول: إنما نطقت بكلام العرب الفصيح، وكان وصفي بقدر ما شاهدته ورأيته في الحال.
فعارضه كلامٌ كان منه بمنزلة النّساء من البعول
أي تعرض له وناقضه، والهاء في منه تعود إلى منطق العرب وكذلك في قوله: فعارضه.
يقول: عارض قولي الفصيح قول ركيك ضعيف لكان كلامي ذكر، وكلام من عارضني أنثى. وهذا كقول الراجز:
إنّى وكلّ شاعرٍ من البشر
شيطانه أنثى وشيطاني ذكر
وهذا الدّرّ مأمون التّشظّي وأنت السّيف مأمون الفلول
التشظي: التكسر، والتشقق يقول: كلامي در مخالف للدر الحقيقي؛ لأن الدر غير مأمون التشظي، وكلامي لا يقع فيه خلل. كما أنك سيف لا يخاف عليك الفلول فهو سالم عن كل عيب بخلاف سائر السيوف.
وليس يصحّ في الأفهام شيءٌ إذا احتاج النّهار إلى دليل
يعني: إنما يقام الدليل على الشيء الخفي، فأما الظاهر الجلي، فهو بمنزلة النهار الذي لا يحتاج إلى الدليل، لأن كل من رآه عرفه، ومن خفي عليه ضوء النهار، فلا فائدة لإقامة الدلالة في حقه، إذ المعاينه أقوى، والمشاهدة أولى، وهذا كقول البحتري:
عليّ نحت القوافي من معادنها وما عليّ إذا لم تفهم البقر
وقال أيضًا وقد جلس سيف الدولة لرسول ملك الروم، وقد ورد يلتمس الفداء، وركب الغلمان بالتجافيف، وأحضروا لبؤة مقتوله، ومعها ثلاثة أشبال أحياء، وألقوها بين يديه، فقال ارتجالا لليلتين خلتا من ذي القعدة سنة إحدى وأربعين وثلاث مئة:
لقيت العفاة بآمالها وزرت العداة بآجالها
العفاة: طلاب المعروف.
يقول داعيا: لا زلت تلقى العفاة بآمالها، يعني إذا لقيتهم أعطيتهم وأغنيتهم، ولا زلت تقصد أعداءك وتفنيهم.
وأقبلت الرّوم تمشي إلي ك بين اللّيوث وأشبالها
أطلق لفظ الروم جملة على رسولهم، لما كان منهم.
يقول: إن الروم قصدت إليك تمشي بين الليوث المقتولة، وأولادها. وجعل الليوث: لبؤة.
إذا رأت الأسد مسبيّةً فأين تفرّ بأطفالها؟
يقول: إذ رأتك الروم وأنت تقتل الليوث وتسبي أولادها، علمت أنها لا تقدر على الفرار بأولادها الصغار، وإنما قال: مسبيه لأنها كانت أحياء.
وقال أيضًا يذكر الفداء الذي التمسه الرسول، وكتاب ملك الروم الوارد معه.
لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقي وللحبّ ما لم يبق منّي وما بقي
[ ١ / ٢٨٦ ]
ما يلقى: مبتدأ بمعنى الذي. ولعنيك: خبر مقدم عليه، وكذل المصراع الثاني يقول: كل شيء لقي قلبي من ألم الشوق فيما مضى، وفيما يلقاه من بعد فهو بسبب عينيك، ولأجل حسنها.
وقيل: يعني حلال لعينيك ما لقيته وما ألقاه، والمراد جعلت قلبي لعينيك، فكل ما يمر عليه معفو عنه.
وقيل: أراد، ظاهر لعينيك ما يلقاه فؤادي وما لقيته، وكذلك في المصراع الثاني. إني ما لقيت من نحول جسمي، وهزال بدني، وما بقي منه، فهو لأجل حبك، أو هو حلال، أو ظاهر للحب.
وقيل: أراد كأن الحب ملكه يتصرف فيه تصرف الملاك في الأملاك، فأذهب بعض جسمه بالهزال، وأبقى بعضه وقيل: أذهب قوتي وأبقى جسمي.
وقيل: أراد عمري الذي مضى وبقي. وقيل: أراد بما بقي روحه وبما لم يبق جسمه.
وما كنت ممّن يدخل العشق قلبه ولكنّ من يبصر جفونك يعشق
يقول: لم أكن ممن يميل به أسباب الهوى، ولكني لما أبصرت جفونك، وغنج عينيك صرت عاشقًا لك.
وبين الرّضا والسّخط والقرب والنّوى مجالٌ لدمع المقه المترقرق
يقول: لا أزال أبكي في حال رضي الحبيب، خوفًا من سخطه، وفي حال سخطه، لحصوله، وفي حال القرب، خوفا من النوى، وفي حال النوى لحصولها، فبين كل شيء من هذه الأحوال مجال لدمع السائل. ومثله لآخر.
فيبكي إن نأوا شوقًا إليهم ويبكي إن دنوا خوف الفراق
وأحلى الهوى ما شكّ في الوصل ربّه وفي الهجر، فهو الدّهر يرجو ويتّقي
أحلى الهوى: ما يشوبه الخوف والرجاء، حتى يكون العاشق مرة خائفًا ومرة راجيًا، فلا يشفى بالوصل، فيزدري ذلك بحلاوته، ويؤدي إلى الملال، ولا ييئس من الوصل رأسا، فيؤدي ذلك إلى شدة الحزن الذي يؤدي إلى الهلاك فحالة الشك والتردد في الهجر والوصل، والوقوف بين حالتي الخوف والرجاء، ألذ أحوال الهوى.
وغضبي من الإدلال سكرى من الصّبا شفعت إليها من شبابي بريّق
ريق كل شيء: أوله.
يقول: رب جارية غضبي، غضب الدلال لا غضب الهجران، فكانت من الإدلال غضبي ومن الشباب سكرى، توسلت إليها بريق شبابي، فوصلت منها إلى ما أحب، أي نظرت إلي فعشقتني، لأجل شبابي، وساعدتني على مرادي، فكأن الشباب كان شفيعًا عندها.
وأشنب معسول الثّنيّات واضحٍ سترت فمي عنه فقبّل مفرقي
الأشنب الثّغر: الذي له شنب، وهو برد الأسنان. وقيل: إنه حدة الأسنان، وقد جعله صفة لشخص: أي ورب حبيب ذي ثغر أشنب. والمعسول: الحلو، كأنه جعل فيه العسل. والواضح: الأبيض المضيء.
يقول: ما زلت أطلب العفاف، حتى في حال الخلوة مع الحبيب، ورب حبيب ثناياه باردة عذبة، حلوة الترشف، عففت عنه حين خلوت به، وأراد أن يقبل فمي، فسترت فمي عنه، لأنه موضع التلذذ بالقبلة، فقبل مفرقي ليدل إلي فلم أستر المفرق، لأن ذلك للعظمة لا للذة.
وأجياد غزلانٍ كجيدك زرنني فلم أتبيّن عاطلًا من مطوّق
العاطل: الذي لا حلى عليه. والمطوق: اللابس للطوق يقول: رب نساء مثلك كأن أجيادهن أجياد الغزلان، جئن لزيارتي، فلم أنظر إليهن وإلى أجيادهن، لعفتي، حتى لم أتبين العاطل منهن من المطوق. والمقصد وصف نفسه بالعفة.
وما كلّ من يهوى يعفّ إذا خلا عفافي ويرضى الحبّ والخيل تلتقي
إني إذا خلوت عففت، وكذلك أنا أرضى حبيبي في حال التقاء الخيل، لشجاعتي، لأن. المرأة من العرب يعجبها أن يكون خليلها شجاعًا مقدامًا. وقيل: أراد بإرضائه الحبيب في حالة الحرب: الدفع عنه. والذب دونه، كقول عمرو بن كلثوم:
يقتن جيادنا ويقلن لستم بعولتنا إذا لم تمنعونا
إذا لم تمنعنّ فلا بقينا لشيءٍ بعدهنّ ولا حيينا
وقال المخزومي في معنى البيت: هو أن يقول أعف كرمًا وأكتم هواي، فإني أرعى الهوى وأحافظ عليه في ملتقى الخيل، والمراد بإرضاء الحبيب رعاية الهوى، وفي ذلك خصلتان: إحداهما: الدلالة على أن الهوى عند ذوي الوفاء لا يشغل عند الشدائد كقول أبو عطاء:
ذكرتك والخطّى يخطر بيننا وقد نهلت منّا المثقّفة السّمر
وكقول الآخر:
ولقد ذكرتك والسّياط تنوشني عند الإمام وساعدي مغلول
ولقد ذكرتك والّذي أنا عبده والسّيف عند ذؤابتي مسلول
[ ١ / ٢٨٧ ]
والثانية: الدلالة على كونه رابط الجأش عند التحام القتال، حتى لم يشتغل خاطره عن الهوى في ذلك الحال.
سقى الله أيّام الصّبا ما يسرّها ويفعل فعل البابليّ المعتّق
البابلي: منسوب إلى بابل، وهي أرض العراق، وأراد به الشراب، والمعتق: القديم، ويفعل: أي وما يفعل. وقوله: ما يسرها يحتمل معنين: أحدهما: سقى الله من الغيث قدر ما يبلغ مرادها من الري، حتى لا يكون قاصرًا عن إرادتها، ولا زائدًا عن حاجتها فيكون مثل قول الآخر:
فسقى ديارك غير مفسدها صوب الرّبيع وديمةٌ تهمى
الثاني: أهدى إليها السرور، كما سررنا بها، وذلك أنه رأى أن دعاءه للصبا بالسقيا لا معنى له، لأنها أوقات وزمان، فقال: سقاها الله شيئًا يهدي إليها السرور والارتياح، يفعل بها فعل الشراب، فكأنه قال: سقاها الله خمرًا يسرها.
إذا ما لبست الدّهر مستمتعًا به تخرّقت والملبوس لم يتخرّق
يقول: إذا كنت لابسًا للدهر، وتستمتع به وتعيش فيه، تخرقت أنت، والملبوس الذي هو الدهر، لم يتخرق، بل يكون أبدًا جديدًا، بخلاف سائر الملابس، فأنت تبليها وتخرقها، وهو يبلي الأبدان، ويفنيها وهذا مثل قوله:
تغيّر حالي والليالي بحالها
ونحو قول ابن دريد:
إنّ الجديدين إذا ما استوليا على جديد أدنياه للبلى
وقول الآخر:
وأفناني ولا بقيا نهارًا وليل كلّما يمضي يعود
ولم أر كالألحاظ يوم رحيلهم بعصن بكلّ القتل من كلّ مشفق
المشفق: قيل من الشفقة، التي ترجع إلى معنى المحبة.
يعني: كنت إذا نظرت إليهن ونظرن إلي قتلنني وقتلتهن من خوف الفراق، وما منا إلا مشفق على صاحبه، فلم أر أعجب من الألحاظ، كيف اجتمع فيها القتل والشفقة!؟ فكأنه من قول الشاعر:
ونبكي حين نقتلكم عليكم ونقتلكم كأنّا لا نبالي
وقيل: المشفق: الخائف، ومعناه بعثت الألحاظ من كل خائف من ألم الفراق، كل أنواع القتل لأنها أبكتهم فسفكت دماءهم وأماتتهم.
أدرن عيونًا حائراتٍ كأنّها مركّبةٌ أحداقها فوق زئبق
الضمير في أدرن للألحاظ، وروى: أدرنا.
يقول: كنا نقلب عيونًا حائرات عند وداعنا، لا تبصر شيئًا مما دهانا من ألم الفراق، فكأنها من كثرة حركاتها وقلة استقرارها مركبة على الزئبق، لأن طبعه الحركة. وقيل: الحيرة ليست لامتناع الرؤية، وإنما هي لاجتماع ظهور الدمع في العين وغلبته.
وقيل: معنى البيت كنا نقلب عيوننا في النظر تارة إلى العذال وتارة إلى الأحباب، فكانت لا تستقر، كأنها ركبت فوق زئبق.
عشيّة يعدونا عن النّظر البكى وعن لذّة التّوديع خوف التّفرّق
يعدونا: أي يصرفنا.
يقول: كانت هذه الحالة وقت العشية حين كان البكاء يمنعنا من النظر، وخوف الفراق يمنعنا من التلذذ بالوداع والعناق.
نودّعهم والين فينا كأنّه قنا ابن أبي الهيجاء في قلب فيلق
الفيلق: العسكر، قلب، أي وسط.
يقول: كنا نودع الأحباب، في الحال التي كان البين يفعل في قلوبنا من التفريق مثل ما تفعل رماح سيف الدولة في قلب عساكر الأعداء من التفريق والقتل.
قواضٍ مواضٍ نسج داود عندها إذا وقعت فيه كنسج الخدرنق
أي هذه القنا قواض: يعني تقضي بالموت وتمضي في الأعداء، أي لا يردها شيء إذا وقعت في الدروع المنسوبة إلى داود، وتمضي فيها، كما تنفذ في نسج العنكبوت والخدرنق: العنكبوت، والتأنيث في البيت للقنا والهاء في فيه لنسج داود، وموضع قواض رفع لأنه خبر ابتداء محذوف: أي هذه القنا قواض مواض، كما تقول: هذا حلو حامض.
وقيل: هو ابتداء الكلام. والمراد أداء السيوف، والأول أظهر.
هوادٍ لأملاك الجيوش كأنّها تخيّر أرواح الكماة وتنتقي
هواد: جمع هادية، وقيل: هو من هديت فلانًا إذا أرشدته، ومعناه أن هذه الرماح ترشد الموت، أي تهديه إلى الملوك وقواد الجيش، فكأنها تتخير أرواح الكماة، وتنتقي نفوس الأملاك دون من عداهم.
وقيل: من هدى بمعنى اهتدى، فإن هدى واهتدى بمعنى، أي إن هذه القنا تهتدي إلى الملوك فتقتلهم.
تفكّ عليهم كلّ درعٍ وجوشنٍ وتفري إليهم كلّ سورٍ وخندق
روى تفك أي تحل، وتقد: أي تقطع. وتفري: أي تقطع.
[ ١ / ٢٨٨ ]
يقول: هذه الرماح تقطع على الكماة والملوك دروعهم وجواشنهم، وتخرق إليهم الحصون والأسوار والخنادق حتى تصل إليهم، وتفتح بلادهم.
يغير بها بين اللّقان وواسطٍ ويركزها بين الفرات وجلّق،
اللقان: موضع ببلد الروم، وقيل: جبل. وواسط: مدينة بالعراق بناها الحجاج بن يوسف والفرات: معروف يجيء من بلاد الروم، ويمر على أطراف الشام، حتى ينتهي إلى العراق، ويلتقي مع دجلة أسفل بغداد فيصيران نهرًا واحدًا، ويمران على البصرة ثم إلى البحر. وجلق: موضع بدمشق.
يعني لا يزال أبدًا يغير برماحه مرة في بلاد الروم، ومرة على البوادي التي في العراق، ويركزها بين الفرات وجلق، لأنها دار مملكته ومعدن ولايته.
ويرجعها حمرًا كأنّ صحيحها يبكّي دمًا من رحمة المتدقّق
المتدقق: المتكسر، يقال: اندق الرمح، إذا انكسر، ولا يستعمل الأندقاق إلا فيما كان فيه طول، مثل الرمح ونحوه، ويقال: سقط فلان فاندقت عنقه.
يقول: يرجع هو رماحه من الغارات وقد احمرت بالدم، وبعضها قد تكسر في بدن الأعداء، فكأن الصحيح منها يبكي دمًا على ما تكسر منها، حزنًا عليها، لأنه من جنسه، ودمًا نصب على التمييز، ويجوز أن يكون مفعولًا به عن فعل مضمر، دل عليه. يبكي أي يبكي فيجري دمًا.
فلا تبلغاه ما أقول فإنّه شجاعٌ متى يذكر له الطّعن يشتق
يقول: لا تبلغا يا صاحبي سيف الدولة ما أقول، فإنه شجاع، إذا سمع وصف الشجاعة اشتاق إليها.
وهذا بيت كثير نقله من النسيب إلى الشجاعة، وهو:
فلا تذكراه الحاجبية يشتق
وهذه السرقة قبيحة، لأنه أخذ المعنى واللفظ والوزن والقافية.
ضروبٌ بأطراف السّيوف بنانه لعوبٌ بأطراف الكلام المشقّق
روى بصير ولعوب والمشقق: الكلام الذي له خط في كل شق. ويقال: فلان يشقق في كلامه. إذا تصرف في معانيه. وقيل: هو المشق من المشة، أي يشق على غير الفصيح التكلم به. يصفه بالشجاعة والفصاحة.
كسائله من يسأل الغيث قطرةً كعاذله من قال للفلك: ارفق
يقول: هو يجود بالطبع، فمن يسأله كمن يسأل الغيث قطرة.
وقيل: معناه كما أن القطرة لا تؤثر في الغيث، كذلك سائله لا يؤثر في جوده وماله، وكذلك من يعذله على كرمه، لكونه مطبوعًا عليه، كمن يعذل الفلك على دوره. وقال له: ارفق في الحركة.
وقيل: إن من يسأل الغيث قطرة، فقد تكلف ما قد استغنى عنه، وأتى غيثًا، إذ قطراته مبذولة، فكذلك سائل سيف الدولة يتكلف ما لا يحتاج إليه، لأنه يعطى قبل السؤال، فنائله مبذول كقطر الغيث.
لقد جدت حتّى جدت في كلّ ملّةٍ وحتى أتاك الحمد من كلّ منطق
أي: من كل ذي منطق.
يقول: عممت بجودك أهل الإسلام، وأهل الشرك، فحصل لك الشكر من كل ذي منطق.
جعل إجابته إلى الصلح، فضلًا منه على الروم.
رأى ملك الرّوم ارتياحك للنّدى فقام مقام المجتدي المتملّق
الارتياح: الاهتزاز للعطية، والمجتدي: طالب المعروف. والمتملق: المتلطف في الكلام.
يقول: علم ملك الروم جودك، فبعث إليك رسوله، واستوهب منك أسراء الروم، فقام لك مقام السائل المتلطف في سؤاله، لعلمه أنك لا تخيب سائلك.
وخلّى الرّماح السّمهريّة صاغرًا لأدرب منه بالطّعان وأحذق
صاغرًا نصب على الحال. والدربة في معنى العادة والتجربة. والحذق: إحكام الصنعة.
يقول: إن ملك الروم ترك الرماح على رغم منه، وذل لمن هو أعود للطعان وأحذق به. وأراد به سيف الدولة، يعني أنه ترك قتالك وعدل إلى استعطافك.
وكاتب من أرضٍ بعيدٍ مرامها قريبٍ على خيلٍ حواليك سبّق
يقول: كاتبك في الصلح من أرض بعيدة المرام، ولكنها مع بعدها قريبة عليك، وعلى خيلك السوابق التي هي حواليك.
وقد سار في مسراك منها رسوله فما سار إلاّ فوق هامٍ مفلّق
المسرى: اسم المكان السري، والهاء في منها للأرض.
يعني: أن رسول ملك الروم سار في الطريق التي سرت فيها إلى بلاد الروم، فلم يسر إلا فوق هام مشققة بسيوفك.
فلمّا دنى أخفى عيه مكانه شعاع الحديد البارق المتألّق
البارق المتألق: هو اللامع، وإنما أتبع أحدهما الآخر، لاختلاف اللفظين. والهاء في مكانه للرسول.
[ ١ / ٢٨٩ ]
يقول: وصل الرسول إليك، فأخفى عليه مكانه، بريق السيوف ولمعان الأسنة، فلم يمكنه أن يبصر موضعه.
وأقبل يمشي في البساط فما درى إلى البحر يمشي أم إلى البدر يرتقي؟!
يقول: لم يدر أيمشي إلى بحر أو إلى بدر، لأنك تشبه البحر في السخا، وتشبه البدر في النور والبهاء.
ولم يثنك الأعداء عن مهاجتهم بمثل خضوعٍ في كلامٍ منمّق
المنمق: المحسن.
يقول: لا يقدر أعداؤك أن يردوك عن مهجاتهم، أي أنفسهم، إلا بالخضوع، والتملق بالثناء والتعظيم.
وكنت إذا كاتبته قبل هذه كتبت إليه في قذال الدّمستق
القذال: مؤخر الرأس: والضمير في كاتبته وإليه لملك الروم.
يقول: كنت متى أردت أن تكتب إلى ملك الروم كتبت إليه في قفا الدمستق، وذلك كناية عن هزيمته، والجراحة تقوم لك مقام الكتابة.
فإن تعطه بعض الأمان فسائلٌ وإن تعطه حدّ الحسام فأخلق
يقول: إن أعطيته بعض المراد فأمنته، فهو سائل، ومن عادتك ألا تخيب سائلك، وإن أعطيته السيوف، فهو أجدر بذلك.
وهل ترك البيض الصّوارم منهم حبيسًا لفادٍ، أو رقيقًا لمعتق
يقول: إن سيوفك لم تترك منهم أسيرًا محبوسًا من الأسرى، يفدونه بما يحمل إليك، ولا رقيقًا يسألونك أن تعتقه.
وقيل: معناه لم تترك سيوفك عبدًا عندهم يعتقه معتق.
لقد وردوا ورد القطا شفراتها ومرّوا عليها زردقًا بعد زردق
الهاء في شفراتها للبيض الصوارم. وهي منصوبة بوردوا أي وردوا شفرات الصوارم، كما ترد القطا المناهل. والزردق فارسي معرب.
يقول: وقعوا على شفرات سيوفك كما تقع القطا على الماء، ووفدوا عليها صفا بعد صف.
يعني أنك تقتلهم فوجًا بعد فوج.
بلغت بسيف الدّولة النّور رتبةً أنرت بها ما بين غربٍ ومشرق
روى: اليوم بدل النور.
يقول: نلت عنده منزلة ألقت علي ضياء نوره حتى أنرت بها الدنيا. وأراد به اشتهار ذكره في العالم.
إذا شاء أن يلهو بلحية أحمقٍ أراه غباري، ثمّ قال له: الحق
كان سيف الدولة يغرى به الشعراء، ويبعثهم على مباراته، لأنه كان يغتاظ من عجبه بنفسه.
فيقول: إن سيف الدولة لا يخفى عليه فضلي على من حوله من الشعراء، ولكنه إذا شاء أن يتلهى بشاعر أراه من فضلي أدنى شيء، ثم قال: الحق به، وهات مثله، وإنما وصفه بالحمق، لأن من طمع في إدراك غايته، فهو عنده أحمق! فلا جرم يريد سيف الدولة أن يسخر من قلة عقله. وقوله: أراه غبارى: كناية عن اليسير من فضله.
وما كمد الحسّاد شيئًا قصدته ولكنّه من يزحم البحر يغرق
الكمد: الحزن.
يقول: ليس لمن يحسدني أن يلومني، لأني لم أقصد أن أغم الحساد، ولكني بحر في الفضل، فمن زاحمني من الجهال غرق في فضلي، كما أن من تعرض للبحر وطرح نفسه فيه غرق، فاللوم عليه لا على البحر.
ويمتحن النّاس الأمير برأيه ويغضى على علمٍ بكلّ ممخرق
الممخرق: الكذاب والمدلس وهي اللغة الجيدة، والباء فيه، متعلق بقوله: على علم.
يقول: هو يمتحن الناس، ويجرب أحوالهم، ثم يغضى ويتغافل، مع علمه بالفاضل منهم، والمدلس الممخرق، ويتجاوز عن الجهال بحلمه.
وإطراق طرف العين ليس بنافعٍ إذا كان طرف القلب ليس بمطرق
يقول: متى علم صاحبك بتمويهك، لم ينفعك إعراضه وإطراق طرفه. فعبر عن معرفته بترك إطراق طرف قلبه.
فيا أيّها المطلوب جاوره تمتنع ويا أيّها المحروم يمّمه نرزق
يقول: يا أيها الخائف، جاور سيف الدولة تمتنع على من يظلمك، ويا أيها الفقير اقصده تصل إلى الغنى.
ويا أجبن الفرسان صاحبه تجترئ ويا أشجع الشّجعان فارقه تفرق
يقول: يا أيها الجبان، صاحبه تصر شجاعًا، اقتداء به ويا أيها الشجاع، فارقه تصر جبانًا، لأن الشجاعة به.
إذا سعت الأعداء في كيد مجده سعى مجده في جده سعى محنق
المحنق: المغضب. والجد: البخت والإقبال.
يقول: متى قصد أعداؤه إلى هدم مجده غضب لذلك إقباله وجده، ورد كيد العدو إليه.
وما ينصر الفضل المبين على العدا إذا لم يكن فضل السّعيد الموفّق
يقول: الفضل الظاهر لا ينصر صاحبه على أعدائه، حتى يوافقه على ذلك سعادة جده وتوفيق ربه.
[ ١ / ٢٩٠ ]
ودخل على سيف الدولة ليلًا وقد رفع سلاح كان بين يديه، وهو في ذكره ووصفه، فقال ارتجالًا:
وصفت لنا ولم نره سلاحًا كأنّك واصفٌ وقت النّزال
نصب سلاحًا بوصفت وتقديره: وصفت لنا سلاحًا ولم نره.
يقول: وصفت لنا هذا السلاح، حتى كأنك صورت لنا وقع الحرب، فكأنك واصف وقت النزال، فشوقتنا إلى القتال، بوصفك للسلاح.
وأنّ البيض صفّ على دروعٍ فشوّق من رآه إلى القتال
البيض: المغافر، والفعل في شوق للبيض، ورده إلى اللفظ، وكذلك جميع التذكير راجع إليه.
يعني أنك ذكرت أن كل درع جعل عليها بيضتها، وكل من في نفسه شجاعة، إذا رأى آلة القتال اشتاق إلى الطعان.
فلو أطفأت نارك تالديه قرأت الخطّ في سود اللّيالي
تا بمعنى: هذه، وهي إشارة إلى السراج يقول: لو أطفات سراجك، لأمكنك أن تقرأ الخط في الليل المظلم، لبريق السلاح ولمعه.
ولو لحظ الدمستق حافتيه لقلّب رأيه حالا لحال
حافتيه: أي جانبيه، والهاء في رأيه للدمستق. أي لقلب رأيه في محاربتك، إلى الانقياد لك، والفرار منك.
إن استحسنت وهو على بساطٍ فأحسن ما يكون على الرّجال
أراد: إن استحسنته، فحذف الهاء.
يقول: إن استحسنت هذا السلاح، وهو على بساطك، فأحسن ما يكون، إذا كان على الرجال، يوم القتال.
وإنّ بها وإنّ به لنقصًا وأنت لها، النّهاية في الكمال
إن الثانية زائدة أي: وإن به وبها لنقصًا، وقيل: اسم إن الأولى محذوف. أي: إن بها لنقصا، وإن به لنقصا. فاسم الثانية دل على المحذوف. وبه: أي بالسلاح وبها: أي بالرجال. وقيل: به: للبيض، وبها: للدروع.
يقول: إن جمال السلاح، وكمال الدروع والرجال بك، فما لم تكن لابسها، أو لم تكن فيها بين الرجال، لم يكن لهم غناء، فأنت غاية الكمال ونهاية الجمال.
وقال وقد عرضت على سيف الدولة سيوف، فوجد فيها سيفًا غير مذهب فأمر بإذهابه فقال ارتجالا:
أحسن ما يخضب الحديد به وخاضبيه النّجيع والغضب
أحسن: مبتدأ. وما بمعنى: الذي، وهو في موضع الجر بإضافة أحسن إليه. والنجيع: خبر الابتداء، والغضب: عطف عليه. وخاضبية: جر عطفًا على ما أي وأحسن خاضبيه. والهاء في به لما وفي خاضبيه للحديد.
يقول: أحسن شيء يخضب الحديد به: الدم: وأحسن خاضبيه: الغضب. وقيل: أراد به صاحب الغضب. والنجيع: الدم الطري.
وقيل: خاضبيه: جر على القسم، ومعناه: أحسن ما يخضب به الحديد، النجيع والغضب. وجعل الغضب خضابا له توسعا، إذا كان سببًا لخضابه. وروى مكان الغضب القضب وهو جمع قضيب، وهو السيف: أي أحسن الخاصبين السيوف التي تخضب الأشياء بالدم.
فلا تشيننه بالنّضار فما يجتمع الماء فيه والذّهب
يقول: رونق هذا الحديد وماؤه، أحسن فيه من ماء الذهب، فإذا أذهبته ذهبت بمائه ورونقه وصار ما قصدت من زينة شينًا له.
وأنفذ إلى سيف الدولة أحد أهل بغداد أبياتًا، يذكر أنه رآها في النوم، يشكو إليه الفقر فقال أبو الطيب:
قد سمعنا ما قلت في الأحلام وأنلناك بدرةً في المنام
البدرة: عشرة آلاف درهم. وسميت بدرة؛ لأنها تمام العدد. والبدرة أيضًا: جلد السخلة، إذا رعت وفطمت. ويجوز أن تكون البدرة من هذه؛ لأن العادة جرت أن تجعل الدراهم في جلد السخلة.
يقول: سمعنا أيها المتعرض لنائلنا، ما قلت من الشعر في الأحلام، فأعطيناك - على وجه المقابلة والمكافأة - بدرة في المنام.
وانتبهنا كما انتبهت بلا شي ءٍ فكان النّوال قدر الكلام
يقول: مدحتنا في النوم، فأجزناك في النوم، فكان العطاء على قدر المدح، فلما لم يكن لنوالنا حقيقة، كذلك لم يكن لمديحك إيانا.
كنت فيما كتبته نائم العي ن فهل كنت نائم الأقلام؟
يقول: إن كنت حين قلت هذا الشعر نائم العين، فإنك حين كتبته كنت مستيقظًا، يجب عليك حفظ الأدب والتحرز من الكلام الركيك، ويمكن أن يكون قرنت إلى الأبيات رسالة أخرى في معنى الاعتذار.
فيقول: إن كنت في الأبيات نائمًا، فلم تكن في الرسالة نائمًا.
أيّها المشتكي إذا رقد، الإع دام، لا رقدةٌ مع الإعدام
[ ١ / ٢٩١ ]
يقول: زعمت أنك رأيتها في النوم، وشكوت فيها عدمك، فإن كنت معدمًا على الحال التي وصفتها، فكيف يأخذك النوم؟!
افتح الجفن واترك القول في النّو م وميّز خطاب سيف الأنام
يقول: دع عنك الخطاب في النوم، وافتح الجفن، وميز خطاب سيف الدولة، وهو سيف الخلق كلهم، والذاب عنهم، ولم يمكنه أن يقول: سيف الدولة، لأجل القافية فرده إلى الأنام وروى: سيف الإمام أي الخليفة.
الّذي ليس عنه مغنٍ ولا من هـ بديلٌ، ولا لما رام حام
يقول: سيف الدولة، هو الذي لا أحد من الناس يقوم مقامه في الكرم والخصال الحميدة.
وقيل: معناه كل الناس يقتدون به؛ ولا يغنيهم عنه ملك غيره، ولا يجدون له بدلًا يسد مسده، وإن رام أمرًا لم يمنعه منه مانع.
كل آخائه كرام بنى الدّن يا ولكنّه كريم الكرام
الآخاء: جمع أخ، وقد ذكره سيبويه في كتابه. وروى: كل آبائه. يقول: جميع إخوته أكرم الناس، ولكنه أكرم من إخوته، فهو أكرم الكرام.
وقال وقد أمره سيف الدولة بإجازة الأبيات التي لأبي ذر: سهل بن محمد الكاتب أولها:
بالائمى كفّ الملام عن الذي أضناه طول سقامه وشقائه
على هذا الوزن، والروى فقال:
عذل العواذل حول قلبي التّائه وهوى الأحبّة منه في سودائه
التائه: المتحير، وقيل: هو المتكبر، وها هنا: الذي لا ينقاد للعاذل. وسوداء القلب، وسويداؤه: الحبة السوداء فيه، وقيل الدم الذي في جوفه.
يقول: هوى أحبتي قد حل وسط فؤادي، وعذل العواذل يحول حوله، وليس يدخله البتة، فلا يبالي القلب به، فكيف يقدر العذول أن يصرفني عنه؟!
يشكو الملام إلى اللّوائم حرّه ويصدّ حين يلمن عن برحائه
الهاء في حره للقلب، وكذلك في برحائه والبرحاء: الشدة.
يقول: إن اللوم إ ذا دنا من قلبي أحرقه بحره، فأعرض عنه وعاد إلى اللوائم، يشكو إليهن ما لقي من شدة حرارته، فكأن حر قلبي يصرف اللوم عني، والضمير في يلمن للعواذل.
وبمهجتي يا عاذلي الملك الّذي أسخطت أعذل منك في إرضائه
يقول لعاذله: تعذلني على حبه والانقطاع إليه؟! وقد لامني من هو أشد منك عذلا، فلم أقبل منه، بل أسخطته واتبعت رضاء سيف الدولة، ولم ألتفت إلى غيره من الملوك، والهاء في إرضائه للملك.
إن كان قد ملك القلوب فإنّه ملك الزّمان بأرضه وسمائه
يقول: إن كان سيف الدولة قد ملك القلوب. بموداتها وثبات حبه فيها، حتى لا تميل إلى غيره، فليس بعجاب؛ فإنه ملك الزمان وجميع ما فيه، فالقلوب بعض ما في الزمان ومن جملة ما ملكه.
وقيل: اسم كان محذوف مضمر: أي إن كان الحبيب الذي يعشق قد ملك قلوب عاشقيه، فإن هذا الحبيب ليس كسائر الأحبة، لأنه إنما يحب لجلالة قدره، وسمو أمره، وإنه إن كان الحبيب المعشوق قد ملك القلوب، فإن هذا الملك قد ملك الزمان بما فيه، فضلا عن القلوب.
الشّمس من حسّاده والنّصر من قرنائه، والسّيف من أسمائه
أي: الشمس تحسده على إشراق غرته، وعلو منزلته، والنصر قرينه حيثما توجه نصر على أعدائه، والسيف بعض أسمائه، أي هو مسمى بسيف الدولة.
أين الثّلاثة من ثلاث خلاله من حسنه وإبائه ومضائه؟!
الخلال: الخصال.
يقول: أين حسن الشمس من حسن وجهه؟ بل حسنها يعجز عن حسنه! وأين النصر من عزة نفسه وإبائه؟ أي أن النصر يعجز عن نصرة من يريد خذلانه، وأين السيف من مضائه؟ أي هو أمضى وأكثر غناءً منه!
مضت الدّهور وما أتين بمثله ولقد أتى فعجزن عن نظرائه
أتى: أي سيف الدولة.
يقول: مضت الدهور قبله، ولم يكن فيها أحد مثله في فضائله! وأتى هو الآن فعجزت الدهور عن الاتيان بأمثاله في زمانه أيضا، فليس له نظير فيما مضى من الزمان ولا في زمانه.
فاستزاده سيف الدولة فقال يمدحه
القلب أعلم يا عذول بدائه وأحقّ منك بجفنه وبمائه
الضمائر في قوله: بدائه، وبجفنه، وبمائه، راجعة إلى القلب، وقيل: إنه في قوله بمائه راجع إلى الجفن فقط.
يخاطب عاذله فيقول: القلب أعلم بما يلاقيه من ألم الشوق، والقلب أيضا أولى منك بجفنه ودموعه؛ لأنه المالك للعيون فيصرفها كيف شاء، ويجريها على من يحب، فمالك أيها العاذل والاعتراض عليه؟!
[ ١ / ٢٩٢ ]
فو من أحبّ لأعصينّك في الهوى قسمًا به وبحسنه، وبهائه
الفاء في قوله: فو من للعطف. والواو حرف القسم، والمقسم به المحبوب، والجواب لأعصينك، والكاف، خطاب للعاذل، وقسمًا: نصب على المصدر.
يقول: وحق من أحب، وحق حسنه، لا أطيعك فيما تأمرني، ولا أصغي إلى ملامك فيه.
أأحبّه وأحبّ فيه ملامةً؟ إنّ الملامة فيه من أعدائه
يقول: لا أحب الملامة في جيي، ولا أصغي إليها، فكأنه ناقض أبا الشيص في قوله.
أجد الملامة في هواك لذيذةً حبًّا لذكرك، فليلمني اللّوّم
عجب الوشاة من اللّحاة وقولهم: دع ما نراك ضعفت عن إخفائه
الوشاة: جمع الواشي. واللحاة: جمع: اللاحي، وهو الذي يزجر ويغلظ القول في الملامة. وما في قوله: ما نراك بمعنى الذي، وهو في موضع نصب بدع ونراك صلة ما وضعفت في موضع المفعول الثاني، والأول هو الكاف.
يقول: إن اللحاة قالوا لي: دع الذي نراك ضعيفًا عن إخفائه. أي دع هذا الهوى، فعجب الوشاة من تكليف اللحاة إياي ما لا أطيق، فإني إذا ضعفت عن إخفائه، كنت على تركه والإفاقة من سكره أضعف.
ما الخلّ إلاّ من أودّ بقلبه وأرى بطرفٍ لا يرى بسوائه
يقول: ليس في هؤلاء اللحاة صديق شفيق، ولا خليل نصيح، فأصغ إلى ملامه، فإن الصديق من يساعد صديقه، فيحب ما يحبه، ويكره ما يكرهه، حتى كأنهما يحبان بقلب واحد، وينظران بعين واحدة.
فكأنه يقول: ليس صديقي إلا من يوافقني، فإذا أحببت شيئًا فكأني أحبه بقلبه! وإذا رأيت شيئًا فكأني رأيته بعينه! وهذا البيت يوافق بعض الأبيات التي أجازها وهي.
إن كنت ناصحه فداو سقامه وأعنه ملتمسًا لأمر شفائه
حتّى يقال بأنّك الخلّ الّذي يرجى لشدّة دهره ورخائه
ومثله:
إن كنت تصدق في ادّعاء وداده فافككه من أسر الهوى أو فاده
ومعنى البيت: أنه ليس لك خليل إلا نفسك، فلا تغتر بقول من يقول: إني خليلك. وأراد بقوله: من أود بقلبه: نفسه؛ لأن المرء إنما يود الشيء بقلب نفسه، وكذلك قوله: وأرى بطرف لا يرى بسوائه أراد طرف نفسه، وهو مثل قوله:
خليلك أنت لا من قلت خلّى وإن كثر التّجمل والكلام
إن المعين على الصّبابة والأسى أولى برحمه ربّها وإخائه
الضمير في ربها يعود إلى الصبابة. وفي إخائه إلى ربها. والأسى: الحزن والمعين على الصبابة: هو الزائد في الصبابة.
يقول: إن الذي يعين على صبابتي ويزيد بلومه في حزني، كان الأولى أن يرحمني ويلتمس شفائي.
وقيل: على بمعنى مع أي مع الصبابة وهذا مثل قول من أجاز أبياته:
أولا فدعه، فما به يكفيه من طول الملام فلست من نصحائه
وروى: بالأسى والمراد بها الصبر، فمعناه إن الذي يعيني في اعتقاده على صبابتي، ويريد إزالة بلائها عني، بأن يصبرني، ليس ما يفعله بإعانة في الحقيقة، وكان الأولى في باب الشفقة أن يرحمني ويساعدني على ما أنا فيه من البلوى.
والأول أولى وهو أن المراد بالمعين العاذل الذي يزيد في حزنه بالعذل.
مهلًا فإنّ العذل من أسقامه وترفّقًا فالسّمع من أعضائه
مهلًا وترفقًا نصب بفعل مضمر: أي أمهل مهلًا، وترفق ترفقًا. والضمير في أسقامه وأعضائه يعود إلى ربها في قوله: برحمة ربها.
يقول لعاذله: ارفق بصاحب هذه الصبابة، فإنه سقيم وعذلك يزيد في سقمه، وما زاد في السقم فهو سقم، وارفق أيضا بسمعه فإنه من جملة أعضائه، كما أن سائر الأعضاء سقمت، كذلك السمع، وسقمه: هو الصمم وقيل معناه: إن السمع إذا سمع العذل يفنى كما فنيت سائر الأعضاء، فيؤدي إلى فوات غرض العاذل، إذ لا يبقى سمع يعي العذل.
وهب الملامة في اللّذاذة كالكرى مطرودةً بسهاده وبكائه
هب: أي اجعل. يقال: وهبني الله فداك. واللذاذة: متعلقة بالملامة: أي لذة الملامة. معناه: دع عنك ملامتك إياي، وإن كان لك فيها لذة، لما تراه من بكائي وسهادي، واعمل على أن بكائي صرف عنك لذتك في الملامة، كما صرف عني الملام، فكما أني فقدت لذة الكرى، كذلك أنت لا بأس عليك أن تفقد لذتك في ملامتي.
[ ١ / ٢٩٣ ]
وقيل: إن اللذاذة هي لذة الهوى، ومعناه: اجعل ملامتك إياي في لذتي مطرودة عني، كالنوم المطرود بالسهاد والبكاء ومعناه: اصرف ملامتك عني من جميع الوجوه. والهاء في قوله بسهاده وبكائه راجع إلى قوله ربها.
لا تعذر المشتاق في أشواقه حتّى يكون حشاك في أحشائه
يقول: أيها اللائم أنت لا تقبل عذر العاشق! حتى تبتلي بمثل ما ابتلي به من الصبابة والاشتياق، فيكون في قلبك من لوعة الشوق مثل ما في قلب المشتاق.
ومثله للبحتري:
إذا شئت ألاّ تعذل الدّهر عاشقًا على كمدٍ من لوعة البين فاعشق
ومثله لآخر:
وإنّما يعرف العشّاق من عشقا
إن القتيل مضرّجًا بدموعه مثل القتيل مضرّجًا بدمائه
مضرج: أي مخضب. وقد نصب على الحال في الموضعين.
يقول: إذا دام عذلك علي هلكت أنا، فتكون أنت قد قتلتني! فإنه إذا جرت دموعي حتى أموت، كنت مثل القتيل الذي يسيل دمه، فالمقتول بالعذل هو كالمقتول بالسيف، فهذا يسيل دموعه، وذاك يسيل دمه.
والعشق كالمعشوق يعذب قربه للمبتلي وينال من حوبائه
الحوباء: النفس.
يقول: العشق محبوب للعاشق، كما أن المعشوق محبوب إليه، فيتلذذ العاشق بقرب المعشوق وإن كان يذيب جسمه ويؤلم قلبه.
لو قلت للدّنف الحزين: فديته ممّا به لأغرته بفدائه
الدنف: الذي أدنفه الحب، وأغرته: أي حملته على الغيرة.
يقول: إن العاشق يشتهي العشق، ويلتذ بغرامه وطول سقامه، حتى لو قلت له: قد جعلني الله فداك مما بك، وأنزل بي سقمك لحملته على الغيرة.
وقيل. معناه لو قلت له: دعني حتى أتحمل عنك مؤن العشق وتكاليفه، لغار عليك. فالأول على الدعاء والثاني على الأمر. وقوله: بفدائه: أي بفدائك إياه، وأضاف المصدر إلى المفعول، وحذف الفاعل.
وقى الأمير هوى العيون، فإنّه ما لا يزول ببأسه وسخائه
هوى: في موضع النصب، على أنه خبر ما لم يسم فاعله، واسمه الأمير يخاطب سيف الدولة.
يقول: وقاك الله هوى العيون، فإنه أمر لا يمكنك إزالته عن نفسك، بسخائك وشجاعتك. وقوله: هوى العيون: مصدر مضاف إلى المفعول: أي وقى الأمير هواه للعيون.
يستأسر البطل الكميّ بنظرةٍ ويحول بين فؤاده وعزائه
يستأسر: أي يأسر، وهو في الأصل بمعنى الاستسلام للأسر، وروى: يستأصل.
يقول: إن الرجل الشجاع لا يقدر على دفع الهوى عن نفسه، بل يأسره هذا الهوى بنظرة واحدة من نظرات العين! ويحول بين قلبه وصبره، فوقى الله تعالى الأمير ذلك.
إنّي دعوتك للنّوائب دعوةً لم يدع سامعها إلى أكفانه
الضمير في سامعها للدعوة، وفي أكفائه لسامعها. وأراد بالسامع سيف الدولة.
يقول: إني دعوتك لتنصرني على نوائب الدهر، كل نائبة - وإن خلت - تقصر عن أن تدعى لها، لأنا لا نجد ما يكون كفوًا لك منها، فندعوك إليه، لكن لما لم أجد أحدًا أستعين به عليها غيرك، دعوتك لها لتزيلها عني، وإن لم تكن النوائب من أكفائك.
فأتيت من فوق الزّمان وتحته متصلصلًا وأمامه وورائه
متصلصلًا: أي له صلصلة، وهي صوت الحديد عند السرعة.
يقول: لما دعوتك للنوائب أجبتني في أسرع وقت، وأحطت بالزمان من جميع جهاته، وكأنك أتيت ولأسلحتك صلصلة لسرعتك.
وقيل: معناه: أنك لما كنت سيفًا دعوتك للنوائب لتقطعها عني، فأتيت مسرعًا في الإجابة، ولك صلصلة، وهي صوت السيف والحديد.
من للسّيوف بأن تكون سميّها في أصله، وفرنده، ووفائه
التاء في تكون قيل: ضمير للسيوف، وقيل: خطاب لسيف الدولة وكذلك إذا روى: بالياء.
يقول: من للسيوف بأن تكون هي مثل سميها الذي هو سيف الدولة، أو أن تكون أنت سمي السيوف، بل له عليها مزية، في أصله وجوهره ووفائه.
طبع الحديد فكان من أجناسه وعليٌّ المطبوع من آبائه
يقول: إن كل واحد من سيف الدولة وسيف الحديد، رجع إلى أصله وجنسه، وإن اتفق الاشتراك في الاسم، فالسيوف ترجع إلى جنسها الذي طبعت منه وهو الحديد، فليس لها فعل سوى القطع وسيف الدولة يرجع إلى آبائه في الخصال الحميدة، من الوفاء والسخاء، ويشاركها في القطع والمضاء. ومراده تفضيله على السيف الحقيقي.
[ ١ / ٢٩٤ ]
والأبيات التي أجازها أبو الطيب لأبي ذر: سهل بن محمد البصري الكاتب مؤدب سيف الدولة. وهي:
يا لائمي كفّ الملام عن الذي أضناه طول سقامه وشقائه
إن كنت ناصحه فداو سقامه وأعنه ملتمسًا لأمر شفائه
حتّى يقال بأنّك الخلّ الّذي يرجى لشدّة دهره ورخائه
أولا فدعه فما به يكفيه من طول الملام فلست من نصحائه
نفسي الفداء لمن عصيت عواذلًا في حبّه لم أخش من رقبائه
فالشّمس تطلع من أسرّة وجهه والبدر يطلع من خلال قبائه
وجاء رسول سيف الدولة مستعجلا، ومعه رقعة فيها بيتان للعباس بن الأحنف في كتمان السر، يسأله إجازتهما وهما:
امتّي تخاف انتشار الحديث وحظّي في ستره أوفر
فإن لم أصنع لبقيا عليك نظرت لنفسي كما تنظر
فقال أبو الطيب:
رضاك رضاي الّذي أوثر وسرّك سرّى فما أظهر
يقول: الذي ترضى به فهو رضائي الذي أوثره، وسرك مثل سري أكتمه كما أكتم سري، ولا أظهره لأحد.
كفتك المروءة ما تتّقى وآمنك الودّ ما تحذر
الكاف في كفتك المفعول الأول لكفي. وما يتقى: المفعول الثاني، وكذلك الكاف في آمنك، وما تحذر.
يقول: إن مودتي لك ومروءتي آمناك ما تخاف من إفشاء السر، فلا تحذر على سرك من جانبي.
وسرّكم في الحشا ميّتٌ إذا أنشر السّرّ لا ينشر
يقال: أنشر الله الموتى فنشروا. وروى: إذا نشر من النشر الذي هو ضد الطي، وهو أيضًا في معنى أنشر الله الميت.
يقول: سرك في قلبي كالميت في قبره، وإذا أحيي الموتى يوم القيامة لا يحيي هذا الميت.
يعني: إني لا أظهره إذا أظهر غيري سره.
كأنّي عصت مقلتي فيكم وكاتمت القلب ما تبصر
يقول: إن عيني إذا شاهدت شيئًا من أحوالكم لم ترو إلى القلب ما رأته، فكأنها تكاتم القلب ما تبصره.
يعني: أن سركم يصير في قلبي منسيًا.
وإفشاء ما أنا مستودعٌ من الغدر والحرّ لا يغدر
يقول: السر أمانة وعهد، وإظهاره خيانة، والحر لا يغدر بعهده، فلو أبديت سرك صرت غادرًا ولم أكن حرًا.
إذا ما قدرت على نطقةٍ فإنّي على تركها أقدر
النطقة: المرة الواحدة من النطق. وهي بمنزلة الكلمة، واللفظة يقول: إذا قدرت على أن أنطق بالسر، كنت على السكوت عنه أقدر؛ لأنه أهون من النطق وأيسر.
أصرّف نفسي كما أشتهي وأملكها والنقا أحمر
يقول: أنا أملك نفسي، أصرفها كما أريد، وأقهرها على هواها، وأملكها في حال شدة القتال، فمتى أرادت الإحجام قهرتها على الإقدام، فلذلك إذا دعتني نفسي إلى أن أبدي السر قهرتها على كتمانه.
دواليك يا سيفها دولةً وأمرك يا خير من يأمر
الدوال كالدولة. ودواليك: نصب على المصدر، وثنى على التكرير: أي أدالك الله دولةً بعد دولة. والهاء في سيفها للدولة. ودولة: تفسير للدولة المضمرة، وهي نصب على التمييز، وقيل: على المصدر، وأمرك: أيضًا نصب بفعل مضمر أي مر أمرك.
يقول: أدام الله دولتك. مرني بأمرك، وخصني بأوامرك ونواهيك، حتى أتشرف به.
أتاني رسولك مستعجلًا فلبّاه شعري الّذي أذخر
أراد أذخره، فحذف الضمير.
يقول: جاءني رسولك مستعجلا، يأمرني بإجازة البيتين، فلبيته بشعري الذي أدخره وأعده.
ولو كان يوم وغىً قاتمًا للبّاه سيفي والأشقر
قاتمًا: نصب صفة ليوم. والقاتم: المظلم من شدة الغبار، وروى: أيضا قائمًا من قولهم: قامت الحرب. ويوم: نصب لأنه خبر كان، واسمه مضمر: أي لو كان أمرك أو إتيان رسولك إلي يوم وغى.
يقول: لو كان دعاؤك إياي إلى يوم حرب لأجبتك بسيفي وفرسي.
فلا غفل الدّهر عن أهله فإنّك عينٌ بها ينظر
فاعل ينظر: ضمير الدهر.
يقول: إنك عين الدهر الذي ينظر بها إلى أهله، فمن أكرمه كان كريمًا، ومن أهانه كان مهانا، فكأنه قال: لا زلت أبدًا تراعي أهل زمانك إذ الدهر غافل لولا أنك فيه. والغرض: الدعاء بالبقاء ودوام السلامة.
[ ١ / ٢٩٥ ]
وقد كان سيف الدولة استبطأ مدحه، وعاتبه مدةً، ثم لقيه في الميدان، فأنكر أبو الطيب تقصيره فيما كان عوده من الإقبال إليه والتسلم عليه، فعاد إلى منزله وكتب بهذه الأبيات إليه لوقته: يعتذر عن إبطاء مدحه ويعاتبه ويشيد بمدائحه فيه.
أرى ذلك القرب صار ازورارا وصار طويل السّلام اختصارا
الازورار: الإعراض.
يقول: قربي منك صار بعدًا وإعراضًا، وطول سلامي صار اختصارا وتقصيرا.
تركتني اليوم في خجلةٍ أموت مرارًا، وأحيا مرارًا
يقول: لما عرضت عني فيما بين الناس تركتني خجلا أموت جزعًا؛ لإعراضك عني، وأحيا طورًا رجاء كرمك وعفوك.
أسارقك اللّحظ مستحييًا وأزجر في الخيل مهري سرارا
يقول: كنت أنظر إليك سرقة وخجلا وحياءً، وإذا زجرت مهري أخفيت صوتي لئلا تسمع صوتي حياءً منك وإخفاء لشخصي، أو كنت أسر زجره مخافةً أن يرى حالي من يحبني من الفرسان، فيعرف سقوط منزلتي عندك، استدلالًا بما بي من الاغتمام، أو كنت أخفي صوتي لما لحقني من الغم، إذ المغموم لا يكاد يرتفع صوته.
وأعلم أنّي إذا ما اعتذرت إليك أراد اعتذاري اعتذارا
يقول: لو أردت أن أعتذر إليك، كان عندي أيضا ذنبًا ثانيًا يجب الاعتذار منه إذ الاعتذار من غير ذنب كذب، والكذب مما يعتذر منه والغرض ادعا براءة الساحة.
وقيل: معناه إني إذا اعتذرت إليك، مع علمي بسعة عفوك الذي لا يحتاج معه إلى الاعتذار، كنت قد أذنبت في اعتذاري ذنبًا آخر، لأن ذلك يوهم خلاف ما أنت عليه من عادة الصفح وسعة العفو.
وقيل: معناه إن اعتذاري متى اعتذرت يكون كذبا فيلزمني الاعتذار عنه، لأنك جفوتني، فألجأتني إلى التقصير في خدمتك، فمتى كنت كاذبًا في الاعتذار، يلزمني الاعتذار منه أيضا.
كفرت مكارمك الباهرا ت إن كان ذلك منّي اختيارا
يقول مقسمًا: إن كان تأخير مدحك عن اختيار مني كذلك، فجحدت مكارمك الظاهرات، ولكن كان اعتذاري على ما بينته.
ولكن حمى الشّعر إلاّ القلي ل همٌّ حمى النّوم إلا غرارا
الغرار: النوم القليل.
يقول: منعني من قول الشعر هم منع نومي إلا القليل منه.
وما أنا أسقمت جسمي به ولا أنا أضرمت في القلب نارا
الهاء في به للهم.
يقول: هذا الهم الذي أسقم جسمي بألمه، لم يكن عن قصد مني، وكذلك إضرام نار الهم في قلبي، لم يكن من فعلي، فإذا لم يكن هذا الهم عن قصدي، فلا ذنب لي فيه، أستوجب به عتبك، ولكن الذنب للزمان.
فلا تلزمنّي ذنوب الزّمان إليّ أساء وإيّاي ضارا
ضار يضير، وضره يضره بمعنىً.
يقول: لا تعتب علي في تأخير مدحك، فليس لي فيه ذنب، وإنما الذنب للزمان الذي قصدني بهمومه، وشغل قلبي عن الشعر، فلا تلزمني ذنوبة، واعلم أن الزمان إنما قصدني بالإساءة، وألحق الضر بي دونك، لأن مدحي إياك يزيد في شرفي ومنزلتي عندك، وتأخره جر على عتبك وإعراضك عني، فالضرر في تأخيره راجع إلي، والإساءة واقعة بي لا بك.
وعندي لك الشّرّد السّائرا ت لا يختصصن من الأرض دارا
يقول: سأمدحك من بعد، بقصائد سائرات، لا تستقر في مكان، بل تعم الشرق والغرب، والسهل والجبل.
فإنّي إذا سرن من مقولي وثبن الجبال وخضن البحارا
المقول: اللسان. يعني إذا قلت قصيدة سارت في البر والبحر. وقوله: وثبن الجبال: عداه بنفسه على معنى: جزن الجبال ومثله لعلي بن الجهم في وصف شعره:
فسار مسير الشّمس في كلّ بلدةٍ وهبّ هبوب الرّيح في البرّ والبحر
ولي فيك ما لم يقل قائلٌ وما لم يسر قمرٌ حيث سارا
يقول: قد مدحتك قبل هذه بقصائد التي لم يقل أحد مثلها، وقصر القمر عن شأوها، فوصلت إلى الآفاق واشتهرت في العالم.
فلو خلق النّاس من دهرهم لكانوا الظّلام وكنت النّهارا
يقول: لو كان الناس خلقوا من الدهر لكانوا الليل، وكنت النهارا: يعني إن لك فضلا عليهم، كفضل النور على الظلام.
أشدّهم في النّدى هزّةً وأبعدهم في عدوٍّ مغارا
يقول: أنت أشد الناس اهتزازًا في الجود، وأبعدهم غارة في العدو، وهزة، ومغارا نصب على التمييز.
سما بك همّي فوق الهموم فلست أعدّ يسارًا يسارا
[ ١ / ٢٩٦ ]
يقول: ارتفعت همتي على كل همة بسببك، وصغر في عيني المال، فلا أعتد باليسار، ولا أقصر على ما أناله من المال، فإنما أطلب معالي الأمور، وارتفاع المحل والمنزلة.
