وجه أبو شجاع عضد الدولة بن ركن الدولة في طلب المتنبي، ولم يمكن الأستاذ الرئيس مخالفته، فحمله مكرما فقال المتنبي يمدحه بشيراز، وهي أول ما قال فيه سنة أربع وخمسين وثلاث مئة.
أوه بديلٌ من قولتي واها لمن نأت والبديل ذكراها
أوه تأوه، وهي كلمة تستعمل على وجه التوجع. واها: كلمة تستعمل للتعجب.
يقول: تألمي الآن بديل من تعجب كان لوصل من نأت عني، وصار ذكراها بدل منها، فأنا اليوم أتوجع من فراقها، بعد أن كنت أتلذذ بوصالها.
وتقدير البيت: قولي أوه بدل من قولي واها. فقولتي مبتدأ وأوه في موضع نصب بقولتي وبديل خبر المبتدأ، وواها في موضع نصب بقولتي وهذا كما نقول: ضربي زيدًا بدل من ضربي عمرًا.
أوه من ألاّ أرى محاسنها وأصل واهًا وأوه مرآها
يقول: أنا أتوجع من أجل أني أرى محاسنها بعد ما كنت أتعجب بوصالها، وأصل استحساني، لوصلها فيما تقدم، وتوجعي الآن على فقدها إنما هو مرآها: أي رؤيتها. يعني: فيما تقدم.
أي: لولا أني رأيتها لم أتعجب من حسنها، ولم أتلهف على فراقها.
شاميّةٌ طالما خلوت بها تبصر في ناظري محيّاها
المحيا: الوجه.
يقول: التي أتوجع من فراقها. هي شامية، وهي التي طالت الخلوة بيني وبينها، فكانت ترى في ناظر عيني وجهها لقربها مني.
فقبّلت ناظري تغالطني وإنّما قبّلت به فاها
به أي فيه: أي فقبلت من ناظري فاها. يعني: أن ناظر العين كالمرآة إذا قابله شيء انطبعت صورته فيه.
يقول: إنها رأت شكل فمها في ناظري، فغالطتني أنها تقبل عيني، وإنما قبلت شكل فمها، الذي رأته في ناظري.
فليتها لا تزال آويةٌ وليته لا يزال مأواها
الهاء في ليتها للمحبوبة وفي ليته للناظر.
[ ١ / ٤٤٣ ]
يقول: ليت هذه المحبوبة لم تزل حالةً في ناظري، وليت ناظري لم يزل محلا لها، وهذا التمني يرجع إلى معنى القرب؛ لأنها لا تحل في ناظره إلا عند القرب، فكأنه يقول: ليتها لم تفارقني ولم تزل قريبة مني، تنظر فمها في سواد عيني.
وروى: لا تزال آويه الهاء للناظر، وذكر الآوى وإن كان من حقه آويته ذهابًا إلى المعنى، كأنه قال: ليتها لم تزل إنسانًا أو شخصًا آويه.
كلّ جريحٍ ترجى سلامته إلاّ فؤادًا دهته عيناها
دهته: أي أصابته بداهيةٍ.
يقول: كل مجروح ترجى سلامته واندماله من جرحه، إلا قلبًا جرحته عينا هذه المرأة، فإن برأه لا يرجى أبدًا.
تبلّ خدّيّ كلّما ابتسمت من مطرٍ برقه ثناياها
يقول: كلما ضحكت من شكواي إليها بكيت استعظامًا لها، فكأن ضحكها سبب جريان دمعي على خدي، ولما جعل دمعه مطرًا، جعل لمع ثناياها برق ذلك المطر.
وقيل: أراد إذا ابتسمت فظهرت ثناياها، بكيت شوقًا إلى تقبيلها، فبلت دموعي خدي من مطر صفته ما ذكرنا.
وقيل: أراد إذا ابتسمت أبكتني بحسن مبسمها، تنغيصي بمفارقتها، إذ ذلك مما ينغص الوصل.
وقيل: أراد ابتسامها في حال الهجر الحاصل.
وقيل: أراد حقيقة ذلك، وهو ما يرشف من فيها، فريقها يبل خديه، وهو مطر برقه ثناياها.
وقيل: إنه أراد أنها كانت تقبله، فكلما قبلته بلت بريقها خده، وكثر حتى صار كالمطر.
وقيل: أراد أنها كانت تضحك من محبته فتبرق في وجهه.
ما نفضت في يدي غدائرها جعلته في المدام أفواها
ما بمعنى الذي. وهو مفعول نفضت وفاعله غدائرها.
يقول: جعلت ما نفضت غدائرها من بقايا طيبها في يدي أخلاطا من الطيب في الخمرة، وطيبت الخمرة به.
في بلدٍ تضرب الحجال به على حسانٍ ولسن أشباها
يقول: خلوت بها في بلد، أو هذه في بلد تستتر فيه النساء الحسان بالحجال، غير أن أولئك الحسان لسن يشبهنها في الحسن؛ لأنها تفوقهن في حسنها.
وقيل: أراد وصفهن بالحسن، وأن كل واحدة منهن متفردة بحسن لا يشاركها فيه غيرها.
وقيل: أراد أنهن لا يشبهن غيرهن من النساء في الحسن، بل هن أحسن من غيرهن من الحسان.
لقيننا والحمول سائرةٌ وهنّ درٌّ فذبن أمواها
الحمول بالفتح: الإبل التي عليها الهوادج.
يقول: هن في صفاء بشراتهن كالدر، فلما لقيننا يوم سارت الإبل، بكين جزعًا من الفراق، فذبن وجرين دموعًا، هي كبشراتهن في الصفاء، ونصب أمواها على التمييز وهي جمع ماء في القلة.
كلّ مهاةٍ كأنّ مقلتها تقول: إيّاكم وإيّاها
المهاة: البقرة الوحشية. والمهاة البلورة.
يقول: كل واحدة منهن كأنها مهاة في حسنها وفي عيونها، فكأن مقلتها تحذر الناس فتقول: احذروا صيدها إياكم.
فيهن منّ تقطر السّيوف دمًا إذا لسان المحبّ سمّاها
يقول: في هؤلاء النساء امرأة تسفك سيوف قومها دم من يحبها، عند تسميته إياها لعزتهم وحميتهم، وأراد بها محبوبته.
وقيل: معناه أن في هؤلاء النساء امرأة تقتلك بجفونها التي هي السيوف، وتريق دمك بعيونها، متى ذكرت أنك تحبها.
أحبّ حمصًا إلى خناصرةٍ وكلّ نفسٍ تحبّ منشاها
يقول: أحب ما بين هذين الموضعين اللذين هما: حمص وخناصرة؛ لأن منشاي كان فيهما، وكل إنسان يحب وطنه الذي نشأ به.
حيث التقى خدّها وتفّاح لب نان وثغري على حميّاها
الحميا: الخمرة، وهي أيضًا سورتها. والهاء في خدها للمحبوبة وفي حمياها للناحية التي بين حمص وخناصرة.
يقول: إني أحب هذا المكان لأني جمعت فيه بين خد المحبوبة أقبلها، وبين تفاح لبنان أتنقل به وبين شرب الخمر أتلذذ بها، والكل متقارب طيبًا وطعمًا. ولبنان: جبل بالشم، يقال له: جبل لبنان.
وصفت فيها مصيف باديةٍ شتوت بالصّحصحان مشتاها
الصحصحان هنا: موضع بقرب دمشق. وهو في اللغة: المكان المتسع. والهاء في فيها للمواضع التي بين حمص وخناصرة، وفي مشتاها للبادية.
يقول: صفت في هذه المواضع مصيف بادية: أي على رسم العرب بالخروج إلى البادية وأقمت الشتاء بالصحصحان: التي هي مشتى أهل البادية.
إن أعشبت روضةٌ رعيناها أو ذكرت حلّةٌ غزوناها
الحلة: جماعة بيوت العرب، ينزلون في مكان واحد.
[ ١ / ٤٤٤ ]
يقول: صفت وشتوت على هذه الحال، وكنا أهل عز ومنعة، فكلما سمعنا بروضة كثيرة العشب قصدنا إليها، ورعينا إبلنا فيها، وإذا علمنا بحلة غزوناها وأغرنا عليها واغتنمنا أموالها.
أو عرضت عانةٌ مفزّعةٌ صدنا بأخرى الجياد أولاها
العانة: قطعة من حمر الوحش. ومفزعةً: أي مسرعة، لأنها إذا فزعت أسرعت في العدو.
يقول: كنا في تلك الناحية إذا عرضت عانة من الحمير صدنا بأخرى الجياد أي بأردئها: التي تكون متأخرةً عن صواحبها في الجودة، أولى حمير الوحش: وهي السوابق منها.
أو عبرت هجمةٌ بنا تركت تكوس بين الشّروب عقراها
الهجمة: القطعة العظيمة من الإبل. قال الأصمعي: ما بين الأربعين إلى المئة. وتكوس: أي تمشي على ثلاث قوائم عندما عقرناها. والشروب: جمع شرب والشرب: جمع شارب. والعقري: جمع عقير.
يقول: إذا عبرت بنا قطعة من الإبل عقرنا الأدبار، فتكوس بين الشاربين.
والخيل مطرودةٌ وطاردةٌ تجرّ طولى القنا وقصراها
قوله: والخيل مطرودة وطاردة: أي لم تنفك غارة، ومطاردة، فتارةً لنا وتارة علينا. والطولى: تأنيث الأطول: والقصرى: تأنيث الأقصر.
يعجبها قتلها الكماة ولا ينظرها الدّهر بعد قتلاها
ينظرها: يؤخرها.