ومن كنت بحرًا له يا عليّ لم يقبل الدّرّ إلاّ كبارا
هذا مثل: يعني من كنت مقصوده فلا يرضي بالقليل، ويستصغر الخطب الجليل، وإنما يرضي منك بشرف القدر وجلالة المنزلة.
ورحل سيف الدولة من حلب إلى ديار مضر، لاضطراب البادية بها فنزل حران وأخذ رهائن بني عقيل وقشير والعجلان. وحدث له بها رأي في الغزو، فعبر الفرات إلى دولوك وإلى قنطرة صنجة إلى درب القلة، فشن الغارة على أرض عرقة وملطية وعاد ليعبر من درب موزار فوجد العدو قد ضبطه عليه، فرجع وتبعه العدو، فعطف عليه فقتل كثيرًا من الأرمن، ورجع إلى ملطيه، وعبر قباقب وهو نهر حتى ورد المخاض على الفرات: وهو نهر، تحت حصن يعرف بالمنشار، فعبر إلى بطن هنزيط وسمنين ونزل بحصن الران ورحل إلى سميساط فورد عليه بها من أخبره أن عدوه في بلد المسلمين، فأسرع إلى دلوك فعبرها، فأدركه راجعًا على جيحان فهزمه وأسر قسطنطين بن الدمستق، وجرح الدمستق في وجهه. فقال أبو الطيب يصف ما كان في جمادي الآخرة سنة اثنتين وأربعين وثلاث مئة.
لياليّ بعد الظّاعينين شكول طوالٌ وليل العاشقين طويل
شكول: جمع شكل في الكثير وهو المثل، واختار الجمع الكثير في الطول لليالي، ليكون أبلغ في الشكوى، وأدل على عظم الشوق والبلوى وليالي: مبتدأ، وشكول: خبره. وطوال: بدل من شكول، فكأنه قال: ليالي طوالٌ، وإن شئت جعلت طوالا تفسيرًا لشكول، وأضمرت فيه مبتدأ يرفعه: أي هي طوال وتم المعنى عند قوله طوال. ثم ابتدأ فقال: وليل العاشقين طويل.
المعنى: ليالي بعد الأحباء الظاعنين عني كلها مشاكلة في الطول، لا تختلف كليالي سائر الناس؛ لأنها تقصر مرة وتطول أخرى، ثم قال: إن ليل العشاق كذا يكون، وكل عاشق يطول ليله؛ لسهره فيه، وعظم حزنه شوقًا إلى حبيبه. وقيل: أراد أنها مشاكلة في السهر وبعد النوم وفقد الروح والراحة، شوقًا إلى الظاعنين، فهي طوال، لبعد العهد باللقاء وطول المدة، ولا يسلى عني ما بي من الشوق، فهي مشاكلة يشبه أولها آخرها في الشوق إلى الظاعنين.
يبنّ لي البدر الّذي لا أريده ويخفين بدرًا ما إليه سبيل
بين: أي يظهرن، والنون فيه، وفي يخفين: لليالي.
يقول: هذه الليالي يظهرن لي بدرًا لا أريده، وهو بدر السماء ولا أشتهيه، ولا أختار النظر إليه، ويسترن عني بدرًا لا سبيل لي في الوصول إليه، وأراد به حبيبه.
وإنما قال ذلك؛ لأنه يراه بالنهار، والغيبة كانت تحصل بالليل، وإنما لا يريد البدر الحقيقي، لأنه ينم إذا سار إلى حبيبه، فلا يتمكن من الوصول إليه في ضوئه. قال ابن المعتز:
ولاح ضوء هلالٍ كاد يفضحنا مثل القلامة قد قدّت من الظّفر
وقال بعض الأعراب:
أشكو إليها ثلاثًا لا تلائمني منها: العجوز ومنها الكلب والقمر
وما عشت من بعد الأحبّة سلوةً ولكنّني للنّائبات حمول
سلوة: نصب على أنه مفعول له، وقيل: على التمييز.
يقول: لا تظن أن بقائي بعد رحيل حبيبي عني هو للسلوة عنه، ولكن هان علي حوادث الدهر وتحمل الشدائد. وقريب منه قول الآخر:
فلو كان قلبي ساعة البين زيرةً جرى جزعًا أو صخرةً لتفطّرا
ولكنّه من جوهر لا تحيله حوادث صرف الدّهر كيف تنكّرا
ولكن قلبي أشد من الحديد، وأقسى من الصخر؛ فلهذا لم يذب من لوعة الهجر. ومثله لأبي خراش:
فلا تحسبنّي أنّي تناسيت عهده ولكنّ صبري يا أميم جميل
؟ وإنّ رحيلًا واحدًا حال بيننا وفي الموت من بعد الرّحيل رحيل يقول: معتذرًا لبقائه بعد فراق الأحبة. إن رحيلهم الواقع، قد حال بيني وبينهم، وبقي رحيل آخر وهو الموت، وسيحصل هذا الرحيل أيضًا أسفًا على فراقهم، فيزيد البعد بيني وبينهم، وتنقطع الأسباب عنا بالكلية.
إذا كان شمّ الرّوح أدنى إليكم فلا برحتني روضةٌ وقبول
[ ١ / ٢٩٧ ]
الروح في اللغة: الريح، وأكثر ما يستعمل في الريح المستلدة، وقد يستعمل في معنى الراحة، وقيل: أراد بشم الروح: الحياة. والقبول: الريح تأتي من جهة القبلة، وخصها لأنها كانت تجيء من ناحية حبيبه. وأدنى: فعل متعد من دنيت.
والمعنى: إذا كانت الحياة وشم الروح يقربني إليكم، فلا فارقتني حياة ولا برحت مكاني روضة وقبول؛ لأنها تكون سببًا إلى انتشاق روائحكم. وهذا توكيد لعذره في الحياة بعدهم؛ لأنه يجد في الحياة أسبابًا تقربه منهم: من نسيم محبوبته، وامتزاج أنفاسه بأنفاسها، ووصول القبول من جهته، وغير ذلك.
وقيل: إن أدنى: اسم بمعنى أقرب: يعني أن شم الروح إذا كانت أقرب إليكم، قرب المسافة، وأدنى إلى جهتكم، فلا فارقني الذي هو قريب منكم.
وقيل: أراد بالقرب. قرب المحبة دون المسافة.
ومعناه: إذا كان شم الروح أقرب إلى قلوبكم وأشبه بإيثار محبتكم، فلا فارقتني الروضة والقبول، حتى لا أكون مفارقًا ما تهدون وتؤثرون.
وقيل: معناه إذا لم يكن من فراقكم إلا التعلل بالنسيم، شهة لما كان ينالني من الفرح بقربكم، فلا فارقتني روضة وقبول يهيج ذلك النسيم لي. لأشمه. ومعناه: إني أرضى بقليل الراحة من الشوق، إذا لم أصل إلى الحبيب.
والأولى في برحتني أن يكون فعلًا تامًا، كفارقتني، فيكون روضة رفعًا به ولا يحتاج إلى الخبر، كقوله تعالى: " فَلَنْ أَبْرَحَ الأَرْضَ " وعن ابن جني أنه من باب كان وروضة اسمه وهي نكرة، وخبره: ضمير لشم الروح، ونكر اسمه لأجل القافية ضرورة.
وما شرقي بالماء إلا تذكّرًا لماءٍ به أهل الحبيب نزول
نصب تذكرا على الحال، أي متذكرا، ويجوز أن يكون مفعولا له.
يقول: إذا أردت شرب الماء تذكرت الماء الذي نزل عليه أهل من أحبه فشرقت بهذا الماء، لما خنقني من العبرة، أو لأجل أني كنت أشتهي أن يكون شربي من الماء الذي نزلوا عليه، لمجاورته إياهم.
وحكى أن الصاحب أنشد هذا البيت فقال: ليس والله هذا هوى وصبابة، ولكنه وفاء ورعاية.
يحرّمه لمع الأسنّة فوقه فليس لظمآنٍ إليه وصول
يقول: إن هذا الماء ممنوع الوصول إليه مما فوقه من الرماح، وما حوله من الأبطال، فلا يصل إليه أحد؛ لعزة قومه.
أما في النّجوم السّائرات وغيرها لعيني على ضوء الصّباح دليل؟
يقول مستفهمًا، ومستطيلا لليل: أما في نجوم هذا الليل السيارة منها، والثابتة - على ما يقوله المنجمون - نجم يدل على ضوء الصباح، وزوال الظلام؟ لأن كثيرًا من النجوم يختص طلوعها بأواخر الليالي، فيجب أن يعرفه، ليدل على قرب الصباح. وروى: أما في النجوم الساريات وغيرها: معناه ليس في هذه النجوم التي تسري بالليل ولا في غير النجوم: من صوت طائر وغيره، ما يدل على طلوع الفجر وذهاب الليل.
ألم ير هذا اللّيل عينيك رؤيتي فتظهر فيه رقّةٌ ونحول؟
روى: رقة ودقة يقول: ألم ير هذا الليل الطويل عينيك يا حبيبتي مثلما رأيتهما؟! حتى يذوب ويزول، فيصيرنا حلًا دقيقًا مثلي.
وقيل: معناه يا رؤيتي. يعني. ألم ير الليل عينيك يا رؤيتي؟! ولم يرد معهما ونحولهما فيرحمني، ويرق لي، ويظهر فيه النحول والقصر رقة علي، فيزول الليل ويقصر.
لقيت بدرب القلّة الفجر لقيةً شفت كمدى واللّيل فيه قتيل
تخلص إلى مدح سيف الدولة وقال: لقيت الفجر في هذا الموضع. الذي فيه درب القلة، لقية واحدة، وهذه اللقية شفت حزني وأذهبت كمدى، وصار الليل قتيلًا؛ لانقطاعه وذهابه. وقيل: إنما يجعل الليل قتيلا، لأنه أراد أن الحمرة التي تظهر عند الفجر كانت كالدم على بدن القتيل.
وقيل: لم يرد حقيقة الفجر، وإنما أراد نيرانًا أوقدها سيف الدولة بدرب القلة، وكان ضياؤها مختلطًا بالدخان، فشبه اختلاط الضياء بالدخان، بالفجر الذي يختلط فيه الظلام بالضياء. والهاء في فيه تعود إلى الدرب. وقيل: تعود إلى القلة، وذكره على تأويل الموضع والمكان، ودرب القلة: موضع ببلاد الروم.
وعن ابن جني قال: سألته وقت القراءة عليه عن معنى هذا فقال: كنا نساير سيف الدولة فلقينا القلة وقت السحر مع الفجر، فكأني لقيت الفجر بها، ثم سرنا صبيحة ذلك اليوم إلى العصر وشننا الغارات، وغنمنا.
ويومًا كأنّ الحسن فيه، علامةٌ بعثت بها والشّمس منك رسول
[ ١ / ٢٩٨ ]
يومًا: نصب عطفًا على قوله: لقيت بدرب القلة الفجر لقية ويومًا.
وجعل حسن اليوم الذي ظفر فيه الممدوح بالروم، كأنه علامة من محبوبته، وجعل الشمس كأنها رسولها، وذلك لسروره في هذا اليوم، وسروره بطلوع الشمس فيه.
وقيل: إنه إنما استحسن هذا اليوم، وطلوع الشمس فيه؛ لزوال الليل واستراحته بالنهار من السهر والحزن.
وقيل: معنى البيت أن الحسن في ذلك كان خفيًا لشدة الحرب، وإظلام الجو باقتام، وأن الشمس كانت تبدو مرة وتختفي أخرى لتكاثف الغبار، فشبهه برسول يأتي من عند حبيبته، فهو إذا رأى رقيبًا توارى، وإذا صادف خلوة بدا، وشبه حسن ذلك اليوم: وهو النصر والظفر بالاعداء في حقائقه - بعلامة تكون بين المحب وحبيبه، لا يعلمها أحد سوهما، وفيه إشارة إلى أن الحرب كانت قد اشتدت في ذلك، حتى خفيت علامة النصر، إلا على سيف الدولة، فإنه كان عالمًا بالظفر، كما يعلم المحب العلامة التي بينه وبين حبيبته وهذا من لطائف أبي الطيب.
وما قبل سيف الدّولة اثّار عاشقٌ ولا طلبت عند الظّلام ذحول
اثار: افتعل من الثأر. أي أدرك ثأره، يقال: اثار وثار بمعنى. والذحول: جمع ذحل وهو الحقد في القلب. فذكر أن الليل صار قتيلًا، ثم قال: إن القاتل هو سيف الدولة.
وقال: لولا سيف الدولة لم يقدر عاشق على أخذ الثأر من الليل، وما أدرك عاشق ثاره قبل حصول سيف الدولة بدرب القلة، ولم يطلب أحد عند الليل ذحلًا وثأرًا قبله وهذا ضد قوله في بدر:
حدقٌ يذمّ من القواتل غيرها بدر بن عمّار بن إسماعيلا
ولكنّه يأتي بكلّ غريبةٍ تروق، على استغرابها، وتهول
تروق: تعجب بحسنها، وتهول: تخوف.
يقول: إن قتله الليل وإدراك ثأره منه أمر عجيب! وشيء عجيب! لكن سيف الدولة لا يزال يأتي بكل فعل غريب! كل من رآه راقه حسنه، ويهول القلوب لعظمه، فليس هذا منه ببديع.
رمى الدّرب بالجرد الجياد إلى العدا وما علموا أنّ السّهام خيول
الدرب: ها هنا، موضع معروف من بلاد الروم. يقول: رمى درب الروم، كما يرمي لغرض بالسهام، ولم يعلم الروم أن الخيل في السرعة تقوم مقام السهام. شبه خيله بالسهام في إقدامها وسرعتها.
شوائل تشوال العقارب بالقنا لها مرحٌ من تحته وصهيل
الشوائل: جمع شائلة، وعداها إلى القنا بالباء. والتشوال: مصدر شول. والمرح: النشاط. والشوائل: نصب على الحال. وقوله: لها مرح إلى آخره نصب على الحال. والهاء في تحته للقنا، راجع إلى اللفظ.
يقول: رمى الدرب بالخيل رافعة رماحها، كما رفعت العقارب أذنابها، وكان لهذه الخيل مرح تحت القنا وصهيل، يعني بأن الركض لم يذهب مرحها. وهذا قول بشار:
والخيل شائلةٌ تشقّ غبارها كعقاربٍ قد رفعت أذنابها
غير أنه زاد عليه في التشبيه، فبشار شبه الخيل الرافعة لأذنابها بالعقارب، رافعة أذنابها، فالتشبيه واقع على وجه واحد، وهو أوقع التشبيه من وجهين: أحدهما: أنه جعل الخيل شائلة بالقنا، كما تشول العقارب بأذنابها.
والثاني: أنه شبه أطراف الرماح بأذناب العقارب، وأن لها من الطعن مثل ما للعقارب من اللسع، فأخذ معنى بشار، وضم إليه هذه الزيادة، فكان هو أولى به من بشار.
وما هي إلا خطرةٌ عرضت له بحرّان لبّتها قنًا ونصول
وما هي: أي الغزاة. وحران: مدينة بالشام، والضمير في له للمدوح، وفي لبتها للخطرة، والتاء: للقنا، والنصول: للسيوف، وعرضت: أي ظهرت.
يقول: لم تكن هذه الغزاة عن تأهب واستعداد، ولكن خطر بقلبه وهو بحران أن يقصد بلاد الروم، فأجابته الرماح والسيوف، فسار إليهم غير محتفل.
همامٌ إذا ما همّ أمضى همومه بأرعن، وطء الموت فيه ثقيل
الهموم: بمعنى الهمم. والأرعن: الجيش العظيم.
يقول: هو عظيم الهمة إذا هم بشيء وعزم على أمر أمضاه. بجيش عظيم، كأنه لا يمر على ناحية إلا أنكى فيها وأكثر القتل فيها، وهو في معنى قوله: وطء الموت: وقعه، يعظم ويكثر من هذا الجيش، أو يشتد وطء هذا الجيش ويعز عليه.
وخيل براها الرّكض في كلّ بلدةٍ إذا عرّست فيها فليس تقيل
وخيل: عطف على أرعن. والتعريس: النزول آخر الليل.
[ ١ / ٢٩٩ ]
المعنى: إذا هم بأمر أمضاه بجيش أرعن، وبخيل قد أنحلها اتصال السير بالسرى، فإذا عرست في بلدة من بلاد العدو، رحلت عنها ولم تقم إلى وقت القائلة.
فلمّا تجلّى من دلوك وصنجةٍ علت كلّ طودٍ رايةٌ ورعيل
تجلى: أسي بان عنها وفصل، وأصله الظهور، ودلوك وصنجة: موضعان من بلاد الأرمن، والطود: الجبل. والرعيل: قطعة من الخيل تتقدم الجيش.
يقول: لما انفصل عن هذين الموضعين وانتشرت خيله على رءوس الجبال، فكان على كل جبل راية وخيل.
على طرقٍ فيها على الطّرق رفقةٌ وفي ذكرها عند الأنيس خمول
الهاء في فيها للطرق. وقيل راجعة إلى كل طود وهو في معنى الجمع، ومعناه أنه سار إليهم بين الجبال، في الطرق المجهولة فكانت فيها رفعة على سائر الطرق؛ لأنها كانت على رءوس الجبال.
وقيل: معناه أنها كانت رفيعة القدر من حيث كانت موصلة إلى المطالب الجليلة، والمغانم الجزيلة. ثم قال: في ذكر هذه الطرق عند الناس خمول؛ لأنها غير مسلوكة ولا يهتدي إليها أحد، فطابق بين الرفعة والخمول.
فما شعروا حتّى رأوها مغيرةً قباحًا، وأمّا خلقها فجميل
فما شعروا: يعني الروم، أضمرهم لدلالة الحال، وتقدم العلم.
يقول: ما علم الروم بخيل سيف الدولة، حتى شاهدوها تغير عليهم، فكانت قباحًا في أعينهم؛ لسوء أفعالها بهم، وإن كانت جميلة الخلق حسنة المنظر. ومغيرة: نصب على الحال، وليس مفعولًا لرأوها: لأن الرؤية بمعنى المشاهدة لا تتعدى إلى مفعولين. وقباحًا: بدل من مغيرة ويجوز أن تكون حالًا ثانية، كقولك: جاء زيد راكبًا مسرعًا. ويجوز أن تكون الرؤية من رؤية القلب فيكون المفعول الأول الهاء، ومغيرة حالًا. أي رأوها في حال غارتها قباحًا.
سحائب يمطرن الحديد عليهم وكلّ مكانٍ بالدّماء غسيل
سحائب: نصب بدلًا من قباح، يجوز فيها الرفع على إضمار المبتدأ: أي هذه الخيل سحائب.
يقول: هذه الخيل سحائب ولكن مطرها الحديد، ثم قال: وكل مكان حلت به مغسول بدماء الأعداء لكثرة القتله به، وإسالة الدماء فيه.
وأمسى السّبايا ينتحبن بعرقةٍ كأنّ جيوب الثّاكلات ذيول
ينتحبن: أي يرفعن أصواتهن بالبكاء. وعرقة: مدينة بالشام، وقيل: من الروم.
يقول: حصلت السبايا بعرقة، فأقمن بها يبكين على من قتل من أولادهن وأقاربهن، وقد شققن جيوبهن حتى صارت في السعة كالذيول.
وقيل: أراد بالسبايا الأولاد، وبالثاكلات: الأمهات في الروم: يعني لما سبى الأولاد، بكت أمهاتهن في الروم عليها.
وعادت فظنّوها بموزار قفّلًا وليس لها إلاّ الدّخول قفول
موزار: اسم بلد.
يقول: إن خيله أغارت عليهم، وحملت السبايا إلى عرقة، وعادت لتعبر من درب موزار، ثم عادت راجعة إلى بلادهم مرة أخرى، فلما رأوها بموزار ظنوها راجعة إلى بلاد الإسلام، ولم يعلموا أنها عادت لتدخل بلادهم مرة أخرى، فصار دخولها قفولا.
وكان سيف الدولة أراد بعد الإغارة أن يعبر من درب موزار، فوجد العدو هناك، قد أخد عليه الدرب، فرجع داخلًا إلى بلاد الروم، وتبعه العدو فعطف عليه وقتل كثيراُ من الأرمن. وهذا معنى قوله: وليس لها إلا الدّخول قفول.
فخاضت نجيع الجمع خوضًا كأنّه بكلّ نجيع لم تخضه كفيل
الضمير في خاضت: لخيل سيف الدولة. والهاء في كأنه للنجيع، وهو الدم.
يقول: إنها عادت إلى بلاد الروم، وقتلت الأبطال، وخاضت في دمائهم المصبوبة، فكأن هذه الوقعة ضمنت لها سفك كل دم بعدها؛ لأنها قتلت فؤاد الجيوش، فسهل بعد ذلك عليها مرامها، وصار من لم يقتل تحت قدرتها متى شاءت قتلته، وخاضت في دمه.
تسايرها النّيران في كل مسلكٍ به القوم صرعى والدّيار طلول
يقول: إن النيران تسايرها وترافقها في كل موضع تسلكه من بلاد الروم، لأنها كانت تنزل فيه، وتوقد النيران فيه، وهو خراب وأهله صرعى، ولم يبق لديارهم إلا الآثار.
وقيل: معناه أنها قتلت أهل كل منزل نزلته، وأحرقت مساكنهم.
وكرّت فمرّت في دماء ملطيةٍ ملطية أمّ للبنين ثكول
ملطية: مدينة من بلاد الروم.
يقول: إن الخيل كرت على أهل ملطية فخاضت في دمائها، فصارت ملطية مثل أم ثكلت أولادها.
وأضعفن ما خلّصنه من قباقبٍ فأضحى كأنّ الماء فيه عليل
[ ١ / ٣٠٠ ]
ما خلصنه: أي خلصن من الماء، من بين القوائم. وروى: ما كلفنه أي الموضع الذي كلفت الخيل قطعه من هذا النهر. وقباقب: اسم نهر.
يقول: إن الخيل لما عبرت هذا النهر سكرته بقوائمها، وكسرت شدة جري الماء، وأضعفت قوته، فصار الماء يضعف جريه، كأنه عليل.
شبه جريه بين قوائمها بمشي العليل في فتور وضعف.
ورعن بنا قلب الفرات كأنّما تخرّ عليه بالرّجال سيول
ورعن بنا قلب الفرات: يعني أن الخيل خوفن بنا قلب الفرات. أي عبرته بنا الخيل، وخاضت دماءه.
وشبه انحدار الخيل فيه بتدافع السيل، وشبه الخيل بالسيول، والرجال بما تحمله السيول.
فيقول: كأنه مثل السيول تقع من موضع إلى موضع من الوادي.
يطارد فيه موجه كلّ سابحٍ سواءٌ عليه غمرةٌ ومسيل
الضمير في فيه وموجه للفرات. وفي عليه للسابح والغمرة معظم الماء، وأردا به ها هنا معظم الحرب. والمسيل: حيث يسيل الماء.
يقول: إن الخيل لما عبرته كان يدافعها موجه، فكأنه تطارده: أي تحاربه. وسواء على كل فرس منها خوض الماء، وغمرة الحرب، وكلاهما سهل عليها.
تراه كأنّ الماء مرّ بجسمه وأقبل رأسٌ وحده وتليل
تشبيه بديع؛ لأن التليل: العنق.
يقول: كأن الماء حمى جسده وأبان عن رأسه وعنقه. فهذا الفرس إذا سبح لم يظهر منه إلا رأسه وعنقه.
وفي بطن هنزيطٍ وسمنين للظّبي وصمّ القنا ممّن أبدن بديل
أبدن: أهلكن، والضمير للخيل، وللظّبي. وصم القنا، وهنزيط وسمنين: بلدان من الروم.
يقول: إن أصحاب السيوف والرماح قد أهلكوا أهل عرفة وملطية، ولم يصلوا إلى بطن هنزيط وسمنين، فكأن أولئك الهالكين بدل في هاتين البلدتين للسيوف والرماح ولأصحاب الخيول، يهلكونهم متى شاءوا، ويقتلونهم متى قفلوا.
طلعن عليهم طلعةً يعرفونها لها غررٌ ما تنقضي وحجول
طلعن: أي الخيل. عليهم: أي على أهل هنزيط وسمنين.
المعنى: أن خيل سيف الدولة لما فرغت من أهل ملطية، عطفت عليهم وطلعت على ديارهم، وهذه الطلعة معروفة مشهورة؛ لأنها لم تكن أول مرة، بل تقدم لها أخوات مشهورة كشهرة الغرر والحجول، في الخيل الغر المحجلة. والعرب تصف الشهرة بالغرة والحجول، كما قال الآخر:
كذبتم وبيت الله لا تقتلونه ولما يكن يومٌ أغرّ محجّل
وقوله: لها عزر مأخوذ من قول السموءل:
وأيّامنا مشهورةٌ في عدوّنا لها غررٌ معلومةٌ وحجول
فهو وإن وافقه في المعنى والوزن والقافية وبعض الألفاظ، إلا أن هذا لما كان من العام المنتشر لا يقال فيه: إنه مسروق.
تملّ الحصون الشّمّ طول نزالنا فتلقى إلينا أهلها وتزول
يقول: إن الحصون الطوال المرتفعة، ملت من طول منازلتنا إياها، فتلقى إلينا أهلها، وتزول الحصون عن أماكنها، حتى لا يبقى منها شيء.
وبتن بحصن الرّان رزحي من الوجى وكلّ عزيزٍ للأمير ذليل
رزحي: تعبة معيية، والواحد رازح، والوجى: وجع بحافر الفرس؛ من الحفا، وكثرة المشي.
وقيل: أراد به كثرة الضرب والطعن، من قولهم: وجأته بالسكين.
يقول: إن الخيل عادت إلى حصن الران، وقد تعبت وكلت بعد أن قتلت كل بطل، وأذلت كل عزيز، وموضعه نصب على الحال. أي بتن على هذه الحال.
وقيل: معناه أنها لم تصر كذلك للضعف، ولكنه كلفها من همته أصعبها فضعفت.
وفي كلّ نفس ما خلاه ملالةٌ وفي كلّ سيف ما خلاه فلول
الضمير في ما سواه وما خلاه للأمير.
يقول: كل أحد قد مل من طول الحرب، وكل سيف انثلم من كثرة الضرب، سوى سيف الدولة.
ودون سميساط المطامير والملا وأوديةٌ مجهولةٌ وهجول
سميساط: مدينة، والمطامير: الآبار، تحفر فلا تبلغ بها إلى الماء، والواحدة: مطمورة. والملا: الأرض الواسعة. والهجول: جمع هجل، وهو المطمئن من الأرض، وقيل: هو الأرض البعيدة الأطراف. يعني: بيننا وبينها هذه الطرق المجهولة، والأراضي الواسعة.
لبسن الدّجى فيها إلى أرض مرعشٍ وللرّوم خطبٌ في البلاد جليل
مرعش: مدينة والضمير في فيها للمطامير والأودية، وقيل: يرجع إلى سميساط.
[ ١ / ٣٠١ ]
يقول: لبست خيل سيف الدولة ظلمة الليل بين هذه المطامير والودية، من سيساط حتى أتى مرعش، وقوله: وللروم خطب: في موضع الحال، أي كانت هذه المسيرة والحال هذه، وهي أن خطبهم قد عظم واشتد أمرهم.
فلمّا رأوه وحده قبل جيشه دروا أنّ كلّ العالمين فضول
يقول: لما رآه الروم وحده متقدمًا على جيشه، علموا أنه كاف عن كل أحد، وأن من عداه زيادة لا يحتاج إليها.
وأنّ رماح الخطّ عنه قصيرةٌ وأنّ حديد الهند عنه كليل
يقول: وعلموا أن الرماح تقصر عنه ولا تناله، والسيوف تكل ولا تعمل فيه، أي لا يقدر أحد على طعنه وضربه.
فأوردهم صدر الحصان وسيفه فتىً بأسه مثل العطاء جزيل
يجوز في سيفه النصب عطفًا على صدر الحصان.
يقول: جعل سيف الدولة صدر سيفه وفرسه مورد الأعداء. يعني أنه قتلهم بسيفه، واقتحمهم بفرسه. وهو فتى شجاعته مثل عطائه، وكل واحد منهما جزيل.
جوادٌ على العلاّ بالمال كلّه ولكنّه بالدّارعين بخيل
العلات: جمع العلة، وأرد ها هنا كل حدث شاغل، وقيل: قلة المال وتعذر الحال.
يقول: هو جواد بماله كله في جميع الأحوال، لا تشغله الحروب والشدائد عن الجود.
وقيل: معناه أنه يجود حين يعتل عليه ماله ويقل، ولكنه مع هذا الجود، بخيل بالرجال، لا تسمح نفسه أن يسلمهم للقتل، بل يذب عنهم بنفسه. والدارعين: أصحاب الدروع.
فودّع قتلاهم وشيّع فلّهم بضرب حزون البيض فيه سهول
البيض: جمع بيضة، وهي الترك. وروى: حزون الموت والفل: القوم المنهزمون. والضمير في قتلاهم وفلهم للروم.
يقول: قتل قومًا وهزم الباقين، ثم ترك القتلى مكانهم فودعهم، وشيع المنهزمين، وفعل هذا التوديع والتشييع بضرب حزون البيض فيه سهول: أي شدة البيض وصعوبته سهل على هذا الضرب، لم تمنعه الدروع والبيض.
وقيل: إنه جعل ضربه إياهم توديعًا لمن قتل منهم، وتشييعًا لمن انهزم كما قال:
تحيّة بينهم ضربٌ وجيع
على قلب قسطنطين منه تعجّبٌ وإن كان في السّاقين منه كبول
قسطنطين: ابن الدمستق، والكبول: القيود.
يقول: هو متعجب مما شاهد من سيف الدولة من الشجاعة والإقدام! لم يشغله عن التعجب ما هو فيه من الأسر والقيود.
لعلّك يومًا يا دمستق عائدٌ فكم هاربٍ ممّا إليه يئول
يقول: إن كنت قد هربت وسلمت. فلعلك ترجع يومًا آخر، فتؤسر وتقتل، وكثير من الناس هرب من أمر، ثم رجع إليه.
نجوت بإحدى مهجتيك جريحةً وخلّفت إحدى مهجتيك تسيل
يقول: نجوت بواحدة من مهجتيك مجروحة: يعني نفسه، وخلفت مهجتك الأخرى: يعني ولده؛ لأنه في حكم نفسه. تسيل: أي تذوب في القيد؛ وهذا لأنه جعل ابنه إحدى روحيه. كما روى في الخبر أنه ﷺ قال: فطمة بضعة منّى.
أتسلم للخطّيّة ابنك هاربًا ويسكن في الدّنيا إليك خليل!!؟
يقول: أنت إذا سلمت ابنك، الذي هو نفسك، للرماح وهربت عنه! فكيف يسكن إليك صديقك! وكيف يثق بالوفاء منك خليلك؟!
بوجهك ما أنساكه من مرشّةٍ نصيرك منها رنّةٌ وعويل
الهاء في أنساكه للابن. والمرشة: الضربة التي ترش الدم، أي تطايره.
يقول: هربت وفي وجهك ضربة أنستك ابنك وشغلتك بنفسك، فنصيبك من هذه الضربة الأنين والبكاء، أي لا تقدر إلا على البكاء والعويل.
أغرّكم طول الجيوش وعرضها؟! عليّ شروبٌ للجيوش أكول
يقول: غركم كثرة جيوشكم، فلم تعلموا أنه يأكلها ويشربها! يعني أنها غنيمة له يأكلها، فكلما كثرت، كان أجود له.
إذا لم تكن للّيث إلا فريسةً غذاه ولم ينفعك أنّك فيل
يقول: إذا كنت فريسة لليث، لم ينفعك عظم جسمك، ولو كنت مثل الفيل، بل سمنك وعظم جسمك يغذوه، وموضع أنك فيل رفع بغذاه: أي غذاه كونك ذلك، فأعمل الفاعل الأول فيه وأضمر الفاعل الثاني. وقيل: أضمر الفاعل في غذاه لدلالة الثاني عليه، وتقديره: وغذاه الفيل، ولم ينفعك أنك كذلك.
إذا الطّعن لم تدخلك فيه شجاعةٌ هي الطّعن لم يدخلك فيه عذول
يقول: إذا لم يكن فيك شجاعة، تدخلك في الطعان، وتحملك على مقارعة الأقران، لم يحملك عليه عذل العاذل.
فإن تكن الأيّام أبصرن صولةً فقد علّم الأيّام كيف تصول
[ ١ / ٣٠٢ ]
يقول: إن أبصرت الأيام صولته هذه على الروم، فقد علمها أيضًا قبل هذه الصولة كيف تصول؟ يعني أن الأيام نظرت إلى صولته بالأعداء فتعلمت منه كيف تقصد أهلها بصروفها، وقيل. أراد بالأيام: أهلها.
فدتك ملوكٌ لم تسمّ مواضيًا فإنّك ماضي الشّفرتين صقيل
يقول: فداك كل ملك لم يسم باسمك، وليس له مضاء مثل مضائك، فإنك ماض فيما بينهم، فأنت كالسيف وهم كالبوقات والطبول.
إذا كان بعض النّاس سيفًا لدولةٍ ففي النّاس بوقاتٌ لها وطبول
يقول: أنت كالسيف وغيرك كالطبول والبوقات؛ لأنه إذا جاز أن يكون سيفًا للدولة؛ جاز أن يكون لها طبول، لأن غيرك من الملوك ليس لهم مضاء في الأمور، وليس عنده إلا القول الخالي من الفغل، كالبوقات.
أنا السّابق الهادي إلى ما أقوله إذ القول قبل القائلين مقول
يقول: أنا السابق إلى ما أقوله من الشعر، والمبدع لمعانيه، وغيري من الشعراء يسرق ما يقوله ممن تقدمه من الشعراء.
وما لكلام النّاس فيما يريبني أصولٌ، ولا للقائليه أصول
يقول: كلام الناس في غيبتي، والطعن فيّ لا أصل له، غذ لا عيب فيّ، وكذلك لا أصل لمن يعيبني ويطعن عليّ وأصلة من الحديث: الساعي لغير رشده.
أعادي على ما يوجب الحبّ للفتى وأهدأ والأفكار فيّ تجول
حسدوني لفضلي وعادوني، وكان يجب أن يحبوني؛ لأن الفضل يوجب المحبة، وأهدأ: أي أسكن، ولا أحسد أحدًا، بل أنام خالي البال، وأفكار الحساد تجول فيّ. ومثله للبحتري:
إذا محاسني اللاّتي أدلّ بها كانت ذنوبي، فقل لي: كيف أعتذر؟
سوى وجع الحسّاد فإنّه إذا حلّ في قلبٍ فليس يحول
يقول: داو كل داء من الأمراض والفقر وغيرهما، فإنه يزول بمداواتك، ولا تشتغل أنت بمداواة وجع الحساد؛ لأنه لا يزول أبدًا.
ولا تطمعن من حاسدٍ في مودّةٍ وإن كنت تبديها له وتنيل
يقول: لا تطمع في مودة حاسدك، فإنك وإن كنت تظهر له المودة، وتعطيه المحبة فإن ما في قلبه من الحسد يمنعه من مودته لك.
وإنّا لنلقي الحادثات بأنفسٍ كثير الرّزايا عندهنّ قليل
يقول: إن لنا نفوسًا كريمة، وقلوبًا صابرة على حوادث الدهر، وكثرة الرزايا والشدائد عندها قليل، لكثرتها وصبرها.
يهون علينا أن تصاب جسومنا وتسلم أعراضٌ لنا وعقول
الأعراض: جمع العرض، وهو موضع الحمد والذم.
يقول: إذا سلمت الأعراض والعقول، فلا حظ للأجسام عندنا، بل يهون علينا ما يحدث فيها من الجراحات والأسقام. ومثله:
إذا أبقت الدّنيا على المرء دينه فما فاته منها فليس بضائر
فتيهًا وفخرًا تغلب ابنة وائل فأنت لخير الفاخرين قبيل
يقول: يا تغلب ابنة وائل تيهي تيهًا، وافخري فخرًا، فإنك قبيلة سيف الدولة، وهو خير الفاخرين، وأنت تغلب. ذهابًا بها إلى القبيلة أو العشيرة، ونصب تيهًا وفخرًا على المصدر أي تيهي تيهًا، وافخري فخرًا.
يغمّ عليًّا أن يموت عدوّه إذا لم تغله بالأسنة غول
إذا لم تغله: إذا لم تهلكه. والغول: الداهية. وقيل: المنية.
يقول: إن سيف الدولة إذا مات عدو يغتم بموته، وإنما يريد أن يقتله.
شريك المنايا، والنّفوس غنيمةٌ فكل مماتٍ لم يمته غلول
الغلول: الخيانة في الغنيمة.
يقول: إن سيف الدولة شارك المنية في الإغارة على نفوس الأعداء، والنفوس غنيمة لها يشتركان فيها، فإذا استبدت المنية في نفس واحد لم يقتلها هو فقد خانته وغلت تلك النفس منه.
فإن تكن الدّولات قسمًا فإنّها لمن ورد الموت الزّؤام تدول
الزؤام: السريع. وتدول أي صارت له، ورجعت إليه.
يقول: إن كانت الدولة مقسومة بقدر السعي فالأولى بها من يقتحم على الأهوال ويباشر القتال وأسباب الموت. فأطلق لفظ الموت على أسبابه.
لمن هوّن الدّنيا على النّفس ساعةً وللبيض في هام الكماة صليل
لمن هون: بدل من قوله: لمن ورد.
يقول: إن الدولة لمن هون الدنيا على نفسه ساعة، في موضع الضرب والطعن، وضرب على شدائدها في تلك الحال؛ لأنه متى صبر فاز بالظفر والغلبة.
وتأخر مدحه عنه فعتب عليه، فقال يعتذر:
[ ١ / ٣٠٣ ]
بأدنى ابتسامٍ منك تحيا القرائح وتقوى من الجسم الضّعيف الجوارح
القرائح: جمع القريحة، وهي خالص طبيعة الإنسان، وأصلها من قريحة البئر، وهو أول ما يخرج من مائها إذا حفرت.
يقول: إذا ابتسمت ورضيت عنا تحيي ما مات من خواطرنا وتقوي ما ضعف من جوارحنا.
ومن ذا الّذي يقضي حقوقك كلّها؟ ومن ذا الّذي يرضى سوى من تسامح؟
يقول: لا يقدر واحد على قضاء حقوقك، وعلى إرضائك في قضائها، إلا أن تسامحه، ولا تكلفه فوق طاقته.
وقد تقبل العذر الخفيّ تكرّمًا فما بال عذري واقفًا وهو واضح؟
تكرمًا نصب على المفعول، وواقفًا على الحال، ومعناه: غير مقبول.
يقول: أنت تقبل العذر الخفي لكرمك، فكيف صار عذري غي مقبول في تأخيري مدحك مع وضوحه وظهوره؟!
وإنّ محالًا إذبك العيش أن أرى وجسمك معتلّ وجسمي صالح
يقول: إن كان قوام عيشي بك فمن المحال سلامة جسمي مع اعتلال جسمك، بل الواجب مشاركتنا. إياك في لاعتلال.
وما كان ترك الشّعر إلاّ لأنّه تقصّر عن وصف الأمير المدائح
جعل تقصير المدائح عن وصفه عذرًا في تأخير المدح، فقال: لم أترك مدحك تغافلًا عن قضاء حقك، ولكن رأيت المدائح قاصرة عن وصفك، غير ناهضة بآداء شكرك.
وقال وقد تشكى سيف الدولة من دمل في شهر رمضان سنة اثنتين وأربعين وثلاث مئة.
أيدري ما رأيك من يريب؟ وهل ترقى إلى الفلك الخطوب!؟
فاعل يدري: ما أريك، وهو الدمل ومن في موضع نصب؛ لأنه المفعول، وهو سيف الدولة على جهة التعجب والتعظيم للأمر.
يقول: أيدري هذا الدمل من يريب؟ وعلى من أقدم؟ أي لو علم علو مكانك لما تجاسر على الحلول بك، فإنك الفلك في العلو والارتفاع عن الآفات، والخطوب لا ترقى إلى الفلك، فكيف رقى إليك الدمل؟!
وجسمك فوق همّة كلّ داءٍ فقرب أقلّها منه عجيب
الهاء في أقلها للأدواء التي تدل عليه قوله: كل داء إذ هو في معنى الجمع.
يقول: إن جسمك أعلى محلًا من أن يصيبه أعظم الأدواء، وأن تبلغ همته إليه، فكيف وصل إليك الدمل الذي هو أقل الأدواء وأحقرها؟
يجشّمك الزّمان هوىً وحبًّا وقد يؤذي من المقة الحبيب
يقول: إن الزمان يحبك حبًا شديدًا فآلمك بهذا القدر من الألم؛ لأن الحبيب يؤذيه الحبيب إذا غلبه الحب، تذللًا. والمقة: الحب، وقد روى: يجمشك والتجميش: مداعبة الحبيب والممازحة معه.
يقول: إن الزمان يداعبك، ويتعرض لك؛ لحبه إياك، وهذا الدمل الذي أصابك تجميش منه، فآذاك وآلمك، فإن المحب ربما آذى حبيبه بالعض وغيره، محبة منه. وقوله هوى وحبًا نصب على المفعول له.
وكيف تعلّك الدّنيا بشيءٍ وأنت بعلّة الدّنيا طبيب؟
يقول: كيف أصابتك الدنيا بعلة وأنت طبيبها؟ الذي تداوي علتها، وتذهب سقمها، وتصلحها من الفساد.
وكيف تنوبك الشّكوى بداءٍ وأنت المستغاث لما ينوب؟
تنوبك أي تصيبك والشكوى: المرض.
يقول: كيف تصيبك ما تشكو منه؟ ومن نابته الشكوى استغاث بك فأجرته.
مللت مقام يومٍ ليس فيه طعانٌ صادقٌ ودمٌ صبيب
المقام: الإقامة، والصبيب: المصبوب.
يقول: قد تعودت الحرب، وتركت الإقامة، فمتى فقدت ذلك يومًا واحدًا ألمت من ذلك، ومللت من طول الإقامة، فألمك هو الجلوس في الدعة، وترك الحرب، لا من الدمل، إذ هو أقل من أن تبالي به. وقوله: طعان صادق يعني أنه لا يخطئ بل يصيب.
وأنت الملك تمرضه الحشايا لهمّته، وتشفيه الحروب
الحشايا: جمع الحشية.
يقول: أنت ملك عظيم الهمة لا تلتذ بالتنعم والراحة، فالنوم على الحشايا يمرضك، والحروب تشفيك وتوافقك. إذ ترك العادة يمرض الإنسان.
وما بك غير حبّك أن تراها وعثيرها لأرجلها جنيب
العثير: الغبار، والضمير في تراها وعثيرها وأرجلها للخيل، فأضمرها وإن لم يجر لها ذكر: للعلم بها. إذ الحروب لا تعرى من الخيل. والجنيب: التابع كالجنيبة التي تقاد إلى جنب الفرس.
يقول: هذا الألم الذي ألم بك، ليس هو من المرض، ولكنه لشوقك إلى أن ترى الخيل، وقد أثارت الغبار في الحروب، وصار غبارها تابعًا لأرجلها، كما يتبع الفرس قائده.
[ ١ / ٣٠٤ ]
مجلّحةً لها أرض الأعادي وللسّمر المناحر والجنوب
مجلحةً: مصممة جادة في شأنها، ونصب على الحال. والمناحر: موضع النحر، والجنوب: جمع الجنب، وأراد به: جنوب الأعادي ونحورهم.
يقول: ليس بك إلا ألم حبك أن ترى خيلك مجلحة محدة في الحروب، وقد ملكت أرض الأعادي، وملكت الرماح نحور الأعادي وجسومها.
وقيل أراد: نحور الخيل وجنوبها، يعني: أنها تتلقى الرماح بنحورها، وجنوبها، ولا تولي عنها.
فقرّطها الأعنّة راجعاتٍ فإنّ بعيد ما طلبت قريب
تقريط الأعنة: هو أن يرخي الفارس عنان الفرس، حتى يمس أذنه، فيصير بمنزلة القرط له. وقيل: هو طرح اللجاح في رأس الفرس.
يقول: إذا كان مرضك هذا، فشفاؤك في يدك، فارجع بخيلك إلى أرض الروم، وارخ لها الأعنة، حتى تبلغ مرادك، ويشفيك من ألمك، فإن ما طلبته هذه الخيل، وإن كان بعيدًا، فهو عليها قريب.
إذا داءٌ هفا بقراط عنه فلم يعرف لصاحبه ضريب
هفا: أي غفل وزل. ولم يعرف: أي ليس يوجد، وأقام لم مقام ليس والضريب: المثل والنظير، فالهاء في لصاحبه للداء.
والبيت يفسر على وجوه.
أحدها: أن بقراط قد ذكر جميع الأدواء، ولم يذكر فيها حب الحروب، ولم يعلم بقراط أحدًا، يكون فقد الحرب مرضًا له، فمن أصابه هذا الداء الذي هفا عنه بقراط، لم يكن له في الناس نظير، فكأنه يقول: ليس لك نظير في هذه الهمة، فإنا ما سمعنا بمن يمرضه حب الحرب، وتؤلمه الراحة والدعة. وجواب إذا قوله: لم يعرف.
والثاني: أنه جعله بمنزلة بقراط. فيقول: أنت مع علمك وكونك في مثل علم بقراط، عجزت عن دفع هذا الداء عنك، وكل داء هفا بقراط عنه، فإن صاحب ذلك الداء ليس له نظير، إذ هو خارج عن الطبائع البشرية؛ لأن بقراط لا يشكل عليه طبايع البشر، فلما كنت بقراط فعجزت عن مداواة هذا الداء، علمنا أنك تفارق جميع الناس، ولا يشبهك أحد منهم، وجواب إذا أيضًا فلم يعرف.
والثالث: أن المراد بالداء: الحروب ونيوب الدهر، وهو متعلق بقوله: فإن بعيد ما طلبت قريب إذا داء هفا بقراط عنه، فلم يوجد عليل، به تلك العلة، ففي تلك الحال بعيد ما تطلبه قريب الغرض به.
يعني: أنه إذا اختل أمر الثغور كان عود خيلك إليها قريبًا، فتكون أنت مداويًا لها. والفاء على هذا تكون عاطفة لجملة على جملة، وهذا كقول ليلى الأخيلية:
إذا هبط الحجّاج أرضًا مريضةً تتبّع أقصى دائها فشفاها
شفاها من الدّاء العضاء الّذي بها غلامٌ إذا هزّ القناة سقاها
بسيف الدّولة الوضّاء تمسى جفوني تحت شمسٍ ما تغيب
الوضاء: مبالغة الوضيء.
يقول: إذا أبصرته أبصرت شمسًا لا تغيب، كما تغيب الشمس، وقوله: جفوني تحت شمس: أن ناظرة إلى وجهه.
فأغزو من غزا، وبه اقتداري وأرمى من رمى وبه أصيب
يقول: إذا غزا سيف الدولة غزوًا غزوته معه، ولكن اقتداري به، وقوتي ونكاتي في غزوه بتأييده.
وقيل: معناه أني لا أغزوهم إلا بنفقته وخيله وسلاحه الذي وهب لي، فكأن اقتداري بعطيته، وإذا رميت الاعداء أصبتهم بدولته.
وللحسّاد عذرٌ أن يشحّوا على نظري إليه وأن يذوبوا
يقول: إن حسدوني على نظري إليه، ونافسوني فيه، وذابوا كمدًا وحزنًا، بمنزلتي عنده، فلهم في ذلك عذر.
فإنّي قد وصلت إلى مكانٍ عليه تحسد الحدق القلوب
يقول: من يحسدني على منزلتي عنده، ونظري إليه فهو معذور؛ لأني قد جعلت في مكان يحسد قلبي فيه عيني، لما تدركه من اللذة بالنظر إليه، ورؤيتها لمكارمه ومحاسنه، والقلب لا يصل إليها مباشرة، وإنما يصل إليها بالعلم. وهو قريب من قول الآخر:
إذا زرت حفصًا تستضيء برأيه فقلبك مغبونٌ وطرفك رابح
وروى: تستضيء بشمسه.
وقال سيف الدولة، وعنده رسول ملك الروم: الساعة يسر الرسول بهذه العلة، فأجابه أبو الطيب:
فديت، بماذا يسرّ الرّسول؟ وأنت الصّحيح بذا لا العليل
يقول: جعلنا الله تعالى فداءك، بأي شيء يسر الرسول؟ وأنت الصحيح بهذا الدمل لا المريض؛ لأن بهذا يزول أدواء كثيرة، وهذا علامة الصحة.
عواقب هذا تسوء العدوّ وتثبت فيك وهذا يزول
[ ١ / ٣٠٥ ]
يقول عاقبة هذا الدمل، وهو الصحة تسوء أعداءك، وتثبت فيك الصحة دائمًا، وهذا الذي أصابك يزول في أسرع وقت.
وقال أيضا في علة سيف الدولة، يمدحه:
إذا اعتلّ سيف الدّولة اعتلّت الأرض ومن فوقها والبأس والكرم المحض
يقول: إذا أصاب سيف الدولة علة، عمت الأرض ومن عليها، واعتل بها أيضا الشجاعة والكرم؛ لأن قوام الكل به. والبأس: الشجاعة. ومثله لعلي بن الجهم:
وإذا رابكم من الدّهر ريبٌ عمّ ما خصّكم جميع الأنام
وكيف انتفاعي بالرّقاد وإنّما بعلّته يعتلّ في الأعين الغمض؟
يقول: إذا اعتل هو، لم أنتفع بالنوم، ولم أجد له لذة؛ لأنه إذا اعتل اعتل النوم في عيني جزعًا عليه.
شفاك الّذي يشفي بجودك خلقه فإنّك بحرٌ كلّ بحرٍ له بعض
يقول: شفاك الله تعالى، كما يشفي خلقه بجودك، فإنك في الجود بحر، إذا قيست البحار إليه كانت بعضًا منه وجزءا له.
وقال أيضًا في شهر رمضان وقد عوفي سيف الدولة من الدمل:
المجد عوفي إذا عوفيت والكرم وزال عنك إلى أعدائك الألم
يقول: إن المجد والكرم اعتلا بعلتك؟! فلما عوفيت عوفيا بعافيتك، وزال ألمك الذي بك إلى أعدائك؛ لأنهم اغتموا بعافيتك، وتألموا بصحتك، فكأن ألمك انتقل إليهم.
وقيل: إن هذا دعاء: أي رد الله تعالى ألمك إلى أعدائك.
والأولى أنه خبر، وليس بدعاء؛ لأنه أخبر في صدر البيت أنه عوفي، فلا يتصور معه الدعاء عليهم بداء له وقد زال.
صحّت بصحّتك الغارات وابتهجت بها المكارم وانهلّت بها الدّيم
ابتهجت: أي فرحت. وانهلت: أي انصبت.
يقول: لما راجعتك الصحة صحت الغارات بصحتك؛ لأنها كانت سقيمة بسقمك، وسرت المكارم بها؛ لأنها كانت سقيمة، وجرى بها عطاياك المتصلة، كأنها ديم منهلة.
وراجع الشّمس نورٌ كان فارقها كأنّما فقده في جسمها سقم
يقول: كانت الشمس فارقها نورها لمرضك، فعاد إليها الآن لأجل صحتك، وكأن فقد هذا النور سقما في جسم الشمس، فزال عنها مرضها لأجل صحتك.
ولاح برقك لي من عارضي ملكٍ ما يسقط الغيث إلاّ حين يبتسم
العارض: أول ما يلي الناب من الثنايا، ويقال: هو الناب.
شبه نقاء عارضيه بالبرق، ثم قال: ما يسقط الغيث إلا حين يبتسم هذا الملك، يعني إذا ابتسم أعطى، فعبر عن العطايا بالغيث.
وقيل: أراد بالبرق علامات جوده ومخايل إحسانه.
يسمى الحسام وليست من مشابهةٍ وكيف يشتبه المخدوم والخدم؟!
يقول: يسمى الممدوح باسم السيف، وهذا لا يشابهه في الخصال والمعاني، وكيف يشبهه وهو خادمه يتصرف على إرادته؟!
تفرّد العرب في الدّنيا بمحتده وشارك العرب في إحسانه العجم
المحتد: الأصل، والضمير فيه وفي إحسانه للممدوح.
يقول: تفرد العرب بأصله؛ لأنه والعرب من أصل واحد، والعجم تشارك العرب في إحسانه ونعمه.
يعني أن فضله عم العجم عمومه للعرب، وشاع في الناس كافة.
وأخلص الله للإسلام نصرته وإن تقلّب في آلائه الأمم
الآلاء: النعم. واحدها إلى وألي.
يقول: جعل الله تعالى نصرته للإسلام خالصة؛ لأنه أبدًا يجاهد الكفار؛ ويذب عن الإسلام، فنصره مقصور على الإسلام، ونعمه تعم الخلق: مؤمنهم وكافرهم.
وما أخصّك في برءٍ بتهنئةٍ إذا سلمت فكلّ النّاس قد سلموا
يقول: لا أخصك بهذه التهنئة على برئك من المرض، بل أهنئ جميع الناس، فإنهم كانوا مرضى لمرضك، فإذا سلمت منه سلم جميع الناس، فاستووا معك في استحقاق التهنئة.
وقال في انسلاخ شهر رمضان يمدح ويهنئه بعيد الفطر:
الصّوم والفطر والأعياد والعصر منيرةٌ بك حتّى الشّمس والقمر
الشمس: مرفوعة، لأنها معطوفة بحتى على ما قبلها.
يقول: هذه الأشياء نورها وبهجتها بك، حتى أن الشمس والقمر اللذين هما الأصل في الإنارة، منيران بك مضيئان بدولتك؛ لأنهما يشهدان النور من أنوارك، كالقمر يشهد النور من الشمس.
ترى الأهلّة وجهًا عمّ نائله فما يخصّ به من دونها البشر
التذكير: للوجه، وفي به للنائل، والتأنيث: للأهلة.
[ ١ / ٣٠٦ ]
يقول: نظر الأهلة إلى وجهه، يقوم مقام نائله، لأنها تقابل منه سعدًا وتكتسب منه نورا، فنائله عم الأهلة وسائر الخلق، ولم يختص به البشر دون غيره.
ما الدّهر عندك إلا روضةٌ أنفٌ يا من شمائله في دهره زهر
الروضة الأنف: التي لم ترع، فيكون أحسن لها.
شبه الدهر بالروضة، وشمائله بالزهر الذي هو في الروضة لحسنها.
ما ينتهي لك في أيامه كرمٌ فلا انتهي لك في أعوامه عمر
الهاء في أيامه للدهر، وكذلك في أعوامه وقوله: فلا انتهى دعاء للمدوح.
يقول: ليس لكرمك نهاية في الدهر، وعمرك يزيد في أعوام الدهر.
فإنّ حظّك من تكرارها شرفٌ وحظّ غيرك منه الشّيب والكبر
الهاء في تكرارها للأيام أو للأعوام، وفي منه للدهر.
يقول: إنك لا تزال تزداد شرفًا على مرور الأيام وكرور الأعوام؛ لأنك تفعل في كل وقت فعلًا لك فيه ذكر وشرف، وغيرك يزداد شيبًا وهرمًا.
ومد قويق: وهو نهر بحلب، فأحاط بدار سيف الدولة، فخرج أبو الطيب من عنده، فبلغ الماء صدر فرسه. فقال:
حجّب ذا البحر بحارٌ دونه
يذمّها النّاس ويحمدونه
البحر: سيف الدولة، والبحار: مدود النهر.
يقول: حالت هذه السيول، والمدود، بيننا وبين بحر الجود، فالناس يذمون هذه البحار؛ لأنها منعتهم عن ذلك البحر ويحمدون سيف الدولة؛ لأنه لم يحجب نائله عنهم.
وقيل: يذمون البحار استحقارًا بالإضافة إليه، ويحمدونه تعظيمًا له.
يا ماء هل حسدتنا معينه؟
أم اشتهيت أن ترى قرينه؟
المعين: الماء الظاهر الجاري على وجه الأرض، مفعول من العين: أي تدركه.
يقول للماء: هل حسدتنا على كثرة جوده، الذي هو كالماء الجاري، فحلت بيننا وبينه؟ وقيل: معناه هل حسدتنا على مشاهدتنا لسيف الدولة فعقتنا عنه وعن الوصول إليه؟ أم أردت يا ماء أن ترى قرينه: أي تكاثر جوده، فتكون أنت قرينًا له؟؟!
أم انتجعت للغنى يمينه؟
أم زرته مكثّرًا قطينه؟
قطين الملك: خدمه المقيمون.
يقول للماء: أم قصدته يا ماء مستميحًا الغنى منه؟ أم أردت أن تكثر بنفسك خدمه وحشمه تشرفا بخدمته؟
أم جئته مخندقًا حصونه؟
إنّ الجياد والقنا يكفينه
يقول: لعلك جئته لتصير خندقًا حول حصونه، ثم إنه لا يحتاج إلى إحاطتك بحصنه، بل هو غني بخيله وسلاحه.
والضمائر من أول الأبيات إلى ها هنا للبحر.
يا ربّ لجّ جعلت سفينه
وعازب الرّوض توفّت عونه
اللج: جمع لجة. والهاء في سفينه عائدة إليها لفظًا. والسفين: جمع السفينة، والهاء في عونه للروض. والعون: جمع عانة، وهي القطعة من حمر الوحش. والتاء في جعلت وتوفت للجياد.
يقول: رب لجة جعلت الجياد سفينًا لها. يعني أنه اقتحم بها الأنهار العظيمة في غزواته، فصارت كالسفن. وقيل: أراد حومة القتال وغمرة الحرب. ورب روض بعيد قد وصلت إليه هذه الجياد، فاستوفت جميع ما فيها من عانات الحمر الوحشية وأهلكته.
وذي جنونٍ أذهبت جنونه
وشرب كأسٍ أكثرت رنينه
وأبدلت غناءه أنينه
وقوله: وذي جنون: كناية عن الشجاع، أو كناية عن الباغي. وقيل: أراد به ملكًا. كأنه من غيرة نفسه مجنون، والشرب: القوم المجتمعون على الشراب. والهاء في جنونه لذي جنون وفي رنينه وغناءه وأنينه للشرب، لفظًا لا معنىً، والرنين: صوت الباكي الحزين. والأنين: صوت الحزين المتوجع.
يقول: ورب ذي جنون قصدته هذه الخيل، وأذهبت ذلك الجنون من رأسه، ورب قوم شاربين للكأس، هجمت عليهم فقتلتهم وأكثرت رنينهم وأبدلت غناءهم وطربهم حزنًا وبكاء!
وضيغمٍ أولجها عرينه
وملكٍ أوطأها جبينه
العرين: موضع الأسد في الأجمة. وفاعل أولجها ضمير البحر، الذي هو سيف الدولة، والهاء: ضمير الجياد، وكذلك في أوطأها أي ورب أشد أدخل سيف الدولة هذه الجياد في أجمته، وأغار على مملكته، ورب ملك قتله، ومشى بها على جبينه.
يقوده مسهّدًا جفونه
مباشرًا بنفسه شؤونه
مسهدًا ومباشرًا نصب على الحال، والضمائر كلها راجعة إلى سيف الدولة، وهو المعبر عنه بالبحر.
يقول: يقود سيف الدولة هذه الجياد إلى الحروب ليلًا، وقد منع أجفانه من النوم.
[ ١ / ٣٠٧ ]
وقيل: الهاء في جفونه تعود إلى الملك: أي يسهد جفون الملك بقصده بخيله. وهو يتولى أموره بنفسه، ولا يتكل فيها إلى كفاية غيره؛ لفضل قوته وبعد همته.
مشرّفًا بطعنه، طعينه
عفيف ما في ثوبه مأمونه
أبيض ما في تاجه ميمونه
المنصوبات كلها على الحال. إلا قوله: طعينه فإنه منصوب بمشرف.
يقول: إذا طعن إنسانًا فإنه يتشرف بطعنه، لأنه يقال قد نازله وثبت له، وهو عفيف الفرج، أبيض الوجه، مبارك ميمون على من رآه.
بحرٌ يكون كلّ بحرٍ نونه
شمسٌ تمنّى الشّمس أن تكونه
قوله: أن تكونه الهاء فيه خبر كان وقد وصله، والأولى فيه الفصل، فيقال: أن تكون إياه. وذكر الضمير في أن تكونه وإن كان راجعًا إلى قوله: شمس لأنه أراد بها سيف الدولة.
يقول: هو بحر في الجود والهيبة، إذا قيست البحار إليه كانت بمنزلة السمكة في البحر، وهو شمس في إشراقه وعلو همته، ومنزلته وشهرة ذكره، والشمس الحقيقي تتمنى أن تكون مثله.
إن تدع يا سيف لتستعينه
يجبك قبل أن تتمّ سينه
الهاء في سينه تعود إلى سيف. يخاطب صاحبًا له، أو نفسه، فيقول: إن دعوته وقلت يا سيف الدولة، تستعين به أجابك قبل أن تلفظ بالسين، من يا سيف.
وقيل: هو خطاب لسيف الدولة: أي إن دعوت سيفك لتستعين به أجابك قبل إتمام السين منه.
أدام من أعدائه تمكينه
من صان منهم نفسه ودينه
من فاعل أدام، وأراد به الله تعالى.
يقول: أدام الله تمكينه، كما صان منهم نفسه ودينه: أي حال بينهم وبينه من أن ينالوه بطعن في نفسه ودينه.
وقال في ذي الحجة من سنة اثنتين وأربعين وثلاث مئة، يمدحه ويهنئه بعيد الأضحى، وأنشده إياها في ميدانه بحلب، تحت مجلسه، وهما على فرسيهما ويذكر أسره لابن الدمستق وفيها يفتخر بنفسه وشعره:
لكلّ امرئٍ من دهره ما تعوّدا وعادات سيف الدّولة الطّعن في العدا
يقول: كل إنسان يجري على ما تعود من دهره، وعادة سيف الدولة التي لا ينفصل عنها، أن يطعن أعداءه، فهو جار عليه.
وأن يكذب الإرجاف عنه بضدّه ويمسي بما تنوي أعاديه أسعدا
الإرجاف: خوض العامة في الإخبار عن الملوك بالسيئ. وقيل: هو مقدمة الكون.
يقول: من عادته أيضًا أن يكذب إرجاف أعدائه عنه بضد ما أرجفوا، فإذا نووا على إيقاع شر به عاد ما تمنوه عليهم، فيصير هو أسعد من أعدائه. بما نووا عليه. وروى: بما تحوي وتنوي.
وربّ مريدٍ ضرّه، ضرّ نفسه وهادٍ إليه الجيش، أهدى وما هدى
الهاء في ضره لسيف الدولة، وفي نفسه للمريد، وهاد: من قولهم: هديته الطريق، والجيش: نصب بهاد وضره: بمريد. وأهدى: من الهدية.
يقول: رب إنسان أراد أن يضره، ضر نفسه! وعاد كيده إليه، وهذا من قوله تعالى: " وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إلا بِأَهْلِهِ ". ومنه قول الشاعر:
رماني بأمر كنت منه ووالدي بريًّا ومن قعر الطّويّ رماني
أي عاد رميه إليه، مثل من يرمي حجرًا من قعر بئر، فيعود على رأسه.
ورب قائد هدى إليه جيشًا، فكأنه بعث إليه هدية وغنيمة.
ومستكبرٍ لم يعرف الله ساعةً رأى سيفه في كفّه فتشهّدا
يقول: رب كافر مستكبر عن طاعة الله تعالى، لم يؤمن ساعة، لما رأى سيف الدولة وفي يده سيفه أسلم، وتشهد: أي أقر بشهادة التوحيد.
ويجوز أن يكون ساعةً متعلق بقوله: رأى السيف في يده، ساعةً، ووقتًا، فأسلم.
هو البحر غص فيه إذا كان ساكنًا على الدّرّ واحذره إذا كان مزبدًا
يقول: هو بحر، فإذا كان ساكنًا فغص فيه، واستخرج منه الدر، وإذا كان هائجًا مزبدًا فاحذره ولا تقربه، فتغرق فيه. يعني: استمنح منه الرغائب في حال السلم، واحذر من أن تلقاه محاربًا، فإنه يهلكك. وهو وقوله:
سل عن شجاعته وزره مسالمًا
فإنّي رأيت البحر يعثر بالفتى وهذا الّذي يأتي الفتى متعمّدًا
يقول: هو أشد من البحر بأسًا؛ لأن البحر إنما يصيب الإنسان اتفاقًا، فربما سلم منه، وإن باعد منه لم يقصده، وهذا البحر يقصد إلى قرنه عن عمد، ويهلكه عن قصد، فيكون يعثر بمعنى يصيب.
وقيل: معناه البحر ليس هو مكنه على قصد مكان غير مكانه، وهذا البحر يقصد العدو ويهلكه، وهو قريب من الأول.
[ ١ / ٣٠٨ ]
وقيل: لما سوى بين البحر وبين سيف الدولة من حيث الغضب والسكون فضله على البحر فقال: ما يفعله سيف الدولة في حالتي الغضب والسكون، فهو عن قصد وإرادة، وما يفعله البحر لا يكون عن قصد وإرادة، وليس إغناء البحر من يقصده. بما فيه من الدر عن قصد، وكذلك إهلاكه في حال الاضطراب، فيكون قوله: يعثر بالفتى عبارة عن وقوع الفعل غفلة لا عن قصد وعمد.
تظلّ ملوك الأرض خاشعةً له تفارقه هلكى، وتلقاه سجّدًا
يقول: إن الملوك تخشع له، فإذا لقيته سجدت له، وإذا خرجت من عنده ففي قلوبهم من الخوف والهيبة ما يقوم لهم مقام الهلاك.
وقيل: أراد به حقيقة الهلاك. يعني إذا فارقوه على سبيل العصيان أهلكهم.
وتحيي له المال الصّوارم والقنا ويقتل ما تحيي التّبسّم والجدا
الجدا، والجدوى: العطية.
يقول: يغنم الأموال بالسيوف والرماح، ثم يهبها بتبسمه وجدواه. وقوله: بالتبسم إشارة إلى أنه لا يمكن أن يؤخذ منه على وجه القهر. ومثله لأبي تمام:
إذا ما أغاروا فاحتووا مال معشرٍ أغارت عليهم فاحتوته الصّنائع
ذكيٌّ تظنّيه طليعة عينه يرى قلبه في يومه ما ترى غدا
تظنيه: أصله تظننه، وهو تفعل من الظن، وتظنيه: مبتدأ: وطليعة عينه: خبره، والجملة: صفة لذكي.
يقول: هو ذكي يعرف الأمر قبل موقعه، فكأن ظنه طليعة لعينه، فهو يرى بقلبه اليوم ما تراه أيها الإنسان بعينك غدا.
وصولٌ إلى المستصعبات بخيله فلو كان قرن الشّمس ماءً لأوردا
روى: المستصعبات بالكسر، والفتح. والكسر: على أنه من الفعل اللازم، استصعب: أي صعب. والفتح: من قولك استصعبت الأمر: وجدته صعبًا.
يقول: لا يتعذر عليه ما يريده، حتى لو كان قرن الشمس ماء لأورد خيله منه.
لذلك سمّى ابن الدّمستق يومه مماتًا، وسمّاه الدّمستق مولدًا
الهاء في يومه لابن الدمستق، وفي سماه لليوم، وقوله: لذلك إشارة إلى البيت الذي قبله: أي أنه أسر ابن الدمستق، لأنه يصل إلى كل أمر صعب بخيلة، فسمى ابن الدمستق اليوم الذي أسر فيه مماتًا؛ لأنه دنا من الموت، وأيس من الحياة، وسماه أبوه: مولدًا؛ لأنه قد نجا من القتل والموت، فكأنه ولد في ذلك اليوم، أو كأنه عاد إلى الدنيا، بعد أن خرج منها.
سرت إلى جيحان من أرض آمدٍ ثلاثًا؛ لقد أدناك ركضٌ وأبعدا
جيحان: نهر في بلاد آمد مسافته بعيدة.
يقول: سريت من آمد إلى جيحان في ثلاث ليال، مع بعد المسافة بينهما، قاله متعجبًا. ثم قال: لقد أدناك الركض من جيحان؛ وأبعدك من آمد.
وعن ابن جني قال: أدناك من جيحان، وأبعد أولئك القوم من جيحان؛ مخافةً منك، فيكون مفعول أبعد محذوفًا.
فولّى وأعطاك ابنه وجيوشه جميعًا ولم يعط الجميع لتحمدًا
يقول: ولى الدمستق لما رآك، وأسلم ابنه وجيشه إليك، ولم يعط جميع ما قلت لتحمده عليه؛ لأنه لم يعطك عن طيب نفس واختيار منه حتى تحمده، ولكن كان ذلك على رغم منه: قهرًا وقسرًا.
عرضت له دون الحياة وطرفه وأبصر سيف الله منك مجرّدا
يقول: لما رآك غلب على قلبه الخوف، وعلى عينه الحيرة، فلم تر عينه غيرك، وحلت بينه وبين حياته، فصار كالميت؛ لبطلان حواسه.
وجعله سيف الله؛ لأنه مجاهد في سبيله ودينه. وروى: وطرقه أي حلت بينه وبين طريقه إلى الحياة.
وما طلبت زرق الأسنّة غيره ولكنّ قسطنطين كان له الفدا
الفدا إذا فتح: يقصر، وإذا كسر: يمد.
يقول: لم تطلب الرماح إلا الدمستق ولكن نجا هو وصار ابنه فداءً له.
فأصبح يجتاب المسوح مخافةً وقد كان يجتاب الدّلاص المسرّدا
يجتاب: أي يلبس المسوح ويدخل فيها. والمسوح: جمع مسح. والدلاص: الدرع الصافية البارقة. والمسرد: المحكم النسج.
يقول: إن الدمستق لما نجا ترهب خوفًا من سيف الدولة، ولبس المسوح السود، وقد كان يلبس الدروع ويباشر الحروب فترك ذلك.
ويمشي به العكّاز في الدّير تائبًا وما كان يرضى مشى أشقر أجردا
العكاز، والعكازة: العصا. والدير للرهبان، كالصوامع للعباد.
[ ١ / ٣٠٩ ]
يقول: لما عجز عن المقاتلة كانت تحمله العصا في الدير؛ لأنه قد ضعف ومرض خوفًا، وأظهر التوبة، وكان قبل ذلك لا يرضي أن يحمله الفرس الأشقر الأجرد، لأنه على ما يقال: يكون أصبر على السير.
وما تاب حتّى غادر الكرّ وجهه جريحًا وخلّى جفنه النّقع أرمدا
يقول: لم يتب اختيارًا وزهدًا في الدنيا، ولكن لما تركت وجهه جريحًا، وأسرت ابنه، وجعل الغبار عينه أرمد، خاف على نفسه فترهب.
فإن كان ينجي من عليٍّ ترهّبٌ ترهّبت الأملاك مثنى وموحدا
يقول: إن كان كل من يترهب ينجو من سيف الدولة، فإن جميع الملوك يترهبون اثنين اثنين، وواحدًا واحدًا ومثنى وموحد نصب على الحال.
وكلّ امرئٍ في الشّرق والغرب بعدها يعدّ له ثوبًا من الشّعر أسودا
وكل امرئ بعدها: أي بعد حالة الدمستق. وقيل: بعد الوقعة والهاء في له لامرئ، أي يعد لنفسه.
يقول: إن كان ينجيه ترهبه، فكل أحد بعد هذا - في الشرق والغرب - يجعل لنفسه مسحًا أسودًا ليلبسه. يعني لا ينفعه ذلك.
هنيئًا لك العيد الّذي أنت عيده وعيدٌ لمن سمّى وضحّى وعيّدا
هنيئًا: نصب على الحال، والعيد: رفع بفعل مضمر يدل عليه هنيئًا: أي ثبت العيد لك هنيئًا.
يقول: هنأك هذا العيد الذي أنت عيد له، لأنه يتجمل بك ويسر بكونك فيه، كما يتجمل الناس في العيد، وأنت أيضًا عيد لكل مسلم يرى هذا اليوم عيدًا، فيضحي ويذكر اسم الله تعالى في أيامه.
وقيل: أراد هذا العيد عيد لكل من سمى وضحى، وجعله عيدًا: أي عيد لكل مسلم.
ولا زالت الأعياد لبسك بعده تسلّم مخروقًا وتعطي مجدّدا
يقول: لا زلت بعده تلقى أعيادًا كثيرة وتلبسها، فإذا أبليت عيدًا ملبوسًا، لبست عيدًا جديدًا.
فذا اليوم في الأيّام مثلك في الورى كما كنت فيهم واحدًا كان أوحدا
يقول: هذا اليوم في الأيام بمنزلتك من الأنام، فهو سيد الأيام وأوحدها، كما أنك أوحد الناس وسيدهم.
هو الجدّ حتّى تفضل العين أختها وحتّى يكون اليوم لليوم سيّدا
يقول: البخت يسعد كل شيء، حتى الأيام، فيصير اليوم سيدا لليوم، والعين قيل: أراد بها العين الحقيقية. يعني: أن البخت ربما يجعل إحدى العينين أفضل من الأخرى؛ لما يلحق الأخرى من الآفة والنقص فتصير دونها. وقيل: أراد بالعين قول القائل هذا عين الشيء.
أي قد يكون عينان من ثوبين أو درتين وغيرهما - وإن كانا من جنس واحد - تفضل إحداهما على الأخرى؛ لما لها من الحظ، فتكون أوقع في النفس وأعظم للحظ.
فواعجبًا من دائلٍ أنت سيفه أما يتوقّى شفرتي ما تقلّدا
الدائل: صاحب الدولة.
يقول: ما أعجب أمر الخليفة؟! حيث جعلك سيفه، كيف لا يخافك فأنت أقوى منه سلطانا؟!
ومن يجعل الضّرغام للصّيد بازه تصيّده الضّرغام فيما تصيّدا
يقول أنت كالأسد، فإذا جعلك الخليفة بازه، كان قد وضع الشيء في غير موضعه! لأن الأسد لا يصيد لأحد، وإنما يصيد لنفسه، فمن جعله بازه كان آخر أمره أن يعطف عليه يومًا فيجعله من جملة صيده، فكذلك الخليفة، ربما عطفت عليه فأقمته عن ملكه وقعدت مكانه، فيصير صيدًا لك.
ومن شرط ويجعل مجزوم به وكان يجب جزم قوله: تصيده لكن حمله على التقديم والتأخير: أي تصيد الضرغام فيما تصيد، من يجعل الضرغام للصيد بازه كقول الشاعر:
إنّك إن تصرع أخاك تصرع
أي إنك تصرع إن تصرع أخاك. وقال أبو الفتح بن جني: قلت له: لم جعلت من في قولك ومن يجعل شرطًا صريحًا؟ وهلا جعلته بمنزلة الذي، وضمنت الصلة معنى الشرط حتى لا تركب الضرورة، نحو قوله تعالى: " الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوَالَهُمُ باللَّيْلَ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلاَنِيةً فَلهُمْ أجْرُهُم ". فقال: هذا يرجع إلى معنى الشرط والجزاء وإنما جئت بلفظ الشرط صريحًا؛ لأنه أوكد وأبلغ، قال: وأردت الفاء في قوله تصيده وحذفتها وهذا جائز.
رأيتك محض الحلم في محض قدرةٍ ولو شئت كان الحلم منك المهنّدا
يجوز أن يكون متصلًا بما قاله: أي أنك مع قدرتك الظاهرة تعامل الخليفة بالحلم. ولو شئت جعلت مكان الحلم السيف، ويجوز ألا يكون متصلًا به. أي حلمك عن الجهال عن قدرة، ولو شئت جعلت مكانه سيفًا.
[ ١ / ٣١٠ ]
وما قتل الأحرار كالعفو عنهم ومن لك بالحرّ الّذي يحفظ اليدا؟!
يقول: إذا قدرت على حر فعفوت عنه، فكأنك قتلته؛ لأنه لا يقدر بعد ذلك على محاربتك، حياءً من إحسانك إليه؛ ولكن أين ذلك الحر الذي يحفظ النعمة ويشكرها؟! وقوله: ومن لك أي من يطلب لك الحر الذي يحفظ اليد.
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته وإن أنت أكرمت اللّئيم تمرّدا
يقول: إذا أكرمت الكريم وأحسنت إليه، فقد ملكته بإحسانك، وصار عبدك، وإذا أكرمت اللئيم كفر نعمتك، ولم يشكر إحسانك! وظن أنك أكرمته خوفًا منه، فتمرد عند الإحسان للؤم طبعه.
ووضع النّدى في موضع السّيف بالعلا مضرٌّ، كوضع السّيف في موضع النّدا
يقول: الإحسان إلى من يستحق السيف، مثل الإساءة إلى من يستحق الإحسان، في أن كل واحد منهما يقدح بالعلا ويضر بالملك وهذه الأبيات تعريض بالخليفة.
يقول: إذعانك له مع قدرتك عليه، حكم موضوع في غير موضعه، لأنه لا يعرف حق ذلك، ويعد ذلك يدًا عليه. ومثله لآخر:
من لم يكن للوصال أهلًا فكلّ إحسانه ذنوب
ولكن تفوق النّاس رأيًا وحكمةً كما فقتهم حالًا ونفسًا ومحتدا
يقول: أنت أصوب الناس رأيًا، وألطفهم حكمةً، كما أنك أحسنهم حالًا، وأشرفهم نفسا، وأكرمهم أصلًا.
ومعناه: أنك تفعل ما هو في الظاهر وضع الشيء في غير موضعه، ولكن لا اعتراض عليك؛ لأن رأيك أصوب الآراء، فلعلك رأيت فيه ما خفي على غيرك.
وقيل: إن معناه وضع الندى في موضع السيف يضر بالعلا، ولكنك لا تفعل شيئًا من ذلك، فلا تضع الندى إلا في موضعه، وكذلك السيف، لأن رأيك أصوب الآراء.
يدقّ على الأفكار ما أنت فاعلٌ فيترك ما يخفي ويؤخذ ما بدا
يقول: إن ما تفعله من المكارم والعجائب لا تحيط به أفكار الشعراء، فيذكرون ما ظهر لهم، ويتركون ما خفى عيهم.
أزل حسد الحسّاد عنّي بكبتهم فأنت الّذي صيّرتهم لي حسّدا
يقول: أزل عني حسد الحساد، بأن تكبتهم وتذلهم، بالازدياد في الإحسان إلي والرفع من منزلتي لديك، فإنك أنت الذي جعلتهم حسادًا لي، إذ أعطيتني وقربت منزلتي عندك، حتى حسدوني على ذلك.
إذا شدّ زندي حسن رأيك في يدي ضربت بنصلٍ يقطع الهام مغمدا
يقول: إذا قربتني منك، وأعنتني بحسن رأيك، فلا أبالي بحسد الحساد، بل أقتلهم بأهون سعي، فعبر عن ذلك بالمغمد: الذي لا يعمل.
وما أنا إلاّ سمهريٌّ حملته فزيّن معروضًا وراع مسدّدا
المسدد: المشرع.
يقول: إنما أنا جمال مجلسك، وزين حضرتك، وأنا لك بمنزلة الرمح، تحمله يزينك، ويردع أعداءك في حربك، كذلك أنا أنشر مكارمك وأزين مجلسك وإذا حملتني إلى القتال قاتلت أعداءك.
وما الدّهر إلاّ من رواة قلائدي إذا قلت شعرًا أصبح الدّهر منشدا
أراد بالقلائد: القصائد، وقد رويت أيضًا.
يقول: إن الدهر من جملة رواة قصائدي، فإذا قلت شعرًا سار في الآفاق وبقى على الأيام، فصار كأن الدهر يرويه وينشده. وقيل: أراد به أهل الدهر. أي الناس كلهم يروون شعري وينشدونه.
فسار به من لا يسير مشمّرًا وغنّى به من لا يغنّي مغرّدا
يقول: يسير بشعري من ليس عادته السير، يهديه إلى غيره، وكذلك يغني به تطريبًا وتغريدًا من لم يكن شأنه الغناء، لحسنه وموافقته للطباع، فيحمل كل سامع على الاستماع، ويحمل كل أحد على الإنشاد.
أجزني إذا أنشدت مدحًا فإنّما بشعري أتاك المادحون مردّدا
مرددًا: منصوب على الحال من قوله: بشعري.
يقول: إذا أنشدك الشاعرون المدائح فأعطني الجائزة، فإني أحق منهم بها، لأنهم أخذوا المعاني من شعري ورددوها فيك، فكأنهم أتوك بشعري ونسبوه إلى أنفسهم.
وروى أن شاعرًا مدح الصاحب بقصيدة سرق فيها أبياتًا من شعره، فوقع على ظهرها هذه بضاعتنا ردت إلينا.
ودع كلّ صوتٍ بعد صوتي فإنّني أنا الصّائح المحكيّ والآخر الصّدي
وروى: أنا الشاعر المحكي بدل الصائح.
يقول: لا تلتفت إلى الشعراء غيري؛ لأنهم يسرقون أشعارهم من أشعاري، فأنا الصائح الذي يحكي صوته، وهم كالصدى.
وقيل: معناه لا تسمع إلى قول غير قولي، فإن ما عداه هذيان، كالصدى من الصياح.
[ ١ / ٣١١ ]
تركت السّرى خلفي لمن قلّ ماله وأنعلت أفراسي بنعماك عسجدا
يقول: أغنيتني بعطاياك، حتى قعدت عن السرى طلبًا للغنى، وتركت السرى لمن هو قليل المال، وكثر لي الذهب حتى أنعلت به خيلي. وهذا كما قيل في المثل: من كثر ذهبه طلي به استه وقيل: إن سيف الدولة كان وهب له فرسًا منعلًا بالذهب فذكره.
وقيّدت نفسي في ذراك محبّةً ومن وجد الإحسان قيدًا تقيّدًا
محبةً: نصب لأنه مفعول له.
يقول: أحسنت إلي، فأقمت عندك، وصار إحسانك لي قيدًا يمنعني عن الأسفار.
إذا سأل الإنسان أيّامه الغنى وكنت على بعدٍ جعلنك موعدا
يقول: إذا طلب أحد من الأيام أن تعينه، وكنت بعيدًا عنه. قالت له الأيام: إذا بلغت سيف الدولة استغنيت. وقوله: وكنت على بعد إشارة إلى أن هذا الوعد من الأيام إنما يكون لمن بعد عنك، فأما القريب فقد أغنيته فلا يحتاج إلى السؤال.
وجرى ذكر ما بين العرب والأكراد من الفضل، فقال سيف الدولة ما تقول وتحكم في هذا يا أبا الطيب؟ فقال:
إن كنت عن خير الأنام سائلًا
فخيرهم أكثرهم فضائلا
يقول: إن كنت تسألني عن خير الناس، فإن خيرهم من كانت فضائله أكثر، ثم بين من بعد. وفضائلا نصب على التمييز.
من أنت منهم يا همام وائلا
الطّاعنين في الوغى أوائلا
لم يصرف وائل لأنه اسم القبيلة، فهي معرفة مؤنثة؛ والطاعنين، وما بعده خبر، لأنه صفة لوائل وهي في موضع جر. وقيل: نصب على المدح.
يقول: خير الناس العرب الذين أنت منهم يا سيد وائل، وهم الذين يطعنون في الحرب أوائل الخيل في المعركة، فهم الشجعان لأنه يسبق إلى الطعان إلا الشجاع. وقيل: أراد بالأوائل. الوجوه والصدور، أي أنهم يطعنون وجوه الأعداء وصدورهم، فيكون نصبًا على المفعولية.
وقيل: معناه أنهم يطعنون الأبطال أولا. أي يتقدمون إلى الأقران. ونصبه حينئذ على الحال.
والعاذلين في النّدى العواذلا
قد فضّلوا بفضلك القبائلا
العاذلين: عطف على الطاعنين.
يقول: إذا عذلهم العواذل على السخاء عذلوهن على عذلهن، ثم بين أن قبيلته قد فضلوا سائر القبائل بسبب فضله ومآثره.
وجلس سيف الدولة لرسول ملك الروم في صفر سنة ثلاث وأربعين وثلاث مئة فحضر أبو الطيب فوجد دونه زحمة شديدة، فثقل عليه الدخول فاستبطأه سيف الدولة فقال ارتجالًا:
ظلمٌ لذا اليوم وصفٌ قبل رؤيته لا يصدق الوصف حتّى يصدق النّظر
ظلم نكرة مفيدة، والوصف: خبره.
يقول: إن وصفت هذا اليوم قبل مشاهدة الحال فقد ظلمته، ولم أقدر على وصفه على الحقيقة إلا بعد المشاهدة، وإنما قال ذلك: تعظيمًا لليوم، وأنه لا يحيط به العيان.
تزاحم الجيش حتّى لم يجد سببًا إلى بساطك لي سمعٌ ولا بصر
أي ازدحم الجيش عليك، حتى لم يبنك بصري من كثرة الناس في بساطك، وكثرت الأصوات حتى لم أسمع كلامك.
فكنت أشهد مختصٍّ وأغيبه معاينًا، وعياني كلّه خبر
المعنى: كنت حاضرًا، وكأني كنت غائبًا؛ للازدحام، فلم يمكنني مشاهدة الحال، وكتب معاينًا، وكان عياني خبرًا؛ لشدة الزحمة وكثرة الناس.
اليوم يرفع ملك الرّوح ناظره لأنّ عفوك عنه عنده ظفر
يقول: إذا أجبته إلى الصلح أمن وزال منه الخوف، فيرفع طرفه؛ لأن عفوك عنه يقوم له مقام الظفر في هذه المرة.
وإن أجبت بشيءٍ عن رسالته فما يزال على الأملاك يفتخر
يقول: إن كتبت إليه جواب كتابه، افتخر بذلك على ملوك زمانه، وتشرف به على جميع أقرانه.
قد استراحت إلى وقتٍ رقابهم من السّيوف وباقي النّاس ينتظر
يقول: استراحت بهذا الصلح رقاب الروم عن السيوف، وانتظر سيوفك باقي الناس من الأعداء؛ لأنهم كانوا آمنين ما دمت مشتغلًا بغزو الروم، فالآن يخافونك أن تقاتلهم.
وقد تبدّلها بالقوم غيرهم لكي تجمّ رءوس القوم والقصر
الهاء في تبدلها للسيوف، والقوم. هم الروم. وغيرهم: نصب بتبدلها.
يقول: تبدل سيوفك وتنقلها من رقاب الروم إلى غيرهم، لتستريح رقابهم من ضرب السيوف، وهذا عادتك إذا أدمت القتل في قوم وأقللتهم تقلب سيوفك إلى قوم آخرين لتريحهم، فإذا كثروا واجتمعوا عاودتهم القتل وأبدتهم.
[ ١ / ٣١٢ ]
تشبيه جودك بالأمطار غاديةً جودٌ لكفّك ثانٍ ناله المطر
يقول: إذا شبهنا جودك بالأمطار، وصار ذلك مدحًا للمطر، وكأن هذا، تشبيه جودك، ثانيًا منك على المطر وغادية: نصب على الحال من الأمطار.
تكسّب الشّمس منك النّور طالعةً كما تكسّب منها نورها القمر
طالعةً: نصب على الحال.
يقول: الشمس تأخذ من نورك، كما أن القمر يأخذ من نور الشمس. أي أنك للشمس شمس، كالشمس للقمر.
وقال أيضًا يمدحه ويذكر مجيء الرسول من عند ملك الروم، ودخلوه عليه، في شهر ربيع الأول سنة ثلاث وأربعين وثلاث مئة.
دروعٌ لملك الرّوم هذي الرّسائل يردّ بها عن نفسه ويشاغل
هذي الرسائل: مبتدأ، ودروع: خبره.
يقول: هذه الرسائل تقوم للملك مقام الدروع، يحفظ بها نفسه، ويرد الموت عنه، ويشاغلك عن قتاله، ويدفعك عن قصده، ريثما يرجع رسوله إليه.
هي الزّرد الضّافي عليه ولفظها عليك ثناءٌ سابغٌ وفضائل
الزرد: حلق الدروع، والضافي: السابغ التام.
يقول: هذه الرسائل دروع سابغة، يلبسها ملك الروم؛ يدفع بها عن نفسه. ولفظها ثناء عليك وفضائل لك، فكأنها دروع له من حيث الباطن، وثناء لك من حيث الظاهر.
وأنّى اهتدى هذا الرّسول بأرضه وما سكنت مذ سرت فيها القساطل
أنى: بمعنى كيف وأين، والقساطل: هو الغبار. والهاء في بأرضه للرسول وفي فيها لأرضه.
يقول: كيف اهتدى هذا الرسول في طرقه وهي مظلمة؟! بغبار الخيل وقتام الحرب، وما سكن بعد ذلك الغبار!
ومن أيّ ماءٍ كان يسقى جياده ولم تصف من مزج الدّماء المناهل؟!
المنهل: موضع الشرب من الوادي، وأصله النهل.
يقول: من أي ماء كان يسقى خيله، وكل ماء كان ممزوجًا بدما القتلى.
أتاك يكاد الرّأس يجحد عنقه وتنقدّ تحت الذّعر منه المفاصل
يقول: أتاك هذا الرسول، وقد امتلأ قلبه ذعرًا، مما شاهد من إيقاعك بأصحابه، حتى يكاد رأسه يجحد عنقه: أي يفارقه، وتنقد مفاصله وتتقطع، من عظم خوفه منك؛ مما شاهده وتحقق من عاداتك في قتلهم.
يقوّم تقويم السّماطين مشيه إليك إذا ما عوّجته الأفاكل
السماطان: صفان من الرجال يمتدان بين يدي السلطان. والتقويم: رفع لأنه فاعل يقوم ومفعوله: مشيه، والأفاكل: جمع الأفكل، وهو الرعدة.
يقول: كان يرتعد عند مشيه إليك، فقوم مشيته تقويم السماطين.
فقاسمك العينين منه ولحظه سميّك والخلّ الّذي لا يزايل
منه: أي من الرسول، وكذلك لحظه: أي لحظ الرسول. وفاعل قاسمك: سميك، والمراد به: السيف.
يقول: قسم سيفك عيني الرسول بينك وبينه، فكان ينظر بإحدى عينيه إليك، وبالأخرى إلى سيفك، لأنه كان يخاف منك أن تأمر بقتله، ومن سيفك أن تقتله به.
أو كان ينظر إليك ويرى كرم أخلاقك فيطمع في عفوك، وإذا نظر إلى سميك خاف بأسه، فقسم عينيه بينكما، ءيرجو ويخاف، وهذا السمى: هو خليلك الذي لا يزايلك.
وأبصر منك الرّزق والرّزق مطمعٌ وأبصر منه الموت والموت هائل
يقول: إذا نظر إليك طمع في الحياة؛ بما يشاهد من مخايل جودك، وأمل عفوك، وإذا نظر إلى سيفك عاين فيه الموت، لما هاله من هيبتك. والواو في قوله والرزق مطمع والموت هائل للحال.
وقيل: معناه رأى أرزاق كثير من الناس تحت يديك، فأطمعه ذلك في أن يكون من جملة القوم، ورأى حتف كثير منهم بسيفك، فهاله ذلك.
وهذا البيت يدل على المعنى الثاني الذي ذكرناه في البيت الذي قبله.
وقبّل كمًّا قبّل الأرض قبله وكلّ كميٍّ واقفٌ متضائل
المتضائل: المخفي شخصه من الجبن والفزع، وقيل: هو المنقبض. والواو في قوله: وكل كمي للحال.
يقول: لما وصل الرسول إليك قبل أولًا الأرض بين يديك، ثم قبل كمك، والأبطال قيام بين يديك، قد تضاءلوا هيبة لك، وأخفوا أنفسهم إجلالًا لك.
وأسعد مشتاقٍ وأظفر طالبٍ همامٌ إلى تقبيل كمّك واصل
أسعد: مبتدأ. وأظفر: عطف عليه، وهمام: خبره.
يقول: ملك وصل إلى تقبيل كمك هو أسعد مشتاق وأظفر طالب لحاجة، ولا مزيد على ما ناله من الشرف.
مكانٌ تمنّاه الشّفاه ودونه صدور المذاكي والرّماح الذّوابل
[ ١ / ٣١٣ ]
يقول: إن كمك وتقبيله، مكان تتمنى الشفاه الوصول إليه، وتريد الملوك تقبيله ولكنهم لا يصلون إليه.
فما بلّغته ما أراد كرامةٌ عليك، ولكن لم يخب لك سائل
كرامة: فاعل بلغته، والمفعول الأول الهاء والثاني ما.
يقول: لم يبلغ الرسول إلى ما بلغه من تقبيل كمك كرامته عليك؛ لأنه كافر وأنت تبغضه وتستخف به، ولكن لما سألك أن تمكنه من ذلك لم تخيبه، إذ عادتك ألا تخيب سائلك.
وأكبر منه همّةً بعثت به إليك العدى واستنظرته الجحافل
روى: أكبر بالرفع والنصب.
فالرفع: على أنه اسم المبالغة والمعنى: على أن همة الرسول وإن كانت كبيرة في قدومه عليك، فأكبر همة منه، العدى حيث بعثوا به إليك، وسألوه أن يؤخر عنهم القتال؛ لشغله إياك عنهم، والاستنظار: طلب النظر، وهو التأخير.
والنصب: يحتمل معنيين: أحدهما: أن يكون اسمًا كالأول ومعناه: رب رسول أكبر من هذا الرسول همة، وأعلى منه قدرًا، جاءك رسولًا، واستنظرته الجحافل، كما استنظرت هذا الرسول، ثم رجع إليهم وهو يعذلهم على مخالفتهم أمرك. فعلى هذا يكون البيت الذي بعده من تمامه.
والمعنى الثاني: أن يكون أكبر فعلًا ماضيًا، وفاعله العدى وهمة مفعوله. والمعنى: أن العدى أكبروا واستعظموا همةً بعثت هذا الرسول إليك، وأقدمته على الدنو منك، واستنظرت هذا الرسول الجحافل على ما بيناه
فأقبل من أصحابه وهو مرسلٌ وعاد إلى أصحابه وهو عاذل
يقول: هذا الرسول جاء من أصحابه رسولًا، ثم عاد إليهم يعذلهم على ترك طاعتك؛ لما رآه من عظم شأنك.
تحيّر في سيفٍ ربيعة أصله وطابعه الرّحمن والمجد صاقل
ربيعة: ابن نذار، وإليه ينسب سيف الدولة.
لما رآك تحير فيك؛ لأنه رأى سيفًا لا كالسيوف، إذ السيف أصله الحديد، وطابعه الحداد، وصاقله الصيقل، وأنت أصلك من ربيعة، والرحمن طابعك، والمجد صاقلك.
وما لونه ممّا تحصّل مقلةٌ ولا حدّه ممّا تجسّ الأنامل
يقول: لون هذا السيف لا يدركه النظر، ولا تحققه المقلة، ولا يمكن الناظرين أن يملئوا أعينهم منه، هيبةً له، وكذلك ليس حده مما يمكن أن يختبر باللمس كما يحس ويضبط سيف الحديد. فتحير هذا الرسول في سيف هذه صفته.
إذا عاينتك الرّسل هانت نفوسها عليها وما جاءت به والمراسل
المراسل: ملك الروم. والرسل: الرسل. وما جات به: الرسالة.
يقول: إذا رأتك الرسل استحقروا أنفسهم، واستحقروا ما جاءوا به من الرسالة، واستحقروا صاحبهم الذي أرسلهم إليك؛ لما يرون من هيبتك وعلو شأنك.
رجا الرّوم من ترجى النّوافل كلّها لديه وما ترجى لديه الطّوائل
النوافل: العطايا، واحدتها نافلة. ومن ترجى: هو سيف الدولة يرجى منه كل عطية وصلة، ويوصل إلى كل مراد، إلا إدراك الثأر، فإنه لا يوصل إليه منه.
فإن كان خوف القتل والأسر ساقهم فقد فعلوا ما القتل والأسر فاعل
يقول: إن كان الذي ساقهم إليك لطلب الصلح والأمان، هو الخوف من القتل والأسر، فقد فعلوا في مجيئهم إليك ما يفعله الأسر والقتل، من الذل والاستكانة؛ لأنهم إنما جاءوك خوفًا، فصاروا مقتلين مأسورين.
فخافوك حتّى ما لقتلٍ زيادةٌ وجاءوك حتّى ما تزاد السّلاسل
ما نفي في الموضعين.
يقول: خوفهم منك قام لهم مقام القتل، فليس للقتل زيادة على ما أصابهم، وكذلك جاءوك مستسلمين في أمرهم طائعين كالأسارى، حتى لا يحتاج معهم إلى السلاسل؛ لأن الأسير إنما يشد إذا خيف عليه الهر.
والمصراع الأول مثل:
وإلاّ فأعلمه بأنّك ساخطٌ ودعه فإنّ الخوف لا شكّ قاتله
أرى كلّ ذي ملكٍ إليك مصيره كأنّك بحرٌ والملوك جداول
يقول: كل ملك يصير إلى حضرتك، وينضاف ملكه إلى مملكتك، فكأنك بحر وهم جداول تنصب إلى البحر.
إذا مطرت منهم ومنك سحائبٌ فوابلهم طلٌّ وطلّك وابل
الوابل: أشد المطر. والطل: أضعفه.
يقول: إنك تزيد على الملوك في كل حال، فكثير عطاياهم إذا قيست إلى عطاياك قليل، بمنزلة الطل من الوابل، وقليلها منك إذا قيس إلى عطاياهم كثير، كالوابل من الطل.
كريمٌ متى استوهبت ما أنت راكبٌ وقد لقحت حربٌ، فإنّك نازل
لقحت حرب: اشتدت.
[ ١ / ٣١٤ ]
يقول: أنت كريم بحيث لو سألك سائل في شدة الحرب فرسك الذي أنت راكبه، لنزلت عنه ووهبته له!
أذا الجود أعط النّاس ما أنت مالكٌ ولا تعطينّ النّاس ما أنا قائل
أذا الجود: أي يا ذا الجود، والألف للندى.
يقول: الشعر الذي أقوله لا يشركني فيه أحد.
وقيل: أراد لا تقبل منهم.
يقول: يا ذا الجود أعط الناس ما أنت مالك من المال، ولا تعطهم ما اختص به. من القصد لمكان يسرقونه من شعري في مدائحك، ولا تعطهم عليه الجائزة، فإني أنا القائل لذلك في الحقيقة.
وقيل: أراد لا تمكن الناس من مكارمك التي أذكرها في شعري، بل كن أبدًا متفردًا بها.
وقيل: معناه لا تحملني على مدح غيرك، فتكون قد تركت شعري للناس.
وقيل: أراد لا تمكن الناس من شعري فيسرقوا معانيه ويفسدوه.
وهذا لا معنى له، إذ لا معنى لسؤاله إياه ستر شعره، ومنعهم من سرقة معانيه؛ لأن ذلك يكون سؤالًا لكتمان فضله، وطلبًا لإخفاء ذكره.
أفي كلّ يومٍ تحت ضبني شويعرٌ ضعيفٌ يقاويني قصيرٌ يطاول؟!
الضبن: الحضن، وهو ما تحت اليد من الجنب. ويقاويني: من القوة. ويطاول: من الطول.
يقول: لا أزال أرى كل يوم شويعرًا هو ضعيف، ومع ذلك يفاخرني في القول، وهو قصير يطاولني بقصره، أي يباريني ولا يقاومني.
وقيل: هذا تعريض بالنامي، وقيل: بابن نباتة. وقيل: أراد غيرهما من شعراء سيف الدولة.
لساني بنطقي صامتٌ عنه عادلٌ وقلبي بصمتي ضاحكٌ منه هازل
يقول: لساني مع كوني ناطقًا قادرًا على الكلام صامت عن هذا الشويعر، وعادل عنه لقلته وقلة مبالاتي به. وقلبي ضاحك منه ومن جهله مع صمتي عن إجابته. يعني أضحك منه في نفسي وإن لم أنطق بالكلام.
وأتعب من ناداك من لا تجيبه وأغيظ من عاداك من لا تشاكل
وروى: أيضًا من ناوأك من المناوأة وهي: المعاداة وناداك أولى لقوله: لا تجيبه ولقوله بعده من عاداك.
يقول: أشد الناس تعبًا في ندائه من ناداك وأنت لا تجيبه، بل تجعل السكوت جوابه، وأشدهم غيظًا من عاداك وهو دونك في العمل، فيعجز عن مقاومتك.
وقيل: أراد إذا دعاك من هو دونك غاظك ذلك منه.
وما التّيه طبّى فيهم غير أنّني بغيضٌ إليّ الجاهل المتعاقل
التيه: الكبر. وطبى: أي عادتي. وعدمي.
يقول: ليس دائي الكبر، ولم يكن ترك جوابه كبرًا وتيهًا، غير أني أبغض الجاهل المتكلف للعقل والفضل، وكرهت مجاوبته رفعًا لنفسي عن مقاومته.
وأكثر تيهي أنّني بك واثقٌ وأكثر مالي أنّني لك آمل
يقول: أكثر تيهي أني واثق بك؛ لأنك لا تقبل على قول حاسد، ولا يخفي عليك تمويه مموه، وأنك تعرف فضلي فتوفيني ما أستحقه من المنزلة. وأكثر مالي، هو أملي إياك ورجائي فيك، إذ لا تخيب آمليك.
لعلّ لسيف الدّولة القرم هبّةً يعيش بها حقٌّ ويهلك باطل
هبةً: أي نشاطًا واهتزازًا.
يقول: أرجو أن يكون منه هزة في أمري مع غيري من الشعراء الذين ينازعون فضلي، ليظهر الحق ويهلك الباطل، وهو التمويه والكلام المسروق، أو يقتل أعدائي، فأستريح منهم.
وقيل: أراد لعل له هزة وحركة يأخذ بها الروم كلها فيهلكها، فينصر فيها الحق، ويهلك الباطل: وهو الكفر.
رميت عداه بالقوافي وفضله وهنّ الغوازي السّالمات القواتل
يقول: رميت أعداءه بقصائدي في سيف الدولة، وفضله فيها، فقتلتهم بها حسدًا وغيظًا، وهذه القوافي أسلم من الخلل والفساد من السيوف والرماح؛ لأنهم لم يجدوا في شعري مطعنًا، ولا لفضائله مدفعًا.
وقد زعموا أنّ النّجوم خوالدٌ ولو حاربته ناح فيها الثّواكل
يقول: الناس يزعمون أن النجوم مخلدة لا يلحقها فناء، وليس كما زعموا، فإنها لو حاربته لقتلها وناح عليها من يثكلها.
وقيل: أراد لو قصدته بنحس لأبطل نحوستها وأفناها، فيبطل قول من قال: إنها خوالد.
وما كان أدناها له لو أرادها وألطفها لو أنّه المتناول
يقول: إن النجوم تقرب له إذا أرادها، غاية القرب، ولو أراد أن يتناولها لكانت أقرب الأشياء إليه.
قريبٌ عليه كلّ ناءٍ على الورى إذا لثّمته بالغبار القنابل
القنابل: جمع القنبلة وهي الجماعة من الخيل، قدر الخمسين فصاعد. ولثمته: أي شدت عليه اللثام.
[ ١ / ٣١٥ ]
يقول: إذا رام مرامًا بعيدًا سهل عليه الوصول إليه إذا دخل الحرب والتثم بغبار خيله، وإن كان بعيدا على من سواه.
تدبّر شرق الأرض والغرب كفّه وليس لها وقتًا عن الجود شاغل
روى: وقتًا نصبًا على الظرف. وروى: وقت فيكون اسم ليس وشاغل صفته.
يقول: إن كفه تدبر شرق الأرض وغربها، ولا يشغلها عن الجود شاغل وقتًا يعني أنه مع شغله بتدبر الأرض، لا يشتغل عن الجود ساعة واحدة، وعلى الرفع: أنه يملك الأرض، وليس وقت يشغله عن الجود.
يتّبغ هرّاب الرّجال مراده فمن فرّ حربًا عارضته الغوائل
الغوائل: الدواهي، وهي جمع غائلة، وفاعل يتبع: ضمير سيف الدولة. وحربًا: نصب لأنه مفعول له، وقيل: أصله من حرب فحذف من ونصبه.
يقول: إن سيف الدولة يجعل مراده طالبًا لكل من هرب منه، فمن فر منه خوفًا من محاربته، عارضته في طريقه - من قبل سيف الدولة - الغوائل والبلايا فأهلكته.
ويجوز رفع مراده فيكون هو فاعل يتبع ومعناه: أن مراده يتبع هراب الرجال ويطلبهم حتى يدركهم، فيكون اتبع وتبع بمعنى.
ومن فرّ من إحسانه حسدًا له تلقّاه منه، حيثما سار نائل
يقول: إن جوده عم الأرض، فمن حسده على إحسانه وهرب إلى موضع لا يرى فيه إحسانه ولا يسمع به، رأى منه في كل مكان نائلًا، وسمع حيثما كان بذكر جوده وعطاياه، فلا يمكنه الفرار منه أبدًا.
فتى لا يرى إحسانه وهو كاملٌ له كاملًا حتّى يرى وهو شامل
الشامل: العام.
يقول: لا يرى إحسانه الكمل كاملًا، حتى يكون مع كماله عامًا شاملًا.
إذا العرب العرباء رازت نفوسها فأنت فتاها والمليك الحلاحل
العرباء والعاربة: القديمة. رازت: أي جربت، والحلاحل: السيد. وروى: فأنت قناها وروى فتاها يقول: إذا جربت العرب أنفسها، واختبرت أحوالها، علمت أنك سيدها وكريمها.
أطاعتك في أرواحها وتصرّفت بأمرك والتفّت عليك القبائل
يقول: إن العرب أطاعتك في أرواحها: أي لو أمرتها بقتل نفوسها لأطاعتك، وتصرفت العرب بأمرك، واجتمعت قبائلها عليك طاعة لك وانقيادًا.
وقيل: أراد أن أنسابهم أحدقت بنسبك، وأنت الواسطة فيهم.
وكلّ أنابيب القنا مددٌ له وما تنكت الفرسان إلاّ العوامل
عامل الرمح: قدر ذراعين من أعلاه. وتنكت: أي تسقط، يقال: نكته عن فرسه: أي أسقطه على رأسه.
يقول: أنت من العرب كالسنان من الرمح، وهم كالأنابيب تحته. والأنابيب تكون مددًا للسنان وعونا للرمح والغرض يحصل بالسنان: وهو الذي يتقدم في الحرب، فكذلك تتولى الحرب وتتقدم إليها كالسنان.
قال ابن جني: أردت أن أقول: وما ينكت بالياء، فأبى أبو الطيب ذلك وقال: أريد وما تنكت الأنابيب فلذلك أنثت وهذه لغة يقال: ما قامت إلا هند، أي ما قامت امرأة إلا هند، فكذلك تقديره: ما تنكت أنبوبة الفرسان إلا العوامل، واللغة الجيدة في مثل هذا الموضع إضمار وتذكير الفعل، فيقال: ما قام أحد إلا هند. وإضمار المؤنث أيضًا لغة.
رأيتك لو لم يقتض الطّعن في الوغى إليك انقيادًا، لاقتضته الشّمائل
يقول: لو لم يقد الناس إلى طاعتك الخوف من طعنك، لقادهم إليك كرم شمائلك.
ومن لم تعلّمه لك الذّلّ نفسه من النّاس طرًّا علّمته المناصل
يقول: من لم يتعلم لك الذل في الخضوع من ذلة نفسه، علمه السيف ذلك. يعني: من لم يذل لك طائعًا ذل قهرًا وجبرًا. ومثله الآخر.
فإن لّم تصل رحم ابن عمرو بن مرثدٍ يعلّمك وصل الرّحم عضبٌ مجرّب
وأنفذ سيف الدولة قول الشاعر، وهو أبو الأسود الدؤلي:
رأى خلّتي من حيث يخفى مكانها فكانت قذى عينيه حتّى تجلّت
وسأله إجازته فقال ورسوله واقف:
لنا ملكٌ ما يطعم النّوم، همّه مماتٌ لحيٍّ أو حياةٌ لميّت
تم الكلام عند قوله: ما يطعم النوم ثم ابتدأ فقال: همه معناه: أنه لهمته لا ينام، كما قال:
يؤرّقه فيما يشرفه الفكر
ثم قال: إن همه مقصور على إحياء الأولياء: يعني تخليصهم من الهلكة، وإماتة الأعداء.
ويكبر أن تقذى بشءٍ عيونه إذا ما رأته خلّةٌ بك فرّت
[ ١ / ٣١٦ ]
يقول: هو أكبر من أن يرى شيئًا مكروهًا تقذى به عينيه، ولكنه إذا رأته خلة الإنسان: أي فقره وحاجته فرت الخلة منه وبعدت.
فكأنه أراد أن يزيد على ما في البيت؛ لأن الشاعر. قال: رآى خلتي فكانت في عينيه كالقذى حتى أزلها عني: أي لم يزل يتألم بها حتى أزالها، كما يتألم من تسقط في عينه القذاة.
وهو يقول: هو أكبر من أن يرى شيئًا يؤلم عينيه، فهو يزيل خلة قاصده قبل أن يراه ويقذى هو بها.
جزى الله عنّي سيف الدولة هاشمٍ فإنّ نداه الغمر سيفي ودولتي
يقول: قد أصبح جوده لي سيفًا أصول به على حوادث الدهر، ودولتي حسنت معها. فجزاه الله عني في إحسانه علي وإسدائه النعم إلي. والغمر: الكثير.
وأحدث بنو كلاب حدثًا بنواحي بالس فسار سيف الدولة خلفهم وأبو الطيب معه، فأدركهم بعد ليال بين ماءين يعرفان بالغبارات والخرارات من جبل النسر فأوقع بهم ليلًا فقتل منهم وملك الحريم، فأبقى وأحسن إلى الحرم فقال أبو الطيب بعد رجوعه في جمادي الآخرة من سنة ثلاث وأربعين وثلاث مئة:
بغيرك راعيًا عبث الذّئاب وغيرك صارمًا ثلم الضّراب
العبث: الولوع بالشيء من غير معنى. وراعيًا: نصب على الحال من الضمير في قوله: بغيرك وقيل على التمييز: والراعي: الحافظ، وسمى الأمير راعيًا، لحفظه الناس. وغيرك: مفعول مقدم، نصبه ثلم وصارمًا نعت له، وقيل: المفعول صارما وغير نصب على الحال، فيكون التقدير: وثلم الضراب صارمًا غيرك، فلما تقدم نعت النكرة عليها انتصب على الحال.
يقول: مثلك لا يعبث به أحد في ممالكه، وإنما يعبث بغيرك من الملوك، الذين لا يقدرون على ضبط رعيتهم وحفظ نواحيهم.
وجعل الذئاب والراعي مثلا، فشبه بني كلاب حين عدوا عليه بالذئاب إذا تعرضت للراعي وحاولت الاختلاس من غنمه، كذلك إذا كسر الضراب السيوف، فإنما يكسر ما عداك منها، ولا يعمل فيك مع كونك سيفًا: أي أنك لا تمل من الحروب ولا يؤثر فيك مداومة الضرب.
وقيل: أراد نوائب الدهر وكيد الأعداء لا يعمل فيك. فكأنه قسم الناس ثلاثة أقسام: راع، وهو سيف الدولة وسائر الملوك، وذئاب: وهم بنو كلاب وغيرهم من الصعاليك وأهل الفساد، وغنم: وهم عامة الناس.
وتملك أنفس الثّقلين طرًّا فكيف تحوز أنفسها كلاب؟!
كلاب: قبيلة يقول: كيف تقدر بنو كلاب أن يحوزوا أنفسهم ويحصنوها بالفرار منك؟ وأنت تملك أرواح الثقلين!
وما تركوك معصيةً ولكن يعاف الورد والموت الشّراب
يعاف: أي يكره: والورد: الورود.
يقول: لم يفارقك هؤلاء قصدًا منهم إلى معصيتك، ولكن خافوا سطوتك وقتلك؛ لأن الشراب إذا كان الموت، كره الورود عليه، فلا لوم عليهم في ذلك.
طلبتهم على الأمواه حتّى تخوّف أن تفتّشه السّحاب
يقول: لم يبق ماء في المفازة إلا طلبتهم عليه، حتى ظن السحاب أنك ترقى إله وتطلبهم فيه! وإنما ذكر السحاب لأنه يحتمل الماء، فجعله من جملة الأماكن التي تضمن المياه، وهذا مبالغة عظيمة.
فبتّ لياليًا لا نوم فيها تخبّ بك المسوّمة العراب
تخب: من الخبب، وهو أرفع السير. والمسومة: الخيل المعلمة.
يقول: إنك لم تنم ليالي تسري في طلبهم، تسرع بكم خيل عراب.
يهزّ الجيش حولك جانبيه كما نفضت جناحيها العقاب
شبه سير الجيش عن يمينه ويساره واهتزازه، بجناحي عقاب في طيرانها. وقيل: العقاب: ملك الطير، فشبه سيف الدولة بالعقاب؛ لكونه ملكًا، إلا أنه شبهه به في حال ما يكون في قلب العسكر والعسكر حوله يضطرب ويتحرك يمنة ويسرة، وجعل أصحاب اليمين أحد جناحيه، وأصحاب الشمال جناحه الآخر، وجعله في الوسط، كالعقاب التي نفضت جناحيها.