يقول: يعجب الخيل قتلها الكماة، ثم لا تلبث أن تقتل بعدها طلبًا للثأر.
وقيل: أراد بالخيل أصحابها.
والمعنى: أنها إذا قتلت أعداءها أعجبها ذلك، وهي بعد ذلك لا يمهلها الدهر بعد من قتلت. أي: أصحاب الخيل، لأن العاقبة إلى الفناء.
وقد رأيت الملوك قاطبةً وسرت حتّى رأيت مولاها
يقول: رأيت الملوك كلهم، والآن رأيت عضد الدولة الذي هو سيد الملوك.
قال ابن جني: بلغني أن سيف الدولة قال لما سمع هذا البيت: أترى نحن في الجملة؟!
ومن مناياهم براحته يأمرها فيهم وينهاها
يقول: إن الموت تحت يده وطاعته! فهو متى شاء يأمر ملك الموت في الملوك وينهاه عنهم! أي يملك أرواح الملوك إن شاء أهلكهم وإن شاء أمهلهم.
أبا شجاعٍ بفارسٍ عضد ال دولة فنّاخسرو شهنشاها
هذه الأوصاف، والكنية، والاسم، نصب بدلًا من مولاها ومن روى: أنه منادي قال: أبو شجاع كنيته، وشهنشاه لقبه، وفناخسرو اسمه، وفارس مقره. أي: لقيته بفارس.
أساميًا لم تزده معرفةً وإنّما لذّةً ذكرناها
نصب أساميًا بفعل مضمر. أي ذكرت أساميا.
يقول: لم أذكر هذه الأسامى لزيادة معرفة بها، إذ هو بذاته وصفاته مشهورة، وإنما ذكرناها التذاذًا بذكرها.
تقود مستحسن الكلام لنا كما تقود السّحاب عظماها
عظماها أي معظمها. والهاء للسحاب وتقود فاعله ضمير الأسامى.
يقول: إن أساميه المذكورة، ومساعيه المشهورة، تقود لنا مستحسن الكلام في مدحه، كما يقود السحاب بعضه بعضًا وينضم إلى معظمه. وهذا كقول الآخر:
إذا امتنع الكلام عليك فامدح أمير المؤمنين تجد مقالا
هو النّفيس الّذي مواهبه أنفس أمواله وأسناها
يقول: هو كريم شريف الخطر، فلا يهب إلا أنفس أمواله، وأكرم ذخائره. وروى عن عبد الصمد أحد خزان عضد الدولة أنه أمر لأبي الطيب بألف دينار عددًا، وزن سبع مئة، فلما أنشد هذا البيت تقدم إلي بأن أبدلها بألف وازنة.
لو فطنت خيله لنائله لم يرضها أن تراه يرضاها
يقول: إذا رضى فرسًا، وهبه لقاصده، فلو فطنت خيله لهذا الرضا منه، لم يسرها أن تراه راضيًا بها؛ لأنه إذا رضيها وهبها، وهي لا تحب الانتقال عنه.
لا تجد الخمر في مكارمه إذا انتشى خلّةً تلافاها
خلةً نصب بتجد.
يقول: إن الخمر لا تجد في أخلاقه الكريمة خللًا قبل السكر، حتى إذا شربها تلافته وأزالته.
تصاحب الرّاح أريحيّته فتسقط الرّاح دون أدناها
الأريحية: الاهتزاز للكرم.
يقول: إن أريحيته تهزه للكرم وتعينها الراح، غير أن أدنى تأثير أريحيته، يزيد على أثر فعل الراح فيه.
تسرّ طرباته كرائنه ثمّ يزيل السّرور عقباها
الكرائن: جمع كرينة، وهي الجارية العوادة، والهاء في عقباها للطربات.
[ ١ / ٤٤٥ ]
يقول: إذا غنت له الكرائن وأطربته، وهب لهن، فسررن بما وصل إليهن، ثم لا يلبثن أن يهبهن لبعض جلسائه، لأنهن مملوكات له، فيزيل سرورهن، فأول الطربات سرهن، وآخرها غمهن.
بكلّ موهوبةٍ مولولةٍ قاطعةٍ زيرها ومثناها
الزير والمثنى من أوتار العود، أي يزيل عقبي الطربات سرور قيانه بكل موهوبة باكية؛ لزوالها عن ملكه، قاطعةً أوتار عودها جزعًا.
تعوم عوم القذاة في زبدٍ من جود كفّ الأمير يغشاها
في زبد: أي في عطاء جم كالبحر المزبد.
يعني: أنه يهبها مع ذخائر أمواله وتغمرها عطاياه، فهي تتقلب فيها، كالقذاة في البحر. والهاء في يغشاها للموهوبة.
تشرق تيجانه بغرّته إشراق ألفاظه بمعناها
يقول: غرة وجهه تزين تيجانه كما تزين معاني كلامه ألفاظه. ينظر إلى قول الآخر:
ومازانها العقد الّذي فوق نحرها ولكن لها نحرٌ يزيّن بالعقد
دان له شرقها ومغربها ونفسه تستقلّ دنياها
الهاء في شرقها ومغربها للأرض وفي دنياها للنفس.
يقول: ملك الأرض شرقها وغربها، ونفسه تستقل له ذلك.
تجمّعت في فؤاده هممٌ ملء فؤاد الزّمان إحداها
يقول: قد اجتمعت في قلبه همم، واحدة منها تملأ الدهر! فضلًا عن سائر هممه. جعل للزمان فؤادًا ليجانس قوله: في فؤاده همم.
فإن أتى حظّها بأزمنةٍ أوسع من ذا الزّمان أبداها
الهاء في حظها وأبداها للهمم.
يقول: إن كان لتلك الهمم التي في قلبه حظ، فأتى بزمان آخر يسعها. أبداها: أي أظهرها.
يعني: في نفسه همم يضيق الزمان بواحدة منها، فلو وجد أزمنةً أوسع من هذا الزمان تسعها لأبداها.
وصارت الفيلقان واحدةً تعثر أحياؤها بموتاها
الفيلقان: الجيشان، وأنث على معنى الجماعة، وأراد بالفيلقين: أهل هذا الزمان وأهل الأزمنة المتقدمة. أي: الأحياء والأموات.
يقول: إن أتى حظ بأزمنة تسعها أبداها، وأعاد من سلف من الأمم والملوك، وأدخلهم في طاعته، وصار عسكر الأحياء والأموات واحدًا في الانقياد له. وتعثر الأحياء بالأموات. وهذا تفسير للهمم التي تجمعت في فؤاده.
ودارت النّيّرات في فلكٍ تسجد أقماره لأبهاها
الهاء في أبهاها للأقمار، ويجوز أن تكون للنيرات. يعني: لو أظهر تلك الهمم لخضعت له ملوك الدنيا واجتمعت، كلهم في وقت واحد، فتسجد أقمار الفلك لأبهاها وهو الشمس. جعل سلطانه فلكًا يشتمل على الأرض وملوكها، كما يشتمل الفلك على العالم، وجعل الملوك أقمارًا وهو شمسًا.
الفارس المتّقي السّلاح به ال مثنى عليه الوغى وخيلاها
خيلاها أي عسكراها، وهي تثنية الخيل. والهاء للوغى؛ لأنه في معنى الحرب. وروى: المتقي بفتح القاف، أي يتقي به من أثر السلاح، وتثني عليه الحرب وعسكراها. أي: عسكره وعسكر العدو.
لو أنكرت من حيائها يده في الحرب آثارها عرفناها
الهاء في حيائها وآثارها لليد وفي عرفناها للآثار.
يقول: لو أنكرت يده من فرط حيائها آثارها في الحرب؛ لعلمنا أنه فعله، لأن أحدًا لا يقدر أن يفعل مثل فعله.
وكيف تخفي الّتي زيادتها وناقع الموت بعض سيماها
زيادة اليد: اسم لما تحمله اليد، زائدًا على ما جرت عادتها بحمله.
وقيل: الزيادة: السوط. التي ترجع للآثار. والهاء في زيادتها لليد وفي سيماها للزيادة. والموت الناقع: السريع. وقيل: الثابت.
يقول: كيف تخفي آثار يده؟؟! وما تفعله بزيادتها هو الموت الناقع، وهو علامة من علامات زيادة يده، فإذا ضربت بالسيف كيف يخفي آثارها؟!.
الواسع العذر أن يتيه على الدّ نيا وأبنائها وما تاها
ما للنفي وتاه فعل: أي لم يته.
يقول: لو تاه على الدنيا وأهلها، كان له في ذلك أوسع عذر، لأنه ملكها وأهلها، وهو مع ذلك لم يته تواضعًا منه.
لو كفر العالمون نعمته لما عدت نفسه سجاياها
يقول: هو ينعم على الخلق عامةً، فلو جحد الخلق نعمه عليهم ما ترك عادته في الجود. وقوله: لما عدت: أي ما تجاوزت نفسه عادتها في الجود.
كالشّمس لا تبتغي بما صنعت منفعةً عندهم ولا جاها
[ ١ / ٤٤٦ ]
يقول: هو في شمول نعمته كالشمس أي: لأنها تشرق بطبعها، ولا تريد من الناس شكرًا ولا أجرًا من منفعة أو جاه، فكما لا يتصورون فيها ذلك فكذلك حاله.
ولّ السّلاطين من تولاّها والجأ إليه تكن حديّاها
أي متحديًا للسلاطين، ونظيرًا لها. والهاء ترجع إلى السلاطين.