وتسأل عنهم الفلوات حتّى أجابك بعضها وهم الجواب
يقول: ما زلت تبحث عنهم فلاة فلاة، حتى وجدتهم في بعض الفلوات، فكأنك كنت تسأل عنهم الفلوات التي كانوا فيها، فصاروا كالجواب، لأنك أصبتهم.
فقاتل عن حريمهم وفرّوا ندى كفّيك والنّسب القراب
حريم الشيء: حقوقه، وما يحرم إضاعته من الأهل والنساء. والقراب: أبلغ من القريب. والندى: فاعل قاتل. والنسب: معطوف عليه.
[ ١ / ٣١٧ ]
يقول: إن ندى كفيك ونسبك القريب من هؤلاء، قام لهم مقام من يقاتل عن حريمهم حين فروا وإنما أثبت لهم قرب النسب؛ لأن سيف الدولة وهم، ينتسبون إلى أصل واحد، وهو معد بن عدنان وقد أشار إليه.
وحفظك فيهم سلفي معدّ وأنّهم العشائر والصّحاب
وروى: النساب وهو أصل النسب. الصحاب، جمع الصاحب، كقائم وقيام. وقيل: جمع صحب ككعب وكعاب. وقوله: سلفي معد أي إنهم من قبل آبائهم وأمهاتهم ينتسبون إلى معد بن عدنان.
يقول: قاتل عن حريمهم ندى كفيك والنسب القراب، وحفظك فيهم سلفهم في معد، وأنهم عشائرك وأصحابك.
تكفكف عنهم صمّ العوالي وقد شرقت بظعنهم الشّعاب
تكفكف: أي تكف وتصرف عنهم. وشرقت: أي امتلأت كما يشرق الإنسان بالماء. والظعن: النساء، الواحدة: ظعنية، وهي المرأة ما دامت في الهودج والشعاب: جمع شعب، وهو الطريق في الجبل.
يقول: رددت عنهم الرماح، وأمسكت عن قتلهم، لما فروا منك وظفرت بهم وقد امتلأت الشعاب من نسائهم وأموالهم.
وأسقطت الأجنّة في الولايا وأجهضت الحوائل والسّقاب
الولايا: جمع ولية، وهي شبيهة بالبرذعة، تطرح على ظهر البعير مما يلي سنامه. وأجهضت أرهقت وأتعبت حتى قامت، يقال، أجهضه: السير إذا أتعبه وأجهضت الناقة ولدها: أي اسقطت. والحوائل: جمع الحائل وهي التي لم تحمل في سنتها. وقيل الحائل الأنثى من ولد الناقة. والسقب: الذكر منها. وقيل السقب ولد الناقة ما دام صغيرًا.
يقول: إنهم أمعنوا في الهرب خوفًا منك، وكانوا قد أردفوا نساءهم وراء الخيل وفيهم الحبالى، فأسقطن أولادهن في البراذع، على أعجاز الخيل، أو كن يركبن الإبل فأسقطن الأجنة على ظهور الإبل، وتعبت الإبل الحوائل والسقاب، فقامت ولم تقدر على السير، لما لحقها من الجهد والعياء.
وإذا قلنا إن الإجهاض: هو الإسقاط، فمعناه أن النوق أسقطت أولادها الإناث والذكور.
وعمروٌ في ميامنهم عمورٌ وكعبٌ في مياسرهم كعاب
بنو عمرو، وبنو كعب، بطنان من العرب، عمرو بن كلاب، وكعب بن ربيعة. والميمنة: جانبه الأيمن والميسرة: الأيسر.
يقول: اختلفت كلمة هذين البطنين خوفًا منك فقال قوم: نهرب عنه، وقوم: نتقدم فنأخذ الأمان، وقال آخرون: نتقدم ونحارب، وكانوا قبل ذلك يدًا واحدة فاختلفوا حتى صارت عمرو عمورا، وكعب كعابًا، ومثله قول معاوية ابن مالك:
رأيت الصّدع من كعبٍ جميعًا وكان الصّدع لا يعد ارتئابا
فأمسى كعبها كعبًا وكانت من الشّنآن قد دعيت كعابا
يعني: كانوا متفرقين متعادين فأصلحت بينهم، حتى عادوا إلى الألفة والاتفاق وصارت كلمتهم واحدة.
وقد خذلت أبو بكر بنيها وخاذلها قريطٌ والضّباب
أبو بكر: هنا قبيلة من بني كلاب؛ فلهذا أنث، وكذلك الضباب. والقريط: بطنان من بني كلاب. وروى قريظ بالظاء والطاء.
يقول: خذل بعض هؤلاء بعضًا وتفرقوا، لما أحسوا بطلبك إياهم، بعد أن كانوا مجتمعين على محاربتك.
إذا ما سرت في آثار قومٍ تخاذلت الجماجم والرّقاب
يقول: إذا سرت في أثر قوم خذلت رقابهم رءوسهم يعني: أنك تدركهم وتضرب أعناقهم، وتفرق رءوسهم من أجسادهم، إذا كان العنق يسلم رأسه والرأس يفارق جسمه خوفًا منك، فكيف لا تتفرق القبائل ويخذل بعضهم بعضا؟!
فعدن كما أخذن مكرّماتٍ عليهنّ القلائد والملاب
الملاب: ضرب من الطيب.
يقول: إنك لما أسرت نساءهم بما عليهن من الحلي والطيب، لم يتعرض أحد لهن، بل رجعن إلى أهلهن وعليهن ثيابهن وطيبهن.
وقيل: أراد أنهن كن بلا قلائد ولا عطر، فقلدهن سيف الدولة وطيبهن.
يثبنك بالّذي أوليت شكرًا وأين من الّذي تولى الثّواب؟!
يثبنك: أي يجزينك ويعوضنك يقول: رجعن إلى أهلهن وهن يشكرنك على ما أوليتهن من الصفح الجميل، والإحسان الجزيل، ولكن أين الثواب وشكرهن جميل فعلك؟! أي أن الشكر لا يقابل إحسانك ولا يبلغ أن يكون جزاء له.
وليس مصيرهنّ إليك شينًا ولا في صونهنّ لديك عاب
روى شينًا وسبيًا والأول أجود في مقابلة عاب يقول: ليس في حصولهن في يدك عار لهن، لأنك منهن وهن منك، فصونك لهن كصون بعولتهن في بيوتهن. والصون: الصيانة، وهي كناية عن الستر.
[ ١ / ٣١٨ ]
ولا في فقدهنّ بني كلابٍ غذا أبصرن غرّتك اغتراب
يقول: إنهن إذا رأين غرتك وصرن عندك فلا يضرهن فقدانهن أهلهن، وليس اغتراب وبعد، لأنك منهن.
وكيف يتمّ بأسك في أناسٍ تصيبهم فيؤلمك المصاب؟
يقول: كيف تقدر على أن تعاقبهم وتوقع بهم؟ فإنك إذا أصبتهم تألمت بما يصيبهم من الضرر، لكونهم منك.
والمصاب: يجوز أن يكون مصدرًا كالإصابة، وأن يكون مفعولا، وهذا البيت مثل قول الحارث بن وعلة الذهلي:
قومي هم قتلوا أميم أخي فإذا رميت يصيبني سهمي
فلئن عفوت لأعفون جللًا ولئن سطوت لأوهنن عظمي
ونحو قول الآخر:
وإنّي وإن عاديتهم وجفوتهم لتألم ممّا عضّ أكبادهم كبدي
ترفّق أيّها المولى عليهم فإنّ الرّفق بالجاني عتاب
يقول: أنت سيدهم فتجاوز عنهم، ولا تعجل لهم في العقوبة، فإن رفقك بهم يردهم إلى طاعتك، ويقوم لهم مقام اللوم.
وإنّهم عبيدك حيث كانوا إذا تدعو لحادثةٍ أجابوا
يقول: ترفق بهم وتجاوز عنهم، فإنهم عبيدك وقومك، متى دعوتهم إلى حرب ونازلة أجابوك.
وعين المخطئين هم وليسوا بأوّل معشرٍ خطئوا فتابوا
يقول: هم حقيقة المخطئين في خروجهم عليك، غير أنهم تابوا وأذعنوا لك، كما أخطأ غيرهم ثم تاب، وليسوا بأول من فعل مثل ذلك.
وأنت حياتهم غضبت عليهم وهجر حياتهم لهم عقاب
يقول: إن حياتهم بك، لأنك تعطيهم ما تقوم به حياتهم من المال، فإذا غضبت عليهم زالت عنهم حياتهم، فكفاهم عقوبة أن تغضب عليهم، فإن ذلك كالموت لهم.
وما جهلت أياديك البوادي ولكن ربّما خفي الصّواب
الأيادي، النعم، واحدتها يد، والبوادي قيل: هي جمع بادية، وهم العرب الذين ينزلون البدو، فيكون في موضع الرفع، لأنها فاعلة جهلت والمعنى: أن أهل البدو، الذين هم بنو كلاب مقرون بإحسانك إليهم، غير جاهلين نعمك عليهم، ولكن خفي الصواب عليهم حين قاتلوك، وكان ذلك سهوًا منهم من غير قصد.
وقيل: البوادي. الظاهرة من النعم أو المتقدمة منها، فهي صفة للأيادي في موضع النصب، وسكن الياء ضرورة، فيكون على هذا فاعل جهلت ضمير القبيلة التي هي بنو كلاب، يعني: أنهم لا ينكرون نعمك الظاهرة المتقدمة إليهم.
وكم ذنبٍ مولّده دلالٌ وكم بعدٍ مولّده اقتراب؟
يقول: كم ذنب يتولد من الدلال أي الإفراط وتجاوز الحد وكم بعد يتولد من قرب إذا لم يكن معه الأدب ورعاية الحرمة.
والمعنى: أنهم لم يخرجوا عليك إلا ثقة منهم بقرابتك وتدللا بانتسابهم إليك.
وجرمٍ جرّه سفهاء قومٍ وحلّ بغير جارمه العذاب
يقول: وكم ذنب يجنيه السفيه، فيعاقب به البريء، ومثله قول بعض العرب:
إنّ الفتى بابن عمّ السّوء مأخوذ
والأصل فيه قوله تعالى: " أًتهْلِكُنَا بِمَا فَعَل السُّفَهآءُ مِنَّا " وقوله تعالى " واتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ".
فإن هابوا بجرمهم عليًّا فقد يرجو عليًّا من يهاب
أراد: من يهابه، فحذف المفعول.
يقول: إن هابوه لكونه مهيبًا، فإنهم يرجون عفوه، لكونه كريمًا.
وإن يك سيف الدولة غير قيسٍ فمنه جلود قيسٍ والثّياب
قيس: هو عيلان، وإليه ينسب بنو كلاب مضر.
يقول: إن كان هو سيف دولة بني هاشم، لا سيف دولة قيس، فإن جلود قيس تربت من نعمه، وثيابهم من ماله ومن خلعه.
وتحت ربابه نبتوا وأثّوا وفي أيّامه كثروا وطابوا
الرباب: غيم متعلق بالغيم، يضرب إلى السواد، وقيل: هو السحاب الأبيض. وأثوا: تمكنوا وقووا من قولهم أث النبت.
يقول: إنهم نبتوا بفضله وإنعامه، كما نبت العشب بالمطر، وكثروا بدولة أيامه وطالوا.
شبههم بالنبات، وشبهه بالسحاب.
وتحت لوائه ضربوا الأعادي وذلّ لهم من العرب الصّعاب
يقول: إنهم بقوته وسلطانه قتلوا أعداءهم، وقهروا العرب، حتى ذلت لهم صعاب العرب وانقادت.
ولو غير الأمير غزا كلابًا ثناه عن شموسهم ضباب
الضباب ما يرتفع من البخار، من غدوات الربيع كالسحاب.
[ ١ / ٣١٩ ]
يقول: لو قصد بني كلاب غير سيف الدولة، لرده عن شموس بني كلاب ضبابهم. كني بالشموس عن النساء، وبالضباب عن الحرب التي كانت تحول بينهن وبين من يقصد الوصول إليهن، كما يحول الضباب دون الشمس.
وقيل: الضباب، كناية عن الغبار الذي يرتفع عن الخيل، حتى يصير كالضباب، فيصرف عن قصدهن، كما يمنع الضباب شعاع الأمس.
وقيل: عني بالشموس وجوه القوم التي هي كالشمس.
ولاقى دون ثايهم طعانًا يلاقى عنده الذّئب الغراب
الثاي: جمع ثاية، وهي الحجارة حول البيت، تبنى فيأوي إليها الراعي ليلًا كأنها الحظيرة، وفاعل لاقى ضمير غير في قوله: غير الأمير والهاء في عنده للطعان.
يقول: كان ينفي ذلك القاصد قبل أن يصل إلى ثايهم طعنًا يكثر منه القتلى حتى يجتمع الذئب والغراب على أكل جيفهم وأجسامهم: يعني أنهم يدفعونه عن الوصول إلى حظائر الغنم، فكيف الوصول إلى النساء والحرم؟!
وخيلًا تغتذي ريح الموامي ويكفيها من الماء السّراب
تغتدي: من الغذاء والموامي: جمع موماة، وهي الفلاة.
يقول: لاقى دون ثايهم طعانًا وخيلا معودة للقتال، صابرة على الجوع والعطش، حتى تكتفي عن الزرع والعلف، بانتشاق النسيم، وعن الماء بالسراب.
ولكن ربّهم أسرى إليهم فما نفع الوقوف ولا الذّهاب
يقول: لكن غزاهم سيف الدولة الذي هو مولاهم وهم عبيده، فلم ينفع منه الوقوف ولا الهرب.
ولا ليلٌ أجنّ ولا نهار ولا خيلٌ حملن ولا ركاب
يقول: إنهم لما رأوه تحيروا في أمرهم، ولم يسترهم ليل بظلمته، ولا نهار بضيائه، ولم تحملهم خيلهم وإبلهم.
رميتهم ببحرٍ من حديدٍ له في البرّ خلفهم عباب
العباب: صوت الموج. وقيل: عباب كل شيء: أوله.
يقول: رميتهم بجيش كأنه بحر ارتفعت أمواجه لعظمه، ولما عليه من السلاح.
فمسّاهم وبسطهم حريرٌ وصبّحهم وبسطهم تراب
روى: فرشهم بدل بسطهم في الموضعين. وفاعل مساهم وصبحهم ضمير البحر الذي هو الجيش.
يقول. أتاهم ليلًا جيشك، وهم على فرش الديباج فأغار عليهم وسلب أموالهم، فأصبحوا جلوسًا على التراب، فصار فراشًا لهم! وقيل: أراد أنهم انهزموا، فتبدلوا بعد بسط الحرير، الجلوس على التراب. وهذا قريب من الأول.
قال ابن جني: أراد أن جيشه مساهم فقتلهم فأصبحوا وقد تزملوا بالتراب، وصار بسطهم ترابًا بعد ما كان حريرًا.
ومن في كفّه منهم قناة كمن في كفّه منهم خضاب
يقول: مع شوكتهم، وصبرهم، واجتهادهم، وشجاعتهم، لما رأوك جبنوا وتحيروا، حتى صار الفارس الذي يحمل الرمح كالمرأة التي في يدها خضاب في قلة الغناء والدفع.
بنو قتلى أبيك بأرض نجدٍ ومن أبقى وأبقته الحراب
الحراب: جمع حربة وهي رمح قصير.
يقول: كان آباؤهم استعصوا على أبيك فقتلهم، وفعل بآبائهم ما فعلت بهم أنت الآن، وكان أبو سيف الدولة غزا القرامطة الذين هم في الأحساء وقتل منهم وكسر.
فيقول: هؤلاء بنو الذين قتلهم أبوك بنجد، وأبقاهم أبوك وأبقته رماحه. وبنو: خبر ابتداء محذوف: أي هم بنو قتلى أبيك.
عفا عنهم وأعتقهم صغارًا وفي أعناق أكثرهم سخاب
السخاب: كالثياب، يلبسه الصبيان، وجمعه سخب. وقيل السخاب: القلادة تنظمها الأعراب من القرنفل، أو حب الحنظل.
يقول: إن أباك كان عفا عن هؤلاء وأعتقهم بعد ما ملكهم، وهم صغار في أعناقهم السخب.
وكلكم أتى مأتى أبيه فكلّ فعال كلّكم عجاب
يقول: كل واحد منك ومنهم - أي مثل ما فعل أبوه، فأنت عفوت كما عفا أبوك عن آبائهم، وخضعوا خضوع آبائهم، فما حصل منك من الاقتداء بأبيك عجب! وما حصل منهم من الاقتداء بآبائهم من العصيان عجب! وقيل: وفعلت بهم مثل ما فعل أبوك بآبائهم، وأبوك فعل مثل ما فعل جدك بأجدادهم، وكل فعل منك عجب!
كذا فليسر من طلب الأعادي ومثل سراك فليكن الطّلاب
يقول: من طلب الأعادي والظفر بهم، فليسر إليهم كما سريت إليهم أنت، وكذا: إشارة إلى فعل سيف الدولة.
[ ١ / ٣٢٠ ]
وسار سيف الدولة نحو ثغر الحدث لبنائها وكان أهلها أسلموها بالأمان إلى الدمستق سنة سبع وثلاثين وثلاث مئة، فنزلها سيف الدولة يوم الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من جماد الآخرة سنة ثلاث وأربعين وثلاث مئة وبدأ في يومه فخط الأساس، وحفر أوله بيده، ابتغاء ما عند الله ﷿، فلما كان يوم الجمعة نازله ابن الفقاس: دمستق النصرانية، في نحو من خمسين ألف فارس وراجل من جموع الروم والأرمن والروس والبلغر والصقلب. والخزر وأصناف رجاله ووقعت المصافة يوم الاثنين انسلاخ جمادي الآخرة من أول النهار إلى وقت العصر، ثم إن سيف الدولة حمل عليه بنفسه ف نحو خمس مئة من غلمانه وأصناف رجاله، فقصد موكبه وهزمه، وأظفره الله تعالى به، وأسر تودس الأعور: بطريق سمندو، وهو صهر الدمستق وقتل نحو ثلاثة آلاف رجل من مقاتلته، وأسر خلقًا كثيرًا من اسخلاريته وأراخنته فقتل أكثرهم واستبقى البعض وأقام على الحدث إلى أن بناها، ووضع بيده آخر شرافة منها يوم الثلاثاء لأربع عشرة ليلة خلت من شهر رجب من السنة المذكورة فقال أبو الطيب في ذلك، وأنشده إياها بعد الوقعة بالحدث.
على قدر أهل العزم تأتي العزائم وتأتي على قدر الكرام المكارم
العزائم جمع عزيمة، وهي إمضاء الأمور، وكذلك عزمت على كذا: أي أمضيته. والمكارم: جمع مكرمة، وهي كل فعل محمود.
يقول: عزيمة كل إنسان على قدر همته وشهامة قلبه، إن كان عظيم القدر والخطر، جد أمره ومضت عزائمه، وإن كان الرجل فشلًا اضمحلت وبطلت، وكذلك المكارم: تكون على حسب فاعليها، فهي من الشريف شريفة، ومن الوضيع وضيعة.
وتعظم في عين الصّغير صغارها وتصغر في عين العظيم العظائم
الضمير في صغارها للمكارم والعزائم.
يقول: الرجل الصغير النفس يستكبر الصغير، والعالي الهمة يصغر في عينه ما يفعله وإن كان عظيمًا. ومثله لعبد الله بن طاهر:
إنّ الفتوح على قدر الملوك وهم ات الولاة وإقدام المقاديم
يكلّف سيف الدولة الجيش همّه وقد عجزت عنه الجيوش الخضارم
يقول: إن همته عظيمة، وهو يكلف جيشه أن تكون لهم مثل همته، والجيوش الكثيرة تعجز عنه. والهاء في عنه لهمته.
ويطلب عند النّاس ما عند نفسه وذلك ما لا تدّعيه الضّراغم
يقول: يطلب عند الناس من الشجاعة والبأس ما عند نفسه، والأسود تعجز عن ادعاء ذلك، فكيف بالناس؟!
يفدّى أتمّ الطّير عمرًا سلاحه نسور الملا أحداثها والقشاعم
النسور: جمع النسر. والأحداث جمع حدث، وهو الحديث السن، والقشاعم: المسنة الطويلة العمر. الواحد قشعم والملا: الأرض الواسعة.
يقول: إن سلاحه أكثر القتلى في البر قديمًا وحديثًا، حتى شبع النسور منها، فلم تحتج إلى صيد، فقشاعمها: التي هي المعمرة، تضيف إلى الشكر القديم الشكر الحديث، وأحداثها تثنى عليه بالحديث من لحوم القتلى، فهما يفديان سلاحه ويقولان: نحن الفداء لك؛ لإنعامك علينا بكثرة القتل، إذ في ذلك استراحتها عن طلب الرزق.
وإنما قال: أتم الطير عمرًا لأن النسر يعيش على زعم الناس خمس مئة سنة وإنما خص النسور؛ لأنها لا تصيد كما تصيد الجوارح، وإنما تأكل الجيف ولحوم القتلى. روى ابن جني تفدى بالتآء قال: أراد النسور فكأن قال: تفدى النسور سلاحه.
والأظهر في العربية يفدى بالياء لأنه فاعله أتم وهو مذكر وهذا حمل على الظاهر، والأول على المعنى. وعمرًا نصب على التمييز وسلاحه نصب لأنه مفعول يفدي ويجوز في نسور الملا الرفع على خبر الابتداء: أي هي نسوء الملا. ويجوز أن تجعله بدلا من قوله: أتم الطير التقدير: تفدى نسور الملا سلاحه وأحداثها من نسور الملا، والقشاعهم معطوف عليه.
وما ضرّها خلقٌ بغير مخالبٍ وقد خلقت أسيافه والقوائم
القوائم: جمع قائم وهو قائم السيف.
يقول: لا يضر هذه النسور خلقها بغير مخالب، وألا تصيد كالبازي ونحوه، فإن سيوف سيف الدولة تغنيها عن المخالب وتقوم لها مقامها. وتم المعنى عند قوله: وقد خلقت أسيافه وقوله: والقوائم فضلة لا فائدة فيها إلا إتمام القافية.
وقيل: إنما قال ذلك؛ لأن السيوف لا ينتفع بها إلا بقوائمها، والمراد بنفي المخالب عنها ما ذكرناه أنها ليست مما يصيد كالبازي، تأكل الجيف.
[ ١ / ٣٢١ ]
وقيل: لها مخالب. وإنما أراد الفرخ الحدث الذي لا يمكنه الانتفاع بمخالبه، والمسن الذي عجز عن طلب القوت، ودل عليه في قوله: أحداثها والقشاعم.
الثاني: أن معناه ما ضر لو كانت خلقت بغير مخالب مع قيام سيوفه مقامها. وقوله: ما ضرها خلق: فالخلق هو المصدر الحقيقي.
هل الحدث الحمراء تعرف لونها وتعلم أيّ السّاقيين الغمائم
الحدث: قلعة، وقيل مدينة. وجعلها حمراء؛ لأن سيف الدولة أراق فيها دماء الروم، حتى سالت عليها كالمطر، ودام ذلك حتى نسي لونها الأول.
يقول: فهل تعرف الحدث لونها الأول أم نسيته من طول ما جرى الدماء عليها؟ وهل تفرق بين سيف الدولة الذي سقاها الدم، وبين الغمام الذي سقاها الماء؟ فتعلم أي ساقييها الغمائم.
وقيل: معناه هل تعرف لونها؟ إنها قد حسنت به حالها حين عمرها، وكنت قد خربت قبل ذلك. وقيل: أراد أنه بناها غير البناء الأول، إذا كان بناؤه لها إعادة لا ابتداء فكأنه بناها من الحجر الأحمر، وكانت قبل ذلك بخلافه.
سقتها الغمام الغرّ قبل نزوله فلمّا دنا منها سقتها الجماجم
الغمام: جمع غمامة، ولهذا وصفها بأنها غر وخص الغر، لأنها أغزر وأكثر ماءً.
يقول: كانت السحاب تسقيها الغيث، فلما جاءها سيف الدولة، وقتل فيها الروم فسالت دماؤهم كالمطر السائل من السحاب.
بناها فأعلى والقنا يقرع القنا وموج المنايا حولها متلاطم
أي: فأعلاها، فحذف المفعول، والواو للحال في قوله: والقنا، وموج المنايا.
يقول: بنى الحدث حتى أتمها وأعلاها، في حالة المطاعنة، وتداخل الرماح بعضها في بعض، والتطام أمواج الموت فيها؛ لكثرة القتل.
وكان بها مثل الجنون فأصبحت ومن جثث القتلى عليها تمائم
يقول: إنها تروع كل وقت، كما يروع المجنون، وتهدم وقتًا بعد وقت، فكانت لا تستقر، فتشبه بالمجنون، فلما قتل أعداءها ومن كان يطلبها، سكنت كالمجنون إذا علقت عليه التمائم، فصارت جثت القتلى لها كالتمائم.
طريدة دهر ساقها فرددتها على الدّين بالخطّىّ والدّهر راغم
الطريد: ما أخذه العدو من المال وفاز به.
يقول: كانت هذه القلعة طريدة الدهر قد ساقها وذهب بها الدهر وجعلها للروم، فرددتها على المسلمين الذين كانت لهم من قبل، وأرغمت أنف الدهر وقهرته.
تفيت اللّيالي كلّ شيءٍ أخذته وهنّ لما يأخذن منك غوارم
التاء في تفيت للخطاب. والليالي: في موضع نصب بتفيت، ومعناه: كل شيء أخذته الليالي فإنك تفيتها. أي تأخذه منها، وهي إذا أخذت منك شيئًا غرمته لك، وغيرك لا يقدر على ذلك.
وقيل: التاء تاء التأنيث، والليالي: رفع لأنها فاعلة تفيت.
والمعنى: إن ما أخذته الليالي من كل أحد أفاتته ولا ترده عليه، وما تأخذه منك فإنك تغرمه لك.
إذا كان ما تنويه فعلًا مضارعًا مضى قبل أن تلقى عليه الجوازم
الفعل المضارع يصلح للحال وللاستقبال، والمراد ها هنا: الفعل المستقبل خاصة.
يقول: إذا نويت فعل شيءٍ تم ومضى، وتعجل وقوعه قبل أن يعوقك معوق، فعبر عن المعوق بالجوازم، وعن نفيه بنفي الجوازم، وإنما قال ذلك؛ لأن حروف الجزم كلها تعويق: إما بنفي كلم، أو بنهي نحو، لا تفعل، أو تعلق بالشرط، ولام الأمر للغائب فيه معنى التراخي، ووصول الأمر إليه.
وقيل: أراد بالجوازم ها هنا التي للذي، وجمعه إرادةً للكثرة والتكرير.
والمعنى: أنك إذا نويت أمرًا سبقت به نهى الناس، وعذل العذال، وتفعله قبل أن تقول لك الناس: لا تفعل، فيكون مثل قولهم: سبق السيف العذل.
وقيل: أراد به لام الأمر نحو قولك: ليخرج زيد، ومعناه: أنك إذا نويت أمرًا تم قبل أن تأمر به، فتقول ليكن كذا فيكون، مثل قوله:
يجيبك قبل أن يتمّ سينه
أو يكون المراد به أنك إذا أمرت بفعل يسبق مضاؤه لحوق هذه اللام به.
وقيل وجه رابع: وهو أن الفعل المضارع إنما يصير ماضيًا بدخول لم عليه، والمعنى: أنك إذا نويت أمرًا مستقبلًا انقضى ومضى بنفسه، من غير أن يعارضه ما ينفيه من الموانع.
وكيف ترجّى الرّوم والرّوس هدمها وذا الطّعن أساسٌ لها ودعائم!
يقول: إن الروس والروم كيف يطمعون في هدمها؟ وأساسها ودعائمها دفاعك وطعانك! فإذا كان كذلك فلا سبيل لهم إلى هدمها.
[ ١ / ٣٢٢ ]
وقد حاكموها والمنايا حواكمٌ فما مات مظلومٌ ولا عاش ظالم
يقول: إن الروم والروس حاكموا هذه القلعة إلى المنايا، وجعلوها حاكمةً بينهم وبين القلعة، فكانت هذه مظلومة، والروم ظالمين، تغلبوا عليها وأخذوها من المسلمين ظلمًا، فحكمت المنية بموت الظالم وحياة المظلوم، فقتل الروم، وهم ظالمون، وعاش المظلوم وهي القلعة؛ لأنها تخلصت من أيديهم.
وقيل: المظلوم هم المسلمون؛ لأن الروم ظلموهم بأخذها منهم. يعني أنك أخذتها منهم بالسيف والقتل، فكأنك حاكمتهم إلى السيوف فقضت لك بما فعلت.
أتوك يجرّون الحديد كأنّهم سروا بجيادٍ ما لهنّ قوائم
يقول: أتوك وعليهم الدروع، وعلى خيلهم التجافيف، كأنها لم تكن لها قوائم.
إذا برقوا لم تعرف البيض منهم ثيابهم من مثلها والعمائم
البيض: السيوف. وثيابهم: الدروع والجواشن، والعمائم البيض. وقوله: من مثلها: أي الثياب والعمائم كانت مثل البيض؛ لأنها كانت من الحديد.
يقول: جاءوك في أسلحة تامة، فلم تفرق بين سيوفهم وبينهم، لأن ثيابهم وعمائمهم كانت من الحديد.
وقيل: أراد أن السيوف لم تتميز من لباسهم، لبريقها ولمعانها.
خميسٌ بشرق الأرض والغرب زحفه وفي أذن الجوزاء منه زمازم
الزحف: السير الهين. والزمازم: جمع زمزمة، وهي كل صوت لا يفهم، وأراد به صوتهم وصليل الحديد، وصهيل الفرس.
يصف كثرة الجيش وأنه ملأ الأرض شرقها وغربها وبلغت زمازمه إلى السماء، والجوزاء مصغية إليه تسمع أصواته. وخص الجوزاء لأنها على صورة إنسان وقد أمال عنقه، فجعلها تسمع إلى أصواته.
تجمّع فيه كلّ لسنٍ وأمّةٍ فما يفهم الحدّاث إلاّ التّراجم
اللسن: اللغة. والحداث: المتحدثون. والتراجم: جمع الترجمان.
يقول: إن جيش العدو الذي ملأ الأرض، كان قد تجمع فيه أمم مختلفة اللغات، فلا يفهم بعضهم كلام بعض إلا بالترجمان.
وقيل أراد به جيش سيف الدولة.
فلله وقتٌ ذوّب الغشّ ناره فلم يبق إلاّ صارمٌ أو ضبارم
قوله: فلله وقت في معنى التعجب، والضبارم: الأسد الشديد الغليظ.
يقول: إن وقت الحرب أذاب الغش ناره.
يعني: أن الحرب لما اشتدت فر منها كل جبان فشل عاجز، وتكسر كل سيف غير قاطع، فلم يبق إلا نخب الفرسان، فشبه الحرب بالنار، والجبن بالغش الذي تذيبه النار.
وقيل: أشار بهذا إلى أن خيل سيف الدولة لا تحارب على وجه المسارقة والختل، بل يجاهرون بالمحاربة فعبر عن الختل بالغش.
تقطّع ما لا يقطع الدّرع والقنا وفرّ من الفرسان من لا يصادم
يقول: لم يبق في ذلك الوقت من السيوف كل سيف لا يقطع الدروع ولا يمسها، وفر من الفرسان كل ضعيف، لا يصادم الأبطال: أي لا يحارب.
وقفت وما في الموت شكٌّ لواقفٍ كأنّك في جفن الرّدى وهو نائم
يقول: وقفت في مقام من قام فيه لا يشك أنه يقتل، وقد أحاط الموت من كل جانب، حتى كان الردى نائم عنك وأنت قائم في جفنه؛ لإحاطته بك.
شبه إحاطة الردى به بكونه في جفنه، وسلامته بكون الردى نائم عنه.
تمرّ بك الأبطال كلمى هزيمةً ووجهك وضّاحٌ وثغرك باسم
يقول: وقفت وكانت الأبطال تمر بك، وهي مجروحة منهزمة عابسة الوجوه، وأنت مشرق الوجه ضاحك السن، لم تداخلك حيرة لانهزام أصحابك، ومعرفتك بوجه الأمر في تلك الحالة.
وحكى أن سيف الدولة استنشد أبا الطيب هذه القصيدة وكان معجبًا بها، فاندفع أبو الطيب ينشدها فلما بلغ إلى قوله: وقفت إلى آخر البيتين قال سيف الدولة: إن صدر البيتين لا يلائم عجزهما، وكان ينبغي أن تقول:
وقفت وما في الموت شكٌّ لواقفٍ ووجهك وضّاحٌ وثغرك باسم
تمرّ بك الأبطال كلمى هزيمةً كأنّك في جفن الرّدى وهو نائم
فقال أبو الطيب: لما ذكرت الموت أتبعته ذكر الردى لتجانسهما، ولما كان وجه الجريح المنهزم لا يخلو من العبوس، وعينه من البكاء قلت: ووجهك وضاح وثغرك باسم للمطابقة بينهما.
تجاوزت مقدار الشّجاعة والنّهى إلى قول قومٍ: أنت بالغيب عالم
[ ١ / ٣٢٣ ]
الغرض بالبيت: أن الشجاع يثبت ما دام يطمع في الظفر ويرجو النصر، وكذلك العاقل الحازم، يقف متى رأى مخايل النصر وأمارات الظفر، فإذا اشتد الأمر وأيقن كل واحد بالموت طلب النجاة بالفرار، وسيف الدولة تجاوز هذه المنزلة، فهو يقف في المواقف التي لا يشك الحازم والشجاع في الهلاك فيها، كأنه عالم بالغيب وعواقب الأمور.
وقوله: إلى قول قوم يعني: أن الناس لما رأوا مقامه وثباته في المواطن التي لا يشك أحد فيها بالقتل قالوا: إنه عالم بالغيب! ولولا ذلك لم يقف، وقد فر كل شجاع.
ضممت جناحيهم على القلب ضمّةً تموت الخوافي تحتها والقوادم
يقول: حملت على الميمنة والميسرة فضممتهما على القلب ورددتهما إليه، حتى سقط بعضهم على بعض.
جعل الميمنة والميسرة جناحين وشبه الأبطال المقدمين بقوادم الجناح، والأتباع والحشو بالخوافي.
بضربٍ أتى الهامات والنّصر غائبٌ وصار إلى اللّبّات والنّصر قادم
الباء في بضرب متعلقة، قيل بقوله: تموت.
يقول: نازلت العدو وضربته بالسيف والنصر غائب، فلما بلغ الضرب إلى اللبات قدم النصر.
يصف بذلك سرعة الهزيمة ووقوع النصر بعدها، وأنه كان بين غيبته وقدومه، قدر نزول السيف من الهامة إلى اللبة، فكأنه يقول: لم يصل سيفك إلى نحورهم حتى نصرت عليهم.
وقال ابن جني: يقول. إذا ضربت عدوك، فحصل سيفك في هامته، فلا تعتد ذلك نصرًا، حتى يصل السيف إلى اللبة، فحينئذ يكون ذلك نصرًا، ولا ترضى بدونه.
حقرت الرّدينيّات حتّى طرحتها وحتّى كأنّ السّيف للرّمح شاتم
تركت الطعن بالرماح، ورجعت إلى الضرب بالسيوف، حتى كأنك حقرت الرماح وعدلت عنها إلى السيوف؛ لأنها أنكى في العدو، وكأن سيف رأى عجز الرماح وقلة غنائها فشتمها وعابها.
ومن طلب الفتح الجليل فإنّما مفاتيحه البيض الخفاف الصّوارم
البيض، الخفاف، الصوارم كلها صفات للسيوف.
يقول: من أراد الوصول إلى الفتوح العظيمة، فإنما يصل إليها بالسيوف، ولما جعل المطلوب فتحًا جعل السيوف مفاتيحه؛ لأن بها يوصل إلى ما وراء الباب من المقاصد.
نثرتهم فوق الأحيدب نثرةً كما نثرت فوق العروس الدّراهم
الأحيدب: موضع، وقيل: اسم الجبل الذي عليه مدينة الحدث.
يقول: إنك قتلتهم في كل موضع من هذا الجبل، ونثرتهم عليه كما تنثر الدراهم فوق العروس.
شبه الأحيدب بالعروس؛ لأنه قد اختضب بالدم، كالعروس في المصبوغات والمجاسد، وشبه القتلى بالدراهم؛ لبياض جثتهم حولها، ونثرهم: بنثرهم الدراهم فوق العروس.
تدوس بك الخيل الوكور على الذّرى وقد كثرت حول الوكور المطاعم
يقول: صعدت على رءوس الجبال إليهم فقتلتهم هناك، حتى كثرت المطاعم للطيور في رءوس الجبال، وكانت الخيل تطأ وكور الطير التي كانت في الجبال وحولها القتلى مطروحة. وقوله تدوس بك: أي تطأ وأنت عليها.
تظنّ فراخ الفتخ أنّك زرتها بأمّاتها وهي العتاق الصّلادم
الفتخ: العقبان، والواحد أفتخ، وفتخاء، وهي عتاق الطير كالبازي والعقاب؛ سميت بذلك للين أجنحتها وانعطافها، والأمات: جمع الأم، فيما لا يعقل، وفيمن يعقل أمهات والمراد بالعتاق: الخيل الكرام والصلادم: جمع صلدم، وهو الفرس الصلب الشديد.
يقول: لما صهلت الخيل ظنت فراخ النسور أنك زرتهن أمهاتهن؛ لاشتباه أصوات الخيل بها في بعض الأوقات، ولذلك قال الاخر:
إذا الخيل صاحت صياح النّسور
وقيل: شبه الخيل بالنسور من جهة السرعة والضمور.
إذا زلقت مشّيتها ببطونها كما تتمشّى في الصّعيد الأراقم
الصعيد: وجه الأرض. والأراقم: الحيات.
يقول: إذا زلقت الخيل من رءوس الجبال لملاستها وقلة استقرار قوائمها عليها، انسابت فيها على بطونها كما تنساب الحيات في الأرض والتراب.
أفي كلّ يوم ذا الدّمستق مقدمٌ قفاه على الإقدام للوجه لائم
وروى أيضًا: أفي كل يوم للدمستق مقدم، أي إقدام.
يقول: الدمستق كل يوم مقبل، فيقدم على لقائك ثم ينهزم من بين يديك، فيلوم قفاه وجهه فيقول: إلى كم تعرضني للجراحة ولا تكتفي بما تقدم من الانهزام؟!
أينكر ريح اللّيث حتّى يذوقه وقد عرفت ريح اللّيوث البهائم
[ ١ / ٣٢٤ ]
يقول: إن الدمستق لا يزال يتعرض لك حتى تقتله أو تأسره، ولو كان له عقل لكفاه ما رأى من شجاعتك وهزمك إياه، والبهائم أعقل منه، لأنها تعرف ريح الليث من بعيد فتتباعد عنه.
وقد فجعته بابنه وابن صهره وبالصّهر حملات الأمير الغواشم
الغواشم: جمع غاشمة، وأصله الظلم، وهي ها هنا القهر والغلبة.
يقول: لو كان له تمييز أو عقل، لم يتعرض لك بعد ما رأى من فعلك بابنه، حيث أسرته وقتلت أيضًا صهره وابن صهره.
مضى يشكر الأصحاب في فوته الظّبا لما شغلتها هامهم والمعاصم
المعاصم: جمع المعصم، وهو الذراع.
يقول: مضى الدمستق هاربًا، وهو يشكر أصحابه حيث شغلوا المسلمين عنه؛ بأن مكنونهم من قتلهم، واستغنت السيوف برءوسهم ومعاصمهم، فكان سبب نجاته ذلك.
ويفهم صوت المشرفيّة فيهم على أنّ أصوات السّيوف أعاجم
فيهم: أي في الأصحاب.
يقول: كان الدمستق إذا سمع صليل السيوف في أصحابه عرف ما تفعله، وإن لم يكن لها ألسنة. وأخذ هذا المعنى المعري وشرحه فقال.
وقد تنطق الأسياف وهي صوامت وما كلّ نطق المخبرين كلام
ثم قال من عنده:
كفى بخطاب المشرفيّة مخبرًا بأنّ رءوسًا قد شققن وهام
يسرّ بما أعطاك لا من جهالةٍ ولكنّ مغنومًا نجا منك غانم
يقول: إن الدمستق يسر بما سلم إليك من أصحابه وأمواله؛ لسلامته منك، لأن المغنوم إذا نجا منك كان غانمًا.
ولست مليكًا هازمًا لنظيره ولكنّك التّوحيد للشّرك هازم
يقول: لست ملكًا كسائر الملوك في فعلك بالدمستق، حتى يقال: ملك هزم نظيره من الملوك، ولكن أنت موحد وهو مشرك، فكأن التوحيد هزم الشرك وقهره، لما ظفرت على الدمستق وقهرته.
تشرّف عدنانٌ به لا ربيعةٌ وتفتخر الدّنيا به لا العواصم
عدنان: أصل العرب. وربيعة: قبيلة سيف الدولة. والعواصم: حصون بالشام، وهي دار ممتلكته.
يقول: إن جميع العرب تتشرف به، لا قبيلته وحدهم، وكذلك الدنيا كلها تفتخر به، لا العواصم التي هي ممالكه.
لك الحمد في الدّرّ الّذي لي لفظه فإنّك معطيه وإنّي ناظم
يقول: الحمد لله. الذي أقوله في شعري ليس هو حمدي إياك، بل هي مكارمك ووصفتها في شعري، وحسن بها قولي، فكأنها در أعطيتنيه فنظمته، فلك المعنى ولي اللفظ، فالحمد لك.
وإنّي لتعدو بي عطاياك في الوغى فلا أنا مذمومٌ ولا أنت نادم
يقول: إنك أعطيتني في عطاياك الخيل، وهي تعدو بي في الحرب، وأقاتل بها بين يديك، فلست أنا مذمومًا لتقصيري عن طاعتك وترك القتال بين يديك، ولا أنت نادم على عظم نعمتك علي بالخيل وغيرها من النعم.
وقيل: لست مذمومًا بهذا الشكر وذكر عطاياك الكريمة، ولا أنت نادم على ما فعلت من اتصال شكري.
على كلّ طيّارٍ إليها برجله إذا وقعت في مسمعيه الغماغم
الغماغم: الأصوات في الحرب. والهاء في إليها يرجع إلى الوغى إذ الحرب مؤنثة.
يقول: تعدو بي عطاياك على كل طائر يطير برجله، خلاف سائر الطير، وأراد به الفرس إذا سمع صوت الحرب طار إليها ولا يقف.
ألا أيّها السّيف الّذي لست مغمدًا ولا فيك مرتابٌ ولا منك عاصم
يقول: لست كسائر السيوف في أنها تغمد مرةً وتصلت أخرى، بل أنت مجرد أبدًا، تنصر الدولة وتذب عنها وتحامي دونها، ولا يشك أحد في أنك بهذه الصفة، ومن طلبته لم يعصمه منك عاصم ولم يمنعه مانع. ومرتاب: يجوز أن يكون اسم الفاعل من ارتاب، ويجوز أن يكون مصدرًا كالارتياب.
هنيئًا لضرب الهام والمجد والعلا وراجيك والإسلام أنّك سالم
يقول: هنيئًا لهذه الأشياء سلامتك؛ لأن سلامتها بك، وبقاؤها ببقاؤك؛ لأنك تحامي دونها وتذب عنها.
ولم لا يقي الرّحمن حدّيك ما وقى وتفليقه هام العدا بك دائم؟
يقول: أنت سيف ماض، تنصر الإسلام ودين الله، وتضرب رءوس أعداء الله تعالى، فكيف لا يقيك الله تعالى كل مكروه؟ ولا يدفع عن حديك كل محذور. ولما جعله سيفًا جعل له حدين. وما في قوله: ما وقى ظرف.
وورد على سيف الدولة فرسان طرسوس وأذنة والمصيصة، ومعهم رسول ملك الروم، في طلب الهدنة يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من المحرم سنة أربع وأربعين وثلاث مئة.
[ ١ / ٣٢٥ ]
فقال أبو الطيب يمدحه وأنشدها بحضرتهم وقت دخولهم:
أراع كذا كلّ الأنام همام وسحّ له رسل الملوك غمام؟!
الهمزة في أراع للاستفهام، في معنى التعجب. وراع: أي أفزع. والمفعول: كل الأنام، والفاعل: همام. وكذا أي كما أرى، وهو في موضع نصب؛ لأنه صفة لمصدر محذوف: أي أراع روعًا كذا.
يقول: كيف راع الأنام كلهم رجل واحد؟ حتى تقاطرت إليه رسل الملوك يسألونه الصلح، كما يتقاطر المطر من الغمام. وقوله سح أي أسح؟ على الاستفهام.
ودانت له الدّنيا فأصبح جالسًا وأيّامها فيما يريد قيام
يقول: انقادت له الدنيا، وأطاعه أهلها، وهو جالس، وأيام الدنيا تسعى في مراده، وتقوم له قيام الخدم للمخدوم.
إذا زار سيف الدّولة الرذوم غازيًا كفاها لمامٌ لو كفاه لمام
اللمام: الزيارة القليلة.
يقول: إذا قصد بلاد الروم كفاهم قليل من إيقاعه بهم، ولكنه لا يرضى إلا بالسبي والقتل وأخذ الممالك.
فتىً تتبع الأزمان في النّاس حكمه لكلّ زمانٍ في يديه زمام
روى: خطوة وحكمه.
يقول: إن الزمان يتبع حكمه ويتصرف بإرادته، يذل من أذله ويعز من أعزه فكأن زمام الدهر في يده، يقوده كيف شاء. وقوله: فتى خبر ابتداء محذوف، أي: هو فتى.
تنام لديك الرّسل أمنًا وغبطةً وأجفان ربّ الرّسل ليس تنام
يقول: إذا وصلت الرسل إليك سكنت نفوسها، ونامت عيونها لجوارك، وأجفان الذين يرسلونهم لا تنام خوفًا منك.
حذارًا لمعروري الجياد فجاءةً إلى الطّعن قبلًا ما لهنّ لجام
اعروريت الفرس: إذا ركبته عريانًا بلا سرج. وقبلًا: أي متقدمًا إلى أعدائه. وقيل: هو جمع أقبل وقبلاء، وهو الذي أقبلت إحدى عينيه على الأخرى وهو محمود في الخيل؛ وإنما تفعل ذلك لعزة نفسها. وحذارًا: مفعول له. والمعروري: هو الفاعلي من اعروري. وفجاءة: نصب على الحال، وكذلك قبلًا.
يقول: إن أجفان رب الرسل لا تنام حذارًا من ملك يركب الفرس عريانًا لمفاجأته الغزو، ويصرفه بغير لجام.
تعطّف فيه والأعنّة شعرها وتضرب فيه والسّياط كلام
فيه أي في الطعن.
يقول: إن هذه الخيل مؤدبة معودةً للحرب، فتنعطف في الطعن ولا أعنة لها سوى شعر أعرافها ونواصيها؛ وكذلك تضرب في حال الطعن، لا بالسياط، بل بالكلام والزجر.
وما تنفع الخيل الكرام ولا القنا إذا لم يكن فوق الكرام كرام
يقول: إن الخيل الكرام، لا تغنى حتى يكون فوقها كرام. ومثله للبحتري:
وما السّيف إلا مستعار لرينةٍ إذا لم يكن أمضى من السّيف حامله
إلى كم تردّ الرّسل عمّا أتوا به كأنّهم فيما وهبت ملام
يقول: إلى متى ترد الرسل عما يلتمسونه من الصلح؟ فكأن سؤالهم إياك عذل العاذل على جودك، فأنت تردهم عما راموه، كما ترد من يعذلك على جودك عن مرامه، ولا تصغي إلى ملامهم. وشبههم باللوم وشبه ردهم برد اللوم.
فإن كنت لا تعطى الذّمام طواعةً فعوذ الأعادي بالكرام ذمام
الذمام: العهد. والطواعة، والطواعية، والطوع: واحد.
يقول: إن كنت لا تعطيهم الأمان والذمة بطاعتهم لك، أو رغبة منك في ذلك. وقيل: معناه. متبرعًا، وقد عاذوا بك والتجأوا إليك، وعوذهم بك يوجب حفظهم.
وإنّ نفوسًا أمّمتك منيعةٌ وإنّ دماءً أمّلتك حرام
يقول مؤكدًا للمعنى الأول: قصدهم إليك، تحصين نفوسهم، ورجاؤهم لك، يصون دماءهم، فنفوسهم منيعة ودماؤهم حرام.
إذا خاف ملكٌ من مليكٍ أجرته وسيفك خافوا والجوار تسام
الواو في قوله: وسيفك للعطف. وتسام: أي تكلف، وتطلب منك.
يقول: من عادتك إجارة كل ملك خاف ملكًا آخر، وهؤلاء خافوا سيفك فاستجاروا بك، والتجأوا إليك، وكلفوك إجارتهم، فالأولى أن تجيرهم.
لهم عنك بالبيض الخفاف تفرّقٌ وحولك بالكتب اللّطاف زحام
يقول: إذا لقوك في الحرب تفرقوا عنك، خوفًا من السيوف الخفاف، ثم يجتمعون حولك ويزدحمون عليك طلبًا للصلح، ويرسلون إليك كتبًا لطافًا يسألونك فيها العفو. وإنما جعلها لطافًا، لأنها كتب مبعوثة على كتمان، فكل كبير وبطريق يتقرب إليه بكتاب لطيف، سرًا عن صاحبه!
تغرّ حلاوات النّفوس قلوبها فتختار بعض العيش وهو حمام
[ ١ / ٣٢٦ ]
يقول: إن حلاوات النفوس تغر القلوب، حتى تختار قلوب بعض الناس العيش والذل، وهو مثل الموت.
وشر الحمامين الزّؤامين عيشةٌ يذلّ الذي يختارها ويضام
الزؤام: السريع.
يقول: العيش في الذل أحد الحمامين السريعين، وهو أشرهما.
فلو كان صلحًا لم يكن بشفاعةٍ ولكنّه ذلّ لهم وغرام
يقول: هذا الصلح ليس بصلح، وإنما هو ذل لهم وعقوبة وغرامة يحملونها لك؛ لأن الصلح لا يكون بالشفاعة وإنما يكون صلحًا إذا استوى فيه الفريقان وأراجه الخصمان.
ومنّ لفرسان الثّغور عليهم بتبليغهم ما لا يكاد يرام
الثغر: موضع المخافة.
يقول: هذا الصلح ذل لهم وغرام، وتفضل لفرسان الثغور من المسلمين عليهم، حيث ساروا معهم إليك، وبلغوهم إلى ما ما لا يكاد يطلب منك، فلولا أنهم صحبوا لهم، لم يقدروا على الوصول إليك.
كتائب جاءوا خاضعين وأقدموا ولو لم يكونوا خاضعين لخاموا
يقول: إنما أقدموا عليك لأنهم جاءوك خاضعين سائلين، ولو كانوا محابين لم يجسروا على الإقدام، فيكون المراد بالكتائب: رسل الروم.
وقيل: أراد به فرسان الثغور.
كتائب جاءوا إليك خاضعين متشفعين للروم، ولو لم يكن كذلك لجبنوا عن الحروب، وعن الوصول إليك.
وعزّت قديمًا في ذراك خيولهم وعزّوا، وعامت في نداك وعاموا
يقول: لما وصلوا إليك أمنوا وعزوا، واستراحت خيلهم، وأفضلت عليهم حتى عاموا في نعمك وإحسانك، ولم تزل تفعل ذلك بهم في قديم من الزمان إذا صدروا إليك واستذموا بجوارك. والمراد به الرسل.
وعلى الثاني: أن أهل الثغور عزوا بك وعاموا في نداك قديمًا وحديثًا؛ لأنك أهل ثغر المسلمين.
على وجهك الميمون في كل غارةٍ صلاةٌ توالي منهم وسلام
قوله: توالى أصله تتوالى، منهم. قيل: الضمير يرجع إلى الروم، ومعناه: قد عمهم فضلك وإحسانك وبهرهم إقدامك، وكلما أغرت عليهم ورأوا وجهك دعوا لك وأتبعوك بالسلام، لما يروا من جمالك وشجاعتك، مع إغارتك عليهم وقتلك إياهم، وهو مثل قوله:
ومن شرف الإقدام
وقيل: إن الضمير في منهم يعود إلى فرسان الثغور، أراد صلاتهم وسلامهم عليك يتصل في كل غارة تكون لك على الروم.
وكلّ أناسٍ يتبعون إمامهم وأنت لأهل المكرمات إمام
يقول: كل أحد يقتدى بغيره في المكارم، وأنت إمام لأهلها، فكل كريم يقتدى بك في المكارم. ويشبه قوله أيضًا:
يمشي الكرام على آثار غيرهم وأنت تخلق ما تأتي وتبتدع
وربّ جوابٍ عن كتابٍ بعثته وعنوانه للنّاظرين قتام
القتام: الغبار وعنوان الكتاب: ما يكتب على ظهره.
يقول: ربما كتب إليك ملك الروم كتابًا قبل هذه المرة، فقصدته بجيشك، وجعلته جواب كتابه، فصار غباره يدل عليه، كما يدل العنوان على الكتاب: ممن هو؟ وإلى من هو؟
تضيق به البيداء من قبل نشره وما فضّ بالبيداء عنه ختام
يقول: هذا الجواب الذي بعثته هو الجيش تضيق به البيداء من قبل نشره عن كتائبه ولم يفض عنه ختمه يعني: أنه ما تفرق أو هو مجتمع غير منتشر.
حروف هجاء النّاس فيه ثلاثةٌ: جوادٌ، ورمحٌ ذابلٌ، وحسام
يقول: حروف هذا الكتاب ثلاثة: فرس جواد، ورمح ذابل، وسيف قاطع، لما جعل الجيش كتابًا جعل حروفه هذه الثلاثة.
أذا الحرب قد أتعبتها فاله ساعةً ليغمد نصلٌ أو يحلّ حزام
يقول: إنك قد أتعبت الحرب، يعني أهلها بكثرة إنهاضهم لها، فاتركها ساعة ليستريح الناس ويغمدوا سيوفهم ويحلو حزم خيلهم، ويحطوا سروجها.
وقوله: أذا الحرب قيل: الهمزة للنداء: أي يا ذا الحرب. وقيل: هو إذا يعني: إذا أتعبت الحرب.
وإن طال أعمار الرّماح بهدنةٍ فإنّ الّذي يعمرن عندك عام
الهدنة: الصلح وعمر الرجل يعمر: إذا طال عمره.
يقول: أطول أعمار الرماح بصلحك معهم عام واحد، ثم تعود إلى قتالهم فتقصر أعمار الرماح بالكسر والحطم، لأنك لا تصبر على قتالهم، فلا تعقد الهدنة إلا سنة واحدة.
وما زلت تفني السّمر وهي كثيرةٌ وتفني بهنّ الجيش وهو لهام
جيش لهام: أي كثير يلتهم كل شيء ويبتلعه.
يقول: لم تزل تكسر الرماح بالطعن وتفني بها الجيش، أي ذلك عادتك.
[ ١ / ٣٢٧ ]
متى عاود الجالون عاودت أرضهم وفيها رقابٌ للسّيوف وهام
الجالون: الذين تركوا بلادهم هربًا منه، الواحد: جال.
يقول: متى عاود الذين هربوا عن بلادهم من الروم إليها؛ عاودت أرضهم بالغارة والقتل، وتكون الرقاب التي ضربتها بسيوفك والهام التي فلقتها بعد، ساقطة لم تبل.
يصف قرب المدة التي يعاودهم فيها.
وقيل: معناه أنهم متى عاودوا أرضهم وحصلوا فيها، وعلمت أن هناك رقابًا تضربها، وهاما تفلقها، فإنك تعود إليهم؛ لأنك إنما تركت غزوك لجلائهم عنها.
وربّوا لك الأولاد حتّى تصيبها وقد كعبت بنتٌ وشبٌ غلام
كعبت الجارية: إذا نتأ ثديها وشب الغلام: ارتفع سنه، وأخرج من الصبي.
يقول: إن هؤلاء الروم يربون أولادهم لتسبيهم وتأخذهم في أحسن أحوالهم، وهو إذا كعبت الجارية، وارتفع سن الغلام، أي عاقبة أمرهم تعود إلى ذلك.
جرى معك الجارون حتّى إذا انتهوا إلى الغاية القصوى جريت وقاموا
يقول: إن الكرام جاروك في مضمار المجد، فلما انتهوا إلى أقصى الغاية وقفوا، وجريت أنت وحدك، لم يجارك أحد بعد.
وقيل: أراد أنهم جروا معك إلى المجد في المعركة، إلى أن اشتد القتال فقاموا، وجريت أنت.
فليس لشمسٍ مذ أنرت إنارةٌ وليس لبدرٍ مذ تممت تمام
يقول: أنت أنور من الشمس، وأكمل في الخصال من البدر، فخفي بنورك نور الشمس، وانتقص بكمالك كمال البدر.
وقيل: أراد بالشمس والقمر، ملوك عصره وكرام دهره، أي أنه أشرق عليهم وطمس معالم أفعالهم ومكارم خصالهم.
وتجمعت عامر بن صعصعة، وعقيل، وقشير، وعجلان وأولاد كعب ابن ربيعة بن عامر، بمروج سلمية، وكلاب بن ربيعة بن عامر ومن ضامهم بماء يقال له الزرقاء، بين خناصرة وسورية، ونمير بن عامر بدير دينار من الجزيرة وتشاركوا ما يلحقهم من سيف الدولة وتوافقوا على التذام فيما بينهم، وشغله من كل ناحية والتناصر إن قصد طائفة منهم، وبلغه ما عملوا عليه، وأقل الفكر فيهم، فأطغاهم كثرة عددهم وعددهم، وسولت لهم أنفسهم الأباطيل، واستوىل على تدبير كعب عقيلها، وحسن ذلك لهم قواد كانوا في عسكر سيف الدولة، فسار إليهم وظفر بهم فقال أبو الطيب يذكر ما جرى ويمدحه سنة أربع وأربعين وثلاث مئة.
تذكّرت ما بين العذيب وبارق مجرّ عوالينا ومجرى السّوابق
العذيب: اسم ماء لبني تميم. وبارق: اسم موضع. والمجر: يجوز أن يكون موضع الجر، وأن يكون مصدرًا. والمجرى: بفتح الميم موضع الجر، ومصدر كالجري. وبالضم: موضع الأجراء ومصدر كالإجراء، وقد روى: مجرى السوابق بضم الميم وفتحها وما في قوله: ما بين العذيب قيل: اسم في موضع نصب بتذكرت، ومجر عوالينا: بدل عنه. ومجرى: عطف عليه، ويجوز أن يكون صفة له.
والمعنى: تذكرت الموضع الذي بين العذيب وبارق بعد مفارقتي له، وكان ذلك الموضع مجر رماحنا ومجرى خيلنا: إما لعبًا أو حربًا. وقيل ما زائدة وبين ظرف ومجر بعده نصب بتذكرت: أي لما حصلت بين العذيب وبارق تذكرت هناك جر رماحنا وإجراء خيلنا.
وصحبة قومٍ يذبحون قنيصهم بفضلات ما قد كسّروا في المفارق
يقول: تذكرت صحبة قوم أبطال، إذا قنصوا صيدًا ذبحوه ببقايا سيوفهم التي كسروها في رءوس أعدائهم.
وليلًا توسّدنا الثّويّة تحته كأنّ ثراها عنبرٌ في المرافق
توسدنا الثوية: أي اتخذناها وسادة، والثوية: أرض بالكوفة. والثرى: التراب الرطب والهاء في ثراها للثوية وفي تحته لليل، وقيل: للثوية، إذ هو في معنى الرمل. وليلًا: عطف على ما قبله، وتوسدنا الثوية جملة من فعل وفاعل في موضع نصب صفة الليل، وقوله: كأن ثراها: في موضع النصب على الحال.
يقول: تذكرت ليلة كنا بالثوية وضعنا رءوسنا على ثراها، فكان ثراها الملتزق بمرافقنا عنبر لطيبه.
بلادٌ إذا زار الحسان بغيرها حصى تربها ثقّبنه للمخانق
الحسان: منصوب بزار، والهاء في بغيرها تعود إلى البلاد، وحصى: في موضع رفع لأنه فاعل زار. وأراد بالحصى: الفصوص الغروية التي تحمل من الغرى: وهو بناء عظيم بظهر الكوفة، وعنده مشهد علي أمير المؤمنين ﵁.
يقول: إن الثوية بلاد إذا حمل حصى هذه البلاد إلى النساء اللواتي هن بغير هذه البلاد، فإنهن يثقين هذا الحصى ويجعلنه في مخانقهن، لحسنه وصفائه.
[ ١ / ٣٢٨ ]
وقيل: إن هذه البلاد من بلاد الشام، والحصى: أراد به الفسيفساء تكون بتلك البلاد. والأول هو الأظهر.
سقتني بها القطربّليّ مليحةٌ على كاذبٍ من وعدها ضوء صادق
الكناية في بها للبلاد أو للثوية. وقطربل: قرية من قرى بغداد، والقطربلي: الخمر المنسوبة إلى قطربل.
يقول: سقتني في هذه البلدة امرأة مليحة، وكانت الساقية المليحة تعدني من وصلها مواعيد كاذبة، تشبه الصدق؛ لحسن لفظها وطيب كلامها.
وقيل: إنه أراد أنه رآها في النوم تسقيه الشراب، وتعده الوصال، وكان كاذبًا وإن كان في صورة الحق.
سهادٌ لأجفانٍ وشمسٌ لناظرٍ وسقمٌ لأبدانٍ، ومسكٌ لناشق
نشق الطيب: إذا طلبت رائحته.
يقول: قد اجتمعت في هذه المليحة هذه الأوصاف، فهي سهاد لأجفان العشاق، لأنهم لا ينامون شوقًا إليها، وشمس للناظرين إليها؛ من جمالها وحسنها، وسقم لأبدان العشاق؛ لأنهم يذوبون من حبها وتبلي أجسامهم شوقًا إليها، ومسك لناشق، يعني أنها طيبة البدن، فمن شمها وجد فيها رائحة المسك.
وقيل: أراد بها الخمر؛ لأنه تسهد لشربها، وشمس؛ للونها وسقم عند شربها، ومسك؛ لطيب رائحتها.
وأغيد تهوى نفسه كلّ عاقلٍ عفيفٍ ويهوي جسمه كلّ فاسق
الأغيد: الناعم الجسم، الطويل العنق، مع لين ونعومة. وهو رفع عطف على قوله: مليحة. أو على قوله: سهاد. وذكر قوله أغيد؛ لأنه أراد به شخصًا أغيد.
يقول: هو حسن الخلق والخلق، فالعاقل العفيف يهواه؛ لحسن خلقه وكمال عقله. والفاسق يهوى جسمه لحسن خلقه وملاحة وجهه.
وقيل: معناه سقاني الخمر المليحة الجامعة للصفات الأربع في البيت قبله، غلام أغيد، صفته كذا وكذا.
أديبٌ إذا ما جسّ أوتار مزهرٍ بلا كلّ سمعٍ عن سواها بعائق
أديب: رفع لأنه نعت لأغيد، أو بدل عنه. والمزهر: العود الذي يستعمل في الغناء وجس: أي مس. وبلا: أي جرب وامتحن.
يقول: إذا جس أوتار العود، شغل كل سمع عن الإصغاء إلى غيره؛ لحسن ضربه وجودة غنائه وصوته.
يحدّث عمّا بين عادٍ وبينه وصدغاه في خدّي غلامٍ مراهق
يقول: هو أديب يحفظ أيام الناس وأشعارهم، ويخبر بالأخبار القديمة التي كانت بينه وبين أيام عاد، وهو بعد مراهق حديث السن.
وما الحسن في وجه الفتى شرفًا له إذا لم يكن في فعله والخلائق
يقول: حسن الوجه لا يكسب لصاحبه شرفًا؛ ما لم يكن معه حسن الفعل وكرم الأخلاق.
وما بلد الإنسان غير الموافق ولا أهله الأدنون غير الأصادق
يقول: ليس بلد الإنسان إلا ما يوافقه، فلا تلتفت إلى وطنك إذا لم يوافقك، وحسنت في غيره حالك، وليس أهل الإنسان وأقاربه الأدنون إلا كل من يصادقه في المودة، فكل إنسان يصادقك فهو قريبك.
وجائزةٌ دعوى المحبّة والهوى وإن كان لا يخفى كلام المنافق
جائزة: قيل نافذة، وقيل: ممكنة.
يقول: دعوى المحبة من غير معنىً ربما تجوز وتنفذ، وإن كان كلام المنافق لا يخفى عليك.
وكان جماعة من شيوخ بني كلاب جاءوا وطرحوا أنفسهم على سيف الدولة وتضرعوا إليه. لما قصد لهم فقال: هؤلاء يدعون حبك وهذه الدعوى تنفذ منهم وإن كانوا منافقين في ذلك.
وقيل: معناه أن الإنسان يمكنه أن يظهر المودة بلسانه، وقلبه على خلافه، ولكنه لا يقدر أن يخفي نفاقه.
برأي من انقادت عقيلٌ إلى الرّدى وإشمات مخلوقٍ، وإسخاط خالق؟
من استفهام، وهو في موضع الجر باضافة رأى إليه وعقيل: قبيلة. والشماتة: الفرح ببلية العدو.
يقول: بتدبير من أظهرت عقيل عصيان سيف الدولة؟ فإنه أوقعها في الهلاك، وأشمت بها أعداءها، وأسخط خالقها.
أرادوا عليًّا بالّذي يعجز الورى ويوسع قتل الجحفل المتضايق
يقول: قصدوا عليا بالأمر الذي يعجز الخلق عن إيقاعه به؛ لأنهم أرادوا قتله والخروج من طاعته، وذلك يعجز الناس ولا يقدر عليه أحد، ولو أراد الجيش العظيم المجتمع الذي تضيق به الأرض لكثرته، أن يفعلوا ذلك لقتلوا دونه، حتى تتسع الأرض، وأراد بالمتضايق: المجتمع.
فما بسطوا كفًّا إلى غير قاطع ولا حملوا رأسًا إلى غير فالق
يقول: بسطوا أيديهم إلى من يقطعها! وحملوا رءوسهم إلى من يشقها.
[ ١ / ٣٢٩ ]
يعني: لما كان آخر أمرهم ذلك، كانوا كأنهم بسطوا أيديهم للقطع ورءوسهم للشق.
لقد أقدموا لو صادفوا غير آخذٍ وقد هربوا لو صادفوا غير لاحق
يقول: كان يتم إقدامهم لو صادفوا من هو مثلهم، فلما أقدموا عليك أسرتهم، فلولاك لكان يتم ما أرادوه، وكان يمكنهم الهرب لو هربوا منك، فلما لاحقهم لم يمكنهم الهرب منه
ولمّا كسا كعبًا ثيابًا طغوا بها رمى كلّ ثوبٍ من سنانٍ بخارق
كعب: اسم قبيلة يقول: لما كساهم سيف الدولة ثياب إنعامه، وكفروا إحسانه، خرق عنهم تلك الثياب بممزق من سنان، يعني أنهم لما جحدوا نعمه أزالها عنهم وقتلهم، وتلك نعمة عليهم.
ولمّا سقى الغيث الّذي كفروا به سقى غيره في غير تلك البوارق
البوارق: جمع بارقة، وهي السحابة التي فيها برق، وهذا مثل الذي قبله.
يقول: أنشأ عليهم سحائب إحسانه وسقاهم غيث امتنانه، فلما جحدوا فضله أمطر عليهم من سحائب غير تلك السحائب، يعني أتاهم من عسكره في مثل السحائب البارقة فصب عليهم صواعق الانتقام، وأزال عنهم غيث الإنعام
وما يوجع الحرمان من كفّ حازمٍ كما يوجع الحرمان من كفّ رازق
يقول: إن كان الحرمان ممن جرت عادته به لا يوجع المحروم، كما يوجع إذا كان ممن جرت عادته بالنعم والامتنان.
أتاهم بها حشو العجاجة والقنا سنابكها تحشو بطون الحمالق
حشو: نصب على الظرف أو الحال، والهاء في بها للخيل المضمرة التي يدل عليها ذكر الجيش، والحملاق: باطن الجفن، والحمالق: أصلها الحماليق فحذفت الياء ضرورة يقول: أتاهم سيف الدولة بالخيل وسط الغبار والرماح، وحوافرها تنثر الغبار فيدخل في عيونها وعيون فرسانها.
عوابس حلّي يابس الماء حزمها فهنّ على أوساطها كالمناطق
عوابس: نصب على الحال أي أتاهم عوابس. وحلي: من التحلية. والحزم: جمع الحزام، وأراد بيابس الماء: عرقها.
يقول: قصد إليهم بالخيل وقد عبست وجف عرقها على حزمها فابيض فصار كأنه حلي من فضة، وأشبهت الحزم على أوساطها المناطق المحلاة بالفضة.
وقيل أراد به الماء الحقيقي.
والمعنى: أنه قصدهم في الشتاء وخاض بها الأنهار فجرى الماء على حزمها مثل الحلي في المناطق.
فليت أبا الهيجاء يرى خلف تدمرٍ طوال العوالي في طوال السّمالق
أبو الهيجاء: والد سيف الدولة. وتدمر: مدينة على طرف السماوة من ناحية الشام. يقال: إنها من بناء سليمان ﵇. والسمالق: جمع السملق، وهي الأرض البعيدة الأطراف. وقيل: السمالق: الطرق البيض.
يقول: ليت والده رآه وقد هزم عقيلًا وطردها بالرماح في هذه النواحي؛ ليفرح وتقر به عينه.
وسوق عليٍّ من معدٍّ وغيرها قبائل لا تعطى القفىّ لسائق
القفى: جمع القفا. واللام في قوله: لسائق زائدة كقوله تعالى: " رَدِفَ لَكُمْ " وسوق: عطف على قوله: طوال العوالي يقول: وليته رأى سوق ابنه قبائل العرب من معد وغيرها، ممن كان لا ينهزم لأحد ولا يوليه قفاه.
قشيرٌ وبلعجلان فيها خفيّةٌ كراءين في ألفاظ ألثغ ناطق
هما قبيلتان، وبلعجلان: أراد بني العجلان، فحذف النون، كما قالوا في بني الحارث بلحارث. وأما إذا أرادوا إدغام النون في اللام فلا يمكنهم، لسكون اللام، فعدلوا إلى الحذف لتعذر الإدغام، والنون من بلعجلان مكسورة لأن الاسم مجرور بالإضافة.
وحكى ابن جني عنه أنه كان يضمه ذهابًا إلى أن الاسمين صارا اسمًا واحدًا.
والألثغ: الذي يميل بالراء إلى اللام، والمعنى: أن هاتين القبيلتين مع كثرتهما قد خفيتا في جملة القبائل كالراءين في لفظ الألثغ في خفائهما بغيرهما من الحروف.
تخلّيهم النّسوان غير فواركٍ وهم خلّوا النّسوان غير طوالق
الفوارك: جمع فارك، وهي التي تبغض. وغير في الموضعين نصب على الحال.
يقول: شتت سيف الدولة جمعهم، حتى خلت النساء أزواجهن، لا للبغض والطلاق!
يفرّق ما بين الكماة وبينها بطعنٍ يسلّي حرّه كلّ عاشق
الهاء في بينها للنسوان.
يقول: إن سيف الدولة كان يفرق بين الأبطال ونسوانهم بطعن، لو أصاب العاشق أنساه حره حرارة العشق الذي في قلبه، وسلاه عن العشق.
وقيل: معناه أنه كان يقتل بالطعن الذي إذا حل في العاشق أنساه عشقه.
[ ١ / ٣٣٠ ]
أتى الظّعن حتّى ما تطير رشاشةٌ من الخيل إلاّ في نحور العواتق
الظعن: جمع ظعينة، وهي المرأة ما دامت في الهودج. وروى: أتى الطعن بالطاء. والرشاش: ما تطاير من الدم. الواحدة رشاشة: والعواتق: النساء الأبكار، الواحدة عاتق.
يقول: إن سيف الدولة ألجأهم إلى رحلهم والتواري في خدور العواتق، واقتحم عليهم بخيله وسط نسائهم، وكانت الخيل تطعنهم فيطير الدم في نحور العواتق.
وفي رواية الطاء: طاعن الأعداء وهم في بيوتهم، فهذا معنى إتيان الطعن حتى يطير رشاشه في نحور النساء.
بكلّ فلاةٍ تنكر الإنس أرضها ظعائن حمر الحلي حمر الأيانق
المعنى: أنهم فروا بنسائهم إلى كل فلاة لم يطأها الإنس قبلهم، وكانت فيها نساء حمر الحلي: أي أن حليهم ذهب، وأيانقهن حمر، يعني: أنهن نساء ملوك وأرباب نعمة.
وقيل: أراد بقوله. حمر الحلي أنهن مختضبات بالدماء التي ترششت عليهن من رجالهن في نحور العواتق.
وملمومةٌ سيفيّةٌ ربعيّةٌ تصيح الحصى فيها صياح اللّقالق
أي كتيبة ملمومة: وهي المجتمعة. وسيفية: منسوبة إلى سيف الدولة؛ لأنهم جنده وأصحابه. وقوله: ربعية: منسوبة إلى ربيعة: يعني هم من بني ربيعة ليس فيهم غيرهم وإنما هم قومه وبنو عمه. واللقالق: جمع لقلق وهو طائر معروف. وفاعل تصيح: هو الحصى. وروى: يصيح الحصى أي الملمومة تحمله على الصياح. والهاء في فيها للفلاة.
يقول: إن هذه الملمومة إذا سارت في الحصى حكى وقع حوافرها فيه، صوت اللقالق.
وقيل: معناه أنها قد لبست التجافيف والدروع، وإذا وقعت حصاة عليهم طنت في الحديد والدروع، فأشبهت صياح اللقالق. وملمومة عطف على قوله ظعائن يعني أنهم فروا بظعائنهم إلى الفلوات، وسار سيف الدولة في طلبهم بخيله، وكان في كل فلاة ظعائنهم وخيل سيف الدولة تطلبهم. وهذا التشبيه من قول الشاعر:
تصيح الرّدينيّات فيها وفيهم صياح بنات الماء أصبحن جوّعًا
بعيدة أطراف القنا من أصوله قريبة بين البيض غبر اليلامق
هذا من صفة الملمومة.
يقول: هي بعيدة أطراف القنا من أصوله. يعني طويلة الرماح فأطرافها بعيدة من أصولها، وهي قريبة بين البيض: أي مجتمعة مزدحمة. والبيض: الذي على رءوسها يمس بعضها بعضًا بتزاحم الخيل. وهي غبر اليلامق: أي أن الغبار قد علاها. واليلامق: جمع يلمق، وهي جبة يكثر حشوها وتضرب وتلبس مثل الجوشن. وربما يجعل فيما بينها دروع.
وقيل: اليلمق: القباء، وإنما مدح بطول الرماح؛ لأن تمام الفروسية بحسن استعمالها.
وقوله: غبر اليلامق كان الوجه غبراء اليلامق كقوله قريبة وبعيدة، ولكنه حمله على المعنى؛ لأن الكتيبة جماعة، والأوليان محمولة على اللفظ. وقيل: رده إلى كل جزء من الكتيبة، كما يقال: امرأة واضحة اللباب.
نهاها وأغناها عن النّهب جوده فما تبتغي إلاّ حماة الحقائق
حماة الحقائق: هم الشجعان الذين يحمون ما يحق حمايته. والهاء في نهاها وأغناها للملمومة. وفاعل تبتغي ضميرها أيضًا.
يقول: إن سيف الدولة نهى الكتيبة عن الإغارة وأغناهم بجوده عن الاشتغال بالنهب، فهم لا يلتفتون إلى الأنهاب والأسلاب، وإنما قصدهم الأبطال والفرسان الحامون للحقائق.
توهّمها الأعراب سورة مترفٍ تذكّره البيداء ظلّ السّرادق
السورة: الوثبة. وقيل: هي الحرب ها هنا. والمترف: المتنعم. والسرادق: ما أحاط بالخيمة مثل السور. والهاء في توهمها ضمير الحرب، وقيل: ضمير السورة. وتذكره: تفسير لها.
يقول: ظن الأعراب أنك إذا سرت خلفهم تعبت، وأن سورتك مثل سورة كل متنعم، لا يصبر على الحر، فإذا حصل بالبيداء تذكر لين العيش، فتركهم وانصرف.
فذكّرتهم بالماء ساعة غبّرت سماوة كلبٍ في أنوف الحزائق
فذكرتهم بالماء: الباء فيه زائدة، أي ذكرتهم الماء. والسماوة: مفازة بين الشام والعراق، وأضافها إلى بني كلب لأنهم ينزلونها، وهي أصعب البرية. وغبرت: أي ركب عليها الغبار. والحزائق: الجماعات والواحد حزيق وحزيقة.
يقول: إنهم توهموا أنك لا تصبر على البادية فتنصرف سريعًا، كما يفعل كل مترف فكذبت ظنونهم وطردتهم، حتى إذا بلغوا السماوة، وثار غبارها فدخل في أنوف جماعتهم، عطشوا فتذكروا الماء من شدة ما لحقهم من العطش.
[ ١ / ٣٣١ ]
وكانوا يروعون الملوك بأن بدوا وأن نبتت في الماء نبت الغلافق
يروعون: أي يفزعون. وبدوا: أي صاروا أهل البادية وسكنوها. والغلافق: جمع الغلفق وهو الطحلب، وقيل: هو ما نبت في الماء مثل الطحلب.
يقول: كانوا يخوفون الملوك بنزولهم في البادية، وبأن الملوك لا تصبر على الماء كما لا تصبر الغلافق.
فهاجوك أهدى في الفلا من نجومه وأبدى بيوتًا من أداحي النّقانق
الهاء في نجومه يعود إلى لفظ الفلا ويجوز نجومها فيكون راجعًا إلى المعنى؛ لأنها جمع الفلاة. وهاجوك: أي هيجوك. وموضع أهدى نصب على الحال. وأبدى بيوتًا: أي أدخل في البدو بيتًا من النعام، فأبدى: من البادية. وأداحي: جمع الأدحية، وهي موضع بيض النعام. والنقانق: جمع نقنق وهو ذكر النعام.
يقول: هيجوك للحرب، وأنت عالم بالفلوات وأكثر اهتداء من النجوم، وكنت أدخل في البادية بيتًا من النقانق.
وقيل: إن قوله أبدى بيوتًا: أي أظهر بيوتًا، ومعناه: كنت فيها أظهر بيوتًا من النقانق؛ لأن بيوتها تكون ظاهرة غير خفية.
وأصبر عن أمواهه من ضبابه وآلف منها مقلةً للودائق
الودائق: جمع الوديقة، وهي شدة الحر. ويجوز أمواهها وضبابها ردًا إلى معنى الجمع. والهاء في منها للضباب. وأصبر وآلف نصب على الحال، عطفًا على قوله: أهدى في الفلا ومقلةً نصب على التمييز.
يقول: كنت أصبر في الفلوات عن الماء من الضباب؛ لأنها تتبلغ بالنسيم عن الماء، وكنت آلف للحر من الضباب، ومقلتك أكثر إلفًا للحر من مقلة الضباب.
وكان هديرًا من فحولٍ تركتها مهلّبة الأذناب خرس الشّقاشق
الهدير: صوت الفحل الهائج. المهلبة: مجذوذة الأذناب، والهلب: شعر الذنب والشقاشق: جمع الشقشقة، وهي ما يخرجه الفحل من فمه شبه الرئة، والفحل إذا هاج شد ذنبه فيسكن عند ذلك ويذل، فالمهلبة: هي المشدودة الأذناب.
وقيل: إن الفحل الهائج إذا نتف ذنبه سكن. فالمهلبة: المنتوفة الأذناب على المعنيين اللذين ذكرناها، فسكتت وخرست شقاشقها: أي انقطع هديرها.
قال ابن جني: المعنى كأن فعلهم من طغيانهم كهدير من فحول هاجت، فانتدب لها فحل أصعب منها فهربت منه وولته أذنابها، فهلبها: أي أخذ شعر أذنابها فنتفها وسكن هديرها.
فما حرموا بالرّكض خيلك راحةً ولكن كفاها البرّ قطع الشّواهق
فما حرموا: أي ما منعوا خيلك. نصب لأنها المفعول الأول بحرموا. وراحةً: المفعول الثاني والهاء في كفاها للخيل وهو المفعول الأول. وقطع: المفعول الثاني. والبر: فاعل كفاها.
يقول: إنهم ما منعوا خيلك بالركض راحةً وما كلفوها مشقةً؛ لأنها أبدًا لا تخلو من الحرب، فلولا أنها لم تسر إليهم لغزت بلاد الروم، وعلت الجبال الشواهق، والبر أسهل عليها من الجبال.
ولا شغلوا صمّ القنا بقلوبهم عن الرّكز لكن عن قلوب الدّماسق
الدماسق: جمع الدمستق.
يقول: لم تكن رماحك مركوزة في الأرض، فشغلوها عن الركز في الأرض بالطعن في قلوبهم، وإنما حولوها عن قلوب الدماسق إلى قلوبهم. يعني: لا راحة لخيلك ولا راحة لسلاحك.
ألم يحذروا مسخ الّذي يمسخ العدى ويجعل أيدي الأسد أيدي الخرانق
المسخ: تغير الصورة إلى غيرها. والخرانق: جمع الخرنق، وهو الأرنب الصغير.
يقول: أما خافوا سيف الدولة أن يمسخهم كما يمسخ أعداءه؟! ويرد أيدي الأسود منهم إلى أيدي الخرانق في القصر. والذلة والضعف، يعني: أن يجعل العزيز ذليلًا.
وقد عاينوه في سواهم وربّما أرى مارقًا في الحرب مصرع مارق
المارق: الخارج عن الطاعة. والهاء في عاينوه للمسخ، وفاعل أرى ضمير سيف الدولة.
يقول: أما خافوا مسخه؟! وقد شاهدوا سيف الدولة كيف مسخ أعاديه من غيرهم! فكان سبيلهم أن يرتدعوا بغيرهم، وسيف الدولة إذا مرق واحد من طاعته صرعه وقتله، وأرى مارقًا غيره مصرع الأول ليحذر منه ويتعظ به، ومثله قول أشجع:
شدّ الخطام بأنف كلّ مخالفٍ حتّى استقام له الّذي لم يخطم
تعوّد ألاّ تقضم الحبّ خيله إذا الهام لم ترفع جنوب العلائق
العلائق: المخالي التي يجعل فيها الشعير، وتعلق على الدابة.
[ ١ / ٣٣٢ ]
قال ابن جني: سألت المتنبي عن معناه فقال: الفرس إذا علقت عليه المخلاة طلبت موضعًا مرتفعًا يضعها عليه، ثم يتناول منها، فخيل سيف الدولة أبدًا إذا علقت عليها علائقها رفعته على هام الرجال الذين قتلتهم! لكثرة هاماتهم.
وقد قيل: إن هذا يؤدي إلى أن تكون الخيل هجنا قصار الأعناق؛ لأن الفرس العتيق لا يضع مخلاته على شيء لطول عنقه.
واعتذر عنه فقيل: إن رءوس القتلى قد كثرت حتى غطت وجه الأرض، فالفرس لا يضع مخلاته - إن وضعها - إلا على رءوس القتلى؛ وكثر ذلك حتى صار عادة لها، ولم يفعل ذلك لأنه كان يحتاج إليه لقصر عنقه.
ولا ترد الغدران إلاّ وماؤها من الدّم كالرّيحان تحت الشّقائق
الشقائق: يقال له الشقر، وهو اسمه الأصلي، وإنما سمي الشقر شقائق بمنبته، والشقائق: جمع شقيقة، وهي كل أرض مستطيلة تشق بين الرملين. وقيل لها: شقائق النعمان؛ لأن النعمان مر على شقائق فيها هذا النور فأعجبه فحماه، ولم يدع أحدًا يرعى تلك الشقائق، فأضيفت إليه يقول: تعودت خيله ألا ترد لشرب الماء إلا الغدران الممزوجة بالدماء. شبه خضرة الماء تحت الدم بالريحان تحت الشقائق. وقيل: أراد بالريحان الطحلب ومعناه: أن حمرة الدم تعلو خضرة الطحلب. وأخذ هذا المعنى بعض المتأخرين ونقله إلى وصف سيف فقال:
ويلوح في ورق النّجيع فرنده كالماء تحت شقائق النّعمان
لوفد نميرٍ كان أرشد منهم وقد طردوا الأظعان طرد الوسائق
الوسائق: جمع الوسيقة، وهو ما يطرد من الوحش عند الصيد.
يقول: بنو نمير كانوا أرشد منهم رأيًا حين فروا بنسائهم، وبعثوا وفودهم إليه يسألونه العفو، ولم يقفوا لك، كما فعلت عقيل.
أعدّوا رماحًا من خضوعٍ فطاعنوا بها الجيش حتّى ردّ غرب الفيالق
الغرب: الحد.
يقول: جعلوا خضوعهم إلى سيف الدولة رماحًا لهم، طعنوا بها الجيش، وردوا بها حدته عنهم.
فلم أر أرمى منه غير مخاتلٍ وأسرى إلى الأعداء غير مسارق
يقول: لم أر أرمى منك غير مخادع. يعني أنك لا تخادع أعداءك، ولا تسري إليهم سرًا، بل تجاهر بالطلب وتواجه بالرمي.
تصيب المجانيق العظام بكفّه دقائق قد أعيت قسيّ البنادق
قسي البنادق: ما يستعمله أهل العراق في رمي الطيور ويسمونه: الجلاهق. والبنادق: جمع بندقة، تعمل من الطين بقدر البندقة، وترمي بها الطير. وقيل: حجارة مستديرة كهيئة البندقة يرمى بها.
يقول: إن المجانيق تعمل بكفك عمل الجلاهق، فيمكنك أن تصيب بالمنجنيق المواضع اللطيفة الدقيقة التي لا يصيبها غيرك بقوس البنادق.
يعني: أنه يتوصل بجيشه عند مجاهرة أعدائه إلى ما لا يقدر غيره على التمكن منه بالختل والمخادعة.
وقال أبو الطيب هذه القصيدة في هذه السرية يسترضيه على قبائل العرب المشار إليها إلا أنه لم يذكر المنازل ولا وصف الوقعة؛ لأنه لم يشهدها، فشرحها له سيف الدولة وسأله أن يصفها فقال.
طوال قنًا تطاعنها قصار وقطرك في ندىً ووغىً بحار
الهاء في تطاعنها لطوال القنا، وأراد أصحابها.
يقول: إذا طاعنت أصحاب الرماح الطوال قصرت تلك الرماح في أيديهم؛ لأن أيديهم تضعف وترتعد عند لقائك، فلا تعمل رماحهم فيك، وكأنها مع طولها قصيرة، والقليل من عطائك كثير بالإضافة إلى عطايا غيرك، كالقطرة في البحر، وكذلك القليل من حربك كثير بالإضافة إلى حرب غيرك.
وفيك إذا جنى الجاني أناةٌ تظنّ كرامةً وهي احتقار
الأناة: الحلم والرفق. والتأني.
يقول: أنت حليم تتغافل عن المسيء، فيظن المسيء وغيره أن ذلك لكرامته عليك، وإنما هو لاحتقارك إياه.
وأخذٌ للحواضر والبوادي بضبطٍ لم تعّوده نزار
وأخذ: عطف على قوله: أناة.
يقول: فيك أخذ لأهل الحضر وأهل البدو، سياسةً وشدة لم تتعود العرب مثله. ونزار يجمع ربيعة ومضر ونحوهما أكثر العرب، فلذلك خصهم بالذكر.
تشمّمه شميم الوحش إنسًا وتنكره فيعروها نفار
أراد: تتشممه، فحذف أحد التاءين، والضمير في تشممه يعود إلى الضبط. فيعروها: أي يظهر لها، والهاء في يعروها لنزار.
يقول: تتشمم نزار ضبطه وسياسته كما يتشمم الوحش الإنس فتهرب عند ذلك؛ لأنها لم تتعود هذه السياسة.
[ ١ / ٣٣٣ ]
وما انقادت لغيرك في زمانٍ فتدري ما المقادة والصّغار
المقادة: الانقياد. والصغار: الذل.
يقول: إن نزار لم تنقد لأحد قبلك، حتى تعرف ما الصغار والانقياد.
فأقرحت المقاود ذفرييها وصعّر خدّها هذا العذار
الذفران: الجيدان المكتنفان للنقره حول القفا، وقيل: هما العظمان الناشزان خلف الأذنين، وأراد بهما الذفاري، فذكر لما يكون للواحد؛ لأن لكل واحد ذفرين، فاكتفى بالواحد عن الجمع. وصعر خدها: أي أماله، وأراد بالخد أيضًا: الخدود. وبالعذار: العذر. وفاعل أقرحت: المقاود. والهاءات لنزار. والمقاود: جمع مقود، وهو الحبل تقاد به الدابة الصعبة الانقياد.
يقول: ما زلت تقودهم بالعذار والمقود الخشن، حتى تقرح ذفرياها وتصعر خدها من ذلك العذار.
وأطمع عامر البقيا عليها ونزّقها احتمالك والوقار
ولم يصرف عامر لأنه جعلها اسمًا للقبيلة. والهاء في عليها تعود إلى عامر والبقيا: اسم من الإبقاء، وهي المسامحة.
يقول: لما أبقيت على بني عامر طمعت فيك، فدعاها ذلك إلى الخفة والطيش، حتى أقدمت على محاربتك.
وغيّرها التّراسل والتّشاكي وأعجبها التّلبّب والمغار
التلبب: التحزم للقتال ولبس الأسلحة. والمغار: هو الإغارة على العدو.
وقيل: من الإغارة التي هي إحكام الفتل فيقرب من التلبب.
يقول: غيرها عن الطاعة تراسل بعضهم بعضًا، وشكوى سيف الدولة، فكان يشكو بعضهم بعضًا ما يعاملهم به، وقيل: معناه غيرها عن الطاعة مراسلة سيف الدولة إياهم متلطفًا، وكذلك شكايته أفعالهم، ظنوا أن ذلك عن عجزه وأعجبها التحزم للحروب والغارات، وطمعوا في ذلك من سيف الدولة، لما رأوا احتماله.
وقيل: معناه اغتروا بتحزمهم ولبسهم الأسلحة وكثرة الإغارة على الأعداء.
جيادٌ تعجز الأرسان عنها وفرسانٌ تضيق بها الدّيار
جياد: عطف على قوله: التلبب والمغار، وقيل: هي مبتدأ والخبر محذوف، أي لهم جياد.
يقول: أعجبها خيل جياد تعجز عنها الأرسان؛ لكثرتها فلا يوجد لها أرسان تكفيها.
وقيل: تعجز الأرسان عن ضبطها؛ لصعوبتها، وكذلك أعجبها فرسان لا تسعهم الأرض لكثرتهم.
وكانت بالتّوقّف عن رداها نفوسًا في رداها تستشار
نفوسًا: خبر كانت. واسمه ضمير القبيلة التي هي بني عامر.
يقول: كانت هذه القبيلة بإقامتهم على عصيانهم سيف الدولة كالمشيرين عليه بقتلهم، وكان هو يتوقف عن قتلهم، فكأنه كان هو كالمستشير في قتله إياهم.
وكنت السّيف قائمه إليها وفي الأعداء حدّك والغرار
غرار السيف: ما بين حده إلى عيره الناشز في وسطه. وقيل: هو الحد، وجمع بينهما لاختلاف اللفظين.
يقول: كنت قبل أن يعصوك، سيفًا لهم قائمه في أيديهم، وحده في أعدائهم، فلما عصوك انقلب حده فيهم ومثله:
نقاسمهم أسيافنا شرّ قسمةٍ ففينا غواشيها وفيهم صدورها
ومثله لجعفر الحارثي:
لهم صدر سيفي يوم بطحاء سحبلٍ ولي منه ما ضمّت عليه الأنامل
فأمست بالبديّة شفرتاه وأمسى خلف قائمه الحيار
البدية والحيار: ماءان. وقيل موضعان. فالحيار: قريبة من العمارة. والبدية: واغلة في البرية، وبينهما مسيرة ليلة. وكان سيف الدولة بالحيار، وبنو عامر بالبدية.
يقول: كنت سيفًا لهم، قائمة في إيديهم، فلما عصوك صار حده فيهم وقائمه خلف الحيار.
وقيل: معناه أن قائمه كان خلف الحيار وشفرتاه بالبدية: أي طال السيف إليهم حتى وصل من خلف الحيار إلى البدية، وإنما طال بطول باع حامله.
يصف بذلك سرعة وصوله إليهم.
وكان بنو كلابٍ حيث كعبٌ فخافوا أن يصيروا حيث صاروا
كعب: مرفوع بالابتداء وخبره محذوف. أي حيث كعب كائنة. وكان سيف الدولة بالحيار، فسار عنها يقصد البدية، فتلقاه مشيخة بني كلاب في الطريق، واستأمنوه، وقد كانوا مع كعب يدًا واحدة، فخالفوهم وساروا مع سيف الدولة، إلى بني كعب.
فيقول: كان بنو كلاب مع كعب، فخافوا أن يحل بهم ما حل بكعب من القتل، فرجعوا إلى الطاعة.
تلقّوا عزّ مولاهم بذلٍّ وسار إلى بني كعبٍ وساروا
يقول: ذل بنو كلاب لعز مولاهم وهو سيف الدولة وانقادوا له فساروا معه إلى بني كعب.
[ ١ / ٣٣٤ ]
فأقبلها المروج مسوّماتٍ ضوامر لا هزال ولا شيار
الهاء في أقبلها للخيل، وأضمرها للعلم بها، وأقبلها: أي أجازها وحولها نحوها. والمسومات: أي معلمات. والمروج: مروج سلمية. والهزال: جمع هزيل. وشيار: جمع شير، وهو الفرس السمين الممتلئ من اللحم.
يقول: أقبل بخيله إلى المروج، وهي مضمرة ليست بهزيلة ولا سمينة، بل كانت خفيفة اللحم لا من الهزال.
تثير على سلمية مسبطرًّا تناكر تحته لولا الشّعار
تناكر: أي تتناكر. وسلمية: موضع. مسبطرًا: أي غبارًا ساطعًا ممتدًا.
يقول: أثارت الخيل غبارًا بسلمية حتى ستر الشمس وأظلم النهار لامتداد الغبار، فأنكر ما تحته؛ لشدة الظلمة، وإنما كانوا يتعارفون بالعلامات.
عجاجًا تعثر العقبان فيه كأنّ الجوّ وعثٌ أو خبار
عجاجًا: بدل من مسبطرًا. والوعث: الأرض السهلة الكثيرة الرمل. والخبار: الأرض السهلة التي فيها حجارة.
يقول: صار الجو من كثرة الغبار وتكاثفه أرضًا ذات وعث وخبار، حتى إن العقبان تعثر فيها ولا يمكنها الطيران.
وظلّ الطّعن في الخيلين خلسًا كأنّ الموت بينهما اختصار
الخيلان: خيل سيف الدولة وخيل العدو، وهم بنو كلاب. والخلس: الاختلاس. يصف الجيش بالحذق في الطعن.
يقول: لما التقى الخيلان تخالسوا الطعن واختصروا الطريق إلى الموت، يعني أنهم اقتصروا على الطعن والضرب، فكأنهم اختصروا الحرب، وحذفوا فضولها، وقربوا القتل على الأعداء، فهذا اختصار الموت.
وقيل: إن معناه أن الموت كان يقلل من عدد جيش العدو بسرعة، لأن الاختصار هو رد الكثير إلى القليل.
فلزّهم الطّراد إلى قتالٍ أحدّ سلاحهم فيه الفرار
لزهم: أي ألجأهم. والطراد: المطاردة.
والمعنى: ألجأهم القتال إلى الهرب. أحد سلاحهم فيه الفرار يدفعون به القتل عن أنفسهم، كما يدفع السلاح، لما لم يمكنهم القيام لسيف الدولة.
مضوا متسابقي الأعضاء فيه لأرؤسهم بأرجلهم عثار
الهاء في فيه ضمير الفرار والطراد.
يقول: مضوا منهزمين فكانت أعضاؤهم يسبق بعضها بعضًا في الفرار، فالرأس يترك جسمه ويتقدم عليه ويتعثر بأرجل المنهزمين.
أو كانت الرءوس إذا أبينت تسقط على أرجل أصحابها فتعثر بها، خلاف المعهود، لأن المعهود أن تتعثر الأرجل لا الرءوس.
والمعنى: أنهم ولوا وتبعت خيل سيف الدولة أدبارهم تضرب أعناقهم وتسقط رءوسهم على أرجلهم، وهم ينهزمون، فجعل ذلك سابقًا من أعضائهم في الفرار.
يشلّهم بكلّ أقبّ نهدٍ لفارسه على الخيل الخيار
يشلهم: أي يطردهم. والأقب: الضامر البطن. والنهد. المشرف العالي.
يقول: يطردهم سيف الدولة بكل فرس ضامر مرتفع عالي، لفارسه خيار على الخيل: يعني يصرفها كيف شاء: إن شاء سبق، وإن شاء لحق؛ لجودة فروسيته.
وقيل: أراد بالخيار أنه يختار من يقتلهم، فكأنه يقتل القواد والكبار من أصاب الخيل دون الأرذال والحشو.
وكلّ أصمّ يعسل جانباه على الكعبين منه دمٌ ممار
وكل: عطف على قوله: بكل أقب. ويعسل: أي يضطرب. وجانباه: جانب الزج، وجانب السنان. وأراد بالكعبين: الكعبين اللذين في عامل الرمح. قيل: أراد به الكعاب للرمح فعبر عنهما بالتثنية. والممار: المجرى من أمرت الدم أي أجريته، فهو ممار، ومار، فهو مائر.
يقول: يطردهم بكل فرس ضامر، وكل رمح أصم لا تجويف فيه يهتز طرفاه، وقد سال الدم على كعوبه.
يغادر كلّ ملتفتٍ إليه ولبّته لثعلبه وجار
ثعلب الرمح: ما دخل منه في السنان. والوجار: بيت الثعلب بفتح الواو وكسرها. واللبة: المنحر.
يقول: هو يطردهم بكل رمح إذا التفت المنهزم لينظر هل وراءه أحد، طعنه في لبته حتى تصير لبته لثعلب الرمح بمنزلة الوجار للثعلب الذي هو الحيوان.
إذا صرف النّهار الضّوء عنهم دجا ليلان: ليلٌ والغبار
يقول: إذا زال عنهم ضوء النهار غطاهم ليلان: أحدهما الليل المعروف، والثاني ظلمة الغبار الموصوف.
وإن جنح الظّلام انجاب عنهم أضاء المشرفيّة والنّهار
جنح الليل وجنحه: جانبه، وقيل: سواده، وانجاب: انكشف.
[ ١ / ٣٣٥ ]
يقول: إذا انكشف الليل عنهم أضاء لهم نهاران: أحدهما النهار الحقيقي، والثاني ضوء لمع السيوف. وقد أتى النابغة بجميع ذلك في بيت واحد فقال:
تبدوا كواكبه والشّمس طالعةٌ نورًا بنورٍ وإظلامًا بإظلام
يبكّي خلفهم دثرٌ، بكاه رغاءٌ أو ثؤاجٌ أو يعار
الرغاء: صوت الإبل. والثؤاج: صوت الضأن. واليعار: صوت الماعز. والدثر: المال الكثير.
يقول: يصيح وراءهم مال عظيم من الإبل والضأن والماعز فكأنها تبكي.
غطا بالغنثر البيداء حتّى تخيّرت المتالي والعشار
غطا يغطو، وغطى يغطي بمعنىً. والغنثر: ماء. والمتالي: جمع متلية وهي التي يتلوها ولدها. والعشار: الحوامل التي أتى على حملها عشرة أشهر والواحدة عشراء.
يقول: لما وصل سيف الدولة إلى هذا الماء أخذ أموال بني كعب لما هربوا، وغطى بها البيداء وملأها، حتى عجز الجيش عن سوقها، فكان أصحابه يختارون نفائسها وكرائمها وهي المتالي والعشار.
وقيل: إن فاعل غطا هو ضمير الدثر. والمعنى: أن المال غطى بكثرته البيداء على هذا الماء، حتى أخذ كرائمه.
ومرّوا بالجباة يضمّ فيها كلا الجيشين من نقعٍ إزار
الجباة: ماء، أو موضع. والنقع: الغبار.
يقول: انهزموا من سلمية، ومروا بالجباة، وخيل سيف الدولة خلفهم فأحاط الغبار بهم جميعًا، فكان العسكران كأنهما في إزار واحد، وصار الغبار كالإزار المحيط بهم. ومثله للخنساء تصف عيرًا يطرد أتانًا:
يتعاوران من الغبار ملاءةً بيضاء ساطعةً هما نسجاها
وجاءوا الصّحصحان بلا سروجٍ وقد سقط العمامة والخمار
الصحصحان: صحراء هناك. وأراد بالعمامة: العمائم. وبالخمار: الخمر.
يقول: انهزموا من الجباة وجاءوا الصحصحان، وقد ألقوا سروجهم لتخف دوابهم، وسقطت عمائمهم عن رءوسهم وخمر نسائهم.
وأرهقت العذارى مردفاتٍ وأوطئت الأصيبية الصّغار
أرهقت: أي كلفت أمرًا صعبًا. والأصيبية: تصغير صبية، وهي جمع الصبي في القلة.
يقول: أردفوا العذارى خلفهم وأتعبوهن من شدة الركض، وأوطئوا إبلهم وخيلهم صبيانهم الصغار؛ لشدة هربهم.
وقد نزح العوير فلا عويرٌ ونهيا والبييضة والجفار
هذه كلها أسماء مياه.
يقول: نزحوا هذه المياه لما أصابهم من شدة العطش حين مروا بها.
وليس بغير تدمر مستغاثٌ وتدمر كاسمها لهم دمار
تدمر: مدينة على طرف السماوة. والمستغاث: الموضع الذي يلتجأ إليه. والدمار: الهلاك.
يقول: لما لم يجدوا في هذه المواضع ماء اجتمعوا في تدمر ليدبروا رأيًا، ولم يكن لهم موضع سواها يلتجئون إليه، فلما نزلوا بها قصدهم سيف الدولة، فدمر عاليهم فيها، فصار اسمها موافقًا لهلاكهم ودمارهم.
أرادوا أن يديروا الرّأي فيها فصبّحهم برأيٍ لا يدار
يقول: اجتمعوا في تدمر؛ ليدبروا رأيهم، فصبحهم سيف الدولة برأي لا يتوقف فيه، لأنه لا يرى إلا ما يكون صوابًا في أول وهلة، وقيل: أراد أنه يستبد برأيه، ولا يرجع فيه إلى أحد، ولا يعرض له ما يعوقه عنه.
وجيشٍ كلّما حاروا بأرضٍ وأقبل أقبلت فيه تحار
حار يحار حيرة: إذا تحير. والضمير في حاروا قيل: يعود إلى بني كعب. وفي فيه إلى الجيش.
يقول: صبحهم برأي وجيش عظيم يغطي الأرض كثرةً، فمتى تحير القوم المنهزمون بأرض تحيرت الأرض في هذا الجيش، لكثرته.
وقيل: حاروا للجيش وفيه لسيف الدولة، والمعنى: صبحهم بجيش كلما تحير هذا الجيش بأرض: إما لأنها تضيق بهم لكثرتهم، وإما لسعتها فلا يهتدون فيها، وإما لخشونتها، ثم إذا أقبل سيف الدولة وجاء إلى الجيش أقبلت الأرض تتحير في سيف الدولة؛ لعظم هيبته.
وقيل: حاروا فعل الجيش على المعنى. قيل: وفيه يعود إلى لفظ الجيش. يعني: أن الجيش إذا تحيروا في هذه الأرض أقبلت الأرض تتحير في هذا الجيش لكثرته وزيادته عليها.
يحفّ أغرّ لا قودٌ عليه ولا ديةٌ تساق ولا اعتذار
[ ١ / ٣٣٦ ]
يقول: إن هذا الجيش يحف أغر: أي يحيط به من جميع جهاته، وإذا قتل إنسانًا لا يقتل به قودًا؛ لعزته ومنعته، أو لأنه لا يقتله إلا بحق، ولا يطالب أيضًا بديته، ولا يعتذر عما فعله؛ للوجهين اللذين ذكرناهما. وهو من قوله تعالى: " لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ".
تريق سيوفه مهج الأعادي وكلّ دمٍ أراقته جبار
المهجة: دم القلب، وهي النفس أيضًا. والدم الجبار: الباطل.
يقول: كل دم تريق سيوفه من دم الأعادي، ذهب هدرًا لا يدرك له ثأر.
فكانوا الأسد ليس لها مصالٌ على طيرٍ وليس لها مطار
المصال: مصدر صال، والمطار: من طار.
يقول: إنهم كانوا أسودًا في أنفسهم بشجاعتهم وإقدامهم، وكانت خيلهم كالطيور سرعة، ولكن لما رأوك تحيروا وتحيرت أفراسهم هيبةً لك، فلم يكن لهم مصال مع كونهم أسود، ولا لخيلهم مطار مع كونها في السرعة كالطير.
وقيل: المعنى أنهم كانوا قبل ذلك مثل الأسود، والآن لما غضبت عليهم ليس لهم مصال على طير لضعفهم وقلتهم، وليس لهم أيضا مطار؛ لأنك قد أهلكتهم بالقتل والأسر. وأراد بالمصال على طيران الأفراس: كالطير لخفتها، فكأنه قال: ليس لها مصال على غيرهم من الفرسان لضعفهم، فشبه خيل المخالفين لهم بالطير.
إذا فاتوا الرّماح تناولتهم بأرماحٍ من العطش القفار
يقول: إن فاتوا رماحك ودخلوا البر هلكوا من العطش، وكأن العطش رماح القفار، قتلتهم بها.
يرون الموت قدّامًا وخلفًا فيختارون، والموت اضطرار
يقول: قد أحاط بهم الموت من قدامهم وخلفهم فقدامهم العطش، ووراهم الرماح، فكانوا بين موتين، فيختارون أحدهما، وإن هذا الموت ليس باختيار، بل هو اضطرار.
وقيل: معناه يختارون أحد الموتين، فأما الموت فهو نازل بهم لا محالة ولا محيص لهم عنه، وإنما يختارون أحد الموتين.
إذا سلك السّماوة غير هادٍ فقتلاهم لعينيه منار
الهادي: الدليل، وقيل: هو العارف بالطريق، وهو في معنى المهتدي. والمنار: العلامات التي تبنى على الطريق، ليهتدي بها، والواحدة: منارة.
يقول: إنهم دخلوا السماوة فرارًا من سيف الدولة، وتبعهم فقتلهم في كل مكان، وبقيت جثثهم مطروحة على الطرق حتى لو سلك السماوة من لا يهتدي فيها، لكانت جثثهم تدله على الطريق، وتقوم له مقام المنار.
وقيل: أراد أنهم ماتوا عطشًا هناك وبقيت جثثهم دالة للمار بها.
ولو لم يبق لم تعش البقايا وفي الماضي لمن بقي اعتبار
يقول: لو لم يعف عنهم سيف الدولة لهلكوا عن آخرهم، ولم يعش الباقي منهم، ومن بقي منهم يعتبر حاله بحال من مضى.
والماضي: هو المقتول، والباقي: الذي بقي بعدهم.
إذا لم يرع سيّدهم عليهم فمن يرعى عليهم أو يغار؟!
أرعى فلان على فلان: إذا كف عنه ورق له.
يقول: إذا لم يرحمهم سيدهم فمن الذي يرحمهم ويغضب لهم؟!
تفرّقهم وإيّاه السّجايا ويجمعهم وإيّاه النّجار
هولاء من أصل واحد، لأنهم جميعًا من نزار، وسجاياهم متفرقة. والنجار. الأصل.
يقول: خليقة سيف الدولة وخلائقهم مختلفة؛ لأن خليقة سيف الدولة الكرم والعفو، وخلائقهم العصيان والنزق، فبينهما فرق من هذه الجهة.
ومال بها على أركٍ وعرضٍ وأهل الرّقّتين لها مزار
الهاء في بها للخيل. وأرك وعرض: موضعان. والرقتان: مدينتان من ديار بكر.
يقول: لما فرغ من بني كعب، عطف بخيله على أهل أرك وعرض، وقرب من أهل الرقتين، حتى لو شاء أن يزورهما بخيله، لم يبعد عليه.
وقيل: مال بالخيل على أرك وعرض، لطلب بني كعب.
وقيل: معناه عدل بجيشه على أهل أرك وعرض، مع بعدهما عن مقصده؛ لأنه كان قد توجه إلى الرقتين وأرك وعرض بعيدان عن الرقتين.
وأجفل بالفرات بنو نميرٍ وزأرهم الّذي زأروا خوار
أجفل: أسرع هاربًا مذعورًا. والزأر والزئير: صوت الأسد. والخوار: صوت الثور.
يعني: أن بني نمير فروا من الفرات، خوفًا منه، وكانوا قبل ذلك يزأرون كالأسود، ويرعدون بالحرب، فلما رأوه ذلوا وصار زئيرهم خوارًا: أي بعد أن كانوا أسودًا في الشدة صاروا مثل البقر في الذلة.
فهم حزقٌ على الخابور صرعى بهم من شرب غيرهم خمار
[ ١ / ٣٣٧ ]
الحزق: جمع حزقة، وهي الجماعة، والخابور: موضع بقرب الموصل.
يقول: إن بني نمير فروا من الفرات، ونزلوا الخابور صرعى من الخوف والكلال، فصاروا كالموتى خوفًا من أن يسري إليهم سيف الدولة، وهم صرعى كأنهم مخمورون، ورماحك كانت الشاربة، فكيف أصابهم الخمار دونها؟! وقيل: معناه أنهم بقوا هناك خائفين صرعى خوفًا من الممدوح، فيهم خمار: وهو الخوف والتقطع من الكلال من شرب غيرهم، وهو ما فعل ببني كعب من القتل، فخافوا أن يشربوا كأس الموت مثل ما شرب بنو كعب.
فلم يسرح لهم بالصّبح مالٌ ولم توقد لهم بالليل نار
يقول: هولاء كمنوا في الخابور وحبسوا مالهم، فلا يجسرون على تسريح مواشيهم بالنهار، خوفًا من الإغارة، ولا على إيقاد النار بالليل، خوفا من الدلالة وقيل: معناه ذهب مالهم، فلا مال يسرح لهم في الصبح، وتقوضت خيامهم فلا نار لهم توقد بالليل.
حذار فتىً إذا لم يرض عنهم فليس بنافعٍ لهم الحذار
حذار: نصب لأنه مفعول له.
يقول: فعلوا ذلك خوفًا من فتى، إن لم يرض عنهم لم ينفعهم الحذار.
تبيت وفودهم تسري إليه وجدواه الّذي سألوا اغتفار
يقول: وفود هولاء يأتون سيف الدولة، ولا يسألون من العطايا شيئًا إلا العفو عنهم والصفح عن إساءتهم.
فخلّفهم بردّ البيض عنهم وهامهم له معهم معار
معار: من العارية وهو مفعول عار.
يقول: لما رد سيوفه عنهم، ترك رءوسهم عارية عندهم؛ لأنها له متى شاء أخذها منهم، فكأنه لما عفى عنهم أعارهم رءوسهم.
هم ممّن أذمّ لهم عليه كريم العرق والحسب النّضار
أذم لهم: أي صيرهم في ذمامه والحسب: الشرف. والنضار: الخالص.
يقول: صيرهم في ذمامه كرم الأصل وصحة الحسب.
وأضحى بالعواصم مستقرًّا وليس لبحر نائله قرار
أي عاد إلى دار مملكته واستقر بها، ونائله لا يستقر بل يسير في الآفاق. وينتشر في البلاد.
وأضحى ذكره في كلّ أرضٍ تدار على الغناء به العقار
يقول: سار ذكره في الآفاق، يتحدث في كل مجلس بفضائله، ومتى أراد قوم شرب الخمر يغني لهم المغني بفضائله.
وقيل: معناه نظمت الأشعار بمدحه، فإذا أراد الناس شرب العقار غنى لهم المعني بهذه الأشعار.
تخرّ له القبائل ساجداتٍ وتحمده الأسنّة والشّفار
يقول: غنه ملك رقاب العرب، وتسجد له قبائلها، وإن الرماح وشفار السيوف تحمده؛ لأنه أعلى قيمتها بكثرة الاستعمال، ولأنها تكون باعثة على حمده؛ لأن من رأى طعنه وضربه بها حمده.
وقيل: عنى أصحاب السيوف والرماح.
كأنّ شعاع عين الشّمس فيه ففي أبصارنا عنه انكسار
الهاء في فيه لسيف الدولة، وفي عنه للشعاع، ويجوز أن يكون له أيضًا.