يقول: دع السلاطين مع من تولاهم، وانضم إليه تصر من جملتهم، والهاء ترجع إلى عضد الدولة، تكن نظير السلاطين ومباريًا لهم ومتطاولًا عليهم. خاطب بهذا نفسه أو صاحبه.
ولا تغرّنّك الإمارة في غير أميرٍ وإن بها باهي
الهاء في بها للإمارة وباهي فاعل من البهاء.
يقول: دع السلاطين ولا تغتر بما تراه من مباهاتهم بالإمارة، فليس الأمير في الحقيقة إلا من هو بالصفة المذكورة.
فإنّما الملك ربّ مملكةٍ قد فغم الخافقين ريّاها
يقال: فغمتة رائحة الطيب، إذا ملأت منخره. والريا كل شيء رائحته طيبة. والهاء للمملكة.
يقول: ليس الأمير إلا من ملأت مملكته، رائحتها بين المغرب والمشرق.
مبتسمٌ والوجوه عابسةٌ سلم العدى عنده كهيجاها
يقول: الملك من يحتقر أعداءه ولا يحتفل بهم، فسلمهم وحربهم عنده سواء ويكون مبتسمًا في الحرب عند عبوس الشجعان، لا يدخله قلق ولا حرج، وليس ذلك إلا عند عضد الدولة.
النّاس كالعابدين آلهةً وعبده كالموحّد الّلاها
يعني: أن الملك في الحقيقة هو الممدوح، فعبده على بصيرة وصواب، كمن يوحد الله تعالى، وعبد غيره من الملوك على باطل وضلالة كمن يعبد الأصنام، التي لا تنفع ولا تضر.
وقيل: معناه من رجا غيره كان ضالًا عن الصواب، بعيدًا عن الرشد، كمن يعبد غير الله تعالى، ومن وقف رجاؤه عليه كان مظفرًا منصورًا متبعًا للصواب والرشد، كمن يوحد الله تعالى ويتبع الحق. والمعنيان متقاربان.
وقال أيضًا يمدحه في هذا الشهر، ويمدح ابنيه: أبا الفوارس، وأبا دلف، ويذكر شعب بوان في طريقه:
مغاني الشّعب طيبًا في المغاني بمنزلة الرّبيع من الزّمان
المراد بالشعب: شعب بوان، وهو في أرض فارس، شعب بين جبلين طوله أربعة فراسخ، كله شجر وكرم، ولا تقع فيه الشمس على الأرض لالتفاف أشجاره وطيبًا نصب على المفعول له، أو على التمييز.
يقول: فضل هذه المغاني في طيبها، كفضل الربيع على سائر الأزمان في الطيب.
ولكنّ الفتى العربيّ فيها غريب الوجه واليد واللّسان
أراد بالفتى العربي: نفسه.
يقول: أنا غريب الوجه فيها؛ لأنه لا يعرف. وغريب اللسان؛ لا يفهم كلامه. وغريب اليد: يعني أن سلاحه السيف والرمح، وسلاح من بالشعب الحربة ونحوها. ذكره ابن جني.
وقال غيره: إن خطه عربي مثل لسانه، فهو أيضًا غريب وقيل غريب النعمة: أي ليس للعجم سخاء العرب.
ملاعب جنّةٍ لو سار فيها سليمانٌ لسار بترجمان
يقول: هذه المغاني ملاعب الجن؛ لأنهم لا يظهرون؛ لالتفاف الأشجار والكروم، فتسمع أصواتهم ولا ترى أشخاصهم. فشبههم بالجن من هذا الوجه.
وقيل: شبههم بالجن؛ لغموض لغتهم. ثم قال: لو سار فيها سليمان، مع علمه بمنطق الطير وسائر الألسن، لاحتاج إلى الترجمان.
طبت فرساننا والخيل حتّى خشيت وإن كرمن من الحران
طبت: أي استمالت مغاني الشعب فرساننا وخيلنا لطيبها، فلم تبرح منها حتى خشيت عليها الحران، وإن كانت كريمة. والحران: عيب في الخيل، وهو أن تقف ولا تنبعث.
غدونا تنفض الأغصان فيها على أعرافها مثل الجمان
الجمان: اللؤلؤ الصغار.
يقول: سرنا من الشعب بكرةً، وكان الندى يسقط من أوراق الأشجار على أعراف الخيل، فينتظم عليها مثل الجمان.
وقيل: أراد ما يقع على أعراف الخيل عند نفض الأغصان في خللها من ضوء الشمس.
وقيل: أراد أن الأغصان كان عليها من الورد والياسمين، فشبهه عند تساقطه على أعراف الخيل باللؤلؤ.
فسرت وقد حجبن الحّر عنّي وجئن من الضّياء بما كفاني
يقول: حجبت الأغصان عني حر الشمس، وجاءت الأغصان من ضوئها في خلل الأوراق بما نحتاج إليه ونكتفي به.
وألقى الشّرق منها في ثيابي دنانيرًا تفرّ من البنان
الشرق: الشمس، والهاء في منها للأغصان.
[ ١ / ٤٤٧ ]
يقول: إن ضوء الشمس يقع على ثيابنا من خلا ل الأوراق قطعًا مدورة كالدنانير، غير أنها كانت تفر من البنان: يعني أن البنان إذا شاء أن يقبض عليها صارت على ظهر اليد، فكأنها فارة من البنان.
وحكى: أن الملك عضد الدولة لما أنشده هذا البيت قال: لأقرنها في يدك.
لها ثمرٌ تشير إليك منه بأشربةٍ وقفن بلا أواني
الأواني: جمع آنية، والآنية: جمع إناء.
يقول: لهذه الأغصان والأشجار ثمر من عنب وغيره، كأنه لرقته وصفائه يشير إليك بأشربة واقفة بغير أوان. شبهها في صفائها بالشراب.
وأمواهٌ يصلّ بها حصاها صليل الحلي في أيدي الغواني
يقول: بهذا المكان مياه شديدة الجري، فكأن صليل حصاها، كصليل الحلي كالأسورة ونحوها في أيدي النساء الحسان. شبه الجداول بمعاصم الجواري الناعمة، وصوت جريانها على الحصا بصوت الحلي في معاصمهن.
ولو كانت دمشق ثنى عناني لبيق الثّرد صينيّ الجفان
الثريد اللبيق والمليق: اللطيف المزين المحسن. والثرد: الثريد. ولبيق: فاعل ثنى واسم كان ضمير المغاني.
يقول: لو كانت دمشق في طيبها، لثنى عناني عنها وجذبني هذا الممدوح، الذي ثرده مليقة، وجفانه صينية.
يلنجوجيّ ما رفعت لضيفٍ به النّيران ندىّ الدّخان
يلنجوجي منسوب إلى اليلنجوج، وهو العود الذي يتبخر به والتاء في رفعت تعود إلى النيران، والهاء في به إلى ما يقول: إن النار التي يوقدوها للأضياف إنما توقد بالعود. والثرد المليقة تطبخ بهذه النار، ودخانها دخان الند.
يحلّ به على قلبٍ شجاعٍ ويرحل منه عن قلبٍ جبان
يعني: إذا حل به أضيافه سر بنزولهم، وقويت نفسه، فلقيهم بقلب شجاع، وإذا رحلوا عنه اغتم وضعف قلبه كقلب الجبان.
وقيل: أراد أن ضيفه ينزل به وهو شجاع يعني: الضيف، فإذا رأى داره ورآه في غاية الحسن واللطف، ازداد في العيش رغبة، فيجبن.
منازل لم يزل منها خيالٌ يشيّعني إلى النّوبندجان
النوبندجان بلدة.
يقول هذه المغاني: منازل لا يفارقني خيالها، لحسنها، بل يشيعني حتى وصلت إلى النوبندجان.
وقيل: معناه أن لدمشق منازل لم يزل خيالها يشيعني حتى وصلت إلى النوبندجان فسلوت عنها.
والنوبندجان: مدينة قريبة من شعب بوان في طريق شيراز إذا ارتحلت منها نزلت بالشعب.
إذا غنّى الحمام الورق فيها أجابته أغانيّ القيان
يعني: إذا تغنت الحمام في هذه المغاني على أشجارها، أجابتها القيان بغنائهن.
وفيها يجوز أن يرجع إلى مغاني الشعب، وأن يرجع إلى دمشق.
ومن بالشّعب أحوج من حمامٍ إذا غنّى وناح إلى البيان
يقول: أهل الشعب عجم الأعاجم فلا أفهم غناءهم كما لا أفهم غناء الحمام، فهما سواء بل غناؤهم أحوج إلى البيان من غناء الحمام.
وقد يتقارب الوصفان جدًّا وموصوفاهما متباعدان
يقول: أهل الشعب والحمام، وإن كانا متباعدين في الأشخاص، لاختصاصهم بالإنسانية دونها، إلا أن أوصافهما في الاستعجام متقاربة جدًا.
يقول بشعب بوّانٍ حصاني: أعن هذا يسار إلى الطّعان؟!
يقول: لمًا رحلت من شعب بوان عاتبني فرسي وقال: تترك مثل هذا المكان في طيبه وحسنه وتؤثر لقاء الأقران ومباشرة الطعان؟!
أبوكم آدمٌ سنّ المعاصي وعلّمكم مفارقة الجنان
قال لي فرسي: إن مفارقة الجنان صار موروثًا لكم عن أبيكم آدم، فإنه أول من ترك الجنة وخرج إلى الدنيا.
فقلت إذا رأيت أبا شجاعٍ: سلوت عن العباد وذا المكان
يعني قلت لفرسي: إذا لقيت عضد الدولة علمت صواب رأيي، ونسيت هذا المكان وسلوت عن جميع العباد، لما ترى من إحسانه وكرمه.