يقول: له من الهيبة والنور ما لا يمكننا أن ننظر معه إليه، كما لا نقدر أن ننظر إلى عين الشمس ومثله قوله عنترة:
إذا أبصرتني أعرضت عني كأنّ الشّمس من قبلي تدور
فمن طلب الطّعان فذا عليٌّ وخيل الله والأسل الحرار
الحرار: العطاش، واحدها: حرى: كغضبي وغضاب.
يقول: من أراد الحرب، ولا يجد محاربًا فهذا علي فليأته، فقد رأيتموه وجربتموه، وهذه خيل الله؛ لأنه مجاهد بخيله، وهذه الرماح العطاش إلى الدماء.
يراه النّاس حيث رأته كعبٌ بأرضٍ ما لنازلها استتار
يقول: إنه يجاهر من يحاربه، ويبرز إليه في البيداء كما جاهر بني كعب، ولا يمتنع بسور.
وقيل: أراد أنه أبدًا يقطع المفاوز إلى الأعادي ولا يمكن لأحد أن يستتر عنه. والمعنى: يراه الناس بالعين التي رأته بها كعب.
يوسّطه المفاوز كلّ يومٍ طلاب الطّالبين لا الانتظار
فاعل يوسط طلاب. تقديره: لا انتظاره.
يقول: كل يوم يتوسط المفاوز في طلب الهاربين إليها من أعدائه، والنازلين بها، لا أنه يهرب إليها ويتحصن بها، وينتظر من يقصده فيها.
وقيل: معناه أنه يتوسط الفلوات لطلب المغيرين على الناس من أهل الفساد، لا لانتظار صيد يقع أو فرصة تنتهز.
تصاهل خيله متجاوباتٍ وما من عادة الخيل السّرار
السرار: المسارة.
[ ١ / ٣٣٨ ]
يقول: يخرج بخيله إلى المفاوز جاهرًا بها في طلب الأعداء، فهي تتجاوب بالصهيل، ولا يمنعها الصهيل بالضرب، إذ ليس من عادتها المسارة، فهو يتركها مع عادتها.
وقال ابن جني: معناه كأن بعض خيله يسر إلى بعض شكية لما يجشمها من الحروب وقطع المفاوز، فيجاوبها الآخر سرًا.
قال: ويجوز أن يريد أن خيله مؤدبة معلمة فتصهل سرًا هيبة وإجلالا.
بنو كعبٍ وما أثّرت فيهم يدٌ لم يدمها إلاّ السّوار
يقول: إن بني كعب يفتخرون بأنك أوقعت بهم، ويتجملون بقصدك إليهم، وإن أصابتهم الالآم والعقوبات، كيد يدميها السوار، فإن صاحبها لا يشكو الألم الذي ناله من السوار، لما كان السوار جمال يده وزينته.
بها من قطعه ألمٌ ونقصٌ وفيها من جلالته افتخار
الهاء في بها لليد، وكذلك في فيها وفي قطعه وجلالته للسوار. ومعناه هم مثل يد أدماها السوار، فهي تتألم من قطعه وتفتخر بجماله.
لهم حقٌّ بشركك في نزارٍ وأدنى الشّرك في أصلٍ جوار
يقول: لهم عليك حق لانتسابك معهم إلى نزار، وأقل القرابة تقوم مقام الجوار، فكما يجب صيانة حق الجار، فكذلك حق القريب.
لعلّ بنيهم لبنيك جندٌ فأوّل قرّح الخيل المهار
يقول: اعف عنهم، فلعل أبناءهم يكونون جندًا لبنيك، كما أنهم جندك، فكل كبير يكون صغيرًا ويصير رجلا، وأول ما يكون الخيل: مهارًا ثم تكون قرحًا.
وأنت أبرّ من لو عقّ أفنى وأعفى من عقوبته البوار
يقول: أنت أبر كل من ملك، إذا عقهم من تجب عليهم طاعتهم، لم يرضوا في عقوبتهم بغير الإهلاك، وأكثرهم عفوًا وصفحًا، إذا كان غيرك يهلك بشدة عقوبته.
يعني: أنك بررتهم وعفوت عنهم ولو أردت لأهلكتهم.
وأقدر من يهيّجه انتصارٌ وأحلم من يحلّمه اقتدار
يقول: أنت أقدر الملوك الذين يهيجون للانتصار من أعدائهم، أي متى هجت لتنتصر من أعدائك، كنت أقدر من كل ملك هذه صفته، وأنت أحلم من كل حليم يحلم عند قدرته.
وما في سطوة الأرباب عيبٌ ولا في ذلّةٍ العبدان عار
العبدان: جمع عبد.
يقول: إنك لربّهم وهم عبيدك، فلا عيب عليهم في سطوتك ولا عليهم في خضوعهم لك.
وقال أيضًا وقد ودعه إلى الإقطاع الذي أقطعه:
أيا راميًا يصمي فؤاد مرامه تربّى عداه ريشها لسهامه
يصمي: أي يقتل. يقال: رماه فأصماه، إذا قتله مكانه. والهاء في ريشها للعدى. وفاعل تربى: عداه والهاء في سهامه ومرامه وعداه: للرامي.
يقول لسيف الدولة: أيا راميا يصيب فؤاد مطلبه، بسهام ريشها من أعدائه فكأن أعداءه طير تربى أجنحتها حتى إذا بلغت أخذها لريش سهامه وأراد بالسهام: جيشه. وبريش السهام: سلاح أعدائه، الذي سلبه من الأعداء وكساه جيشه، يعني أنك تغير على الأعداء فتأخذ أسلحتهم وتقتلهم
أسير إلى إقطاعه، في ثيابه على طرفه، من داره بحسامه
يعني: أن جميع ما أملكه من عطاياه، فداري التي أسكنها وثيابي، وفرسي، من هباته، ومثله قول جحظه:
فكيف لا أشكر من لا أرى في منزلي إلاّ الّذي جاد به؟!
والأصل فيه قول النابغة:
وإنّ سلاحي إن نظرت وشكّتي ومهري وما ضمّت عليه الأنامل
حباؤك والعيس العتاق كأنّها هجان المها تردى عليها الرّحائل
وقال أيضًا جميع ذلك في نصف بيت:
وما أغفلت شكرك فانتصحني فكيف ومن عطائك كلّ مالي؟
وما مطرتنيه من البيض والقنا وروم العبدّي هاطلات غمامه
العبدي والعبود: اسم الجمع بمعنى العبيد.
يقول: عبيدي وسلاحي من مطره الذي مطرته لي سحائبه الهاطلة، وعطاياه الشاملة.
ودل بذلك على أن جوده يعم العالم، ويشمل الأزمان، ويتناول الأقوام.
فتىً يهب الإقليم بالمال والقرى وما فيه من فرسانه وكرامه
يقول: هو يملك العباد والبلاد، ويهب الإقليم بما فيه من الأموال، ومن عليه من الفرسان والرجال.
ويجعل ما خوّلته من نواله جزاءً لما خوّلته من كلامه
خولته: أي ملكته.
يقول: إن أياديه علمتني الشكر، ولقنتني الثناء والذكر، فكلامي منه من هذا الوجه، فلما أثنيت عليه جازاني على ثنائي فخولت الإحسان جزاء على ما خولت من الكلام.
[ ١ / ٣٣٩ ]
وقيل: أراد، أستفيد منه حسن الكلام فإذا مدحته به جازاني بالنعم العظام.
فلا زالت الشّمس التي في سمائه مطالعة الشّمس الّتي في لثامه
أضاف السماء إليه في قوله: في سمائه توسعًا ليجانس قوله: في لثامه قلت: إنما أضافها إليه لأنه جعله مالكًا للسماء والأرض.
يقول داعيًا له بدوام البقاء: لا زالت شمس السماء مقابلة لوجهك الذي هو كالشمس في حسن البهاء والسمو والعلا.
ولا زال تجتاز البدور بوجهه تعجّب من نقصانها وتمامه
يقول: لا زال أبدا يطلع البدر عليه، ويرى وجهه أحسن منه وأكمل بهاءً ومنظرًا.
وقيل: أراد بذلك بدر السماء ينتقص في كل شهر، ووجه الممدوح أبدًا غاية التمام، فيتعجب البدر من نقصانه كل شهر، وتمامه أبد الدهر.
وقال في يوم الأربعاء المنتصف من شهر رمضان سنة أربع وأربعين وثلاث مئة معزيًا لسيف الدولة في أخته الصغرى ومسليًا ببقاء الأخت الكبرى.
إن يكن صبر ذي الرّزيّة فضلًا تكن الأفضل الأعزّ الأجلاّ
الرزية: المصيبة، وأصلها من النقصان، يقال: رزى فلان في ماله وأهله، إذا أصيب. وذي: بمعنى الصاحب، والتاء في تكن للخطاب.
يقول: إن كان صبر صاحب الرزية فضلا له، فأنت أفضل من كل مصاب، لأنك أحسن صبرًا على ما يصيبك من كل أحد، ولأن لك فضائل أخرى، مع فضل هذه المصيبة ولأن لك صبرًا في هذه المصيبة وصبرًا في أمور أخر.
أنت يا فوق أن تعزّى عن الأح باب فوق الّذي يعزّيك عقلا
التعزية: أصلها من النسب، كأن المعزي يقول للمصاب: اذكر أباك وأجدادك، فإنهم قد هلكوا وبادوا، يسليه بهذا القول، فكأنه ينسبه إليهم. وفوق: الأول نصب، لأنه نداء مضاف. والثاني ظرف.
يقول: أنت أرفع قدرًا من أن تحتاج إلى أن يعزيك أحد عن فقد الأحباب، فكل من يعزيك، فأنت أوفر عقلا منه، وأعرف بأحوال الدهر.
وبألفاظك اهتدى فإذا عز زاك قال الّذي قلت قبلا
قبل: يبنى على الضم إذا أريد به الإضافة فقطع عنها، فإذا لم يرد الإضافة صرف، ويجعل نكرة، فلذلك نون ها هنا، ونصبه على الظرف. تقول: جئتيك قبلًا وبعدًا.
يقول: إذا عزاك المعزي فإنما اهتدى إلى التعزية بتعليمك، فيقول لك عند التعزية: ما قلته له قبل ذلك، ويرد عليك ما حفظه من كلامك. أخذه من قوله تعالى: " بِضَاعتنا رُدَّتْ إلَيْنَا ".
قد بلوت الخطوب مرًّا وحلوًا وسلكت الأيّام حزنًا وسهلا
يقول: جربت أحوال الدهر، ودخلت في الأيام. صعبها وسهلها، فلم يشتبه عليك شيء في أحوال الدهر.
وقتلت الزّمان علمًا فما يغ رب قولًا ولا يجدّد فعلا
يقال: قتلت الشيء علمًا إذا تيقنته.
يقول: عرفت الزمان بحقيقته، فلا يأتي الزمان بقول غريب لم تعرفه، ولا يفعل جديدًا لم تجربه.
أجد الحزن فيك حفظًا وعقلا وأراه في الخلق ذعرًا وجهلا
يقول: وجدت الحزن فيك على من تفقد، حفظًا منك لحرمته ورعاية لصحبته وفي من سواك: خوفًا من ريب الدهر، وجهلا بالسبب الموجب للحزن.
وإنما ذكر العقل لأنه يدعو إلى الحفاظ، ومراعاة الحرمة. وأراد بالعقل: العلم بأحوال الدهر.
لك إلفٌ يجرّه وإذا ما كرم الأصل كان للإلف أصلا
الهاء في يجره للحزن.
يقول: لك إلف يجر هذا الحزن عليك، وكرم الأصل يعينه على ذلك، فكأنه أصلي للإلف الذي لك.
يعني: أنك إنما تحزن لفقد أحبتك لأنك ألوف كريم الأصل، وليس ذلك بجزع وخوف.
ووفاءٌ نبتّ فيه ولكن لم يزل للوفاء أهلك أهلًا
يقول: لو وفاء نبت فيه جره إليك. والوفاء عادة لك موروثة عن آبائك وأجدادك، فلم يزل أهلك أهلًا للوفاء.
إنّ خير الدّموع عينًا لدمعٌ بعثته رعايةٌ فاستهلاّ
استهل: أي جرى. وعينًا: نصب على التمييز.
يقول: أكرم الدموع ما أجرته رعاية الحقوق. وروى عونًا بدل قوله: عينًا.
أين ذي الرّقّة الّتي لك في الحر ب إذا استكره الحديد وصلاّ
استكره الحديد: أي ضرب على كره، وتكف من الدروع ما لا يقدر على قطعه، وصل الحديد: إذا سمعت له صوتًا.
يقول: أين هذه الرقة التي حصلت لك الآن عند كونك في الحرب، وذلك حين تجرد السيوف وتقتل بها الناس.
[ ١ / ٣٤٠ ]
والمعنى: أن هذه الرقة لو كانت لضعف قلبك للحقتك أيضًا في الحرب، ولكنه وفاء ورعاية، فأنت تستعمل كل واحد منهما في موضعه، حيث تحمده وتستحسنه العقول، ولا تضعه في غير موضعه.
أين خلّفتها غداة لقيت الرّ وم والهام بالصّوارم تفلى
تفلى: من فليت رأسه، إذا فتشته لتخرج منه القمل.
معناه: يضرب بالسيوف من كل جهة، كما أن الفالي يعم الرأس.
يقول: أين تركت هذه الرقة غداة محاربتك الروم فيما كنت تضرب رءوسهم بالسيوف الصوارم.
قاسمتك المنون شخصين جورًا جعل القسم نفسه فيه عدلًا
أنت المنون على معنى المنية. والهاء في فيه ترجع إلى الجور.
يقول: قاسمتك المنون على أختيك ظلمًا وجورًا منها في هذه المقاسمة؛ لأنها ليس لها الحق في واحدة منهما، غير أن هذه القسمة جعلت نفسها في الجور الذي حصل من المنون عدلًا؛ لأنها أخذت الصغيرة وتركت الكبيرة.
وقال ابن جني: يجوز فيك: فيكون المعنى: أن المنون جارت في فعلها، إلا أنك إذا كنت البقية فجورها عدل.
أو يقال: إن هذه القسمة نفسها في حقك عدل، وإن كان قاسمها ظالما.
فإذا قست ما أخذن بما أغ درن سرّى عن الفؤادي وسلّى
أغدرن: أي تركن. وسرى: أي كشف. وسلى: من التسلية. وروى أغبرن مكان أغدرن والفاعل ضمير المنون، وأراد بها المنايا.
يقول: إذا قست ما أخذته المنية بما تركته، كشف بقاء الباقية منهما هذا الحزن عن قلبك.
وتيقّنت أنّ حظّك أوفى وتبيّنت أنّ جدّك أعلى
يقول: إذا قست سهمك بسهم المنية علمت أن حظك أكثر، وأن جدك أعلى؛ لأن الكبرى خير من الصغرى.
ولعمري لقد شغلت المنايا بالأعادي، فكيف تطلبن شغلا؟
يقول: شغلت المنايا بقبض أرواح الأعادي، فكيف تطلب المنايا شغلًا؟! لأن لها شغلًا بالأعداء، لا تتفرغ عنه إلى شغل آخر.
وكم انتشت بالسّيوف من الدّه ر أسيرًا وبالنّوال مقلاّ
انتشت: أي دفعت، والانتياش: افتعال من النوش والمقل: الفقير.
يقول: كم أنقذت كثيرًا من الأسرى من أسر الدهر بسيوفك، ومن الفقر بجودك، ونائلك، فأغنيتهم بعطاياك، ورفعتهم من الذل والصغار.
عدّها نصرةً عليه فلمّا صال ختلًا رآه أدرك تبلًا
الهاء في عدها ضمير الحالة: أي عد الدهر هذه الحالة التي هي إنقاذ الأسير من يده، ورآه: أي رأى نفسه ويجوز ذلك في الرؤية: بمعنى العلم: وسائر أفعال الشك، واليقين.
يقول: لما رآك الدهر تنقذ أساراه حقد عليك، وعد فعلك نصرةً لعيه لمن خاصمه فلما صال مخادعة، وأخذ أختك مسارقةً، حسب أنه أدرك ثأره.
كذبته ظنونه؛ أنت تبلي هـ وتبقى في نعمةٍ ليس تبلى
يقول: كذب الدهر ظنه أنه يقدر على أخذ ثأره عندك، فإنك تجعل الدهر باليًا! وتبقى أنت في نعمة لا تبلي.
وقيل: إن قوله أنت تبليه دعاء له بطول البقاء فكأنه يقول: أبقاك الله في نعمة دائمة حتى تبلي الدهر وتفنيه.
ولقد رامك العداة كما را م فلم يجرحوا لشخصك ظلاّ
يقول: طلب أعداؤك أن يدركوا ثأرهم عندك - كما طلب الدهر - فلم يقدروا أن يجرحوا ظل شخصك؛ لاتصاله بك.
ولقد رمت بالسّعادة بعضًا من نفوس العدا فأدركت كلاّ
قوله: بالسعادة متعلق بقوله: فأدركت كلا يعني: أنك رمت بعض أعدائك فأدركت الكل بسعادة جدك، وهو متصل بما قبله.
قارعت رمحك الرّماح ولكن ترك الرّامحين رمحك عزلا
الرامح: صاحب الرمح. والعزل: جمع أعزل، وهو الذي لا سلاح معه.
يقول: قد حاربك الأعداء فعجزوا، فصار الرمح منه أعزل.
لو يكون الّذي وردت من الفج عة طعنًا أوردته الخيل قبلا
القبل: جمع أقبل: وهو مثل الأحول، والخيل تفعل ذلك لعزة أنفسها، وليس بخلقه.
يقول: لو لقيت مكان هذه المصيبة طعنًا وكان مجيئها إليك محاربة؛ لأوردت خيلك، ودفعت عن نفسك بشجاعتك. والهاء في أوردته للطعن.
وقيل: معناه لو كنت تلقى بدل هذه المصيبة طعنًا لأوردته الخيل ورددته بشجاعتك.
ولكشّفت ذا الحنين بضربٍ طالما كشّفت الكروب وجلّى
الحنين: رقة الحزن، وهو أيضًا الصوت الضعيف كالأنين، وقد يراد به الاشتياق. وجلى: أي كشف، وجمع بينهما لاختلاف اللفظين.
[ ١ / ٣٤١ ]
يقول: لو لقيت مكانها حزنًا لكنت تزيل الحزن عن قلبك بالسيف، كما كانت عادتك في الحرب أن تكشف الحروب عن نفسك بالضرب وتجليه بالطعن.
وقيل: أراد لو كان بدل هذا الحنين الذي حصل بموت الأخت، حنين الفرسان يوم الحرب، لكشفت ذلك بالضرب وخلصتهم من الغم بالسيف، ولكن قضاء الله تعالى لا مرد له.
خطبةٌ للحمام ليس لها ردٌّ وإن كانت المسمّاة ثكلا
ثكلا: نصب لأنه مفعول ثان للمسماة التقدير: وإن كانت الخطبة تسمى ثكلا، فالخطبة المضمرة: اسم كان. والمسماة: خبره. وفيه ضمير الخطبة وموضعه: رفع؛ لأنه مفعول ما لم يسم فاعله وثكلا: مفعوله الثاني.
يقول: إن هذا الموت يجري مجرى الخطبة من الحمام للمرأة، وإن كانت الناس يسمونه ثكلا.
يعني: الحمام قد خطب أختك فلم تقدر على رده.
وإذا لم تجد من النّاس كفئًا ذات خدرٍ، أرادت الموت بعلا
يقول: إن المرأة المخدرة إذا لم تجد لنفسها كفئًا لها اختارت الموت على الأزواج الذين ليسوا بأكفاء.
ولذيذ الحياة أنفس في النّف س وأشهى من أن يملّ وأحلى
يقول: إن الحياة لذيذة للنفس، وإن كانت في ضر وبؤس، ولكنها لما عدمت الكفء صار ذلك سببًا في اختيار الموت وإن لم يكن لها ملال من الحياة ولذتها.
وإذا الشّيخ قال: أفٍّ فما مل ل حياةً وإنّما الضّعف ملاّ
يقول: إذا قال الشيخ الهرم: أف تضجرًا فإنه لم يقل ذلك ملالًا من الحياة ولكنه يقول تضجرًا من الضعف والمرض.
آلة العيش صحّةٌ وشبابٌ فإذا ولّيا عن المرء ولّي
المرء: الشاب.
يقول: لذة العيش مع الشباب وصحة الجسم، وإذا عدم المرء هذين، فليس له عيش، بل إذا وليا ولي المرء: أي يموت ويفارق المرء بفراقهما.
أبدًا تستردّ ما تهب الدن يا فيا ليت جودها كان بخلًا!
الدنيا: رفع بتهب، أو بتسترد، على حسب إعمال أحد الفعلين.
يقول: عادة الدنيا أنها تسترد ما تهب، فليت أنها لم تهب ولم تجد!
فكفت كون فرحةٍ تورث الغم م وخلٍّ يغادر الوجد خلاّ
يقول: ليت الدنيا كفت كون فرحة تورث الغم وتعقب ترحة! وليتها كفت كون خليل يترك الحزن خليلًا، ويجعله صاحبًا للمرء بعد خليله الذي كانت الدنيا وهبته منه.
وهي معشوقةٌ على الغدر ولا تح فظ عهدًا ولا تتمّم وصلًا
يقول: الدنيا معشوقة مع كونها غدارة لا تحفظ عهدًا، وإن واصلت لا يدوم وصلها.
كلّ دمعٍ يسيل منها، عليها وبفكّ اليدين عنها تخلّى
يقول: كل دمع يسيل فإنه يكون من جملة الدنيا عليها ولا يتركها إلا أن تفك يداه قسرًا فيؤخذ عنها بالقهر، وذلك يكون عند الموت.
شيم الغانيات فيها فلا أد ري لذا أنّث اسمها النّاس أم لا؟
يقول: في هذه الدنيا أخلاق الغانيات. في قلة الوفاء، وسرعة التقلب، وكثرة الغدر، فلعل الناس أنثوها لشبهها بالغواني في الغدر والانقلاب! وهذا مثل قوله:
ولذا اسم أغطيه العيون جفونها
يا مليك الورى المفرّق محيًا ومماتًا فيهم وعزّا وذلاّ
يقول: يا مليك الخلق الذي يقسم بينهم الأحوال، فمنه ضرهم ونفعهم، وموتهم وحياتهم، وعزهم وذلهم.
قلّد الله دولةً سيفها أن ت حسامًا بالمكرمات محلّى
يقول: قلد الله حسامًا محلى بالمكرمات دولة أنت سيفها.
لما جعله سيفًا جعل حليه المكارم.
فيه أغنت الموالي بذلًا وبه أفنت الأعادي قتلا
الموالي: يعني الأولياء ها هنا. والفعل للدولة، والهاء في به للسيف.
يقول: بهذا السيف أغنت الدولة أولياءها، وأفنت أعداءها.
أي أغنت أولياءها ببذل مالك، وأفنت أعداءها بقتالك.
وإذا اهتزّ للنّدى كان بحرًا وإذا اهتزّ للوغى كان نصلا
يقول: هذا السيف إذا اهتز للجود كان غايةً فيه، وهو البحر، وفي الحرب كان نصلًا في مضائه ونفاذه.
وإذا الأرض أظلمت كان شمسًا وإذا الأرض أمحلت كان وبلا
يقول: إذا أحدث أمرًا تظلم له الأرض، كشفه وجلاه، كما تجلو الشمس الظلام، وإذا أصابها قحط، يقوم جوده مقام الغيث.
وهو الضّارب الكتيبة والطّع نة تغلوا والضّرب أعلى وأغلى
[ ١ / ٣٤٢ ]
هذه الأبيات الأربعة صفة لقوله: قلد الله دولةً سيفها أنت: أي قلدها الله منك حسامًا هذه صفته.
يقول: هو يضرب الكتيبة بسيفه، حيث لا يقدر أحد منها أن يطعن برمحه. والضرب أعلى وأغلى: معناه إذا لم يقدر أحد على الدنو من العدو، وقيد الرمح بالدنو فيه، فقيد السيف أصعب وأشد.
ولا يعترض على هذا بأن يقال: الأمر بخلاف ذلك؛ لأنه ربما لا يمكن المطاعنة لطول الرماح، ويمكن المضاربة بالسيوف لقصرها، فلا يكون الضرب أعلى وأغلى؛ لأن المعنى ما بينا: أنه إذا لم يمكن الدنو مقدار رمح لشدة القتال، فالدنو مقدار سيف أشد تعذرًا، أو لأنه إذا كانت الحال هذه فترتعش الأيدي، ولا تقل السيوف.
أيّها الباهر العقول فما يد رك وصفًا أتعبت فكري فمهلًا
يقول: حيرت العقول بفضلك، فلا تحيط الأوصاف كنه وصفك، وقد أردت وصفك في الشعر فأتعبت فكري بمحاسن أوصافك، فارفق ولا تكلفني من وصفك ما لا أطيق. ووصفًا: نصب على التمييز، ومهلًا: على المصدر.
من تعاطى تشبّهًا بك أعيا هـ ومن دلّ في طريقك ضلاّ
دل في طريقك: أي سلكها، يقال: دل فلان في طريق إذا عرف أعلامها، وتبع الناس أثره فيه.
يقول: من رام أن يشتبه بك أعجزه ما يرومه ولم يقدر عليه، ومن سلك طريق فعالك ضل وتحير ولم يقدر أن يقتفي آثار سعيك. وفاعل أعياه قيل: ضمير التشبه، وقيل: راجع إلى التعاطي: أي أعياه تعاطيه، ودل عليه: تعاطى.
فإذا ما اشتهى خلودك داعٍ قال: لا زلت أو ترى لك مثلا
يقول: لا نظير لك في الشرف، ولا يكون لك نظير فيما بعد، فمن أراد أن يدعو لك بالخلود قال: لا زلت حتى ترى لك نظيرًا. وهذا مما لا يكون، فكأنه قال: لا مت أبدًا.
وورد على سيف الدولة الخبر، آخر ساعة نهار يوم الثلاثاء لست خلون من جمادى الأولى سنة أربع وأربعين وثلاث مئة، بأن الدمستق وجيوش النصرانية قد نزلت ثغر الحدث، في يوم الأحد، ونصبت مكايد الحصون عليه، وقدرت نيل فرصة، لما تداخلها من القلق والانزعاج والوصم في تمام بنائه على يد سيف الدولة، لأن ملكهم ألزمهم قصدها، وأنجدهم بأصناف الكفر من البلغر والروس والصقالبة وغيرهم وأنفذ معهم العدد فركب سيف الدولة لوقته نافرًا، وانتقل إلى موضع غير الموضع الذي كان به، ونظر فيما يجب أن ينظر فيه في ليلته، وسار عن حلب غداة يوم الأربعاء لسبع خلون فنزل رعبان، وأخبار الحدث مستعجمة عليه لضبطهم الطرق، تقديره أن يخفى عليه خبرهم، فلما أسحر لبس سلاحه وأمر أصحابه بمثل ذلك، وسار زحفًا، فلما قرب من الحدث عادت إليه الطلائع، فأخبرته بأن عدو الله تعالى لما أشرفت عليه خيول سيف الدولة، على عقبة يقال لها: العبراني، رحل ولم تستقر به دار، وامتنع أهل الحدث من البدار بالخبر خوفًا من كمين يعترض الرسل، فنزل سيف الدولة بظاهرها، وذكر خليفته بها أنهم نازلوه وحاصروه فلم يخله الله تعالى من نصره عليهم، إلا في نقوب نقبوها في فصيل كان قديمًا للمدينة وأتتهم طلائعهم بخبر سيف الدولة في إشرافه على ثغر رعبان، فوقعت الصيحة فيهم وظهر الاضطراب في جمعهم وولي كل فريق على وجهه، وخرج أهل الحدث فأوقعوا ببعضهم وأخذوا آلة حربهم فأعدوها في حصنهم. فقال أبو الطيب في ذلك، ويمدحه:
ذي المعالي فليعلون من تعالي هكذا هكذا، وإلاّ فلا، لا
ذي إشارة: إلى المعالي. وتعالي: بمعنى: علا. وهكذا: إشارة إلى المعالي أيضًا، وكرره تفخيمًا لأمر سيف الدولة.
يقول: المعالي هذه التي يسعى إليها سيف الدولة، ومن أراد أن يعلو إلى المعالي ويسعى إلى المجد، فليفعل كما فعل، وإلا فليترك طلبها. وليدعها لمن هو أقدر منه، فإنه لا معالي دون ذلك.
شرفُ ينطح النّجوم بروقي هـ وعزٌّ يقلقل الأجبالا
روقاه: قرناه. والهاء فيه للشرف. ويقلقل: أي يحرك، هذا تفسير للمعالي.
يقول: للمعالي شرف ينطح النجوم بقرنيه، وعز يزعزع الجبال من أماكنها، مثل شرف سيف الدولة وعزه.
حال أعدائنا عظيمٌ وسيف الدّ ولة ابن السّيوف أعظم حالا
الحال: يذكر ويؤنث، ولهذا قال: عظيم.
يقول: إن كان حال الروم عظيما فسيف الدولة أعظم منهم حالًا.
كلّما أعجلوا النّذير مسيرًا أعجلتهم جياده الإعجالا
أعجلت السير: استعجلته. والنذير: المنذر.
[ ١ / ٣٤٣ ]
يقول: كلما بعث الروم عينا يتعرف لهم خبر سيف الدولة وينذرهم، وأعجلوا رسولهم في مسيره إليهم بأخباره، أعجلهم سيف الدولة بخيله، وسار إليهم قبل عود الرسول إليهم، وقبل أن يصل نذيره إليهم.
فأتتهم خوارق الأرض ما تح مل إلاّ الحديد والأبطالا
خوارق: نصب على الحال.
يقول: أتتهم خيل سيف الدولة تشق الأرض بحوافرها؛ لشدة وطئها وقوة جريها، وليس عليها إلا الفرسان والسلاح.
خافيات الألوان قد نسج النّق ع عليها براقعًا وجلالا
يقول: أتتهم الخيل قد خفيت ألوانها لما علاها من الغبار، حتى صار لها مثل البراقع والجلال، وخافيات: نصب على الحال.
حالفته صدورها والعوالي ليخوضنّ لدونه الأهوالا
حالفته: أي حلفت له، والهاء لسيف الدولة، وكذلك في دونه وقوله: ليخوضن المروى عنه بضم الضاد، وأجراها مجرى العقلاء، فلذا أطلق عليها اسم المحالفة، كقوله تعالى: " رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجدِينَ " ولو قال لتخوضن بالتاء وفتح الضاد، لكان أظهر في الإعراب.
يقول: حلفت لسيف الدولة هذه الخيل، والرماح أنها تخوضن الأهوال دونه، وتقاتل الأبطال عنه.
ولتمضنّ حيث لا يجد الرّم ح مدارًا ولا الحصان مجالا
القياس: وليمضن عطفًا على قوله: ليخوضن غير أنه رده إلى أصل التأنيث، فأورده بالتاء، ثم كان القيسا على هذا لتمضين كما يقال: لتقومن هند، إلا أن هذا لغة أيضًا.
يقول عطفًا على ما تقدم: إن خيله ورماحه حالفته أنها تمضي حيث لا يقدر الرمح أن يدور فيه لضيقه، ولا يتمكن الحصان من الجولان عليه. والمدار والمجال: يجوز أن يكونا مصدرين من. جال يجول مجالًا، ودار يدور مدارًا. ويجوز أن يكونا اسمين لمكان الدوران والجولان.
لا ألوم ابن لاونٍ ملك الرّو م وإن كان ما تمنّى محالا
يقول: لا ألوم ملك الروم على قلقه. لما بنيت من هذه القلعة، وإن كان ما تمناه من هدمها محالًا.
أقلقته بنيّةٌ بين أذني هـ وبانٍ بغى السّماء فنالا
يقول: لا ألوم ملك الروم على قصده لهدم هذه البنية التي هي قلعة الحدث لأنها أقلقته، فكأنها مبنية على مؤخر رأسه بين أذنيه، فلا بد من أن تقلقه لثقلها عليه، وهذا الباني أيضًا قلعة وهو الذي طلب السماء فوصل إليها، فكأنه يقول: كيف يتعذر على سيف الدولة بناء الحدث وهو قد رام السماء فنالها بعلوه.
كلّما رام حطّها اتّسع البن ى فغطّى جبينه والقذالا
بنى يبني بنيًا و، بناء.
يقول: كلما أراد ملك الروم هدم هذه القلعة، وسع سيف الدولة بناءها، وأحكم حائط سورها، حتى عم بها رأسه: مقدمه مؤخره، فيكون حطه سببًا لإحكامها، فيعظم أمرها عليه.
يجمع الرّوم والصّقالب والبل غر فيها وتجمع الآجالا
فيها: أي في ناحيتها، والآجال: جمع الأجل.
يقول: إن ملك الروم يجمع الأمم لهدم هذه القلعة، وأنت تجمع آجالهم ومناياهم فتوافيهم بها وتقتلهم.
وتوافيهم بها في القنا السّم ر كما وافت العطاش الصّلالا
الصلال: جمع صلة وهي الأرض التي أصابها المطر من بين الأرضين التي لم تمطر وقيل: هي بقايا المياه.
يقول: تجمع آجالهم وتوافيهم بها على أطراف الرماح، فآجالهم تتسابق إليهم، كما تتسابق العطاش إلى الأرض الممطورة.
والمعنى: أنهم كلما بعثوا إليها الجيش لهدمها قصد إليه سيف الدولة فأهلكه.
قصدوا هدم سورها فبنوه وأتوا كي يقصّروه فطالا
يقول: إنهم قصدوا إليها؛ ليهدموا سورها، فقتلهم سيف الدولة، وتمم بناء سورها، فكأن قصدهم لهدمها سبب بنائها.
وحكى ابن جني: إن سبب إتمام بناء الحدث. أن الروم لعنوا سيف الدولة، فاغتاظ من ذلك وأتمه، فلما كان لعنهم إياه سببًا لإتمامه، أجرى عليه لفظ البناء.
واستجرّوا مكايد الحرب حتّى تركوها لها عليهم وبالا
استجروا: أي جروا. ومكايد الحرب: آلاتها. والهاء في لها لقلعة الحدث، وأراد بها: أهلها.
يقول: إنهم جمعوا آلات الحرب، ومكايد الحصون، ثم انهزموا وتركوها، فأخذها أهل الحدث، واستعانوا بها عليهم، فصارت وبالًا عليهم.
وقيل: أراد بمكايد الحرب: تدبيرهم في الحدث فقال: إن تدبيرهم صار وبالًا عليهم، لأن أهل الحدث أوقعوا بهم.
[ ١ / ٣٤٤ ]
ربّ أمرٍ أتاك لا تحمد الفع عال فيه وتحمد الأفعال
يقول: إن هذا الفعل كان منهم محمودًا في نفسه؛ لما فيه من نفع المسلمين، فحمدته لذلك، وإن كان لا تحمدهم على فعلهم ذلك.
وقسيّ رميت عنها فردّت في قلوب الرّماة عنك النّصالا
يقول: إنهم جاءوا بها، ثم انهزموا، فأخذ أصحابك قسيهم، فرموا بها من كان يرميهم، فردت نصالهم في نحورهم.
أخذوا الطّرق يقطعون بها الرّس ل فكان انقطاعها إرسالا
يقول: أخذوا الطرق من كل جهة؛ ليمنعوا الرسل الذين يرسلهم أهل الحدث إلى سيف الدولة، فلما انقطعت الرسل استراب، وعلم أن الروم حاصروهم، فركب إليهم، وكأن انقطاع الرسل عنه قائمًا مقام الإرسال.
وقيل: أراد أنهم وإن اجتهدوا في قطع الرسل عنه، فلم يخف الخبر عليه؛ لأن الناس تطلعوا إلى إبطاء الخبر عنهم، وعادوا بالخبر إليه.
وهم البحر ذو الغوارب إلاّ أنّه صار عند بحرك آلا
كثروا فكانوا كالبحر، ذي الأمواج، فكانوا بالإضافة إليك كالسراب إلى البحر.
ما مضوا لم يقاتلوك ولكن ن القتال الّذي كفاك القتالا
ما: نفي، ولم يقاتلوك: في موضع الحال، أي ما مضوا غير مقاتلين لك، أي أنهم ما انهزموا من غير قتال، بل ثبتوا وقاتلوا، ولكن كان القتال الذي هزمهم هو قتالك معهم قبل ذلك، وكفاهم الآن قتالهم.
والمعنى: أنهم لما جربوك قبل هذا اليوم، وشاهدوا إيقاعك بهم، خافوا الآن من الإقدام، فانصرفوا منهزمين.
والّذي قطع الرّقاب من الضّر ب بكفّيك قطّع الآمالا
يقول: إن السيف الذي قطع رقابهم حين ضربتهم به قبل ذلك، قطع الآن آمالهم أن يقدموا عليك.
والثّبات الّذي أجادوا قديمًا علّم الثّابتين ذا الإجفالا
يقول: إن الروم كانوا ثبتوا فيما مضى من الأيام، وجودوا الثبات لك، فأدى ثباتهم إلى قتلهم واستئصالهم، فعلم هؤلاء ثباتهم من قبل، هذا الهرب والانهزام، لأنهم علموا أنهم لو ثبتوا لهلكوا.
والإجفال: الانهزام.
نزلوا في مصارعٍ عرفوها يندبون الأعمام والأخوالا
يقول لما نزل هؤلاء حول الحدث؛ ورأوا مصارع أعمامهم وأخوالهم الذين قتلهم قبل هذا اليوم، وأقبلوا يندبونهم، ويبكون عليهم.
ثم انهزموا خوفًا من أن يحل بهم ما حل بمن تقدمهم من أقربائهم.
تحمل الرّيح بينهم شعر الها م وتذري عليهم الأوصالا
تذري: أي تسير. والأوصال: الأعضاء.
يقول: نزلوا في مصارع الذين قتلهم من الروم، وأوصالهم كانت موجودة بها بعد، فكانت الريح تذري عليهم رميم أوصالهم، وتحمل بينهم شعور هامهم.
تنذر الجسم أن يقيم لديها وتريه لكلّ عضوٍ مثالًا
فاعل تنذر ضمير المصارع، وإليها يرجع الضمير في قوله: لديها وقيل: إن فاعل تنذر: ضمير الريح. والأول أولى.
والمعنى: إن مصارع المقتولين من قبل تنذر أجسام هؤلاء المنهزمين أن يقيموا بها، وترى هذه المصارع أجسامهم لكل عضو منها مثالًا من أعضاء المقتولين، فإذا تأملوا تلك الأعضاء علموا أنهم إن أقاموا بها قتلوا، وصارت أعضاؤهم منقطعة.
أبصروا الطّعن في القلوب دراكًا قبل أن يبصروا الرّماح خيالا
دراكًا: تباعًا. متداركًا. وتقدير البيت: أبصروا الطعن في القلوب دراكًا خيالا قبل ان يبصروا الرماح.
يقول: إنهم تخيلوا الطعن في قلوبهم، لما رأوا مصارع قتلاهم، فانهزموا قبل أن يروا الرماح عيانًا.
وإذا حاولت طعانك خيلٌ أبصرت أذرع القنا أميالا
الأميال: جمع ميل. وهو ثلث الفرسخ.
يقول: إن العدو إذا أراد مطاعنتك رأى رماحك طوالًا، حتى كأنه يرى كل ذراع منها في طول الميل، لما لحقه من الخوف والوهل، فكأنه مأخوذ من قول الله تعالى " يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْىَ الْعَيْنْ ".
بسط الرّعب في اليمين يمينًا فتولّوا وفي الشّمال شمالًا
قال ابن جني: هذا مثل قول الله تعالى: " يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْىَ الْعَيْنْ " ولم يزد على هذا.
والمعنى: أن الرعب قد ملأ قلوبهم لما عاينوا جيشك، فصور لهم أنه قد اتصل بناحية يمين جيشه يمين أخرى، وكذلك في ناحية الشمال، فرأوه أكثر مما هو، فكأنهم رأوا الرجل رجلين، واليمين يمينين والشمال شمالين، فولوا أدبارهم منهزمين.
[ ١ / ٣٤٥ ]
وقيل: المعنى أن الخوف قد تسلط عليهم حتى أعجزهم عن القتال، فكأن الخوف بسط في يمين الجيش يمينه وفي شمال الجيش شماله. وهو جيش العدو.
ينفض الروع أيديًا ليس تدري أسيوفًا حملن أم أغلالا
يقول: إن الخوف ملأ قلوبهم، وكانت أيديهم ترتعد، وهي قابضة على السيوف فكأنها مغلولة.
ووجوهًا أخافها منك وجهٌ تركت حسنها له والجمالا
وجوهًا: نصب لأنها معطوفة على قوله: أيديا لفظًا، وهي منصوبة بفعل مضمر معنىً، دل عليه ينفض أي يغير وجوهًا.
يقول: خوفك يغير وجوهًا، ويردها من حال الحسن إلى حال القبح، ولا يلحقك خوف يتغير له وجهك، فكأن وجهك سلب وجوههم حسنها، وانتقل إلى وجهك جمال الوجوه.
والعيان الجليّ يحدث للظّنّ زوالًا، وللمراد انتقالا
يقول: جاءوا ليهدموا الحدث، ظنًا منهم أنهم يقدرون على ذلك، فلما عاينوك بطل الظن، وانتقل المراد إلى غيره، ورضوا من الظفر بالهزيمة.
وإذا ما خلا الجبان بأرضٍ طلب الطّعن وحده والنّزالا
الهاء في وحده للجبان.
يقول: الجبان إذا خلا بنفسه أظهر الشجاعة، وإذا عاين الحرب انثنى عزمه.
أقسموا لا رأوك إلاّ بقلبٍ طالما غرّت العيون الرّجالا
يقول: حلفوا أنهم لا يرونك إلا بالقلب وإعمال الفكر، فإن يونهم قد غرتهم، وأرتهم منك خلاف ما جربوه.
أيّ عينٍ تأمّلتك فلاقتك وطرفٍ رنا إليك فالا؟
يقول: كل عين نظرت إليك تحيرت بجلالك وهيبتك، ولم يمكنها أن تلاقيك، والطرف إذا رنا إليك بقي شاخصًا لا يرجع من النظر إليك..
ما يشكّ اللّعين في أخذك الجي ش فهل يبعث الجيوش نوالا
يقول: إن ملك الروم لا يشك في أنك تأخذ جيشه وتأسره، ومع ذلك يبعث الجيوش إليك، أفتراه يبعثها إليك هدية وعطيةً؟؟! وحكى ابن جني: أن أبا الطيب كان يرفع اللعين وينصبه على: أعني اللعين.
ما لمن ينصب الحبائل في الأر ض ومرجاة أن يصيد الهلالا؟
ومرجاةً: نصب لأنه مفعول معه: أي ماله مع مرجاة. وهي مفعلةٌ من: رجا يرجو.
يقول: من ينصب حبائل في الأرض، كيف يطمع أن يصيد الهلالا؟! وهذا مثل والمعنى: كيف يطمع ملك الروم في قلعة الحدث؟! وهي في بعد المنال كالنجم والهلال.
إنّ دون الّتي على الدّرب والأح دب والنّهر مخلطًا مزيالا
الأحدب: اسم جبل وعليه قلعة الحدث. والمخلط من الرجال: من يخلط للقتال. والمزيال: الذي يفارقه. وقيل: المخلط والمزيال: الرجل الداهية، لا يعرف كيف يدخل في الأمر! وكيف يخرج منه! يقول: دون هذه القلعة رجل بصير بالأمور، يقابل وقت القتال، ويزايل وقت الزيال، فهو يحول بين القلعة وبين من يقصدها.
وقيل: المخلط: الذي يخلط بين الجيشين. والمزيال: الذي يميز بينهما، وهي صفة الرجل الشجاع، والمراد به سيف الدولة.
غصب الدّهر والملوك عليها فبناها في وجنة الدّهر خالا
خالا: نصب على الحال.
يقول: إن سيف الدولة قد غصب هذه القلعة من الملوك ومن الدهر: أي خلصها من حوادثه، وبناها وحصنها، فهي تلوح في وجنة الدهر كالخال، فلا يقدر الدهر على أن يزيلها حتى يزول، فهي باقية ما بقي الدهر، لبقاء الخال ببقاء الخد.
وحماها بكلّ مطّرد الأك عب جور الزّمان والأوجالا
يقول: منعها من حوادث الزمان، ومن الخوف، بكل رمح مطرد الأكعب أي مستو ليس في كعوبه اختلاف واضطراب.
فهي تمشي مشي العروس اختيالا وتثنّي على الزّمان دلالا
يقول: هذه القلعة تختال في مشيها، كما تختال العروس، وتتثني دلالًا على الزمان؛ لأنها أمنت أحداثه. وأراد به أهل القلعة.
في خميسٍ من الأسود بئيسٍ يفترسن النّفوس والأموالا
بئيس: أي شديد.
يقول: تمشي مشي العروس، في جيش شديد مثل الأسود، فهي تفترس النفوس بالقتل، والأموال بالنهب.
وظبًا تعرف الحرام من الحلّ فقد أفنت الدّماء حلالا
يقول: إن السيوف التي حولها، تعرف الحلال من الحرام، فهي لا تسفك إلا دمًا يحل سفكه: يعني أنها لا تقتل إلا من حل دمه، وظبًا: عطف على خميس.
إنّما أنفس الأنيس سباعٌ يتفارسن جهرةً واغتيالا
الأنيس: الإنس. والاغتيال: الخديعة.
[ ١ / ٣٤٦ ]
يقول: نفوس الناس مثل السباع يفرس بعضها بعضًا، إما مجاهرة، وإما مخادعة، كما تفعل السباع. وجهرة واغتيالًا: مصدران واقعان موقع الحال.
من أطاق التماس شيءٍ غلابًا واغتصابًا لم يلتمسه سؤالا
الغلاب: المغالبة.
يقول: من قدر على مراده بالغصب، لم يطلبه بالسؤال.
كلّ غادٍ لحاجةٍ يتمنّى أن يكون الغضنفر الرّئبالا
يقول: من يطلب أمرًا يتمنى أن يكون فيه كالأسد في الشجاعة والقهر. والرئبال والغضنفر: اسمان للأسد، وجمع بينهما لاختلاف اللفظين.
وقيل: إن الرئبال بدل من الغضنفر، وقيل صفة له.
وفزع الناس لخيل لقيت سرية سيف الدولة ببلد الروم، فركب وركب أبو الطيب معه فوجد السرية قد قتلت بعض الخيل، وأراه بعض العرب سيفه فنظر إلى الدم عليه وإلى فلول أصابته في ذلك الوقت فأنشد سيف الدولة متمثلًا قول النابغة:
ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم بهنّ فلولٌ من قراع الكتائب
تخيّرن من أزمان يوم حليمةٍ إلى اليوم قد جرّين كلّ التّجارب
فقال أبو الطيب مجيبًا له في الوقت ارتجالًا.
رأيتك توسع الشعراء نيلًا حديثهم المولّد والقديما
القديم: من كان في الجاهلة. والمخضرم: الذي أدرك الجاهلية والإسلام. والإسلامي: من ولد في الإسلام إلى وقت بشار. والمولد: من كان في وقت بشار، وهم إلى يومنا، فبشار أبو المولدين وكذلك الحديث.
وقيل: القديم: البدوي. والمولد: الحضري.
يقول: قد عم إحسانك الشعراء السالف منهم والباقي، وحديثهم وما كان بعده بدل من الشعراء.
فتعطي من بقي مالًا جسيمًا وتعطي من قضي شرفًا عظيمًا
بقي: لغة طائية.
يقول: تعطي الباقي منهم الأموال الجسيمة، وتعطي الماضي الشرف العظيم وروى عميمًا أي ثابتًا.
سمعتك منشدًا بيتي زيادٍ نشيدًا مثل منشده كريمًا
النشيد: الإنشاد. وزياد: اسم النابغة، وأراد بمنشده: سيف الدولة.
يقول: سمعتك تنشد بيتي النابغة، وكان هذا الإنشاد كريمًا مثلك.
فما أنكرت موضعه ولكن غبطت بذاك أعظمه الرّميما
الرميم: البالية، وإنما لم يؤنثه، وإن كان صفةً لأعظمه، لأن الرميم مصدر في الأصل. يقال: رم العظم يرم رمًا ورميمًا، فلما استعمله صفة لم يؤنثه، كقولهم: رجل صؤوم وامرأة صؤوم.
يقول: لم أنكر موضع النابغة في الشعراء ومحله في الفصحاء، ولكن غبطت عظامه البالية؛ حيث تشرف بإنشادك شعره، فتمنيت أن أكون مكانه.
وقال أيضًا يمدحه وكان قد اجتاز برأس عين سنة إحدى وعشرين وثلاث مئة، وقد أوقع سيف الدولة بعمرو بن حابس من بني أسد، وبني ضبة ورباح من بني تميم، ولم ينشدها إياه، فلما لقيه دخلت في جملة مدائحه وهي من قوله في صباه:
ذكر الصّبا ومرابع الآرام جلبت حمامي قبل وقت حمامي
ذكر: جمع ذكرى. وروى ذكر الصبا مصدر: ذكرت. والمرابع: جمع مربع، وهو المنزل في أيام الربيع، وقيل: المرعى. والآرام: جمع ريم، وهو الظبي الأبيض.
يقول: تذكرت منازلنا في الربيع، ومنازل مجاورةً، لنساء كالظباء البيض جلبن علي الموت قبل وقته.
وإنما تذكر العرب أيام الربيع؛ لأنهم يخرجون إلى المراعي فيجتمعون مع أحبابهم، فإذا جاء الصيف، رجع كل قوم إلى دارهم، وهاجت صبابة الاشتياق، وتجرعوا مرارة الافتراق.
دمنٌ تكاثرت الهموم عليّ في عرصاتها كتكاثر اللّوّام
دمن: خبر ابتداء محذوف، أي هذه المرابع دمن. والدمن: جمع الدمنة، وهي ما يرى من آثار الديار: من الأبوال والأبعار.
يقول: لما وقفت في هذه المرابع، تذكرت أحبابي فيها، فتكاثرت علي الهموم كتكاثر اللوم في وقوفي في تلك العرصات.
وكأنّ كلّ سحابةٍ وقفت بها تبكي بعيني عروة بن حزام
عروة بن حزام: أحد العشاق، وصاحبته عفراء.
يقول: عفت آثار هذه المرابع بكثرة الأمطار حتى كأن كل سحابة كان لها بهذه الدمن حبيب، فهي إذا وقفت عليها بكت لتذكره، كما بكي عروة على عفراء، ومثله لأبي تمام:
كأنّ السّحاب الغرّ غيّبن تحتها حبيبًا فما ترقى لهنّ مدامع
وقد شبه غزارة المطر بغزارة دمع عروة على عادته في قلب التشبيه
ولطالما أفنيت ريق كعابها فيها، وأفنت بالعتاب كلامي
الكعاب: التي كعب ثدياها.
[ ١ / ٣٤٧ ]
يقول: إن كانت هذه المرابع قد درست، فطالما خلوت فيها بجارية كاعب، أقبلها وأترشف ريقها، وهي تعاتبني حتى أفنيت ريقها بالترشف؛ وأفنت كلامي بالعتاب.
قد كنت تهزأ بالفراق مجانةً ويجرّ ذيلي شرّةٍ وعرام
وروى: قد كنت أهزأ وأجر والمجانة: المجون. والعرام، والعرامة: خلع العذار.
يخاطب نفسه ويقول: قد كنت تستصغر شأن الفراق، وتسخر منه في أيام الوصال وكنت تجر ذيل الشرة والنشاط، ولم تشكر ما أنت فيه من النعمة، حتى بليت بالفراق فعرفت مرارة الاشتياق.
ليس القباب على الرّكاب وإنّما هنّ الحياة ترحّلت بسلامٍ
يقول: هذه الهوادج التي على الجمال ليست هي القباب؛ وإنما هي حياتي رحلت عني، وكانت حياتي سالمة فذهبت بما فيها من السلامة.
ليت الّذي خلق النّوى جعل الحصى لخفافهنّ مفاصلي وعظامي
لخفافهن: أي لخفاف الركاب.
يقول: ليت الله تعالى لما خلق الفراق جعل مفاصلي، وعظامي تحت خفاف الإبل، حتى يمشين عليها؛ لكرامتهن علي، بسبب من عليها من الجواري.
وقيل: تمنى ذلك ليتلف بسببهن، كي يستريح من الاهتمام بفراقهن، وليتذذ بهذا الموت، بعد علمه بأن الفراق أشد من الموت.
وقيل: معناه ليت الله تعالى لما خلق الفراق أماتني قبل أن أبتلي به، وجعل عظامي حصى تدوسه إبلهم بأخفافها: أي ليتني مت قبل أن أرى الفراق.
متلاحظين نسحّ ماء شئوننا حذرًا من الرّقباء في الأكمام
متلاحظين: نصب على الحال من فعل محذوف: أي وقفتا متلاحظين، يلحظ بعضنا بعضًا، وينظر إليه سرًا. ونسح: أي نصب والشئون: مجاري الدموع من الناس. وحذرًا: نصب على المفعول له وفي الأكمام: متعلق بقوله: نسح. أي نسح في الأكمام.
يقول: وقفنا متلاحظين حال التوديع: نصب دموعنا في أكمامنا خوفًا من الرقباء أن يقفوا على أحوالنا.
أرواحنا انهملت وعشنا بعدها من بعد ما قطرت على الأقدام
روى: انهملت وانهلت.
يقول: إن الدموع هي أرواحنا، سالت منا وقطرت على أقدامنا، فكيف عشنا بعد خروج الروح من أبداننا؟؟! وجعل الدموع أرواحًا لأن البكاء يمرض ويتلف.
وقيل: أراد أن دموعهم كانت دمًا! والدم إذا كثر خروجه أتلف ومثله لآخر:
وليس الّذي يجري من العين ماؤها ولكنّها نفسٌ تذوب وتقطر
لو كنّ يوم جرين كنّ كصبرنا عند الرّحيل لكنّ غير سجام
السجام: الغزيرة، وهي جمع ساجم.
يقول: لو كانت دموعنا يوم الفراق على قدر صبرنا. لكانت قليلة كقلة صبرنا.
لم يتركوا لي صاحبًا إلاّ الأسى وذميل ذعبلةٍ كفحل نعام
روى: الأسى والأذى والذميل: ضرب من السير. والذعلبة: الناقة الخفيفة، وروى بدلها عرمسة.
يقول: لم يترك الأحباب الراحلون صاحبًا لي إلا لحزن، وناقةً خفيفةً أرحل عليها، وأقصد الممدوح، وهي في السرعة كفحل النعام.
وتعذّر الأحرار صيّر ظهرها إلاّ إليك، عليّ فرج حرام
يقول: قلة الأحرار وتعذرهم حرم علي أن أركب ظهر هذه الناقة إلا إليك، فلا أقصد عليها سواك، كما لا أركب فرجًا حرامًا.
أنت الغريبة في زمانٍ أهله ولدت مكارمهم بغير تمام
أنت الغريبة: أي الخصلة الغريبة، أو الحالة الغريبة. وقيل: أدخل الهاء للمبالغة كقولهم: فلان كريمة قومه.
يقول: إن أهل هذا الزمان إذا فعلوا مكرمة لم يتموها، وأنت بينهم غريبة؛ لتمام مكارمك وكمال معالمك.
أكثرت من بذل النّوال ولم تزل علمًا على الإفضال والإنعام
يقول: أكثرت بذل العطاء وبالغت في الجود والسخاء، حتى صرت في الجود علمًا مشهورًا ومثالًا مضروبًا، ولم تزل كذلك في قديم الأيام.
صغّرت كلّ كبيرةٍ وكبرت عن لكأنّه وعددت سنّ غلام
يقول: فعلت كبار الصنائع حتى صغرت كل صنيعة كبيرة! وجل قدرك عن أن يشبه شيء، فيقال: والله لكأنه بحر في جوده، وبدر في علوه، وبلغت هذا المبلغ وأنت في سن الغلام الحدث! واللام في قوله: لكأنه جواب القسم المحذوف لدلالة اللام عليه.
ورفلت في حلل الثّناء وإنّما عدم الثّناء نهاية الإعدام
[ ١ / ٣٤٨ ]
رفل الرجل: إذا تبختر في مشيه وجر ذيله؛ فشبه الثناء بالحلل؛ لما فيه من الزينة والجمال، وإنما عندك الإعدام هو عدم الثناء لا عدم المال، فلهذا أبيت الحلل واكتسيت من الثناء الحلل.
عيبٌ عليك ترى بسيفٍ في الوغى ما يصنع الصّمصام بالصّمصام
ترى: أي أن ترى بسيف، أي مع سيف.