فإنّ النّاس والدّنيا طريقٌ إلى من ماله في النّاس ثان
يقول: إن الدنيا وجميع أهلها طريق إلى هذا الممدوح، يعبرهم حتى ينتهي إليه، فإنه الغاية التي ليس وراءها مطلب، وليس له ثان في الناس.
له علّمت نفسي القول فيهم كتعليم الطّراد بلا سنان
الكناية في فيهم للناس.
يقول: إنما مدحت الملوك وسائر الناس لأتمرن بالمدح، وأصلح لمدحه إذا وصلت إليه، كما يتعلم الفارس الطراد بالرمح الذي لا سنان عليه.
بعضد الدّولة امتنعت وعزّت وليس لغير ذي عضدٍ يدان
[ ١ / ٤٤٨ ]
يقول: الدولة إنما امتنعت على أعدائها وعز سلطانها، بعضدها: الذي هو أبو شجاع، ولو لم يكن لها عضد لم يكن لها يدان.
ولا قبضٌ على البيض المواضي ولا حظٌّ من السّمر اللّدان
اللدان: جمع لدن، وهو الرمح اللين. يعني: من لم يكن له عضد، لم يمكنه القبض على السيوف، والطعن بالرماح، لأن قوام الجميع بالعضد.
دعته بمفزع الأعضاء منها ليوم الحرب بكرٍ أو عوان
دعته: أي الدولة دعت عضدها. والهاء في منها للدولة، وقيل: لليد، ودعته: أي سمته.
يعني: أن الدولة سمت أبا شجاع عضدها، وهو مفزع الأعضاء وبه قوامها يعني: لما كانت الدولة تفزع إليه في حروبها كذلك تفزع اليد إلى عضدها، فلهذا سمته عضد الدولة.
فما يسمى كفنّا خسر مسمٍ ولا يكنى كفنّا خسر كان
يعني: أن ليس له نظير، ولا يدركه أحد في الدنيا باسم ولا كنية، ولا أحد يشبهه في ملكه وسلطانه ولا في عدله إلى الناس وإحسانه.
ولا تحصى فضائله بظنٍّ ولا الإخبار عنه ولا العيان
وروى فواضله أي عطاياه.
يقول: لا يحيط الظن مع سعته بأوصافه الجميلة، وعطاياه الجزيلة، وكذا الأخبار والمشاهدة لا يحيطان بها.
أروض النّاس من تربٍ وخوفٍ وأرض أبي شجاعٍ من أمان
أروض: جمع أرض قياسا، وليس بمسموع.
يقول: ممالك غيره من الملوك مضطربة غير آمنة فكأنها مخلوقة من الخوف، كما أنها مخلوقة من التراب، لما كان الخوف لا يفارقها وأرض الممدوح سالمة آمنة، لا يقدر أحد أن يعيث في بلاده، فكأنها مخلوقة من الأمان.
يذمّ على اللّصوص لكلّ تجرٍ ويضمن للصّوارم كلّ جاني
يذم: أي يجعلهم في ذمامه. وقيل: يحرمهم. أي: يعقد الذمة للتجار على اللصوص فيحرمهم بها عليهم، ويضمن لسيوفه أن يقتل بها كل جان.
إذا طلبت ودائعهم ثقاتٍ دفعن إلى المحاني والرّعاني
المحاني: جمع محنية، وهي منعطف الوادي. والرعان: جمع رعن، وهو أنف الجبل.
يقول: إذا أرادت ودائع التجار ثقات يحفظونها، فإن أصحابها يتركونها بهذه المواضع، ولم يتعرض أحد لها، هيبة من عضد الدولة.
فباتت فوقهنّ بلا صحابٍ تصيح بمن يمّر: أما تراني؟!
يقول: باتت أمتعة التجار فوق هذه المواضع مطروحة بلا صحاب تحرسها فكل أحد يمر بها، ولا يتعرض لها فتقول له: أما تراني؟!
رقاه كلّ أبيض مشرفيٍّ لكلّ أصمٍّ صلٍّ أفعوان
رقاه: أي رقى عضد الدولة، وهي جمع رقية، والأصم: الحية. والصل: ضرب من الحيات من الأصل، ويشبه به الداهية. والأفعوان: ذكر الأفاعي، وهي أخبث الحيات.
يعني: هو يقهر أهل الفساد بالسيوف، كما يقهر الحواء الحية بالرقية، فرقيته سيفه الذي به ترقى كل حية خبيثة أقام السيف مقام الرقية أي لا رقية له إلا السيف كما يقال: عتابك السيف.
وما يرقى لهاه من نداه ولا المال الكريم من الهوان
اللها: العطايا، واحدها لهوة.
يقول: هو يرقى كل مفسد بسيفة، ولا يرقى ماله من سخائه.
حمى أطراف فارس شمّريٌّ يحضّ على التّباقي في التّفاني
يقال: رجل شمري وشمري بكسر الشين وفتحها: إذا كان خفيفًا متشمرًا لأموره.
يقول: حمى أطراف فارس رجل ملك مشمر جاد. وهو يحض على التباقي في التفاني: أي يحض أولياءه على إفناء أهل الفساد، ليكون ذلك سبب بقاء أهل الصلاح وهو من قوله تعالى: " وَلَكُمْ في الْقِصَاصِ حَيَاة ".
بضربٍ هاج أطراب المنايا سوى ضرب المثالث والمثاني
يعني: حمى أطراف فارس بضرب، وقيل: الباء متعلق بقوله: يحض أي يحض أصحابه على التباقي في التفاني بضرب لا بمجرد قول، بل بضرب أهاج طرب الموت حتى ثار من مظانه، وهو الضرب بالسيف، وليس هو ضرب للعيدان التي تهيج طرب أصحاب اللهو، والمثاني: جمع مثنى. والمثالث جمع مثلث، وهي الأوتار. أي: همه الحرب وضرب رءوس الأعداء، وليس كغيره من الملوك الذي همه في اللهو والغناء.
كأنّ دم الجماجم في العناصي كسا البلدان ريش الحيقطان
العناصي: جمع عنصوة، وهي الخصلة من شعر الرأس. والحيقطان: ذكر الدراج وريشه ملون.
[ ١ / ٤٤٩ ]
يقول: من كثرة من قتل من الأعداء قد تساقطت شعورهم من رءوسهم، وهي مخضبة بالدم، فهي حمر مثل ريش ذكر الدراج، فكأن الدم قد كسا الأرض ريش الدراج.
فلو طرحت قلوب العشق فيها لما خافت من الحدق الحسان
الهاء في فيها لفارس.
يقول: حمى أطراف فارس من كل لص وداعر، وأمنها من كل خوف، لو طرحت القلوب الواقعة في أيدي أهل العشق فيها، لأمنت من الحدق الحسان، وهذا ضد قوله في بدر.
حدقٌ يذمّ من القواتل غيرها بدر بن عمّار بن إسماعيلا
ولم أر قبله شبلي هزبرٍ كشبليه ولا مهري رهان
يريد: لم أر قبل شبليه شبلي هزبر، فحذف المضاف.
يقول: لم أر ولدي أسد كولدي عضد الدولة، ولا مهرين يراهن عليهما كمهريه. جعله أسدًا، وجعل ولديه شبليه، لتشابهما في الشجاعة، وجعل المهرين مثلا لهما، لتساويهما في السبق.
أشدّ تنازعًا لكريم أصلٍ وأشبه منظرًا بأبٍ هجان
التنازع: التجاذب.
يقول: هما يتنازعان، أي كل واحد منهما يجاذبه الآخر: يعني. أنهما تساويا فيه. والهجان: الخالص الكريم. وتنازعا ومنظرًا نصبا على التمييز.
يقول: لم أر ولدين أشد تشابهًا بأصلهما الكريم أصلًا ومنظرًا من ولديه: يعني: أنهما تساويا في مشابهته.
وأكثر في مجالسه استماعًا فلانٌ دقّ رمحًا في فلان
يعني: أنه يكثر الأب في مجالسه ذكر الوقائع ومصارع الأبطال، وهما يسمعان ذلك فقد نشئا عليه، وتعوداه من الصغر.
وأوّل دايةٍ رأيا المعالي فقد علقا بها قبل الأوان
الداية: الظئر.
يقول: أول داية حضنتهما هي المعالي، فتعودا المعالي وربيا عليها.
وروى رأية بالراء وهي فعلة من رأى بمعنى علم.
وأوّل لفظةٍ فهما وقالا إغاثة صارخٍ أو فكّ عاني
يقول: أول ما تلفظا به وتعلماه من الكلام أنهما قالا لأصحابهما: أغيثوا الصارخ وفكوا العاني، أو قالا: نغيث نحن ونفك، أي نشأا على ذلك.
وكنت الشّمس تبهر كلّ عينٍ فكيف وقد بدت معها اثنتان؟!
يقول لعضد الدولة: كنت شمسا تبهر الأبصار بنورك، فكيف إذا انضم إليها شمسان منها؟ حتى صرن معها شموشا ثلاثة.
يعني: كنت تغلب الملوك بفضلك، فكيف وقد صار اثنان يعاونانك ويشدان معاليك؟ جعله مع ابنيه شموسًا.
فعاشا عيشة القمرين يحيا بضوئهما ولا يتحاسدان
القمران: الشمس والقمر.
يقول دعاءً لهما: بقيا بقاء الشمس والقمر، يعمان الناس بفضلهما، من غير أن يحسد أحدهما الآخر، مثل الشمس والقمر، اللذين ينفعان الناس بالنور، ولا يحسد أحدهما الآخر.