يقول: أنت سيف فلا حاجة لك إلى حمل سيف في الحرب، وحمله عيب عليك لأنك أمضى منه.
إن كان مثلك كان أو هو كائنٌ فبرئت حينئذٍ من الإسلام!.
أقسم بالبراءة من الإسلام، إن كان له نظير في زمانه، أو سيكون في مستقبل أيامه!.
ملكٌ زهت بمكانه أيّامه حتّى افتخرن به على الأيّام
زهت: أي زهيت، فأبدل من الكسرة فتحة فصارت الياء ألفًا، ثم سقطت لسكونها وسكون التاء الساكنة بعدها، وهذه لغة طيئ.
يقول: أيامه افتخرت بمكانه فيها على سائر الأيام؛ لأنه كساها فخرًا وزادها على الأيام شرفًا.
وتخاله سلب الورى من حلمه أحلامهم فهم بلا أحلام
من حلمه: أي بحلمه. والأحلام: العقول.
يقول: إذا رأيت عقله وعقل الناس، ظننت أنه سلبهم عقلهم ورأيهم فلا عقول لهم.
وإذا امتحنت تكشّفت عزماته عن أوحديّ النّقض والإبرام
الأوحدي: منسوب إلى الأوحد.
يقول: إذا جربت عزمه رأيته أوحدًا في نقضه وإبرامه، لا نظير له في أفعاله.
وإذا سألت بنانه عن نيله لم يرض بالدّنيا قضاء ذمام
يقول: إذا استمحنت بنانه، استحقر الدنيا بأسرها في قضاء حقك وحرمة سؤالك.
مهلًا! ألا لله ما صنع القنا في عمرو حاب وضبّة الأغتام
ألا لله: تعجب. وما: بمعنى الذي، وقيل: استفهام، وأراد عمرو بن حابس، فرخم في غير النداء وهو جائز عند الكوفيين، ولا يجيزه البصريون، والأغتام: جمع الغتم وهو الجاهل الجافي.
يقول: اكفف عن هاتين القبيلتين فقد أوقعت بهم وقعة كبيرة.
لمّا تحكّمت الأسنّة فيهم جارت وهنّ يجرن في الأحكام
جارت: أي عليهم.
يقول: لما جعلت الرماح حكمًا بينك وبينهم، جارت عليهم في حكمها، وعادتها أن تجور إذا حكمت؛ لأنها تقتل الناس.
فتركتهم خلل البيوت كأنّما غضبت رءوسهم على الأجسام
يقول: تركتهم وسط البيوت قتلى، أجسامًا بلا رءوس، فكأن رءوسهم غضبت على جسومهم ففارقتها.
أحجار ناسٍ فوق أرضٍ من دمٍ ونجوم بيضٍ في سماء قتام
يعني: أن الأرض احمرت بما سال من دمائهم، وهم مصروعون على الدماء كالحجارة على الأرض، وكأن السيوف كانت تلمع في الغبار، كما تلمع النجوم في السماء.
لما جعل الأرض دمًا جعل حجارتها القتلى، ولما جعل البيض نجومًا جعل القتام سماء.
ويجوز في أحجار الرفع على إضمار المبتدأ، والنصب على إضمار الفعل: أي أشبهوا أحجارًا، والرفع أجود.
وذراع كلّ أبي فلانٍ كنيةً حالت فصاحبها أبو الأيتام
وهذا معطوف على قوله: أحجار ناس.
يقول: إنك قتلتهم وفرقت أوصالهم! فهناك ذراع كل إنسان كل يكنى أبا فلان، كأبي زيد وأبي محمد وغيره، فحين قتلته حالت كنيته، فصار يكنى أبا الأيتام.
وكنيةً نصب على الحال من أبي فلان وقيل: على المصدر: أي يكنى كنية. وقدر انفصال كل أبي فلان لأن كل إذا أضيف إلى اسم واحد في معنى الجمع، لا يقع بعده إلا النكرة، فيقال: كل رجل في الدار، ولا يقال: كل زيد. غير أنه قدر الانفصال اضطرارًا، فكأنه قال: كل أب لفلان، كما تقول: رب واحد أمه. أي رب واحد لأمه.
عهدي بمعركة الأمير وخيله في النّقع محجمةً عن الإحجام
يقول: عهدت ذلك اليوم خيل الأمير محجمة عن الإحجام: أي مقدمة في الغبار إلى الأعداء؛ لأنها إذا تركت الإحجام فعلت ضده، وهو الإقدام.
صلّى الإله عليك غير مودّعٍ وسقى ثرى أبويك صوب غمام
غير مودع: نصب على الحال، دعاء له بالصلاة والرحمة، ولثرى أبويه بالسقيا، ثم قال: لا جعل هذا الدعاء مني وداعًا لك.
وكساك ثوب مهابةٍ من عنده وأراك وجه شقيقك القمقام
الهاء في عنده يعود إلى اسم الله تعالى. القمقام: البحر، والقمقام: السيد.
يقول: ألبسك الله الهيبة، وجمع بينك وبين أخيك السيد البحر وهو ناصر الدولة وكان أميرًا بالموصل.
[ ١ / ٣٤٩ ]
فلقد رمى بلد العدوّ بنفسه في روق أرعن كالغطمّ لهام
روق أرعن: أي مقدمة العسكر. والغطم: البحر.
يقول: إن أخاك قصد العدو بنفسه في جيش عظيم كالبحر، وهو في أول الخيل.
قومٌ تفرّست المنايا فيكم فرأت لكم في الحرب صبر كرام
أي أنتم قوم تفرست: أي تأملت، وكان الوجه فيهم ولهم غير أنه رده إلى المعنى؛ لأنه أبلغ.
يقول: نظرت المنايا فيكم فرأتكم صابرين على الحرب، وعاينت فيكم صبر الكرام، فعدلت عنكم إلى أعدائكم الذين لم يصبروا على الحرب.
تالله ما علم امرؤٌ لولاكم كيف السّخاء وكيف ضرب الهام؟!
تالله: قسم وتعجب، وإنما خصت التاء بهذا الاسم لتضمنها معنى التعجب، فمنع التصرف، كما منع فعل التعجب.
يقول: علمتم السخاوة والشجاعة، ولولا أنتم لما علم امرؤ طريق السخاء والشجاعة.
وغزا سيف الدولة من حلب وأبو الطيب معه، وقد أعدوا الآلات لعبور أرسناس فاجتاز بحصن الران وهو في يده، ثم اجتاز ببحيرة سمنين ثم بهنزيط، وعبرت الروم والأرمن أرسناس وهو نهر عظيم لا يكاد أحد يعبره سباحةً إلا جره وذهب به، لشدته وشدة جريه فسبحت الخيل حتى عبرته خلفهم إلى تل بطريق، وقتل من وجه بها، وأقام أيامًا على أرسناس وعقد بها سماريات يعبر فيها.
ثم قفل، فاعترض البطريق في الدرب بالجيش، وارتفع في ذلك الوقت سحاب عظيم وجاء بمطر غزير وقع القتال تحت المطر، ومع البطريق نحو ثلاثة آلاف قوس، فابتلت أوتار القسي ولم تنفع، وانهزم أصحابه، ثم انهزم بعد أن قاتل وأبلى، وعلقت به الخيل، فعجل الهرب يحمي نفسه حتى سلم.
فقال أبو الطيب وأنشدها إياه بآمد، وكان دخوله إليها منصرفًا من بلاد الروم في آخر نهار يوم الأحد، لعشر خلون من صفر سنة خمس وأربعين وثلاث مئة.
الرّأي قبل شجاعة الشّجعان هو أوّلٌ وهي المحلّ الثّاني
يقول: إن الرأي والعقل أفضل من الشجاعة، لأن الشجعان يحتاجون أولًا إلى الرأي ثم إلى الشجاعة، فإذا لم تصدر الشجاعة عن الرأي فهي التنزي وربما أتت عليه. وروى بدل: الشجعان: الفرسان.
فإذا هما اجتمعا لنفسٍ مرّةٍ بلغت من العلياء كلّ مكان
مرة: أي أبية. وروى: حرة.
يقول: إذا اجتمع الرأي والشجاعة لنفس واحدة كريمة أبية، بلغت كل مكان من المعالي.
ولربّما طعن الفتى أقرانه بالرّأي قبل تطاعن الأقران
يقول: إن الرأي ربما يغني عن الشجاعة، ويوصل صاحبه إلى الإيقاع بالأعداء والنكاية بهم قبل أن يقع حرب أو قتال.
لولا العقول لكان أدنى ضيغمٍ أدنى إلى شرفٍ من الإنسان
أدنى ضيغم: من الدناءة. وأدنى إلى شرف: من الدنو. والأول اسم كان، والثاني خبره.
يقول: لولا ما خص الله تعالى الناس من العقل، لكان أدنى أسد أقرب إلى الشرف من الإنسان؛ لما للأسد من فضل البأس والإقدام.
ولما تفاضلت النّفوس ودبّرت أيدي الكماة عوالي المرّان
قوله: ودبرت أي ولما دبرت.
يقول: لولا العقول لما كان لبعض الناس فضل على البعض، وما كانت الأيدي تصرف الرماح، بل تكون هي المدبرة للأيدي؛ لأن لها من المضاء ما ليس للأيدي. فبالعقل صار الإنسان مدبرًا لها.
لولا سميّ سيوفه ومضاؤه لمّا سللن لكنّ كالأجفان
يقول: لولا سيف الدولة ومضاؤه، لم يكن للسيوف مضاء حين تسل من أغمادها، بل كانت كالأجفان في قلة الغناء.
خاض الحمام بهنّ حتّى ما درى أمن احتقارٍ ذاك أم نسيان
بهن: أي بالسيوف. حتى ما دري: أي ما دري الحمام. وروى: حتى ما دري على لغة طيئ.
يقول: خاض سيف الدولة الموت بسيوفه حتى ما دري الموت، هل ذاك احتقار منه، أم نسي كونه في الحرب؟!
وجرى فقصّر عن مداه في العلا أهل الزّمان وأهل كل زمان
وروى: وسعى أهل الزمان: أي أهل زمانه. وجرى إلى المعالي فعجز أهل زمانه عن بلوغ شأوه، كذلك كل أهل زمان قبله وبعده.
تخذوا المجالس في البيوت، وعنده أنّ السّروج مجالس الفتيان
تخذت واتخذت بمعنىً.
يقول: إنما قصروا عن بلوغ مداه؛ لأنهم اتخذوا بيوتهم مجالسهم، وهو يجعل مجالسه سروج الخيل، ومثله لعنترة:
وتبيت عبلة فوق ظهر حشيّةٍ وأبيت فوق سراة أدهم ملجم
[ ١ / ٣٥٠ ]
وتوهّموا اللّعب الوغى الهيجاء غير الطّعن في الميدان
يقول: حسب الناس لعبهم بالرماح في الميدان، أنه مثل الطعن في الحرب عند ملاقاة الأقران، وليس الأمر كما قدروا.
قاد الجياد إلى الطّعان ولم يقد إلاّ إلى العادات والأوطان
يقول: قاد الخيل إلى المطاعنة، ولم يكن قوده لها أول مرة، بل قد سبق له أمثالها، وتعودت خيله التردد إلى الروم، ومعارك الحرب، فكأنه يقودها إلى أوطانها التي تعودت الإقامة بها.
كلّ ابن سابقةٍ يغير بحسنه في قلب صاحبه على الأحزان
هذه الجياد، وكل ابن فرس سابقة حسن الخلق، إذا نظر صاحبه إليه أغار على ما في قلبه من الحزن بحسنه، وأزاله عن قلبه.
إن خلّيت ربطت بآداب الّوغى فدعاؤها يغني عن الأرسان
يقول: إن أرسلت هذه الخيل، فرابطها آداب الوغى.
يعني: أنها مؤدبة بآداب الحرب، فإذا أرسلت لم تشرد، فتحتاج إلى أن تشد برسن أو شكال، ولكنها متى دعاها صاحبها أقبلت إليه، فيغني دعاؤها عن أرسان تقاد بها.
في جحفلٍ ستر العيون غباره فكأنّما يبصرن بالآذان
الهاء في غباره للجحفل.
يقول: قاد جياده في جيش عظيم، قد ثار غباره حتى ستر العيون، وأطبق الجفون من تكاثفه، فكأن هذه الخيل تبصرن بالآذان؛ لأن الغبار لا يطبق الآذان، بل تكون أبدًا منتصبة.
يرمى بها البلد البعيد مظفّرٌ كلّ البعيد له قريبٌ داني
يقول: يغير بهذه الخيل كل بلد ملك مظفر، كل مرام بعيد له قريب، وكل صعب على غيره، عليه سهل يسير.
فكأنّ أرجلها بتربة منبجٍ يطرحن أيديها بحصن الرّان
منبج: مدينة بالشام. والران من بلاد الأرمن وبينهما مسيرة خمس ليال.
يقول: كأن هذه الخيل لخفتها تكون أرجلها بمنبج وأيديها بحصن الران، فلا يتخلل من مسيرها من منبج إلى حصن الران، إلا مقدار الزمان الذي تتخلله الخطوة الواحدة.
وقيل: أراد بذلك سعة خطوها، فكأنه يقول: إنها تقطع ما بينهما بخطوة واحدة.
حتّى عبرن بأرسناس سوابحًا ينشرن فيه عمائم الفرسان
أرسناس: نهر عظيم في بلاد الروم.
يقول سار بها حتى عبرت هذا النهر سابحةً، وكانت تنشر عمائم الفرسان فوقهن؛ لسرعتهن في السباحة، فتضطرب العمامة لذلك.
وقيل: أراد أن ما يطفو من الماء من جنبي الفرس يعلو إلى أطراف العمائم المسدلة فينشرها. والأول هو الظاهر.
يقمصن في مثل المدى من باردٍ يذر الفحول وهنّ كالخصيان
يقمصن: أي يثبن. والمدى: جمع مدية وهي السكين: يقول: إن هذا النهر يعمل في البدن ما تعمل السكاكين من شدة برده! وتقلصت الخصى وبردت حتى صارت الفحول مثل الخصيان.
والماء بين عجاجتين مخلّصٌ تتفرّقان به وتلتقيان
يقول: إن الغبار قد ثار على جانبي هذا النهر، فكأن موج الماء يفرق بينهما، فمرة يفترقان ومرة يلتقيان فيتصلان من أحد الجانبين إلى الآخر.
وقيل لأبي الطيب: إنك وصفت برد الماء، وذلك يكون في الشتاء، ثم بالغت في وصف الغبار، والغبار لا يثور على الوجه المذكور في الشتاء، فبينهما تناقض، فقال: إنما وصفت ما عاينت. وفي رواية أخرى: إن ماء هذا النهر يكون في الصيف شديد البرد إلى الغاية.
وقيل: أراد بالعجاجتين: ما يثور من الماء على جانبي الفرس السابح، فإذا شق الماء افترق جانباه ثم تلاقيا من بعد.
ركض الأمير وكاللّجين حبابه وثنى الأعنّة وهو كالعقيان
اللجين: الفضة. والعقيان: الذهب. والحباب: طرائق الماء.
يقول: ركض، وكان الماء في الصفاء كالفضة البيضاء، وثنى عنانه راجعًا. وقد صار كالذهب؛ لما سال إليه من دماء القتلى، واحمر بما خالطه من دماء الروم.
فتل الحبال من الغدائر فوقه وبنى السّفين له من الصّلبان
الغدائر: الذوائب.
يقول: فتل من شعور من قتل من الروم الحبال الكثيرة، وكذلك بنى مما كسر من الصلبان سفنًا يعبر بالسبي والأموال عليها.
وأراد: أنه لو أراد أن يفعل لأمكنه؛ من كثرة ما قتل منهم، وكسر من صلبانهم.
وحشاه عاديةً بغير قوائمٍ عقم البطون حوالك الألوان
العادية: الجارية.
[ ١ / ٣٥١ ]
يقول: ملأ هذا النهر بخيل تعدو بلا قوائم، يعني: السفن فهي عقيمة لا تلد كسائر الخيول، وهي سود الألوان؛ لأنها مغبرة، فعبر عن السفن بالخيل، وأخرجه مخرج اللغز.
تأتي بما سبت الخيول كأنّها تحت الحسان مرابض الغزلان
يقول: هذه السفن كانت تحمل ما سبته الخيول من النساء والولدان، فكأنهن الغزلان والسفن تحتهن كأنها مرابض الغزلان.
بحرٌ تعوّد أن يذمّ لأهله من دهره وطوارق الحدثان
يقول: هذا النهر بحر يحفظ أهله، ويحصن من حوله من حوادث الدهر، فلم يقدر أحد على عبوره.
فتركته وإذا أذمّ من الورى راعاك واستثنى بني حمدان
يقول: جعلته بعد عبورك به، إذا ضمن لمعشر أن يمنعهم، استثناك وقومك، فيقول: إني أمنعكم من كل أحد، إلا من بني حمدان، فإني لا أمنعكم منهم.
وأراد أن الروم إذا تحصنوا به، لم يقدر أحد أن يصل إليهم إلا أنت وقومك.
المخفرين بكلّ أبيض صارمٍ ذمم الدّروع على ذوي التّيجان
يقال: أخفرته: إذا نقضت عهده، وهذا صفة بني حمدان.
يقول: إن دروع الملوك أعطتهم ذمةً أنها تمنعهم، فهم يخفرون بسيوفهم تلك العهود والذمم، ويهتكون بسيوفهم دروعهم. وذووا التيجان: هم الملوك.
متصعلكين على كثافة ملكهم متواضعين على عظيم الشّان
الصعلوك: الفقير، والمتصعلك: من يتكلف ذلك.
يقول: هم يتخلقون بأخلاق الصعاليك، ويتطامنون مع ملكهم العظيم، وهم متواضعون مع علو قدرهم وعظم شأنهم.
يتقيّلون ظلال كلّ مطهّمٍ أجل الظّليم وربقة السّرحان
روى ابن جني: يتقيلون وحمله على معنى قولهم: فلان يتقيل أباه: أي يتشبه به. قال: ومعناه أن كل واحد منهم يتشبه بأب كريم، ويتبعه كما يتبع الفرس ظله، ويسبق إلى المجد والكرم، كالفرس المطهم الذي إذا رأى الظليم أهلكه، وإذا رأى الذئب شده.
قال: ويجوز أن يكون ويتقيلون من القائلة، يعني: يقيلون في ظل كل فرس مطهم، فوافق في المعنى رواية سائر الناس وروى غيره يتفيئون من الفيء. والمعنى أنهم يستظلون في الهواجر بظلال خيولهم كما يفعله الصعاليك، ولا يدخلون الخيام كما يفعله المتنعمون.
وقوله: أجل الظليم: صفه المطهم، أي أنه إذا عدا خلف الظليم أدركه أجله الذي لا خلاص له منه، وإذا عدا خلف سرحان لحقه، فكأنه قيده، وهذا من قول امرئ القيس.
بمنجردٍ قيد الأوابد هيكل
وقيل: يمدحهم بالفروسية والثبات على الخيل فيقول: هم لا يفارقون ظهورها بل يلازمونها ملازمة الظلال ويتقيلون يمينًا وشمالًا كما تنقلب الظلال.
خضعت لمنصلك المناصل عنوةً وأذلّ دينك سائر الأديان
العنوة: القهر.
يقول: سيفك قهر كل سيف، فانقادت له السيوف قهرًا، ودينك ذل سائر الأديان وقهرها.
وعلى الدّروب وفي الرّجوع غضاضةٌ والسّير ممتنعٌ من الإمكان
الدروب: جبال الروم، وطرقها. والغضاضة: الذل والقهر. والتقدير وعلى الدروب غضاضة، وفي الرجوع غضاضة.
وقيل: على تعلق بالفعل الذي بعده وهو نظروا أي نظروا على الدروب إلى خليك.
يقول: قهرتهم في حالة صعبة على المسلمين، وذلك حيث لم يمكنهم المقام على الدروب، ولا الرجوع عنها، وكان السير ممتنعًا فدخلت عليك الغضاضة لذلك.
والطّرق ضيّقة المسالك بالقنا والكفر مجتمعٌ على الإيمان
يقول: إن الطرق كانت قد ضاقت برماح الروم، وكان الكفر مجتمعًا على الإيمان في تلك الحال، فأذللت الكفر ونصرت الإسلام.
نظروا إلى زبر الحديد كأنّما يصعدن بين مناكب العقبان
يقول: نظر الروم إلى قطع الحديد على الخيل، فكأن هذه القطع عليها، بين مناكب العقبان.
شبه الخيل بالعقبان في سرعتها، والدروع التي على الفرسان والبيض وغيرها كأنها علت العقبان وصعدت بين مناكبها.
وفوارسٍ يحي الحمام نفوسها فكأنّها ليست من الحيوان
يقول: نظروا إلى فوارس يعدون الموت في الحرب حياة؛ لبقاء الذكر، حتى كأنهم ليسوا من الحيوان، لأن الحيوان إذا مات ينسى.
ما زلت تضربهم دراكًا في الذّرى ضربًا كأنّ السّيف فيه اثنان
روى: في الذرى أي رءوس القوم، أو رءوس الجبال. وروى: في الوغى وهي الحرب. دراكًا: أي تباعًا.
[ ١ / ٣٥٢ ]
يقول: ما زلت تضربهم ضربًا في إثر ضرب، متواليًا من دون أن يتخللها، فكأنك تضربهم بسيفين.
وقيل: ما زلت تضربهم ضربةً تعمل عمل ضربتين. يعني: كأن السيف الواحد سيفان، والهاء في فيه راجع إلى الضرب.
خصّ الجماجم والوجوه كأنّما جاءت إليك جسومهم بأمان
خص السيف، أو الضرب رءوسهم ووجوههم دون أجسامهم، حتى كأنك أعطيت أجسامهم أمانك ألا تمسها بضرب.
فرموا بما يرمون عنه وأدبروا يطئون كلّ حنيّةٍ مرنان
روى يطئون من الوطء بالرجل، وروى: يطوون من طويته. والحنية: القوس. والمرنان: الكثير الرنة. وما يرمون عنه: هو القسي التي كانوا يرمون عنها.
يقول: رموا قسيهم وانهزموا يطئون قسيهم المطوية عند الرمي.
يغشاهم مطر السّحاب مفصّلًا بمهنّدٍ ومثقّفٍ وسنان
قيل: أراد بالمطر: المطر الحقيقي. والمعنى: أصابهم المطر النازل من السحاب، مفصلًا بالسيوف والرماح، كما يفصل العقد بالدر والذهب.
يعني: كما هزمهم السلاح هزمهم أيضًا المطر.
وقال ابن جني: أراد بالسحاب: جيش سيف الدولة. شبهه بالسحاب لكثافته، ولما جعله سحابًا جعل مطره الرماح والسيوف.
حرموا الّذي أملوا وأدرك منهم آماله من عاد بالحرمان
يقول: حرموا ما كانوا يؤملونه من الظفر بك، وانهزموا، فمن كان منهم محرومًا من أمله الأول أدرك أمله الثاني، من العود إلى أهله، والسلامة من القتل والأسر، وهذا مثل قولهم: من نجا برأسه فقد ربح.
وإذا الرّماح شغلن مهجة ثائرٍ شغلته مهجته عن الإخوان
يقول: إنهم جاءوا يطلبون بثأر من قتلت منهم، فلما وقعت الرماح في قلوبهم اشتغلوا بأنفسهم ونسوا إخوانهم الذين يطلبون ثأرهم. وهذا من قول الله تعالى " لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ".
هيهات! عاق عن العواد قواضبٌ كثر القتيل بها وقلّ العاني
العواد: الرجوع، وهو مصدر عاود يعاود معاودةً وعوادًا وهي ها هنا من: عاود. وروى مكانه: الرجوع والعاني: الأسير.
المعنى كما قال: وأدرك منهم آماله من عاد بالحرمان فقال: ما أبعد عليهم الرجوع! وقد عاقهم عن ذلك سيوفك التي كثرت القتل فيهم، فكان من قتل منهم أكثر ممن أسر.
ومهذّبٌ أمر المنايا فيهم فأطعنه في طاعة الرّحمن
ومهذب: هو سيف الدولة، عطف على قواضب.
يقول: منعهم عن الرجوع إلى ديارهم رجل مهذب صفي من كل عيب، أمر الموت بقبض أرواحهم فأطاعه الموت في طاعة الله تعالى؛ لأن قتلهم طاعةً، وفيه رضى الله تعالى.
قد سوّدت شجر الجبال شعورهم فكأنّ فيه مسفّة الغربان
الهاء في فيه للشجر. والمسفة: الدانية من الأرض.
يقول: إن شعورهم سودت أشجار الجبال؛ لأنها متعلقة بها، فكأن عمومها الأشجار، غربان دانية من الأرض، واقفة على الأشجار.
وجرى على الورق النّجيع القاني فكأنّه النّارنج في الأغصان
يقول: جرى دمهم على الأوراق، فثمرت به، فأشبه الدم عليها، النارنج على الأغصان.
والمعنى: أن الشعور تعلقت بالشجرة فأشبهت الغربان على الأشجار، والدماء تطايرت فخضبت ورق الأغصان.
إنّ السّيوف مع الّذين قلوبهم كقلوبهنّ إذا التقى الجمعان
يقول: إن السيوف، إنما تعمل إذا كانت مع الشجعان الذين قلوبهم في المضاء كقلوب هذه السيوف عند اجتماع الجيشين.
تلقى الحسام على جراءة حدّه مثل الجبان بكفّ كلّ جبان
التاء: للخطاب، ومعناه: تلقى أيها السامع السيف القاطع مع جراءته في الحد، غير عامل، إذا كان في يدي الجبان، حتى كأنه جبان مثله.
وقيل: التاء ضمير السيوف.
يعني: أن السيوف التي في أيدي أصحاب سيف الدولة، الذين قلوبهم كقلوبها، تلقى سيوف الروم - مع جراءة حدها - غير قاطعة، فكأنها جبان مثل أصحابها الحاملين لها، وجبن السيوف: قلة المضاء.
رفعت بك العرب العماد وصيّرت قمم الملوك مواقد النّيران
العماد: عماد البيت، ويعبر به عن الشرف؛ لأن الرجل إذا كان شريفًا، كان عماد بيته رفيعًا. ومنه يقال في المدح: هو رفيع العماد، أي شريف، كثير الرماد. والقمم: جمع قمة، وهي وسط الرأس.
يقول: إن العرب تشرفت بك، وقتلت الملوك، فجعلوا هامهم أثافي لقدورهم.
[ ١ / ٣٥٣ ]
أنساب فخرهم إليك وإنّما أنساب أصلهم إلى عدنان
عدنان: أبو العرب كلها.
يقول: العرب تنتسب إليك من حيث الفخر، وتنتسب إلى عدنان من جهة النسب: فكما أن عدنان أصل نسبها، فإنك أصل فخرها وشرفها.
يا من يقتّل من أراد بسيفه أصبحت من قتلاك بالإحسان
يقول: أنت تعم الناس بالقتل، فتقتل الأعداء بسيفك، والأولياء بإحسانك؛ من حيث الاستعباد، وأنا من جملة قتلى إحسانك.
فإذا رأيتك حار دونك ناظري وإذا مدحتك حار فيك لساني
يقول: إذا رأيتك تحير ناظري دونك، فلا يمكنني أن أنظر إليك ملء عيني؛ لهيبتك، وكثرة مآثرك، وإذا أردت مدحك حار في وصفك لساني، وعجز عن استيفاء مدحك عبارتي وبياني.
وتحدث بحضرة سيف الدولة: أن البطريق أقسم عند ملكه أن يعارض سيف الدولة في الدرب، ويجتهد في لقائه، وسأله إنجاده ببطارقته وعدده، فخيب الله ظنه وأتعس جده.
فقال أبو الطيب وأنشده إياها بحلب سنة خمس وأربعين وثلاث مئة. وهي آخر قصيدة قالها عند سيف الدولة.
قال ابن جني: قلت لأبي الطيب وقت قراءة هذه القصيدة عليه: إنه ليس في جميع شعرك أعلى كلامًا من هذه القصيدة، فاعترف بذلك وقال: كانت وداعًا.
عقبى اليمين على عقبى الوغى ندم ماذا يزيدك في إقدامك القسم؟
يقول: عاقبة اليمين على عاقبة الحرب ندامة؛ لأنه إذا حلف على لقاء من لا يقاومه انهزم، وكان انهزامه أشنع، والملامة فيه أوقع، فيكون عاقبة اليمين الحنث واللوم، وعاقبة الحرب الانهزام، وهذا أشد من الانهزام بلا يمين، والقسم لا يزيد شجاعة الإنسان إذا لم يكن في نفسه شجاعة، يمكنه بها مقاومة خصمه. وعلى في قوله: على عقبى الوغى متعلق بلفظ اليمين.
وفي اليمين على ما أنت واعده ما دلّ أنّك في الميعاد متّهم
يقول للبطريق: إن يمينك يدل على تهمتك في نفسك، فيما تعده من الإقدام، فلو كنت تصدق في وعدك لم تحتج إلى اليمين لرفع التهمة.
آلى الفتى ابن شمشقيقٍ فأحنثه فتىً من الضّرب ينسى عنده الكلم
الكلم: جمع كلمة.
يقول: حلف ابن شمشقيقٍ على الإقدام على سيف الدولة، فأحنثه سيف الدولة، وحال بينه وبين مراده، بضرب ينسى عنده الأيمان، فلما ضربه بسيفه نسى يمينه وفر من بين يديه.
وفاعلٌ ما اشتهى يغنيه عن حلفٍ على الفعال، حضور الفعل والكرم
وفاعل: عطف على فتى.
يقول: أحنثه فاعل يفعل كل ما اشتهاه، لا يحتاج فيه إلى اليمين، بل يغنيه عن اليمين حضور ذلك الفعل الذي أراده، ويغنيه عنها أيضًا كرمه ومضاء عزمه، فهو إذا هم بأمر أمضاه.
كلّ السّيوف إذا طال الضّراب بها يمسّها غير سيف الدّولة السّأم
السأم: الملال.
يقول: كل السيوف إذا طال عليها الضرب تكل وتعجز عن القطع، إلا سيف الدولة فإنه لا يمل.
لو كلّت الخيل حتّى لا تحمّله تحمّلته إلى أعدائه الهمم
قال ابن جني: اختار أبو الطيب في تحمله الرفع لأنه فعل الحال، والنصب جائز على معنى إلى أن لا تحمله.
يقول: لو كلت خيله وعجزت عن حمله إلى أعدائه لكانت هممه وصحة عزائمه تحمله إليهم ليحاربهم.
أين البطارق والحلف الّذي حلفوا بمفرق الملك والزّعم الّذي زعموا
البطارق، والبطاريق: جمع بطريق، وهو القائد للروم. والزعم: أكثر ما يستعمل في القول من غير علم.
يقول: أين يمين قواد الملك حين حلفوا برأسه، وزعموا أنهم يثبتون لسيف الدولة؟!
ولّى صوارمه إكذاب قولهم فهنّ ألسنةٌ أفواهها القمم
فاعل ولي ضمير سيف الدولة ومعناه: فوض إليه. وصوارمه: مفعوله الأول وإكذاب: المفعول الثاني.
يقول: فوض إلى سيفه تكذيب قول البطاريق، فالسيوف بمنزله الأفواه، فكأنها تكلمت في رءوسهم فقال لهم: كذبتم في يمينكم. ووجه التشبيه: أن السيوف تتقلقل فيها فيسمع عند وقعها في العظام ما يعلم منه كذبهم، فينوب ذلك عن قوله لهم: كذبتم.
نواطقٌ مخبراتٌ في جماجمهم عنه بما جهلوا منه وما علموا
يقول: هذه السيوف تنطق في جماجمهم، وتخبرهم عن سيف الدولة ما علموا من أحواله، وما جهلوا من أخباره.
الرّاجع الخيل محفاةً مقوّدةً من كلّ مثلٍ وبارٍ أهلها إرم
[ ١ / ٣٥٤ ]
المحفاة: التي أحفاها الركض، يقال: حفى الفرس: إذا رق حافره، وأحفاه فارسه. ووبار من مدائن قوم عاد، خربت، وهي بين اليمن وعمان، والعرب تزعم أنها من مساكن الجن. وإرم: قوم عاد.
يقول: إن سيف الدولة هو الذي يرجع الخيل من الغزو، وقد أحفاها طول السير، حتى نزل فارسها عنها، فقادها رفقًا بها، بعد ما خرب أرض العدو، وأهلك، أهلها فترك تلك الأرض خرابًا مثل وبار، وأهلها هلكى مثل إرم
كتلّ بطريقٍ المغرور ساكنها بأنّ دارك قنّسرون والأجم
قنسرون: بفتح النون الأولى. قال ابن جني: وكان المتنبي يكسرها. والأجم: موضع. وتل بطريق: مدينة خربها سيف الدولة.
يقول: إنه يخرب أرض العدو ويهلك أهلها كما خرب تل بطريق التي اغتر أهلها ببعدك عنهم وأنك في قنسرين، فقد رأوا أنك لا تقدر على أن تصل إليهم، فقصدتهم وخربت بلادهم.
وظنّهم أنّك المصباح في حلبٍ إذا قصدت سواها عادها الظّلم
وظنهم: عطف على قوله: بأن دارك.
يقول: اغتروا أيضًا بظنهم أنك لا تقدر أن تفارق حلب؛ خوفًا من أن تضطرب وتستولي عليها الأعداء، فلا يمكنك العود إليها، فشبهه فيها بالمصباح لأنه ينفي عنها ظلم الفتنة، كما ينفي المصباح ظلمة الليل.
والشّمس يعنون إلا أنّهم جهلوا والموت يدعون إلا أنّهم وهموا
يقول: جهلوا حيث شبهوك بالمصباح، ولم يعلموا أنك كالشمس، يعم نورها الأرض وتضيء الدنيا وهي بعيدة، وكذلك أنت تسوس جميع ممالكك وتدبر أحوال الناس وإن كنت بعيدًا عنهم، وكذلك أنت كالموت لا كالمصباح، فغلطوا في تشبيهك بالمصباح، ولم يعلموا أنك كالموت لا يمتنع منك أحد ولا يبعد عليك متناوله.
فلم تتمّ سروجٌ فتح ناظرها إلا وجيشك في جفنيه مزدحم
سروج: مدينة، والهاء في ناظرها تعود إلى سروج. وفي جفنيه للناظر.
يقول: كانوا يغترون ببعدك منه فجئت إليهم أسرع من فتح سروج عينها، حتى ازدحم جيشك في عينها.
وقيل: أراد بازدحام الجيش في جفني الناظر عبارة عن امتلائهما بالغبار المرتفع من أرجل الخيل.
وقيل: معناه لم تصبح سروج إلاّ وخيلك مزدحمة عليها، فجعل الصباح لها بمنزلة فتح الناظر من النوم.
والنّقع يأخذ حرّانًا وبقعتها والشّمس تسفر أحيانًا وتلتئم
النقع: الغبار. وحران: مدينة بالشام. والبقعة: بضم الباء، أرض يخالف لونها لون ما حولها.
وذكر أبو العلا المعري: أنه بفتح الباء وهكذا يروي قال: وهو موضع يقال له بقعة حران، وهذا أحسن لأنه لو لم يرد مكانًا مخصوصًا لم يكن لذكرها فائدة، لأن النقع إذا أخذ حران فقد أخذ بقعتها وإن لم تذكر.
يقول: جئت إلى سروج وعم غبار خيلك حران وسترها، وكانت الشمس تارة تظهر، حين انحسر عنها الغبار، وتارةً تستتر، حين تكاثف الغبار.
سحبٌ تمرّ بحصن الرّان ممسكةً وما بها البخل لولا أنّها نقم
حصن الران: من أعمال سيف الدولة.
يقول: كانت خيلك تمر بحصن الران كالسحاب، لأنها كانت تمطر النقم والهلاك، غير أنها كانت ممسكة عن الأمطار، وليس الإمساك عن بخل، ولكن ما فيها كانت نقمًا وعقوبات، فلم تصبها على حصن الران؛ لأنها لم ترد هلاكها وهلاك أهلها.
جيشٌ كأنّك في أرضٍ تطاوله فالأرض لا أممٌ والجيش لا أمم
الأمم: القصد، والقرب. وتطاوله: فعل الأرض، والهاء: للجيش.
يقول: إن الجيش جيش ممتد متباعد الأطراف، يسير في أرض كذلك، فالأرض تطاول الجيش وتباريه في الطول، فلا الأرض متقاربة الطول، ولا الجيش، بل كلاهما طويل ممتد.
إذا مضى علمٌ منها بدا علمٌ وإن مضى علمٌ منه بدا علم
منها يعود إلى الأرض. والعلمان: كل واحد منهما الجبل. والهاء في منه تعود إلى الجيش. والعلمان: كل واحد منهما العلم المعروف: الذي هو الراية.
يقول: إذا غاب جبل من هذه الأرض بدا جبل آخر، وإذا مضت راية من جيشك بدت راية أخرى.
وشزّبٌ أحمت الشّعري شكائمها ووسّمتها على آنافها الحكم
الشزب: جمع الشازب، وهو الفرس الضامر. وقوله: أحمت الشعري شكائمها إنما قال ذلك؛ لأن طلوع الشعري يكون في شدة الحر، فأضاف الفعل إليها. والشكيمة: رأس اللجام. وقوله: فوسمتها. من السمة التي هي الكي. والحكم: جمع حكمة وهي ما على أنف الدابة.
[ ١ / ٣٥٥ ]
يقول عطفًا على ما قبله: وظهرت خيل ضامرة وقد أحمت شدة الحر شكائمها، حتى صارت كالمكاوي، فوسمت أنوفها.
حتّى وردن بسمنينٍ بحيرتها تنشّ بالماء في أشداقها اللّجم
تنش: من النشيش، وهو صوت القلي، وصوت الحديد المحمي، إذا ألقى في الماء. وفاعل تنش: اللجم.
يقول: وردت خيلك بحيرة سمنين، وقد حميت شكائمها من شدة الحر، فلما شربت الماء، جعلت لجمها تنش في الماء نشيش الحديد المحمي إذا ألقي في الماء.
وأصبحت بقرى هنزيط جائلةً ترعى الظّبا في خصيبٍ نبته اللّمم
فاعل ترعى ضمير الخيل: أي أنهار راعية السيوف، مسببة لها في المرعى.
يقول: أصبحت الخيل جائلة في قرى هنزيط، تغير وتقتل، وأرسلت السيوف ترعى في منبت خصيب، وهي الرءوس: خصيبة بالشعور.
وقيل: إن فاعل ترعى الظبا أي كانت الظبا ترعى في رءوسهم الخصيبة من الشعور.
فما تركن بها خلدًا له بصرٌ تحت التّراب ولا بازًا له قدم
الخلد: فأرةٌ عمياء فما تركن: أي الغارة والسيوف. وبها أي بقري هنزيط.
يقول: لم تترك الخيل والسيوف بقرى هنزيط شيخًا متواريًا من الأعداء منجحرا كالخلد في بطن الأرض إلا أنه ذو بصر، ولا شابا خفيفًا توغل في الجبال وتحصن بها كالباز، إلا أن طيرانه بقدم.
شبه المتوارين في البراري بخلد ذي بصر، والمتحصنين بالجبال بباز ذي قدم، إزاله للتوهم أنه خلد حقيقي، أو باز حقيقي، وبيانًا أنه قصد به التشبيه والاستعارة.
ولا هزبرًا له من درعه لبدٌ ولا مهاةً لها من شبهها حشم
اللبد: جمع لبدة الأسد، وهي ما تلبد على كتفه من وبره. والمهاة: البقرة الوحشية. والحشم: حاشية الرجل.
يقول: ما تركت بها شجاعًا أيضا مثل الأسد، عليه - مكان لبدته - درع، ولا امرأة كالمهاة ولها من أمثالها خدم.
ترمى على شفرات الباترات بهم مكامن الأرض والغيطان والأكم
الباء في بهم متعلق بترمى بهم: أي بالأعداء.
يقول: إن الأرض ترمى بالأعداء على شفار السيوف، وكل موضع استتروا فيه وهربوا إليه استخرجتهم الخيل وقتلتهم، فلم تكتمهم مكامن الأرض، ولا واراهم الغيطان، ولا حصنتهم الآكام.
وجاوزوا أرسناسًا معصمين به وكيف يعصمهم ما ليس ينعصم؟!
أرسناس: نهر عظيم. معصمين به: أي ممتنعين به.
يقول: لما عبروا أرسناس ظنوا أنه يحول بينك وبينهم، وكيف يعصمهم منك وهو لم يمكنه أن يعصم نفسه منك؟! لأنك عبرته بخيلك، فلم يقدر على الامتناع عليك.
وما يصدّك عن بحرٍ لهم سعةٌ وما يردّك عن طودٍ لهم شمم
الشمم: الارتفاع.
يقول: لا يمنعك عن بحر الأعداء سعته، ولا يردك عن جبلهم ارتفاعه.
ضربته بصدور الخيل حاملةً قومًا إذا تلفوا قدمًا فقد سلموا
حاملةً: نصب على الحال. وقومًا: نصب بحاملة. أي يحمل قومًا صفتهم ما بعده.
يقول: ضربت أرسناس بصدور الخيل وكانت تحمل من أصحابك قومًا يعدون التلف في الحرب سلامة، فيسرون به كما يسرون بالسلامة.
تجفّل الموج عن لبّات خيلهم كما تجفّل تحت الغارة النّعم
تجفل: أي أسرع في الذهاب.
يقول: إن الموج كان يتفرق يمينًا وشمالًا عن صدور الخيل بالسرعة، كما تتفرق الإبل عند الإغارة عليها.
عبرت تقدمهم فيه وفي بلدٍ سكّانه رممٌ، مسكونها حمم
يقول: عبرت هذا النهر، وأنت تتقدم الجيش، وتقدمتهم أيضًا في بلد أحرقته حتى صار كالفحم، وصار أهلها رميما.
وفي أكفّهم النّار الّتي عبدت قبل المجوس إلى ذا اليوم تضطرم
يقول: عبرت هذا النهر بخيلك، وفي أيديهم السيوف المجردة، وشبهها بالنار لبريقها، ولما جعلها نارًا جعلها معبودًا من قبل المجوس الذين يعبدون النار.
يعني: أن المجوس دانوا لها وخضعوا لشعارها من أول الدهر إلى يومنا هذا.
وقبل: تم الكلام عند قوله: وفي أكفهم النار التي عبدت ثم قال: قبل المجوس إلى ذا اليوم تضطرم.
يعني: أن السيوف مضطرمة متألقة قبل زمان المجوس إلى زماننا هذا. فكأنه يقول: إن السيوف كالنيران الحقيقية، وهي النيران المعبودة. ثم بين أن اضطرامها تقدم زمان المجوس، يعني: أن سيوفه عتيقة.
هنديّةٌ إن تصغّر معشرًا صغروا بحدّها أو تعظّم معشرًا عظموا
[ ١ / ٣٥٦ ]
يقول: هذه النارة هندية: أي سيوف مطبوعة بالهند، فهي تصغر المقتول وتعظم القتال، ويدرك بها العز والشرف.
قاسمتها تلّ بطريقٍ فكان لها أبطالها ولك الأطفال والحرم
يقول قسمت أهل هذه البلد بينك وبين سيوفك، فأعطيتها الأبطال، وأخذت لنفسك النساء والأطفال.
تلقى بهم زبد التّيّار مقربةٌ على جحافلها من نضحه رثمٌ
التيار: الموج. والمقربة: ها هنا، هي السفن. والرثم: بياض في شفة الفرس العليا. والضمير في بهم يعود إلى أصحاب الخيل وإلى السى.
يقول: سبيت الأطفال والحرم، وشحنت بهم السفن، وعبرت بهم النهر. وشبه السفن في النهر بالخيل المقربة، وشبه زبد الماء على مقاديم السفن بالرثم، وجحافل الخيل: أراد بها الخيل نفسها.
دهمٌ فوارسها ركّاب أبطنها مكدودةٌ وبقومٍ لا بها الألم
يقول: إن هذه الخيل دهم. يعني: أن السفن مطلية بالقار، وفوارسها يركبون بطونها، بخلاف الخيل التي يركب ظهورها، وهي مكدودة في السير، ولكن ليس بها ألم الكد، وإنما يلحق الكد والتعب قومًا آخرين، وهم الملاحون.
من الجياد الّتي كدت العدوّ بها ومالها خلقٌ منها ولا شيم
يقول: هذه السفن، هي بعض خيلك التي تكيد بها عدوك، ولكنها لا تشبهها في الخلقة ولا في الطبع.
نتاج رأيك في وقتٍ على عجلٍ كلفظ حرفٍ وعاه سامعٌ فهم
يقول: هذه السفن كانت نتيجة رأيك لما أردت أن تعبر النهر بالسبي، أنشأتها في أسرع وقت، وكانت المدة في اتخاذها، في القصر كمدة فهم السامع كلمة نطق بها الناطق.
وقد تمنّوا غداة الدّرب في لجبٍ أن يبصروك فلمّا أبصروك عموا
في لجب: أي في اختلاط أصوات. وروى: في لجب: أي في جيش ذا لجب.
يقول: كانوا يتمنون لقاءك حين كانوا على الدرب، فلما عاينوك عموا: أي ماتوا، فزالت أبصارهم.
وقيل: تحيروا لما نظروا إليك فلم يملكوا أبصارهم.
وقيل: عموا عن الرأي؛ لما لحقهم من الخذلان.
صدمتهم بخميسٍ أنت غرّته وسمهريّته في وجهه غمم
وروى صبحتهم بدل صدمتهم والغمم: كثرة الشعر على الناصية والقفا، شبه الجيش بفرس، وشبه سيف الدولة بغرته، والرماح بشعر ناصيته، وإنما شبهه بالغرة لتقدمه على الجيش، أو لأنه كان يزين الجيش كما تزين الفرس غرته
فكان أثبت ما فيهم جسومهم يسقطن حولك والأرواح تنهزم
يقول: كانت جسومهم أثبت شيء منهم؛ لأنها إذا سقطت عن الدواب ثبتت مكانها، والأرواح كانت تطير ولا تستقر.
والأعوجيّة ملء الطّرق خلفهم والمشرفيّة ملء اليوم فوقهم
الأعوجية: الخيل المنسوبة إلى أعوج، وهو فرس كريم كان لكندة، فأخذه بنو سليم في بعض أيامهم، فصار إلى بني هلال.
يقول: انهزموا وتبعتهم خيلك وكانت تملأ الطرق، لانبساطها على وجه الأرض. ولما كانت السيوف تعلوا في الجو، جعلها ملء النهار لأنه ما بين السماء والأرض ولأن النهار من الشمس والشمس تعلو.
إذا توافقت الضّربات صاعدةً توافقت قللٌ في الجوّ تصطدم
يقول: إذا اتفقت الضربات في الصعود إلى الرءوس: أي وقعت في وقت واحد، توافقت الرءوس في انحدارها، ويصطدم بعضها ببعض، وإنما قال: صاعدة لأن الحذاق يضربون السيوف من تحت إلى فوق وصاعدة نصب على الحال.
وأسلم ابن شمشقيقٍ أليّته ألاّ انثني فهو ينأى وهي تبتسم
يقول: انهزم وترك يمينه التي حلف، ألا انثني عنك، فكان يبعد هو في الهرب ويمينه تبسم من عمله بها.
لا يأمل النّفس الأقصى لمهجته فيسرق النّفس الأدنى ويغتنم
يقول: هو يتوقع القتل، ولا يطمع في أن يبقى، وهو النفس الأقصى، فيسرق النفس الأدنى: أي الأقرب منه ويعده غنيمة، ولا يأمل أن يتنفس نفسًا بعده.
تردّ عنه قنا الفرسان سابغةٌ صوب الأسنّة في أثنائها ديم
السابغة: الدرع، وهي فاعلة ترد والهاء في عنه للبطريق.
يقول: إن الخيل كانت في إثره تطعن ظهره وهو منهزم، ولكن رد عنه رماح الفرسان درعه المحكمة، مع أن وقع الأسنة عليها في الكثرة كوقع المطر.
تخطّ فيها العوالي ليس تنفذها كأنّ كلّ سنانٍ فوقها قلم
فيها: أي في السابغة.
[ ١ / ٣٥٧ ]
يقول: إنها درع حصينة، فكانت الرماح تخط عليها خطًا ولا تنفذها، كما يخط القلم على الألواح ولا ينفذها.
فلا سقى الغيث ما واراه من شجرٍ لو زلّ عنه لوارى شخصه الرّخم
روى: لوارى ولوارت وجسمه وشخصه وروى الرجم أي القبر والحجارة. وما في موضع نصب، لأنه مفعول سقي.
يعني: أنه لولا دخوله فيما بين الأشجار. وتواريه، لكان يقتل، ولكانت الرخم تأكله وتوارى شخصه، أو يواريه قبره فلا سقى الله هذا الشجر.
ألهى الممالك عن فخرٍ قفلت به شرب المدامة والأوتار والنّغم
الممالك: أي أهل الممالك، فحذف المضاف.
يقول: شغل الملوك عن هذا العز الذي رجعت به، شربهم المدام، واشتغالهم بسماع اللهو، وأصوات أوتار البربط والعود والنغم، وهي الأصوات الطيبة.
مقلّدًا فوق شكر الله ذا شطبٍ لا تستدام بأمضى منهما النّعم
مقلدًا: نصب على الحال، أي قفلت مقلدًا. وشطب السيف: طرائقه.
يقول: قفلت من الغزو، وأنت مقلدًا سيفًا ذا شطب، فوق شكر الله تعالى على ما أولاك من الظفر وكساك من النصر، فجعلت الشكر دثارًا والسيف شعارًا.
ثم قال: إن النعم لا تستدام بشيء أمضى من شكر الله تعالى، ومن السيف القاطع؛ لأن الشكر يحرس النعم من الزوال ويحفظها من حوادث الأيام والانتقال والسيف يذب عنها كيد الحساد فتدوم النعم.
ألقت إليك دماء الرّوم طاعتها فلو دعوت بلا ضربٍ أجاب دم
يقول: دماء الروم تطيعك، فلو دعوتها بلا سيف لاجابتك.
يعني: أنك قدرت على سفك دمائهم على أي وجه أردت.
يسابق القتل فيهم كلّ حادثةٍ فما يصيبهم موتٌ ولا هرم
يقول: القتل يسبق إلى الروم كل حادثة، فيميتهم القتل قبل أن يصيبهم شيب ولا هرم، ولا شيء من حوادث الأيام.
نفت رقاد عليٍّ عن محاجره نفسٌ يفرّح نفسًا غيرها الحلم
يقول: نفي عن عينه النوم نفسه النفيسة، وهمته العالية، وكل نفس غيرها تسر بالأحلام الكاذبة.
القائم الملك الهادي الّذي شهدت قيامه وهداه العرب والعجم
يقول: هو قائم بشرائط الملك ومدبر لأمر رعيته، وهاد إلى معالم الدين، وقد حضرت ذلك منه، وعلمته سائر العرب والعجم.
ابن المعفّر في نجدٍ فوارسها بسيفه وله كوفان والحرم
يقول: هو ابن الذي قتل فرسان نجد، وعفرهم بالتراب، وهو قد ملك الكوفة والحجاز واستولى عليهما وكوفان: هي الكوفة ونواحيها. والحرم: مكة والمدينة. وأراد بما ذكر محاربة أبي الهيجاء والد سيف الدولة للقرامطة أصحاب الأحساء والبحرين.
وروى: وابن المعقر بالقاف وهو المقطع، من عقرت الدابة.
لا تطلبنّ كريمًا بعد رؤيته إنّ الكرام بأسخاهم يدًا ختموا
يخاطب نفسه أو صاحبه يقول: لا تطلب أحدًا كريما بعد رؤيته فإن الكرام ختموا بأسخاهم، وهو سيف الدولة.
ولا تبال بشعرٍ بعد شاعره قد أفسد القول حتّى أحمد الصّمم
الهاء في شاعره لسيف الدولة، وأحمد الصمم أي وجد محمودًا.
يقول: لا تفكر في شعر بعد شاعر سيف الدولة، وعنى به نفسه، فإن الشعراء قد ختموا به كما ختم الكرام بسيف الدولة، وهو خاتم الكرام وأنا خاتم الشعراء، وقد أفسد الشعر حتى صار الصمم محمودًا، لأن الإنسان إذا سمع شعر أهل هذا العصر، تمنى أن يكون أصم لا يسمع لفساده واختلاله.
بذا آخر مدائحه في سيف الدولة، وما قاله فيه بحلب.
ثم مدحه بمصر بهذه الدالية.
فارقتكم فإذا ما كان عندكم قبل الفراق أذىً بعد الفراق يد
يقول معرضًا بسيف الدولة: كانت منكم أحوال أكرهها، فأعدها قبل الفراق أذى، فكنت أتأذى، فلما فارقتكم صارت تلك الإساة والأذى نعمة إلي وإحسانًا، من حيث إني إذا تذكرتها أزالت عني الشوق: وقيل: إن معناه، شكرتكم قبل أن أجرب غيركم، فعلمت أن ما ظننته أذىً كان نعمة.
إذا تذكّرت ما بيني وبينكم أعان قلبي على الشّوق الّذي أجد
يقول: كلما اشتد حزني على مفارقتكم، وغلب علي الاشتياق إليكم، تذكرت ما كنتم تعاملونني به من الإساءة، فأتسلى وتطيب نفسي لفراقكم، فيكون الأذى من هذه الجهة نعمة ويدًا.
وعلى الثاني: إذا تذكرت ما بيننا من الأحوال زادني الشوق والحزن على الفراق.
[ ١ / ٣٥٨ ]
وتوفيت أخت سيف الدولة الكبرى، بميافارقين من ديار بكر لثلاث بقين من جمادى الآخرة من سنة اثنتين وخمسين وثلاث مئة، وورد الخبر إلى العراق فقال أبو الطيب يرثيها في شعبان. وأملاها لثلاث خلون من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وخمسين وثلاث مئة:
يا أخت خير أخٍ، يا بنت خير أبٍ، كنايةً بهما عن أشرف النّسب
كنيت الشيء وكنيت عنه: إذا تركت التصريح به، وعبرت بلفظ آخر يؤدي معناه. ونصب كناية على المصدر.
المعنى: أراد أن يقول: يا أخت سيف الدولة، ويا بنت أبي الهيجاء، فكنى بذلك عن قوله: يا أخت خير أخ يا بنت خير أب وأراد التصريح باسمها فعبر عنه بهذه العبارة، ثم قال: كناية بهما.
يعني: إذا قلت ذلك علم أن نسبها أشرف النسب، والغرض انتسابها إليهما لا يخص الأب وحده، وجعل كونها أختًا له: نسبًا لها وهذا تعظيم شأن سيف الدولة.
أجلّ قدرك أن تسمى مؤبّنةً ومن يصفك فقد سمّاك للعرب
روى: أن تسمي وأن تدني وهما متقاربان. يقال: أسميته بكذا وسميته به، وقد جمع بينهما في البيت. والتأبين: مدح الميت. ومؤبنة: نصب على الحال.
يقول: أجل قدرك أن أذكر اسمك في مرثيتك، ولكني إذا وصفت ما فيك من المحاسن والمناقب، عرفتك العرب، لأن ذلك لا يوجد في غيرك.
وقيل اراد: أني أصفك بقولي يا أخت خير أخ، يا بنت خير أب، وهذه صفة يقع بها التمييز بينك وبين سائر النساء؛ لأن هذه الصفة ليست إلا لك خاصة. وإنما أعرض عن تسميتها؛ لأن تسمية النساء من قلة المروءة ما وجد إلى تعريفها - بغير التسمية - سبيلا، أو لأجل أن سيف الدولة ربما لحقته الغيرة إذا سمع التصريح باسمها، أو لأجل أنه أراد أن يعد محاسنها، والتعريف بالأوصاف المحمودة أجل من ذكر اللقب المحض الذي لا مدح تحته. ومثله لأبي نواس:
فهي إذا سمّيت فقد وصفت فيجمع الاسم معنيين معا
وأبو الطيب - رحمة الله - قلده.
لا يملك الطّرب المحزون منطقه ودمعه وهما في قبضة الطّرب
الطرب: خفة تصيب الإنسان من فرط الفرح، أو الجزع. والطرب: اسم فاعل منه.
يقول: الرجل الذي غلب الحزن على قلبه لا يملك منطقه ودمعه؛ لأنهما في قبضة الطرب، فهو مغلوب لا فعل له في ذلك.
غدرت يا موت كم أفنيت من عددٍ بمن أصبت وكم أسكتّ من لجب؟؟!
اللجب: الصوت في الحرب.
يقول: يا موت غدرت بهذه المتوفاة: بعد أن كنت تصل بها إلى إفناء الأعداء: الذين هم الكفار، وإلى إسكات لجبهم، لأنها تجهز الجيش، وتنفق في سبيل الله تعالى.