ولا ملكا سوى ملك الأعادي ولا ورثا سوى من يقتلان
دعاء له أيضا معهما بالبقاء يقول: لا ملكا إلا ممالك الأعادي، ولا ورثا إلا أسلاب من قتلاه.
يعني: لا ملكا ملكك ولا ورثاك.
وكان ابنا عدوٍّ كاثراه له ياءي حروف أنيسيان
المعنى: أن أنيسيان، تصغير الإنسان، فإذا زدت عليه ياءين فقلت: أنيسيان، فزاد عدد حروفه، وصغر معناه.
فيقول: إن كان لهذا الممدوح عدو، له ابنان فكاثره بهما. فيكونا زائدين في عدده، ناقصين لسقوطهما وتخلفهما عن قدره، كما أن ياءي أنيسيان قد زادتا في عدد حروفه ونقصتا منه وصغرتاه. والهاء في كاثراه للممدح وفي له للعدو.
وقال أبو الفتح ابن جني: حدثني علي بن حمزة البصري قال: كنت حاضرًا بشيراز وقت عرضه لهذه القصيدة، وقد سئل عن معنى هذا البيت: قال فالتفت إلي وقال: لو كان صديقنا أبو فلان حاضرًا لفسره لهم. يعنيني بالكنية.
قال ابن جني: وقال لي يوما، أتظن أن عنايتي بهذا الشعر مصروفة إلى من أمدحه به؟! ليس الأمر كذلك، لو كان لهم لكفاهم منه البيت. قلت: فلمن هي؟ قال: هي لك ولأشباهك.
دعاءٌ كالثّناء بلا رياءٍ يؤدّيه الجنان إلى الجنان
يعني: هذا دعاء مني، وثناء عليك، ليس فيه رياء ولا خداع، لأنه صدر عن قلب خالص إلى قلبك الذي يشهد لي دعواي.
وقيل: أراد أن هذا المعنى يؤديه قلبي إلى قلبك، لأنه دقيق، وأنت تفهم بإشارتي إليك.
فقد أصبحت منه في فرندٍ وأصبح منك في عضبٍ يمان
[ ١ / ٤٥٠ ]
يقول: تكسبت من هذا الممدوح جوهرًا نافذا، وفهمًا ثاقبًا، يغوص في المعنى، كالسيف الذي له الفرند، وتكسب ثنائي منك سيفًا قاطعًا، منه فرنده وماؤه في الأصل جوهر كريم.
وقيل: أراد حصل ثنائي عليك عند مستحقه، فهو عليك كالجوهر في السيف اليماني.
ولولا كونكم في النّاس كانوا هذاء كالكلام بلا معاني
وروى: هراء وهو اللغو الفاسد من الكلام، كما أن الكلام إنما يفيد بالمعنى، فإذا عرى عن المعنى صار لغوا، فأنتم في الناس كالمعنى في الكلام.
وقال يمدحه وقد ورد الخبر بانهزام وهسوذان ويذكر ذلك في جمادى الأولى، وكان ركن الدولة أنفذ إليه جيشًا من الري فهزمه وملك بلده:
إثلث فإنّا أيّها الطّلل نبكي وترزم تحتنا الإبل
إثلث: أي كن ثالثا. والإرزام: الحنين.
يقول: أيها الطلل كن ثالثًا في البكاء والحنين على فراق الأحبة، فإنا نبكي وإبلنا ترزم، فابك أنت أيضًا تكن لنا ثالثًا.
أولا فلا عتبٌ على طللٍ إنّ الطّلول لمثلها فعل
الهاء في مثلها ضمير الحالة المضمرة: وإن لا تبك معنا فلا عتب عليك في تركك البكاء.
لو كنت تنطق قلت معتذرًا بي غير ما بك أيّها الرّجل
يقول: لو كنت أيها الطلل ناطقًا لقلت معتذرًا عن ترك البكاء: إن ما بي غير ما بك أيها الرجل، لأن الذي بي هو الموت، ولا بكاء معه وبك الحياة، فإذا كان تركي البكاء لأجل الموت الحال بي، كنت معذورًا فيه. وقوله: معتذرا نصب على الحال.
أبكاك أنّك بعض من شغفوا ولم أبك أنيّ بعض ما قتلوا
هذا تفسير لقول الطلل: بي غير ما بك.
يقول: لو كان الطلل ممن ينطق لقال لي: إنما بكيت لأنهم شغفوك حبًا، ولم أبك لأنهم قتلوني بالرحيل، فلا قدرة لي على البكاء.
يعني: هذا الطلل ارتحل عنه أهله، فبادت رسومه، ودرست أعلامه، ونحن أحياء نشكو الشوق فإذا لم يبك معنا فهو معذور.
وإنما قال: بعض من شغفوا وبعض ما قتلوا لأن من لما يعقل وما لما لا يعقل.
إنّ الذين أقمت وارتحلوا أيّامهم لديارهم دول
هذا أيضا من كلام الطلل، وقيل: هو خطاب منه لنفسه.
يقول الطلل: إن الذين ارتحلوا وأقمت أنت بعدهم، أو يقول: إن الذين ارتحلوا عن هذا الطلل وأقمت بعدهم أيامهم دول لديارهم، إذا حلوها عمرت وإذا ارتحلوا عنها خربت وزالت دولتهم.
الحسن يرحل كلّما رحلوا معهم وينزل حيثما نزلوا
هذا تفسير لقوله: أيامهم لديارهم دول يعني: أن حسن الطلل بأهله، فكلما حلوا به حسن، وإذا ارتحلوا عنه ارتحل الحسن معهم فهو ينزل بنزولهم ويرحل برحيلهم.
في مقلتي رشإٍ تديرهما بدويةٌ فتنت بها الحلل
يقول: هذا الحسن الذي يرحل برحيلهم في مقلتي غزال بدوية قد فتنت الحلل بحسنها وملاحتها.
والحلل: جمع حلة، وهي بيوت الأعراب المجتمعة.
تشكو المطاعم طول هجرتها وصدودها ومن الّذي تصل؟
يصفها بقلة تناول الطعام، وذلك مما يحمد في النساء.
يقول: هي تصد عن الطعام كما تصد عن العشاق. والطعام يشكو هجرها وصدها عنه، فإذا كانت عادتها الصدود عنه مع أن أحدًا لا يهجر الطعام فمن الذي تصله هي من الناس؟! مع وجود هذه العادة فيها.
ما أسأرت في القعب من لبنٍ تركته وهو المسك والعسل
ما بمعنى الذي، وهو في موضع النصب بأسأرت والقعب: القدح.
يقول: إذا شربت لبنًا فبقي بعد شربها شيء، فذاك يكتسب من فمها طيبها وحلاوتها، فيصير كالعسل والمسك.
قالت: ألا تصحو؟! فقلت لها: أعلمتني أنّ الهوى ثمل
الثمل: السكر، والثمل السكران.
يقول: قالت لي المحبوبة: ألا تصحو من هواك؟! فقلت لها: قد أعلمتني أن الهوى السكر، لأن الصحو إنما يكون عن السكر.
لو أنّ فنّا خسر صبّحكم وبرزت وحدك عاقه الغزل
يقول: إن عضد الدولة - مع اهتمامه بأمر الملك، وقله اشتغاله باللهو والغزل - لو قصد قومك وبرزت أنت وحدك لرددته عن قومك بحسنك وملاحتك.
وتفرّقت عنكم كتائبه إنّ الملاح خوادعٌ قتل
يقول: لو خرجت لعضد الدولة، لفتنته حتى تفرقت عنكم عساكره وكتائبه لاشتغاله بك عن الحرب؛ لأن الملاح خوادع قاتلات.
ما كنت فاعلةً وضيفكم ملك الملوك وشأنك البخل
[ ١ / ٤٥١ ]
أتمنّعين قرىً فتفتضحي أم تبذلين له الّذي يسل؟
يقول: كيف تصنعين لو نزل بك عضد الدولة وهو ملك الملوك، مع ما أنت عليه من البخل، إن منعت قراه تفتضحين، وإن بذلت له ما يسأله منك، تركت عادتك في البخل، فأيهما تختارين؟
بل لا يحلّ بحيث حلّ به بخلٌ ولا جورٌ ولا وجل
يقول: لا يحل موضعا يحل به عضد الدولة، بخل ولا جور ولا خوف: أي حيثما يحل نفي هذه الأحوال عن أهلها بجوده، وأمنه، وعدله.
وقيل: أراد بالجود ما تستعمله هذه المرأة من المنع والخوف، خوف الرقباء.
ملك إذا ما الرّمح أدركه طنبٌ ذكرناه فيعتدل
الطنب: الاعوجاج.
يقول: إن الرمح إذا اعوج إما صورة أو قصورا عن الحمل فإذا ذكرنا اسمه عند ذلك، زالت عنه الآفة.
إن لم يكن من قبله عجزوا عمّا يسوس به فقد غفلوا
يقول: إن لم يكن لأحد من الملوك قبله مثل سياسته فإما أن يكونوا غفلوا عنها، أو لم يكونوا قادرين عليها، فعجزوا عن إدراكها.
حتّى أتى الدّنيا ابن بجدتها فشكا إليه السّهل والجبل
ابن بجدتها: أي العالم بها. والبجدة: دخيلة الأمر.
يقول: لم يكن لأحد قبله مثل سياسته. حتى أتى الدنيا العالم بحقائقها وبواطن أمور أهلها، فشكا إليه أهل السهل والجبل ما قاسوا قبله من الجور، فعمهم بعدله وأزال عنهم كل جور.
شكوى القليل إلى الكفيل له ألاّ يمرّ بجسمه العلل
يقول: شكا إليه أهل السهل والجبل ما قاسوا من الجور وغيره، كما يشكو المريض إلى من كفل له ألا يمر بجسمه الأمراض، وهو الطبيب الحاذف بجيمع أنواع الأسقام.
يعني: يزيل آثار الجور ويمحو رسومها، كما يفعل الطبيب الماهر بمداواة العليل.
قالت فلا كذبت شجاعته أقدم فنفسك ما لها أجل
فاعل قالت: شجاعته. وقوله: فلا كذبت دعاء له واعتراض بين القول والمقول له.
يقول: قالت شجاعته: أقدم فما لنفسك أجل ولا يدنو منك موت، ثم دعا له بالبقاء فقال: فلا كذبت شجاعته أبدًا في قولها: إن نفسه ليس لها أجل.
يعني: إن جرى مثل في الجود والعلم والحلم وكل فضل فهو النهاية في ذلك المثل، وكذلك هو الغاية، إذا قيل: من البطل في الحروب.
عدد الوفود العامدين له دون السّلاح الشّكل والعقل
الشكل: جمع شكال، وهو للخيل. والعقل: للإبل، وهو جمع عقال.
يقول: إن عدة الزوار القاصدين إليه هي الشكل والعقل، دون السلاح.
يعني: أنهم إذا قصدوه استعدوا الشكل للخيل، والعقل للإبل، ثقة منهم بتحقيق آمالهم. وقوله: دون السلاح يعني أنه لا يلقاه إلا عاف يستميح، فأما المحارب فلا يجسر على لقائه.
فلشكلهم في خيله عملٌ ولعقلهم في بخته شغل
البخت: جمع بختة وهي الجمال الخرسانية.
يقول: إن شكلهم وعقلهم مشغولة بما قاده إليهم من الخيل والإبل، فلا يفضل لهم شكال ولا عقال.
تمشي على أيدي مواهبه هي أو بقيّتها أو البدل
روى تمشي وتمسي بالسين.
يقول: تمشي الخيل والإبل على أيدي مواهبه: أي مواهبه تتصرف في خيله وإبله وتلي أمرها. يعني: إن زاره قوم أعطاهم الخيل والإبل، فإن بقي منها بقية وهبها لقوم آخرين، وإن لم يبق منها شيء، وهب بدلها من سائر الأموال والنفائس.
يشتاق من يده إلى سبلٍ شوقًا إليه ينبت الأسل
السبل: المطر، يريد به هنا الحرب. والأسل: الرماح.
يشتاق هو إلى قتل أعدائه وإراقة دمائهم، والرماح إنما تنبت شوقًا إلى ذلك السبل؛ لأنه يعملها في حروبه، ويريق بها دماء أعدائه. وقيل: أراد بالسبل جود يده.
سبلٌ تطول المكرمات به والمجد لا الحوذان والنّفل
الحوذان والنفل: نبتان طيبان. يعني: هذا السبل ليس بمطر ينبت العشب، ولكنه حرب ينبت به المكارم والمجد.
وإلى حصى أرضٍ أقام بها بالنّاس من تقبيله يلل
اليلل: قصر الأسنان، وقيل انعطافها إلى داخل الفم.
يقول: من كثرة ما قبل الناس الحصى بين يديه، حصل لهم في أسنانهم قصر وانعطاف.
وقال ابن جني: أراد أن الناس لكثرة ما يقبلون الأرض بين يديه حدث بهم انحناء وانعطاف، كما تنعطف الأسنان إلى داخل الفم. قال: وهذا من اختراعات المتنبي.
إن لم تخالطه ضواحكهم فلمن تصان وتذخر القبل؟
[ ١ / ٤٥٢ ]
الهاء في تخالطه للحصى.
يقول: إن لم تخالط ضواحك الأسنان الحصى بين يدي عضد الدولة، فلمن يدخرون تقبيل الأرض أي ليس أحد يستحقها غيره.
في وجهه من نور خالقه قدرٌ هي الآيات والرّسل
يقول: ما في وجهه من النور والجمال، يقوم مقام المعجزات التي هي الآيات، وما يأتي به الرسل؛ لما فيه من ظهور قدرة الله تعالى وعظمته فيه.
فإذا الخميس أبى السّجود له سجدت له فيه القنا الذّبل
يقول: إذا امتنع الجيش عن طاعته والسجود له، سجدت له فيه الرماح.
يعني: أن الرماح تنحني لطعن الآبين للسجود، فيجري ذلك مقام سجود الرماح. أي: إن لم يخضع له طوعًا، خضع له كرهًا. والهاء في فيه للخميس.
وإذا القلوب أبت حكومته رضيت بحكم سيوفه القلل
القلل: جمع القلة، وهي أعلى الرأس.
يقول: من لم يرض بحكمه ضرب رأسه بالسيف، فكأنه راض بحكم السيف.
أرضيت وهسوذان ما حكمت أم تستزيد؟ لأمّك الهبل!!
يقول: هل رضيت يا وهسوذان بما حكمت السيوف فيك؟ أم تطلب زيادة عليه، ثم دعا عليه بالهلاك فقال: ثكلتك أمك.
وردت بلادك غير مغمدةٍ وكأنّها بين القنا شعل
يقول: إن السيوف وردت بلادك يا وهسوذان وهي مجردة من أغمادها، فكأنها بين الرماح، شعل النيران بين الحطب.
والقوم في أعيانهم خزرٌ والخيل في أعناقها قبل
الخزر: ضيق العينين. والقبل: إقبال إحدى العينين على الأخرى، والخيل تفعله لعزة أنفسها.
يقول: قصدك فرسان خزر العيون؛ لأنهم أتراك، أو فعلوا ذلك غضبًا، على خيل عربية عزيزة الأنفس.
فأتوك ليس لمن أتوا قبلٌ بهم وليس بمن نأوا خلل
الأصل: لمن أتوه، ولا بمن نأوا عنه، فحذف الضمير.
يقول: أتاك جيش ركن الدولة ولم يكن لك به طاقة، ولم تقدر على مقاومتهم، ولم يكن بركن الدولة، لما نأى جيشه عنه لمحاربتك خلل. يصف كثرة جيش ركن الدولة.
لم يدر من بالرّيّ أنّهم فصلوا ولا يدري إذا قفلوا
فصلوا: أي ارتحلوا.
يقول: لما فصلوا عن الري لم يعلم بهم أحد، وكذلك إذا رجعوا لا يعلمون برجوعهم؛ لأنهم لا يظهرون في جملة العسكر. ومن بالري قيل: أراد به ركن الدولة. ويجوز أن يريد به أهل الري، إنهم لا يعلمون لهم خروجًا ولا قفولًا.
فأتيت معتزمًا ولا أسدٌ ومضيت منهزمًا ولا وعل
يقول: لما قصدوك أتيتهم أنت معتزمًا، ولا أسد يقدم مثل إقدامك، ثم انهزمت ولا وعل ينهزم مثل انهزامك.
تعطى سلاحهم وراحهم ما لم تكن لتناله المقل
يقول لوهسوذان: تعطي سلاح عساكر ركن الدولة جيوشك فتقتلها، وتعطي راحات أكفهم من ذخائرك وغنائم القتلى وأسلابهم، ما لم تكن العيون تناله لعزته.
يعني: مكنت سلاحهم منكم، وراحهم من أموالكم وذخائركم، فكأنك أعطيتها هذه الأشياء.
قال ابن جني: قوله: وراحهم إشارة إلى الصفع، يعني لصفعوا قفاك وقتلوا خيلك.
أسخى الملوك بنقل مملكةٍ من كاد عنه الرّأس ينتقل
يقول أسخى الملوك من نقل مملكته إلى غيره عندما يخاف أن ينقل عنه رأسه.
يعني: نجوت برأسك وسمحت بمملكتك.
لولا الجهالة ما دلفت إلى قومٍ غرقت وإنّما تفلوا
دلفت: قربت، وقيل: الدلف: المشي الرويد والسريع.
يقول: لولا جهلك لم تقرب من قوم بصقوا عليك فغرقت في بصاقهم، أي انهزمت بيسير من عسكرهم.
لا أقبلوا سرًّا، ولا ظفروا غدرًا، ولا نصرتهم الغيل
الغيل: جمع الغيلة، وهي الخديعة.
يقول: لم يقصدوا إليك خفيةً، بل جاءوك مجاهرة، ولا ظفروا بك على سبيل الغدر، لأن هذا مذموم يدل على ضعف الطالب، ولا نصرهم المكر عليك والخديعة.
لا تلق أفرس منك تعرفه إلاّ إذا ما ضاقت بك الحيل
يقول: لوهسوذان: من عرفت أنه أفرس منك فلا تقاتله، إذا ما كان لك حيلة في مسالمته، وإنما تحاربه إذا ضاقت الحيل.
لا يستحي أحدٌ يقال له: نضلوك آل بويه أو فضلوا
نضلوك: أي غلبوك، وأصله في الرمي. يقال: تناضل الرجلان ففضل أحدهما صاحبه. وأتى بعلامة الجمع مع تقدم الفعل على مذهب من قال: أكلوني البراغيث.
يقول: إن الناس قد انقادوا لآل بويه، فلا يستحي أحد إذا قيل له: إن آل بويه غلبوك ونضلوك، وذلك لا يخفي على أحد.
[ ١ / ٤٥٣ ]
قدروا عفوا، وعدوا وفوا، سئلوا أغنوا، علوا أعلوا، ولواعدلوا
علوا: من عليت في المكارم، مثل علوت في المكان.