وقيل: إن المعنى أنك أفنيت بإفنائها كثيرًا من الناس، وأسكت أصواتهم، لأنهم ماتوا بموتها، لأن حياتهم كانت بها. وهذا مثل قول الآخر:
ولكنّ الرّزيّة فقد حيٍّ يموت بموته بشرٌ كثير
ومثله قول الآخر:
فما كان قيسٌ هلكه هلك آدم ولكنّه بنيان قومٍ تهدّما
وكم صحبت أخاها في منازلةٍ وكم سألت فلم يبخل ولم تخب
يقول: يا موت كم صحبت أخاها في الحروب؟! وكم سألته أن يمكنك من تناول الأبطال فلم يبخل؟! هو بما سألت، ولم تعد خائبًا في سؤالك عنه، ثم غدرته ونقضت ما كان بينكما من المواصلة.
طوى الجزيرة حتى جاءني خبرٌ فزعت فيه بآمالي إلى الكذب
خبر: مرفوع بجاءني. وفي طوى ضمير على شريطة التفسير. وفي قول الكوفيين مرفوع بالفعل الأول وجاءني مسند إلى ضميره: أي حتى جاني هو. والجزيرة: مدينة معروفة على شط دجلة بين الموصل وميافارقين.
يقول: جاءني خبر موتها من الشام وقطع الجزيرة حتى وصل إلي، فلما سمعته التجأت إلى التعلل بالآمال الكاذبة فقلت: لعله يكون كذبًا، فلم ينفعني ذلك.
حتّى إذا لم يدع لي صدقه أملًا شرقت بالدّمع حتّى كاد يشرق بي
يقول: فلما تحققت صدقه، ولم يبق فيه موضع أمل بكيت جزعًا، حتى سار دمعي وجرى في حلقي وشرقت، ثم زاد وفاض، حتى غمرني، فصرت في وسطه كالجرعة من الماء في الحلق.
تعثّرت به في الأفواه ألسنها والبرد في الطّرق والأقلام في الكتب
حذف الياء من به ضرورة، واكتفى بالكسرة عنها. وروى: تعثرت بك فيكون عدولا عن الغائبة إلى مخاطبة الخبر، والهاء في به تعود إلى الخبر.
[ ١ / ٣٥٩ ]
يقول: لعظم هذا الخبر تعثرت الألسن في الأفواه، فلم تقدر على أن تنطق به إذا أرادت الإخبار عنه، وكذلك البرد الذي تحملت هذا الخبر تعثرت في الطرق، وتعثرت الأقلام في الكتب، فلم تقدر أن تكتب هذا الخبر.
كأنّ فعلةً لم تملأ مواكبها ديار بكرٍ ولم تخلع ولم تهب
لما لم يصرح باسمها كنى عنه، وذكر وزنه من الفعل وكان اسمها خولة وديار بكر: ما بين الشام والعراق.
يقول: إنها ملأت ديار بكر بجيوشها، ووهبت الأموال، وخلعت، ثم زال ذلك كله بموتها، فكأنها لم تفعل شيئًا من ذلك.
ولم تردّ حياةً بعد توليةٍ ولم تغث داعيًا بالويل والحربٍ
يقو: كأنها لم ترد حياةً على رجل بعد ما ولت عنه حياته. يعني: رجلًا أشرف على الهلاك، فأزالت عنه هلاكه، فكأنها ردت إليه حياته، وكأنها لم تغث ملهوفًا يقول: يا ويلاه ويا حرباه! يعني: أنها كانت تفعل ذلك، فبطل ذلك بموتها.
أرى العراق طويل اللّيل مذ نعيت فكيف ليل فتى الفتيان في حلب؟!
يقول: لما أخبرت بموتها طال علي الليل وأنا بالعراق لما دخل علي من الأسف، فكيف حال أخيها وهو في حلب؟! يعني: إذا انت هذه حالي في طول الليل فليله أطول.
يظنّ أنّ فؤادي غير ملتهبٍ وأنّ دمع جفوني غير منسكب
أي: ايظن سيف الدولة أن فؤادي غير محترق بالحزن، وأن دمعي غير سائل على فقدها؟!
بلى وحرمة من كانت مراعيةً لحرمة المجد والقصّاد والأدب
يقول: ليس الأمر كما يظن أني لم أتأسف على فقدها، بل تأسفت على فقدها ثم حلف بحرمتها فقال: وحرمة هذه المرأة التي كانت مراعية لحرمة المجد وحقوق القصاد، وحق الأدب، أن فؤادي ملتهب ودمعي منسكب لعموم هذه المصيبة القريب والبعيد.
ومن مضت غير موروثٍ خلائقها وإن مضت يدها موروثة النّشب
النشب: المال ومن في موضع الخبر، عطفًا على قوله: من كانت.
يقول: وحرمة من مضت، وخلائقها غير موروثة؛ لأنها لا توجد إلا فيها، وإن مضت هي موروثة المال، وأضاف النشب إلى اليد، لأن الكسب والتصرف في الغالب يقع بها. يعني إن لم تورث خلائقها فقد ورث مالها. وقد روى: مردودة النشب.
يعني: أن سماحتها التي ورثتها عن آبائها ردت عليها حياتها، حسن الذكر كما قال:
ردّت صنائعه إليه حياته
وغير موروثة نصب على الحال.
وهمّها في العلا والملك ناشئةٍ وهمّ أترابها في اللهو واللّعب
الأتراب: جمع ترب وهو اللدة وأكثر ما يكون للمؤنث.
يقول: كان همها اكتساب المعالي وهي ناشئة حديثة السن، وهم أمثالها ومن كانت في سنها: اللهو واللعب. يعني: وحرمة من كانت كذلك.
يعلمن حين تحيّا حسن مبسمها وليس يعلم إلاّ الله بالشّنب
المبسم: الثغر. والشنب: برد الريق، وقيل أراد بالشنب ها هنا: الكناية عن المال.
والمعنى: أن أترابها يعلمن حسن مبسمها حين يجئنه؛ لأنها كانت تستعمل البشر إذا حييت، وذلك عنوان العطية، فهن يعرفن هذا القدر والله يعلم ما يتبع التبسم من المال، فكنى عن ذلك بالشنب حيث ذكر المبسم.
وقيل: أراد بالشنب المعني الحقيقي. يعني: أنهن يعرفن حسن المبسم فقط، وأما طيب ريقها وبرده فلا يعلمه أحد إلا الله تعالى، ولا تعلمه النساء فضلا عن الرجال ومثله قول جميل:
لا والذي تسجد الجباه له ما لي بما دون ثوبها خبر
ولا بفينا ولا هممت به ما ان إلاّ الحديث والنّظر
ومثله لبشار:
يا أطيب النّاس ريقًا غير مختبرٍ لا شهادة أطراف المساويك
ولغيره:
يخبّرني المسواك عن طيب ثغرها وليس بها إلا السّؤال بذي خبر
مسرّةٌ في قلوب الطّيب مفرقها وحسرةٌ في قلوب البيض واليلب
اليلب: ترسة تعمل من جلود الإبل، وقيل جلود تضفر ويضم بعضها إلى بعض وتلبس على الرأس مثل البيضة، وقيل: تلبس إذا لم يكن لهم درع وقيل تحت الجواشن، وقيل تحت البيض.
يقول: إن الطيب يسر بحصوله في مفرقها؛ لأنها كانت تستعمل الطيب، والبيض واليلب يتحسران عليها ويحسدان الطيب؛ لأنها لا تلبسهما لكونها امرأة.
إذا رأى ورآها رأس لابسه رأى المقانع أعلى منه في الرّتب
[ ١ / ٣٦٠ ]
التقدير والمعنى: إذا رأى البيض رأس من يلبس البيض، ورأى هذه المرأة، علم أن المقانع أعلى منزلة من البيض؛ لأنها على رأسها، وهي أشرف من الرجال الذين يلبسون البيض واليلب.
فإن تكن خلقت أنثى فقد خلقت كريمةً غير أنثى العقل والحسب
الحسب: ما يعده الإنسان من مفاخر آبائه، وقيل: هو كرم الخلق.
يقول: إنها وإن كانت أنثى، فعقلها وحسبها مثل الذكور وحسبهم.
وإن تكن تغلب الغلباء عنصرها فإن في الخمر معنىً ليس في العنب
تغلب: قبيلة؛ فلهذا أنثها فوصفها بالغلباء وهي تأنيث الأغلب والعنصر: الأصل.
يقول: هي وإن كانت من تغلب، ففيها من معاني الكمال وأنواع الخصال ما ليس في تغلب، كما أن الخمر وإن كانت من العنب، ففيها معان ليست فيه: من التفريح، والتصحيح للأبدان وطيب الرائحة، وغير ذلك. ومثله قوله في سيف الدولة:
وإن تفق الأنام وأنت منهم فإنّ المسك بعض دم الغزال
وكقوله في نفسه:
وما أنا منهم في العيش فيهم ولكن معدن الذّهب الرّغام
فليت طالعة الشّمسين غائبةٌ وليت غائبة الشّمسين لم تغب
يقول: كانت كالشمس فليتها بقيت ولم تغب، وليت الشمس التي تطلع كل يوم غابت وفقدت.
وليت عين الّتي آب النّهار بها فداء عين الّتي زالت ولم تؤب
العين الأولى: قرص الشمس، والثانية: عين المرأة المرثية.
وقيل: أراد بالعين نفس المرثية.
يقول: ليت عين الشمس التي تعود كل يوم بعد غروبها فداء عين هذه المرأة، أو فداء نفسها التي زالت بالموت ولم ترجع.
فما تقلّد بالياقوت مشبهها ولا تقلّد بالهنديّة القضب
يقول: ليس لها شبيه في النساء اللاتي يتقلدن بالحلي، ولا في الرجال الذين يتقلدون بالسيوف. والقضيب: السيف اللطيف الدقيق.
ولا ذكرت جميلًا من صنائعها إلاّ بكيت ولا ودٌّ بلا سبب
يقول: ولم أذكر جميل صنائعها إلا بكيت، وليس ودي لها بلا سبب، بل أودها لإحسانها إلي، وكل أحد إذا ود غيره فإنما يوده بسبب.
قد كان كلّ حجابٍ دون رؤيتها فما قنعت لها يا أرض بالحجب
يقول: كانت محجوبة لا تصل إليها العيون، فلم ترض بهذه الحجب، حتى حجبتها بنفسك.
ولا رأيت عيون الإنس تدركها فهل حسدت عليها أعين الشّهب؟!
يقول مخاطبًا للأرض: ما رأيت أحدًا من الإنس يراها، فهل حسدت الكواكب على رؤيتها حتى حجبتها بنفسك عن إدراك الكواكب لها؟!
وهل سمعت سلامًا لي ألمّ بها؟ فقد أطلت وما سلّمت من كثب
يقول للأرض: أطلت ﵍، وأنا بعيد منها، فهل سمعت سلامي وصل إليها وهي في بطنك؟
وكيف تبلغ موتانا الّتي دفنت وقد يقصّر عن أحيائنا الغيب؟
الغيب: جمع غائب.
يقول مستبعدًا لوصول سلامه إليها: كيف يصل سلامي من المكان البعيد إلى من دفن في التراب؟ وهو يقصر عن الأحياء الغيب! فالميت أحرى ألا يصل إليه السلام. وقيل: أراد بالحي سيف الدولة.
يا أحسن الصّبر زر أولى القلوب بها وقل لصاحبه: يا أنفع السّحب
الهاء في بها للمرأة المرثية، وفي صاحبه تعود على: أولى القلوب.
يقول: يا أحسن الصبر زر قلب سيف الدولة، فإنه أولى القلوب بأخته، وأقربهم منها، وقل لصاحب ذلك القلب: يا أنفع السحب؛ لأن عطاياه مهنئة، بلا من ولا كدر، كالسحاب بلا صاعقة.
وأكرم النّاس لا مستثنيًا أحدًا من الكرام، سوى آبائك النّجب
النجب: جمع نجيب، وهو الكريم. ومستثنيًا: نصب على الحال. أي قل غير مستثن.
يقول: وقل لصاحبه يا أكرم الناس كلهم، من غير أن تستثني أحدًا من الكرام، سوى آبائه الكرام الذين هو ينسب إليهم.
قد كان قاسمك الشّخصين دهرهما وعاش درّهما المفدىّ بالذّهب
المعنى: يا أحسن الصبر زر أولى القلوب به وقل لصاحبه: قد كان قاسمك الدهر أختيك فأخذ لنفسه الصغرى وترك لك الكبرى، فكانت كالذهب فدى به الدر. شبه الصغيرة بالذهب، والكبيرة بالدر في النفاسة.
وعاد في طلب المتروك تاركه إنّا لنغفل والأيّام في الطّلب
يقول: قد ترك لك الدهر الكبرى منهما، فعاد تاركها في طلب المتروكة. وهذا مثل قول الآخر:
[ ١ / ٣٦١ ]
وقاسمني دهري بنيّ بشطرهم فلمّا تقضّى شطره عاد في شطري
وقوله: إنا لنغفل مثل معناه: إنا غافلون عن حوادث الدهر، وهو في طلبنا، حتى يأتينا فجأة، ومثله للنمر بن تولب:
تدارك ما قبل الشّباب وبعده حوادث أيّام تمرّ وأغفل
ما كان أقصر وقتًا كان بينهما كأنّه الوقت بين الورد والقرب
تقرب الليلة، ترد الماء في صبيحتها.
المعنى: إن الوقت بينهما كان قريبًا حتى كأن الصغيرة ماتت عشية، والكبرى ماتت في صبيحة تلك العشية، وكأن ما بينهما قدر ما بين القرب والورد من الوقت.
جزاك ربّك بالأحزان مغفرةً فحزن كلّ أخي حزنٍ أخو الغضب
يقول: جزاك الله تعالى مغفرة بهذا الحزن الذي أصابك، فهو نوع من الذنب. قال الله تعالى: " لكيلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ " و: " لِكَيْلاَ تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلاَ ما أصَابَكُمْ " والحزن: أخو الغضب؛ لأنهما من أصل واحد، وإنما يفترقان من جهة الرتبة: فالحزن: هو سخط فعل من هو فوقك، والغضب: سخط فعل من هو دونك؛ لأنه غضب لما نال منه الدهر.
وأنتم نفرٌ تسخو نفوسكم بما يهبن ولا يسخون بالسّلب
يقول بيانًا لقوله: إن الحزن أخو الغضب: إن حزنك إنما هو غضب على الدهر وأنفة من أن الدهر قدر على غضبك على أختك، لأنك وقومك تسخون بالمال عند السؤال، ولا تعطون عند المقابلة والاستيلاء.
حللتم من ملوك النّاس كلّهم محلّ سمر القنا من سائر القصب
يقول فضلكم على سائر الملوك، فضل الرماح على ما سواها من القصب.
فلا تنلك اللّيالي إنّ أيديها إذا ضربن كسرن النّبع بالغرب
النبع: شجر صلب تتخذ منه القسي، ومنبته في رءوس الجبال، وما ينبت في سفح الجبال فهو: الشريان وما كان في الحضيض فهو: الشوحط وجميعها شجرتها واحدة واختلفت أسماؤها لاختلاف منابتها والغرب: شجر ضعيف يشبه شجر الخلاف.
يقول: لا أصابتك حوادث الدهر، فإن أحدًا لا يقدر على دفعها، فمتى شاءت الليالي قهرت القوى بالضعيف، والعزيز بالذليل، والأصيل بالدخيل، وضرب النبع والغرب مثلا.
ولا يعنّ عدوًا أنت قاهره فإنّهنّ يصدن الصّقر بالخرب
الخرب: ذكر الحباري وجمعه خربان.
يقول: لا أعانت الليالي عدوًا لك مقهورا في يدك، ذليلا في جنبك؛ فإنها إن أعانته عليك قهرك، وإن كان أضعف منك شوكةً فإنها لو أرادت أن تصيد الصقر - مع قوته - بالخرب - مع ضعفه - لامكنها ذلك. وروى: ولا يعز عدو أي لا عز عدوك وروى: ولا يعز عدوًا أي الليالي لا أعزت عدوًا.
وإنه سررن بمحبوبٍ، فجعن به وقد أتينك في الحالين بالعجب
يقول: إن الليالي تجمع بين المسرة والمصيبة، وهما ضدان وهذا من العجب: وقيل: العجب أنها سرتك بحياة المرثية مسرةً عظيمة، وفجعتك بموتها فجيعة عظيمة.
وقيل: إنها سرت من غير علة، وفجعت من غير علة.
وربّما احتسب الإنسان غايتها وفاجأته بأمرٍ غير محتسب
غايتها: أي غاية الليالي.
يقول: ربما حسب الإنسان لنفسه غاية أحداث الليالي، وأن يعيش دهرًا طويلا فتفاجئه الليالي بما لم يكن في حسابه.
وما قضى أحدٌ منها لبانته ولا انتهى أربٌ إلاّ إلى أرب
اللبانة: الحاجة وكذلك الأرب الإربة. وقيل الأرب: الغرض.
يعني: أن الإنسان ما دام في الدنيا لا يقضي منها وطره، وإن عاش دهرًا طويلا، لأن ورآء كل حاجة حاجة أخرى، وهو كقول الآخر:
تموت مع المرء حاجاته وتبقى له حاجةٌ ما بقي
تخالف النّاس حتّى لا اتّفاق لهم إلا على شجبٍ، والخلف في الشّجب
الشجب: الهلاك، وهو شجب وشاجب: أي هالك.
يقول: إن الناس اختلفوا في كل شيء، حتى لا يوجد منهم اتفاق إلا في الموت، فإنهم اتفقوا على كونه ومع ذلك اختلفوا فيه.
فقيل: تخلص نفس المرء سالمةً وقيل: تشرك جسم المرء في العطب
هذا تفسير للخلاف في الموت.
يعني: أن الناس مع اتفاقهم على أنه كائن، اختلفوا فيه أيضًا، فقال قوم: إن الجسم يموت والنفس تبقى حية، وهو قول الفلاسفة. وقال آخرون: تموت النفس مع الجسم، وهذا قول أهل الحق. والله أعلم بالحق.
ومن تفكّر في الدّنيا ومهجته أقامه الفكر بين العجز والتّعب
[ ١ / ٣٦٢ ]
يقول: من تفكر في أحوال الدنيا وتقلبها بأهلها، وفي حال نفسه فيها، وأراد الوقوف على حقيقة الأمر، أتعب فكره وانقطع عاجزًا لم يحصل له علم بأحوالها ولم يقف على حقيقة أمرها.
وقال يمدح سيف الدولة، وقد أنفذ إلى أبي الطيب بعد مجيئه من مصر - وهو بالعراق - هدية مرةً بعد مرة، ومالًا، وذلك في شوال سنة اثنتين وخمسين وثلاث مئة:
ما لنا كلّنا جوىٍ يا رسول؟! أنا أهوى وقلبك المتبول
جو: أي حزين، والجوى: الحزن. والمتبول: المستهام في الهوى، كأنه أصيب بنبل، اتهم رسوله بمشاركته إياه في حبه.
يقول: يا رسول ما لكل واحد منا حزين بحب هذه الجارية؟ ولم أنا العاشق وقلبك المستهام المحزون!
كلّما عاد من بعثت إليها غار منّي وخان فيما يقول
يقول: كلما عاد رسولي من عندها وجدت فيه الحسد علي، والغيرة من مراسلتي ومواصلتي، وخان فيما يؤديه من المراسلة.
أفسدت بيننا الأمانات عينا ها، وخانت قلوبهنّ العقول
الكناية في قلوبهن للعقول وخان فعلها أيضًا، والتقدير: وخانت العقول قلوبهن، ونسب القلوب إلى العقول؛ لأنها محلها.
يقول: إن عينيها أفسدت ما بيننا من الأمانات، فكل من ينظر إلى عينيها عشقها وغلبه الهوى على حفظ الأمانات فخان فيما يؤديه من الرسالات، وخانت العقول قلوب أصحابها، من حيث لم تصور للقلوب وجوب حفظ الأمانة وحسنت للقلوب الغدر والخيانة.
تشتكي ما اشتكيت من ألم الشّو ق إليها والشّوق حيث النّحول
يقول: تشتكي المحبوبة من الشوق مثلما اشتكيت، ثم عرض بتكذيبها في شكواها فقال: والشوق حيث النحول: أي لو كانت تشتاق كما زعمت لنحلت كما نحلت؛ لأن النحول لا يفارق الاشتياق، فلما لم تنحل دل ذلك على خلاف ما تدعيه.
وإذا خامر الهوى قلب صبٍّ فعليه لكلّ عينٍ دليل
يقول: إذا خالط الهوى قلب صب، ظهرت عليه أماراته، فكل عين رأته استدلت بهذه الأمارات على ما في قلبه من ألم الشوق.
زوّدينا من حسن وجهك ما دا م فحسن الوجوه حالٌ تحول
ما دام: أي ما ثبت. وتحول: أي تنتقل وتزول.
يقول: متعينا بالنظر إلى حسن وجهك، ما دام الحسن معك، فإنه يزول ولا يدوم.
وصلينا نصلك في هذه الدّن يا فإنّ المقام فيها قليل
يقول: صلينا ما دمنا في الدنيا؛ فإنها دار زوال، والمقام فيها قليل، ففي قريب تزول.
من رآها بعينها شاقه القطّا ن فيها كما تشوق الحمول
القطان: المقيمون والحمول: الأحمال.
يقول: من رأى الدنيا بعين الدنيا، كما هي عليه، تمنى المقام فيها، كما يتمنى العاشق المقام مع أحمال المعشوق.
وقيل: معناه أن الناس في الدنيا على سفر، فمن نظر إلى الدنيا ووقف على حقيقتها علم أن المقيم فيها كالراحل عنها، فكما يجزع لفراق أصحاب الحمول ويشتاق للمحتملين، كذلك أيضًا يجزع للمقيمين، ويشتاق إليهم، فإنهم عن قريب راحلون ومثله:
وفارقتهم والدّهر هام لفرقةٍ أواخره دار البلى وأوائله
إن تريني أدمت بعد بياضٍ فحميدٌ من القناة الذّبول
أدم يأدم: أي مال لونه إلى الأدمة. وهي حمرة تضرب إلى السواد.
يقول: إن كانت الأسفار لوحت وجهي، فليس ذلك بعيب، وإن كان عيبًا في سواي، بل هو وصف محمود؛ لدلالته على طلبي لمعالي الأمور، كما أن الذبول محمود في القناة، وإن كان مذمومًا في غيرها.
صحبتني على الفلاة فتاة عادة اللّون عندها التّبديل
أراد بالفتاة الشمس؛ لأن الدهر لا يؤثر فيها، فكأنها كل يوم جديد.
يقول: صحبتني في الفلاة الشمس التي عادتها أن تغير الألوان، فغيرت لوني وأورثتني الأدمة.
يعني: أن الذي غير لوني طول الأسفار وملازمة القفار.
سترتك الحجال عنها ولكن بك منها من اللّمي تقبيل
اللمي: سمرة تعلو الشفة.
يقول لمحبوبته: إن الشمس لم تغير لونك؛ لأن الحجال سترتك عنها وإن على شفتك سمرة تشبة لوني فكأن الشمس قبلت شفتك، فهذه السمرة فيها من تقبيل الشمس إياك.
مثلها أنت لوّحتي وأسقم ت وزادت أبهاكما العطبول
لوحت الشيء بالنار: إذا غيرته وسفعت وجهه والعطبول: الناعمة الجسم الطويلة العنق.
[ ١ / ٣٦٣ ]
يقول: أنت مثل الشمس حسنًا وإساءة، فهي لوحتني وأنت أسقمتني، وكلاكما دلت بالبهاء، وأبهاكما زادت في الإساءة والتأثير، وهي العطبول. يعني: كما زادت عليها في البهاء والنعومة، زادت في الإساءة إلي والتحول.
نحن أدرى وقد سألنا بنجدٍ أطويلٌ طريقنا أم يطول؟
أدرى: أفعل التفضيل من دريت.
يقول: نحن أعلم بطريقنا هل هو طويل على الحقيقة، أم يطوله الشوق إلى المقصود، أو العوائق من رغبتي إلى غير المقصود، من الملوك ومن المرض وغير ذلك، وإن كنا نسأل عن الطريق ونستخبر الركبان عن المسافة بيني وبينه.
وكثيرٌ من السّؤال اشتياقٌ وكثيرٌ من ردّه تعليل
يقول: أنا أسأل عن حال الطريق مع علمي بها؛ اشتياقًا إلى المقصود، وكثير من السؤال يكون من فرط الاشتياق، لا عن جهل وطلب معرفة. وقوله: وكثير من رده تعليل: أي ربما رد في جواب السائل ما ليس بالجواب، وإنما هو تعليل وتطييب لنفس السائل، كقولك لمن سألك عن مكان: قد بلغته ولم يبق إلا يسير. والهاء في رده للسؤال: أي وكثير من رد جوابه، ثم حذف المضاف.
لا أقمنا على مكانٍ وإن طا ب ولا يمكن المكان الرّحيل
لا أقمنا جواب قسم محذوف: أي والله لا أقمنا على مكان وإن طاب ذلك المكان. وإن المكان لا يمكنه الرحيل معنا إلى سيف الدولة.
يطمع سيف الدولة بالرجوع إليه.
يقول: والله لا أقمت ببلد وإن طاب لي، إلا أن يرحل معي إليك، فكما أنه لا يمكنه الرحيل كذلك لا أقيم عليه، والواو للحال، كأنه قال: لا أقمنا على مكان غير متمكن من الرحيل معنا.
وقيل: لا أقمنا: بمعنى الدعاء كقولك: لا يفضض الله فاك.
كلّما رحبّت بنا الرّوض قلنا: حلبٌ قصدنا وأنت السّبيل
يقول: كلما نزلنا روضة فرحبت بنا كي ننزل عليها، أي أظهرت لنا حسنها وخضرتها وطيب مكانها، فجعل ذلك بمنزلة البشر منها، والترحيب للمقام فنقول لها: حلب قصدنا، وأنت طريقنا إليها.
وقيل: أراد رحب بنا أهل الأرض.
فيك مرعى جيادنا والمطايا وإليها وجيفنا والذّميل
الوجيف، والذميل: كلاهما سير سريع.
يقول: وقلنا للروض: وأنت طريقنا ومرعى خيلنا وإبلنا، ومسيرنا إلى حلب، وأنث الروض؛ لأنها جماعة الروضة.
والمسمّون بالأمير كثيرٌ والأمير الّذي بها المأمول
يقول: الأمراء من حيث الاسم في الدنيا كثير، والأمير الذي بها: أي بحلب، هو الذي يرجى فضله ويؤمل نائله.
الّذي زلت عنه شرقًا وغربًا ونداه مقابلي لا يزول
يقول: الأمير المأمول الذي بعدت عنه، وسافرت شرقًا وغربًا، وعاؤه مقابل لي حيثما كنت فهو لا يفارقني.
ومعي أينما سلكت كأنّي كلّ وجهٍ له بوجهي كفيل
أي كل ناحية وجهة من الأرض.
يقول: نداه معي أينما توجهت، حتى كأن كل مكان كفيل له بوجهي، حتى يوصلني إليه.
وإذا العذل في النّدى زاد سمعًا ففداه العذول والمعذول
يقول: إذا سمع العذل أحد في الجود، سمع عذله أو لم يسمعه، ففدى الله سيف الدولة كل عاذل، فإنه لا يصغي إلى عذل عاذل.
وموالٍ تحييهم من يديه نعمٌ غيرهم بها مقتول
وموال: عطف على قوله: ففداه العذول والمعذول: يعني جعل الله أصحابه وعبيده فداءً له، فإنهم إنما يعيشون بنعمه. وقوله: غيرهم بها مقتول: معناه أنه يهبهم المال والخيل، ويعطيهم الأسلحة فيقتلون بها أعداءهم.
وقيل: معناه يقتل أعداءه فيغنم أموالهم، ويهبها أولياءه فيحييهم بها.
فرسٌ سابق ورمحٌ طويلٌ ودلاصٌ زغفٌ وسيفٌ صقيل
الدلاص: الدرع البراقة. والزغف: اللينة اللمس، وهذا بدل من قوله: نعم التي تقدم ذكرها وتفسيرها.
كلّما صبّحت ديار عدوٍّ قال: تلك الغيوث، هذي السّيول
يقول: كلما صبحت نعمه التي هي: الخيل والسلاح والموالي والأصحاب ديار عدو قال العدو: هذه السيول من تلك الغيوث، وأراد بالغيوث: سيف الدولة وبالسيول: مواليه وسلاحه.
يعني: أنهم إنما قدروا على أعدائهم بسيف الدولة، كما أن السيف يكون من المطر.
وقيل: الغيوث: هي عطايا سيف الدولة. والسيول: ما وهبه لأبي الطيب. والمعنى: أنه وهبني هذه الأشياء فمتى قصدت بهذه الأجناس ديار العدو قال العدو: تلك العطايا التي هي كالأمطار تتولد منها هذه السيول.
[ ١ / ٣٦٤ ]
دهمته تطاير الزّرد المح كم عنه كما يطير النّسيل
النسيل: الوبر الساقط عن البعير. والهاء في دهمته للعدو.
يقول: دهمت العدو خيل سيف الدولة ومواليه فجأة، فكانت تضربه فتطاير حلق الدرع عنه، كما يسقط الوبر عن البعير، فلا تغنيه الدرع.
تقنص الخيل خيله قنص الوح ش ويستأسر الخميس الرّعيل
الرعيل: القطعة من الخيل المتقدمة.
يقول: خيله تصطاد خيول الأعداء اصطياد الوحش، والرعيل من خيله، يأسر الجيش العظيم من عسكر الأعداء.
وإذا الحرب أعرضت زعم الهو ل لعينيه أنّه تهويل
الهول: الخوف العظيم، وكل أمر عظيم، والتهويل: ما لا حقيقة له. وأعرضت: أي قربت وظهرت.
يقول: إذا عرضت لسيف الدولة الحرب لم يعبأ بهولها، بل يستحقرها، فكأن الهول يقول: ليس لي حقيقة، فلا تبالي بي؛ لأني تهويل ولست بهول.
فإذا صحّ فالزّمان صحيحٌ وإذا اعتلّ فالزّمان عليل
يقول: أحوال الزمان منوطة به، فاستقامة الزمان وصحته باستقامة أمره، وصحته وعلته، باعتلاله.
وإذا غاب وجهه عن مكانٍ فيه من نثاه وجهٌ جميل
النثاء: في الخير والشر والثناء: في الخير خاصة.
يقول: إذا غاب وجهه عن مكان، ناب عنه ذكره الجميل فيه مناب وجهه.
ليس إلاّك يا عليّ همامٌ سيفه دون عرضه مسلول
الأولى أن يقول: إلا إياك لكن هذا جائز.
يقول: ليس أحد من الملوك يذب عن عرضه بسيفه غيرك يا سيف الدولة.
كيف لا يأمن العراق ومصرٌ وسراياك دونها والخيول؟!
كيف لا يأمن من الملوك العراق ومصر؟! وأنت تذب عنهم بسراياك التي تبعثها إلى الروم، وقتالك لهم.
لو تخرّمت عن طريق الأعادي ربط السّدر خيلهم والنّخيل
السدر: رفع لأن فاعل ربط والنخيل معطوف عليه ومعناه أمسك السدر خيلهم إذا ربطت إليه وتخرمت بمعنى عدلت.
يقول: لو عدلت عن طريق الأعادي الذين هم الروم وخليت طريقهم، لدخلوا العراق ومصر، ولربطوا خيلهم في السدر والنخيل، وإنما خصهما لأنهما ليسا في ديار الروم.
ودرى من أعزّه الدّفع عنه فيهما أنّه الحقير الذّليل
فيهما أي في العراق ومصر.
يقول: لو انحرفت عن طريق الروم، لعلم من صار عزيزًا بالعراق ومصر بدفعك عنه أنه الحقير الذليل، وأن عزه بمدافعتك عنه وهذا تعريض بالخليفة، وكافور.
أنت طول الحياة للرّوم غاز فمتى الوعد أن يكون القفول؟
طول: نصب على الظرف.
يقول: أنت طول عمرك تغزو الروم، فمتى ترجع إلى قوم آخرين أو متى تستريح من التعب؟!
وسوى الرّوم خلف ظهرك رومٌ فعلى أيّ جانبيك تميل؟
يقول: سوى الروم روم أخر من البوادي والأعراب، فإنهم بمنزلة الروم، فعلى أيهما تميل، لأنك قد تمل من الحرب والقتال.
وقيل: إنما عنى بذلك عضد الدولة يحرضه على المجيء إلى العراق ومقاتلته إذ كان بينهما عداوة.
قعد النّاس كلّهم عن مساعي ك وقامت بها القنا والنّصول
يقول: عجز الناس أن يسعوا مثل سعيك، فقامت بمساعيك الرماح والسيوف فهي تعينك على مساعيك.
ما الّذي عنده تدار المنايا كالّذي عنده تدار الشّمول
ما للنفي.
يقول: ليس الملك الذي تدار عنده المنايا ويشتغل بالحروب والقتال، كالملك الذي تدار عنده الخمر ويشتغل باللهو واللعب والشرب، عن الاجتهاد في الحرب والقتال.
لست أرضى بأن تكون جوادًا وزماني بأن أراك بخيل
يقول: لا أرضى بأن تبعث إلي الهدايا وأنا متأخر عنك، وزماني يبخل علي برؤيتك ويمنعني مشاهدتك.
نغّص البعد عنك قرب العطايا مرتعى مخصبٌ وجسمي نحيل
يقول: كدر بعدي عنك ما تبعثه إلي من العطايا، فمربعي خصيب بعطاياك وجسمي نحيل للوعة الشوق إلى لقياك.
إن تبّوأت غير دنياي دارًا وأتاني نيلٌ فأنت المنيل
تبوأت: أي سكنت.
يقول: عطاياك تصل إلي بكل مكان توجهت إليه فلو خرجت من الدنيا وسكنت دارًا غيرها ثم وصل إلي البر والنيل لكنت أنت المعطي لذلك البر.
من عبيدي إن عشت لي ألف كافو رٍ ولي من نداك ريفٌ ونيل
[ ١ / ٣٦٥ ]
الريف: ما أحدق بسواد العراق وأشرف عليه من نجد، والريف أيضا رستاق مصر وقراها - وهو المراد ها هنا - وهو ما كان تحت النيل، وما كان فوقه الصعيد، والنيل: نهر مصر، وهو أيضًا نهر بالعراق جاء من الفرات، ويسقي سواد الكوفة.
يقول: إن عشت لي أعطيتني من المال ما أشتري به من المماليك، وأسمي ألفًا منهم كافورًا، وحصل لي من جهتك ريف ونيل: أي تملك مصر كلها وتهب لي ما على النيل من ريفه.
ما أبالي إذا اتّقتك المنايا من دهته حبولها والخبول
الحبول: الدواهي والخبول: الفساد.
يقول: إذا سلمت من المنايا فلا أبالي بمن أصابته المنايا، فإنك عوض عن كل هالك.
وورد المستنفرون من الثغور على سيف الدولة، يذكرون إحاطة الدمستق وجيوش النصرانية بطرسوس واستسلام أهلها إن لم يغاثوا، أو يبادروا، وكان في بقية علة عرضت له، فبرز للوقت وسار، وكان الدمستق قد شحن الدرب الذي يلي الثغور والشام بالرجال، فلما اتصل بالدمستق خبره أفرج عن منازلة طرسوس، وولي على عقبه قافلًا إلى بلده ولم يظفر بشيء، وبلغ الخبر أبا الطيب وكتب إليه سيف الدولة كتابًا يستدعيه فأجابه في شوال. سنة ثلاث وخمسين وثلاث مئة.
فهمت الكتاب أبرّ الكتب فسمعًا لأمر أمير العرب
سمعًا: نصب على المصدر، وكذلك في البيت الذي يليه، وهو قوله: طوعًا وابتهاجًا وأبر الكتب: أي أصدقها. وقيل: أبلغ الكتب وأصدقها في البر بالمكتوب إليه.
وطوعًا له وابتهاجًا به وإن قصّر الفعل عمّا وجب
الابتهاج: الفرح، والهاء في به وله للكتاب، ويجوز أن يكون ضمير الأمير: أي سميع مطيع لأمرك، وإن كنت مقصرًا عن واجب حقك.
وقيل: معناه أنا مطيع لك، وإن كنت مقصرًا في حقي.
وما عاقني غير خوف الوشاة وإنّ الوشايات طرق الكذب
ما عاقني: أي ما منعني.
يقول: ما منعني من خدمتك وقصدي إليك إلا ما سعى بي إليك السعاة من السعايات، وأنواع الوشايات، فكانوا يغرونك بي وبالإساءة إلي، والوشايات طرق الكذب يعني إنهم إذا وشوا كذبوا، وزادوا، فالوشايات لا بد لها من الكذب والزيادة.
وتكثير قومٍ وتقليلهم وتقريبهم بيننا والخبب
التقريب؛ ضرب من سير الفرس، والخبب: السير السريع، وعنى بها ها هنا السعاية.
يقول: إنما منعني من خدمتك قول الوشاة، وتكثيرهم قولهم مرة، وتقليلهم أخرى، وتقريبهم وتخببهم في الإفساد بيني وبينك. يعني: أنهم يستعملون كيدهم من كل وجه.
وقد كان ينصرهم سمعه وينصرني قلبه والحسب
يقول: إنه كان يسمع من الوشاة ما يقولون، وهذا ينصرهم، ولكن كان قلبه وكرمه معي، لأنه لم يصدقهم على قولهم، فهذا كان نصرة لي.
وما قلت للبدر أنت الّلجين ولا قلت للشّمس أنت الذّهب
يقول: لم أنقص من مدحك شيئًا، كما ينقص من البدر إذا شبه بالفضة، والشمس إذا شبهت بالذهب، حتى تغريهم بي وتغضب علي.
فيقلق منه البعيد الأناة ويغضب منه البطيء الغضب
يقول: ما قلت له ما يوجب نقصًا له حتى يقلق ويضطرب مع حلمه وأناته ومعنى قوله: البعيد الأناة هو تمام الحلم وغاية الرفق، كما يقال: بعيد الغور أي ما قلت شيئًا ينكره، حتى يغضب البطيء الغضب، وأراد بالبعيد الأناة والبطيء الغضب: سيف الدولة.
وما لاقني بلدٌ بعدكم ولا اعتضت من ربّ نعماي رب
ما لاقني: أي حبسني. يقال: دخلت المدينة فما لاقتني، أي: ما أعجبتني وما حبستني. ويقال: لاقني وألاقني، ومنه قولهم: لقت الدواة ولقتها بكسر اللام وضمها: إذا حركتها ليعلق بها المداد، ويقال للكرسفة الليقة. وقوله: من رب نعماي رب في موضع النصب، وكان من حقه أن يقول: ربًا لأن المنصوب المنون إذا وقف عليه أبدل التنوين ألفًا، ولكنه أجراه مجرى المرفوع والمجرور في إسقاط التنوين في الوقف، ومثل هذا جائز في القافية، وخفف الباء أيضًا؛ لأن الحرف المشدد إذا وقع حرف الروى خفف.
يقول: ما حبسني بلد منذ فارقتكم، ولا وجدت من جميع الملوك عوضًا عنكم. وخاطبه بخطاب الجمع: تعظيمًا له وتفخيمًا لقدره.
ومن ركب الثّور بعد الجوا د أنكر أظلافه والغبب
غبب الثور وغبغبه: ما تدلى تحت حلقه.
[ ١ / ٣٦٦ ]
يعني: لو اعتضت منه ملكًا غيره، كنت مثل: من ترك الفرس الجواد وركب الثور، ومثله قول خداش بن زهير:
ولا أكون كمن ألقى رحالته على الحمار وخلّى صهوة الفرس
وما قست كلّ ملوك البلاد فدع ذكر بعضٍ، بمن في حلب
التقدير: ما قست كل ملوك البلاد بمن في حلب.
المعنى: أنا لا أقيس به جميع الملوك، فكيف أقيس به بعضهم؟!
ولو كنت سمّيتهم باسمه لكان الحديد وكانوا الخشب
الخشب: جمع خشبة.
يقول: كيف أقيس به غيره من الملوك؛ وهم إلى جنبه كالخشب من الحديد؟! ولو سميتهم باسم سيف الدولة، لكان هو سيفًا حديدًا، وكانوا هم سيوف خشب.
أفي الرّأي يشبه، أم في السّخا ء أم في الشّجاعة، أم في الأدب؟
يقول: في أي شيء من مناقبه يشبهونه في رأيه؟ أم في سخائه؟ أم في شجاعته؟ أم في أدبه! يعني: أنه أفضل منهم في هذه الأوصاف.
مبارك الاسم، أغرّ اللّقب كريم الجرشّي، شريف النّسب
الجرشي: النفس.
يقول: هو مبارك الاسم، لأن اسمه علي والعلو محبوب مبارك. وقوله: أغر اللقب: أي مشهور اللقب، لأنه إذا قيل سيف الدولة عرف في الآفاق، وهو كريم النفس، شريف النسب؛ لأنه من العرب وآباؤه الأمراء.
أخو الحرب، يخدم ممّا سبى قناه، ويخلع ممّا سلب
يخدم: من قولك أخدمت الرجل، إذا أعطيته خادمًا يخدمه. وفاعل سبي: قناه، وأسند الفعل إليه، لأنه يستعان به على السبي.
يقول: هو أخو الحرب أي عارف بها، كما يعرف الأخ أخاه، أو يحبها كما يحب الأخ أخاه، أو ملازم لها ونشأ معها كما ينشأ الأخ مع أخيه، وهو يسبي الجواري والغلمان، ثم يهبها لأصحابه، ويخلع عليهم مما سلب من أعدائه.
إذا حاز مالًا فقد حازه فتىً لا يسرّ بما لا يهب
يقول: إذا حاز المال وجمعه واستفاده، فإنما يحوز للهبة، وهو الفتى الذي لا يسر بما لا يهب.
وإنّي لأتبع تذكاره صلاة الإله وسقي السّحب
يقول: إذا ذكره عقب ذكره بالصلاة والدعا بالسقيا، فيقول: صلى الله عليه وسقى دياره وربوعه.
وأثني عليه بآلائه وأقرب منه نأى أو قرب
يقول: إنما أشكر نعمه إذا ذكرته، وأمدحه بمآثره وأقرب منه بالمحبة والموالاة سواء كان قريبا مني أو بعيدًا.
وإن فارقتني أمطاره فأكثر غدرانها ما نصب
الهاء في غدرانها للأمطار.
يقول: إن بره وإن كان قد انقطع فبقيتها عندي لم تنفذ.
أيا سيف ربّك لا خلقه ويا ذا المكارم لا ذا الشّطب
يجوز: يا سيف ربه باختلاس كسرة الهاء، ويا سيف ربك.
يقول: أنت سيف الله لا سيف الخلق، وأن تسمي: ذا المكارم أولى من أن تسمي: ذا الشطب. وهي الطرائق التي في السيف.
وأبعد ذي همّةٍ همّةً وأعرف ذي رتبةٍ بالرّتب
أراد: يا أبعد ذوي الهمم وأعرف ذوي الرتب، وأقام الواحد مقام الجماعة. وهمةً: نصب على التمييز.
يقول: يا من همته أبعد من همة كل صاحب همة، ويا من هو أعلم بالرتب من كل من له رتبة ومنزلة.
وأطعن من مسّ خطّيّةً وأضرب من بحسامٍ ضرب
يقول: يا من هو أحذق الناس بالطعن والضرب.
والمعنى: أنت أعرف الحاملين للرمح بالطعن، وأضرب الضاربين بالسيوف وأقام الواحد مقام الجمع.
بذا اللّفظ ناداك أهل الثّغور فلبّيت والهام تحت القضب
يقول: ناداك أهل الثغور بهذا اللفظ، وهو ما تقدم من قوله: يا سيف ربك وما بعده. حين أتى الدمستق على ثغورهم، فلبيتهم وأجبتهم وخلصتهم بعد ما صارت رءوسهم تحت سيوف الروم.
وقد يئسوا من لذيذ الحياة فعينٌ تغور وقلبٌ يجب
غارت العين: إذا دخلت في الرأس. ووجب القلب: إذا خفق.
يقول: أعنتهم بعد أن انقطع رجاؤهم من الحياة وأشرفوا على الهلاك.
وغرّ الدّمستق قول الوشا ة: إنّ عليًّا ثقيلٌ وصب
الوصب: ناحل الجسم، وقيل: هو الذي يجد الألم.
يقو: اغتر الدمستق بخبر علتك، وقدر أنك لا تقدر على نصرة أهل الثغور وصيانتهم
وقد علمت خيله أنّه إذا همّ وهو عليلٌ ركب
الهاء في خيله قيل للدمستق.
والمعنى: أنها تعلم أن سيف الدولة مع علته، لو هم بالركوب لركب؛ لما شاهدت منه فيما مضى من الحروب.
[ ١ / ٣٦٧ ]
وقيل: أراد به أن خيل سيف الدولة علمت ذلك.
أتاهم بأوسع من أرضهم طوال السّبيب قصار العسب
السبيب: شعر العرف والذنب. والعسب: جمع العسيب، وهو العظم الذي ينبت عليه الذنب، ويستحب في الفرس طول شعر ذنبه، وقصر عسيبه.
يقول: أتى الدمستق أهل الثغور بخيل، موضعها من الأرض أوسع من أرضهم، ونصب طوال وقصار على الحال.
تغيب الشّواهق في جيشه وتبدو صغارًا إذا لم تغب
يقول: كانت الجبال الشواهق تغيب في جيش الدمستق لكثرته، فإن ظهرت الجبال ولم تغب تبدو صغارًا.
ولا تعبر الرّيح في جوّه إذا لم تخطّ القنا أو تثب
الهاء في جوه للجيش وإذا لم تخط القنا هو من تخطيت القوم: إذا جاوزتهم، وهو فعل الريح، وتثب عطف عليه والقنا في موضع النصب، لأنه مفعول قوله: إذا لم تخط.
يقول: لا تقدر الريح أن تنفذ في جو هذا الجيش إلا أن تخطت القنا وجاوزته، أو وثبت من فوقه، وإلا لم يمكنها أن تنفذ في جوه.
فغرّق مدنهم بالجيوش وأخفت أصواتهم باللّجب
يقول: إن الدمستق ملأ مدن الثغور بخيله، حتى غرقت في جيوشه، وأخفى أصوات أهل المدن بلجب جيوشه.
فأخبث به طالبًا قتلهم وأخبث به تاركًا ما طلب
أي ما أخبثه في الحالين؟! يقول: ما أخبثه حين جاء يقاتل المسلمين، وما أخبثه حين هرب وانقاد للعار والضيم، فهو في كلا الحالين خبيث وطالبا وتاركًا نصب على الحال.
نأيت فقاتلهم باللّقاء وجئت فقاتلهم بالهرب
يقول: لما بعدت عن أهل الثغور، قصدهم الدمستق ولقيتهم، فلما جئت هرب وتركهم، فكان هذا قتاله.
وكانوا له الفخر لمّا أتى وكنت له العذر لمّا ذهب
وكانوا: أي أهل الثغور.
يقول: كان أهل الثغور فخرًا للدمستق لما أتى لأنه كاد يقهرهم ولما ذهب كنت له العذر، لأن مثله لا يقاومك.
سبقت إليهم مناياهم ومنفعة الغوث قبل العطب
الغوث: مصدر أغاثه إذ أنقذه.
يقول: سبقت إليهم قبل وصول هلاكهم إليهم، فأغثتهم قبل أن يهلكوا. والغوث إنما ينفع قبل الهلاك، وأما بعده فلا فائدة فيه.
فخرّوا لخالقهم سجّدا ولو لم تغث سجدوا للصّلب
يقول: لما أغثت أهل الثغور سجدوا لله تعالى شكرا، وبقوا على الإسلام، ولو لم تنصرهم لألجأهم الكفار أن يسجدوا للصلب.
وكم ذدت عنهم ردىً بالرّدى وكشّفت من كربٍ بالكرب
يقول: كم مرة دفعت الهلاك عن أهل الإسلام؛ بإهلاك أعدائهم؟! وكشفت الغم عنهم بالغم الذي أوقعت فيه أعداءهم.
وقد زعموا أنّه إن يعد يعد معه الملك المعتصب
المعتصب: المتوج.
يقول: إن الناس زعموا أن الدمستق إذا عاد إلى الثغور عاد معه ملكهم الأعظم، صاحب التاج.
ومتى قيل: لم قال: يعد معه الملك المعتصب والعود إنما يكون بعد البدء، والملك لم يكن قصدهم قبل ذلك؟ قيل له: قد جاء العود في معنى الابتداء كما قال الله تعالى: " أوْ لَتَعُودُنَّ في مِلَّتِنَا ".
وقيل: إن هذا الاعتراض غير متوجه؛ لأن قوله: يعد معه فعل الدمستق، ومعه الملك المعتصب في موضع نصب على الحال: أي يعد ومعه الملك وهذه الواو، تحذف إذا كان في الحال ضمير يرجع إلى صاحبها والملك على هذا يرفع بالابتداء، وعلى الوجه الأول يرتفع لفعله.
وقلت: إن يعد في معنى الابتداء، وحسن ذكره ها هنا لتعلقه بالأول، فيكون قد أجرى عليه لفظًا يتعلق به، إذ لا شك أن العود الأول على حقيقته، فلما تعلق الثاني به أجرى مجراه، كقوله تعالى: " وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيئَةٌ مِثْلُهَا ".
ويستنصران الّذي يعبدان وعندما أنّه قد صلب
يقول: زعموا أن الدمستق والملك يرجعان ويطلبان النصرة ممن يعبدانه، وهو المسيح ﵇، وفي اعتقادهما أنه قد صلب، فكيف يقدر أن يدفع عنهم القتل، وهو لم يقدر على أن يدفعه عن نفسه! يتعجب من عقول النصارى وفساد اعتقادهم.
ويدفع ما ناله عنهما فيا للرّجال لهذا العجب!
اللام الأولى مفتوحة؛ لأنها لام الاستغاثة للمدعو، والثانية مكسورة؛ لأنها لام المتعجب منه المدعو إليه.
والمعنى: أنه يتعجب من قول النصارى. أي كيف يدفع عنهما ما ناله من القتل في اعتقادهما! فلو قدر لدفع عن نفسه!
[ ١ / ٣٦٨ ]
أرى المسلمين مع المشركي ن إمّا لعجزٍ وإمّا رهب
كأنه كان قد انضم طائفة من المسلمين إلى الروم! فقال: أراهم معهم ولا أدري لأي علة؟! أعجزوا عن قتالهم؟ أو خافوا منهم! وقيل: المعنى أن المسلمين قد وافقوا النصارى وصدقوهم في زعمهم أن المسيح ينصرهم وذلك إما لعجز عنهم أو لخوف منهم.
وأنت مع الله في جانبٍ قليل الرّقاد كثير التّعب
يقول: أنت مع أمر الله وطاعته، قليل النوم، لحفظ الثغور كثير التعب، لإدامة الحرب.
وقيل: إن المسلمين قد وافقوا النصارى على قولهم وأنت متوكل على الله، مستنصر به، غير مائل إلى قول النصارى في استنصار المسيح ﵇.
كأنّك وحدك وحّدته ودان البريّة بابنٍ وأب
يقو: أنت تفردت بتحمل المشاق في مجاهدة الكفار، حتى كأنك متفرد بالتوحيد، وسائر الناس اعتقدوا النصرانية.
فليت سيوفك في حاسدٍ إذا ما ظهرت عليهم كئب
يقول: ليت سيوفك بعد ظهورك على الأعداء، تقتل كل حاسد حزين والتقدير على هذا البيت: سيوفك إذا ما ظهرت على الأعداء في حاسد كئب.
وقيل: معناه ليت سيوفك تقتل كل حاسد يحزن لظفرك بالأعداء.
وليت شكاتك في جسمه وليتك تجزي ببغضٍ وحب
يقول: ليت علتك هذه في جسم حاسدك، وليتك تجزي كل إنسان بحسب قدره في بغضه وحبه.
يعني: لو فعلت ذلك لكنت أحسن حالا من سائر الناس، ولو جزيت الأعداء ببغضك لما أبقيت أحدًا.
فلو كنت تجزي به نلت من ك أضعف حظٍّ بأقوى سبب
يقول: لو كنت تجزي كل أحد ببغض وحب، لنلت ما أتمناه من قتل من كادني على محبتي لك.
وقال أيضا بمدح سيف الدولة:
سيف الإله على أعلى مقلّدة وموضع العزّ منه فوق مقعده
المصراع الثاني قيل: لم يتممه أبو الطيب! وقيل: بل تممه ولم يرو عنه إتمامه.
وقيل إن تمامه قوله: وموضع العز منه فوق مقعده.
وقيل: إن هذه اللفظة فوق مقعده لم يعترف بها المتنبي. وقيل: إنه قال: ألقيتها فلا تنسبوها إلي.
والمعنى: سيف الله على أرفع رجل قلد السيف. وموضع الشرف من هذا السيف هو السماء، لا موضع الذي يرى أنه مقعدًا، أو الموضع الذي قعده.
ما اهتزّ منه على عضوٍ يسيّره إلاّ اتّقاه بترسٍ من مخلّده
المخلد: موضع الخلد، وهو القرط.
يقول ما تحرك السف على عضو عدو، يريد أن يرمي به إلا اتقاه ذلك الجسم بأكثر من مطلوبه، وهو أن يترس موضع القرط من موخر عنقه.
ذمّ الإله إليه من محبّته ما ذمّ في بدرٍ من حمد حامده
يقول: ذم الله تعالى إلى سيف الدولة من أحبابه، جزعهم وذلهم في هذه الحرب الذي صبر فيها سيف الدولة دونهم، مثل ما ذم ﷻ من حمده النبي ﷺ من بعض أصحابه وأحبته في يوم بدر، لما ذلوا وفزعوا بقوله تعالى: " وَلَقَدْ نَصَرَكُم الله بِبَدْرٍ ".
شمسٌ، إذا الشّمس لاقته على فرسٍ تردّد النّور منها في تردّده
يقول: هو كالشمس فإذا قابلته الشمس وهو على فرس رد شعاعها إلى نفسها كثرة جولان هذا الفارس.
والمعنى: أنه إذا ركب بجيشه حجب بالغبار نور الشمس.
لم يقبح الحسن إلاّ عند طلعته كالعبد يقبح إلاّ عند سيّده
يقول: إن الحسن إذا رؤى بحضرته يفتضح بحسنه، ويقبح لكمال جماله كالعبد لا يقبح إلا عند سيده. وحذف لا من قوله: كالعبد يقبح
قالت عن السّير طب نفسًا فقلت لها لا يصدر العبد إلاّ بعد مورده
أي قالت العاذلة أو المحبوبة أو غيرهما، ممن يشفق عليه: كفاك ما سرت من الدنيا فأقم، فقلت لها: إني ما سرت بعد إلى من هو المقصود، ولا وردت موردي، فكيف أصدر؟ لأن الصدر بعد الورود، يحسن ويكمل.
نفسٌ تصغّر نفس الدّهر من كبرٍ لها نهى كهله في سنّ أمرده
يقول: نفسه من كبرها وعظمها تصغر نفس الدهر، والضمير في الكهل يعود إلى النفس والضمير في الأمرد يعود إلى الدهر
لم أعرف الجود إلا مذ عرفت فتىً لم يولد الجود إلاّ عند مولده
يريد: منذ وقت مولده، فحذف للعلم به.
والمعنى: أن الجود يدور معه، ولم يكن قبل مولده جود فلما ولد هو وجد الجود.
وقال أيضًا فيه بديهًا:
يا سيف دولة ذي الجلال ومن له خير الخلائق والعباد سميّ
[ ١ / ٣٦٩ ]
إن عنى بذي الجلال، الله تعالى فهو في هذا الموضع قبيح، لأنه لا يقال: دولة الله تعالى.
وإن عنى به الخليفة فهو أشنع، لأن هذا الوصف لا يطلق على غير الله تعالى.
يقول: يا سيف الدولة من هو كذلك، يا سمي خير البرية وهو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه.
انظر إلى صفّين حين أتيتها فانصاع عنها الجحفل الغربيّ
انصاع: تفرق.
يقول: انكشف عنك العسكر من الغرب فانهزموا. فشبه المعركة بصفين.
فكأنّه جيش ابن حربٍ رعته حتّى كأنّك يا عليّ، عليّ
العسكر الغربي: جيش الإخشيد فهزمته حتى كأنك يا علي، علي بن أبي طالب أمير المؤمنين ﵁.