يقول: إذا قدروا على أعدائهم عفوا عنهم عند القدرة، وإذا وعدوا وفوا وأنجزوا، وإذا سألهم سائل أعطوه وأغنوه. ولما ارتفعوا في المكارم شاركوا أولياءهم في معاليهم، ولما ولوا بثوا العدل في الرعية.
فوق السّماء وفوق ما طلبوا فمتى أرادوا غايةً نزلوا
فوق السماء: أي علوا فوق الغايات التي يضرب بها المثل، وعلوا الرتب فإذا أرادوا غاية نزلوا إليها من العلو.
قطعت مكارمهم صوارمهم فإذا تعذّر كاذبٌ قبلوا
تعذر: أي اعتذر كاذب.
يقول: إن كرمهم قد قطع سيوفهم: أي منعها من القتل بالعفو، فإذا اعتذر إليهم مذنب قبلوا عذره، وإن كان كاذبًا. كرمًا منهم.
لا يشهرون على مخالفهم سيفًا يقوم مقامه العذل
يقول: إذا قدروا على دفع مخالفهم باللوم، لم يشهروا عليه السيف، ولم يتعدوا إلى القتال. يصفهم بذلك لكرم أخلاقهم.
فأبو عليٍّ من به قهروا وأبو شجاعٍ من به كملوا
يقول: إن آل بويه إنما قهروا أعداءهم بأبي علي ركن الدولة، وكمل فضلهم وفخارهم بأبي شجاع عضد الدولة.
حلفت لذا بركات نعمة ذا في المهد: ألاّ فاتهم أمل
يقول: حلفت لأبي علي بركات أبي شجاع أنه يريك فيه جميع آماله: أي كانت مخايل سؤدده لائحة عليه وهو صغير في المهد، فذا الأول لأبي علي، والثاني لأبي شجاع، وقيل المعنى: حلفت لأبي شجاع بركات نعمة أبي علي ألا يتجاوزها المل، فذا الأول إشارة إلى أبي شجاع والثاني إلى أبي علي.
وقال أيضًا يعزى عضد الدولة بعمته وقد توفيت بمدينة السلام.
آخر ما الملك معزّىً به هذا الّذي أثّر في قلبه
هذا دعاء بلفظ الخبر يعني: جعل الله هذه المصيبة التي أثرت في قلبك آخر ما تعزى به. أي: لا أعادها الله بعد هذه.
لا جزعًا بل أنفًا شابه أن يقدر الدّهر على غصبه
يقول: لو لم يؤثر هذا المصاب في قلبه جزعًا، لكن تداخلته الحمية والأنفة حيث قدر الدهر على غصبه عمته.
لو درت الدّنيا بما عنده لاستحيت الأيّام من عتبه
يقول: لو علمت الدنيا بما عنده من الفضل والمجد، لاستحيت من عتبه عليها؛ لأنها إذا أساءت إليه عتب عليها، لأجل هذه الإساءة.
لعلّها تحسب أنّ الّذي ليس لديه من حزبه
يقول: لعل الأيام ظنت أن من غاب عن حضرته، ليس من حزبه فأقدمت على ذلك لما رأتها بعيدةً عن نصرته.
وأنّ من بغداد دارٌ له ليس مقيمًا في ذرا عضبه
الذرا: الناحية.
يقول: لعل الأيام ظنت أن من داره بغداد ليس في حماية سيفه، فلهذا عرضت لعمته لما كانت مقيمة ببغداد.
وقيل: كان ابن معز الدولة مقيمًا ببغداد وهو ابن عمه. يعني: أنه في حماية سيفه. والمقصد تفضيله عليه.
وأنّ جدّ المرء أوطانه من ليس منها ليس من صلبه
يقول: لعل الأيام ظنت ألا نسب بينك وبين عمتك لما بعدت عنك، ولم تكن مقيمةً في وطنك الذي من عادتك وعادة أجدادك أن يكونوا فيه، ولعلها ظنت أن القوم يتناسبون بأوطانهم، فمن فارق وطنه لم يكن بينه وبين أهله نسب؛ فلهذا أقدمت عليها لما فارقت وطنك. والهاء في أوطانه للمرء وفي صلبه للجد.
أخاف أن يفطن أعداؤه فيجفلوا خوفًا إلى قربه
يقول: أخشى أن يفطن أعداؤه إلى أن من قرب منه آمن حوادث الدهر، فيسرعون إلى قربه؛ ليحصلوا في ذمته.
لا بدّ للإنسان من ضجعةٍ لا تقلب المضجع عن جنبه
يقول: لا بد للإنسان من الموت، فعبر عنه بالضجعة، ثم قال: تلك الضجعة لا تقلب المضجع عن جنبه. يعني: لا بد للإنسان أن يرقد رقدة لا ينقلب فيها من جنب إلى جنب، ولا ينتبه منها أبدًا. ويعني بها ضجعة القبر.
ينسى بها ما كان من عجبه وما أذاق الموت من كربه
الهاء في بها للضجعة.
يقول: صاحب هذه الضجعة ينسى بسببها تكبره، وينسى عندها أيضًا ما ذاقه من مرارة الموت؛ لأنه لا يحس شيئًا.
نحن بنو الموتى فما بالنا نعاف ما لا بدّ من شربه؟!
[ ١ / ٤٥٤ ]
يقول: مات آباؤنا وأجدادنا ونحن نموت أيضًا، فكيف نكره ما لا بد لنا منه!! لأن الفرع يلتحق بأصله ويعود إليه. وقوله: نحن بنو الموتى مأخوذ من قول أبي نواس:
وما المرء إلاّ هالكٌ وابن هالكٍ وذو نسبٍ في الهالكين عريق
تبخل أيدينا بأرواحنا على زمانٍ هي من كسبه
يقول: كيف نبخل على الزمان بأرواحنا، وهي له وكسبه على ما جرت به عادة العرب في نسبة الأمور إلى الدهر.
وقيل: أراد أن الإنسان، هذه أحواله إلى آخر تربيته في الزمان، واختلاف أحواله تترتب على اختلاف أحوال الزمان، على ما جرت العادة به، فلهذا نسب أرواحنا إلى الزمان.
فهذه الأرواح من جوّه وهذه الأجسام من تربه
يقول: أرواحنا من جو الزمان، وأجسامنا من تربه، فنحن مركبون منه؛ وذلك لأن الجسم كثيف والأرض كثيفة، والروح لطيف كالهواء والشيء منجذب إلى شبهه.
لو فكّر العاشق في منتهى حسن الّذي يسبيه لم يسبه
يقول: لو تفكر العاشق في عاقبة حسن حبيبه الذي يسبي قلبه، فيعلم أنه يصير إلى الدود والتراب، لنفرت نفسه، ولم يسب قلبه.
لم ير قرن الشّمس في شرقه فشكّت الأنفس في غربه
هذا مثل. والمعنى: إذا ولد المولود، علم أنه سيموت لا محالة كما أن الشمس إذا طلعت لا يشك أحد في غروبها.
يموت راعي الضّأن في جهله ميتة جالينوس في طبّه
العرب تضرب المثل براعي الضأن فتقول: أجهل من راعي الضأن.
يقول: لا حيلة لأحد في الموت! يستوي فيه الأحمق الجاهل، والطبيب العالم فجهل هذا لا يقدم أجله، وعلم الآخر لا يؤخر موته.
وربّما زاد على عمره وزاد في الأمن على سربه
السرب: النفس. والهاء في عمره وسربه ضمير جالينوس.
يقول: ربما عاش الجاهل المخلط أكثر من العالم المهتم وربما زاد أمر الجاهل في نفسه إلى وقت موته على أمر العالم بها.
وغاية المفرط في سلمه كغاية المفرط في حربه
يقول: عاقبة من بالغ في الاحتراز، وتجاوز الحد في المسالمة وترك الحرب، كعاقبة المبالغ في التغرير بنفسه، والتعرض للحرب. يعني: غاية كل واحد منهما الموت الذي لا محيص لأحد عنه، فما بالنا نجزع منه!
فلا قضى حاجته طالبٌ فؤاده يخفق من رعبه
يقول: إذا كانت الحال هذه، فلا عذر لمن يجزع من الموت، فمن طلب حاجة وخاف الإقدام عليها حتى يخفق فؤاده من خوفه منها، فلا قضيت حاجته ولا بلغها. والهاء للخائف.
أستغفر الله لشخصٍ مضى كان نداه منتهى ذنبه
يعني: لم يكن له ذنب إلا جوده وسخاؤه، فجوده هو نهاية ذنبه. أي: لا ذنب له ومع ذلك أسأل الله له الغفران.
وكان من حدّد إحسانه كأنّما أسرف في سبّه
حدد: إحسانه أي حصره. وقيل: معناه من حدد ذكر إحسانه فحذف المضاف. يعني: أنه كان يكره أن يذكر فضائله، كأنه عنده سبه وذكره بالسوء في وجهه.
يريد من حبّ العلا عيشه ولا يريد العيش من حبّه
الهاء في حبه للعيش.
يقول: كان يحب الحياة ليكتسب فيها المعالي، ولم يكن يريد الحياة لأجل حبها وطلب اللذة فيها.
يحسبه دافنه وحده ومجده في القبر من صحبه
الهاء في يحسبه المفعول الأول ليحسب. والمفعول الثاني وحده.
يقول: من دفنه يحسب أنه دفنه وحده، ولم يعلم أن المجد مدفون معه. أي: قد مات المجد بموته. وقوله: من صحبه يريد أن مجده واحد من أصحابه؛ لأن معه المجد والعفاف والكرم والبر وغير ذلك.
ويظهر التّكير في ذكره ويستر التّأنيث في حجبه
يقول: نكنى عنه بلفظ التذكير إعظامًا له فنظهر التذكير وإن كان في حجبه. أي: هي أنثى مستورة في الحجب.
أخت أبي خير أميرٍ دعا فقال جيشٌ للقنا لبّه
يعني: أن هذا الشخص عمة عضد الدولة، وهو خير أمير دعا جيشه فقال الجيش للقنا: أجبه ولبه. أي: قل له: لبيك.
يا عضد الدّولة من ركنها أبوه والقّلب أبو لبّه
يقول: أنت زين ركن الدولة وكماله، كما أن العقل زين للقلب، فضله على أبيه. يعني: أنت لبه، وهو وعاء لك، والهاء في لبه للقلب.
ومن بنوه زين آبائه كأنّها النّور على قضبه
القضب: جمع قضيب. والنور: الزهر.
[ ١ / ٤٥٥ ]
يقول: بنوك زين آبائك، يتزينون بهم وبسؤددهم وكرمهم، كما يتزين القضيب بالنور. ولم يجعل أبناءه زينًا له كما جعله زين أبيه، لأنه لم يرد تفضيل أولاده عليه كما فضله على أبيه؛ لما في ذلك من الحط من منزلته. فجعلهم زينا لجدودهم. يعني: أن آباءك يتزينون ببنيك كما تزينوا بك.
فخرًا لدهرٍ بتّ من أهله ومنجبٍ أصبحت من عقبه
فخرًا: نصب على المصدر، بإضمار فعل. أي: فليفخر الدهر فخرًا، حيث صرت من أهله، وليفخر أبوك المنجب فخرًا، حيث أصبحت من عقبه.
إنّ الأسى القرن فلا تحيه وسيفك الصّبر فلا تنبه
الهاء في تحيه للأسى، وهو الحزن. ونبا السيف ينبو: إذا لم يقطع، وأنباه صاحبه: إذا ضرب به فلم يقطع في يده.
يقول: إن الحزن قرن من أقرانك، فلا تحيه. أي: لا تمكنه من قلبك، إذ ليس عادتك أن يقاومك قرن، والصبر سيفك الذي تقتل به الأسى فاقتله به ولا تنبه عنه، فليس من عادتك أن ينبوا السيف في يدك.
ما كان عندي أنّ بدر الدّجى يوحشه المفقود من شهبه
الشهب: جمع شهاب، وهو الكوكب، والهاء للبدر، لما جعله بدرًا جعل أهله كواكب فقال: إن البدر لا يستوحش من فقد كوكب، فليس ينبغي لك أن تستوحش لفقد واحد منهم.
حاشاك أن تضعف عن حمل ما تحمّل السّائر في كتبه
السائر: الذي حمل الخبر إليه، والهاء في كتبه للسائر.
يقول: كيف تضعف عن حمل هذا الخبر الذي حمله الفيج الذي سار به إليك وتضمنه كتاب! وقيل: أراد بالسائر: المثل السائر. والمعنى: أن الأمثال قد سارت والأخبار قد تظاهرت بفضل الصبر على المصائب وذكر قوم تحملوا غصصها، ففضلوا بذلك على غيرهم. فقال: حاشاك أن تضعف عما قوى عليه غيرك من الصبر ممن سارت بأخبارهم الصحف والكتب حيث ذكر فيها صبر من صبر.
وقد حملت الثّقل من قبله فأغنت الشّدّة عن سحبه
الشدة: القوة، والهاء في قلبه للمفقود.
يقول: حملت ثقل الشدائد من المصائب وغيرها من الأمور العظيمة، قبل المصيبة بهذا المفقود، فأغنت القوة التي بك عن سحب ما حملته من الشدائد؛ لأن الإنسان إذا ثقل عليه شيء جره وسحبه، فيعود الضمير في سحبه على الثقل.
وقيل: يرجع إلى ما ترجع إليه الهاء في قبله وهو المفقود.
يدخل صبر المرء في مدحه ويدخل الإشفاق في ثلبه
الإشفاق: الجزع.
يقول: المرء يمدح على الصبر، ويذم بالجزع، فإياك أن تجزع إذ ليس من عادتك أن تأتي أمرًا تذم عليه.
مثلك يثنى الحزن عن صوبه ويستردّ الدّمع عن غربه
الصوب: الإصابة، وقيل: الصوب: الناحية والقصد. والغرب: مجرى الدمع من العين.
يقول: من كان مثلك رد الجزع عن طريقه وقصده، أو عما يريد إصابته، ويرد الدمع من عينه، ولا يسيل فيدل على جزعه.
إيما لإبقاءٍ على فضله إيما لتسليمٍ على ربّه
إيما: معناه إما. والإبقاء: الرعاية والمحافظة. والتسليم: الرضا بالقضاء.
يعني: مثلك يصبر: إما مراعاةً لفضله كي لا يذم بالجزع، وإما رضاءً بقضاء الله وحكمه.
ولم أقل مثلك أعنى به سواك يا فردًا بلا مشبه
لما قال: مثلك يثنى الحزن أثبت له مثلًا في الظاهر، فاعتذر عنه وقال: لم أرد بقولي: مثلك إنسانًا سواك، وإنما أردت أنت الذي تفعل ذلك، ومثل صلة، وزيادة. وهذا مثل قوله:
كفاتكٍ. ودخول الكاف منقصة كالشّمس قلت، وما للشّمس أمثال
وقال أيضًا يمدحه، وقد جلس الأمير عضد الدولة ليشرب في مجلس متخذ له تدور غلمان بأعلاه وتنثر الورد على فرقه من جميع جوانبه، حتى يتورد المجلس ومن فيه، وحضر أبو الطيب فقال ارتجالًا سنة أربع وخمسين وثلاث مئة.
قد صدق الورد في الّذي زعما أنّك صيّرت نثره ديما
الديم: جمع ديمة، وهي المطرة تدوم أيامًا.
يقول: صدق الورد في زعمه أنك صيرت منثوره أمطارًا. شبه أوراق الورد في نزوله من أعلى السماء متفرقةً بقطر الأمطار.
كأنّما مائج الهواء به بحرٌ حوى مثل مائه عنما
العنم: نبت أحمر. وحوى: أي امتلأ. والهاء في به للورد.
يقول: كأنما الهواء الذي يموج بالورد بحر ملآن بالعنم، مثل مائه. شبه الصفة بالبحر، والورد بالعنم، وشبه الورد في الهواء، وموجه فيه، ببحر ماؤه عنم.
[ ١ / ٤٥٦ ]
ناثره ناثر السّيوف دمًا وكلّ قولٍ يقوله حكما
دمًا وحكمًا نصب على التمييز، ونصب كل قول بفعل مضمر. أي: وينثر كل قول. وقيل: نصبه عطفًا على موضع السيوف معنىً كقوله تعالى: " وَجَاعِلُ اللَّيْلِ سَكَنًا وَالشَّمْسَ والْقَمَرَ حُسْبَانًا ". ويجوز جره عطفًا على لفظ السيوف، غير أنه لما عطف عليه البيت الذي يليه منصوب القافية منع فيه الجر.
يقول: ناثر هذا الورد هو الذي ينثر السيوف دمًا. أي: يكسرها على رءوس أعدائه ويطرحها مختضبة بالدم، وإذا قال قولًا ينثر الحكم في كل قول يقوله.
والخيل قد فصّل الضّياع بها والنّعم السّابغات والنّقما
أي ينثر أيضا خيله ونعمه وضياعه. أي: يفرقها ويهبها. يعني: أنه ينثر الخيل منظومة مفصلةً بالنعم والنقم.
فليرنا الورد إن شكا يده أحسن منه من جوده سلما
يقول: إن الورد إن كان يشكو يده في نثرها له، فليرنا الورد أحسن منه، هل سلم من جوده؟؟! أي لا معنى لشكايته من يد عادتها تفريق ما هو أحسن منه من الذخائر النفيسة، والجواهر الجليلة، فأي قدر للورد عندها.
وقل له لست خير ما نثرت وإنّما عوّذت بك الكرما
أي: قل للورد، لست بخير من الأموال التي تنثرها يده، وإنما نثرك الآن تعويذًا لكرمه من أن يصاب بالعين.
خوفًا من العين أن يصاب بها أصاب عينًا بها يعان عمى
عين الرجل يعان: إذا أصيب بعين. وخوفًا نصب على المفعول له. أي: إنما نثرك الآن عوذه لكرمه أن يصاب بالعين، ثم دعا على العين التي تصيب كرمه فقال: أعمى الله عينًا عانته وهمت بإصابته.
وقال أيضًا يمدحه وقد ورد الخبر بهزيمة وهسوذان بعد الكرة الأولى وضربت الدبادب على باب الملك عضد الدولة. فقال أبو الطيب في جمادى الآخرة.
أزائرٌ يا خيال أم عائد؟ أم عند مولاك أنّني راقد؟
الزيارة: للصحيح، والعيادة: للمريض. ومولاك: أي صاحبك. يخاطب خيال المحبوبة ويقول: أجئتني زائرًا أم عائدًا؛ لما نالتني العلة من حب صاحبك؟! وما لحقتني من الغشية شوقًا إليه؟! أم ظن صاحبك أني نائم فبعثك إلي زائرًا كما يزور الطيف في المنام، وليس الأمر كما ظن فإني لست براقد.
ليس كما ظنّ غشيةٌ لحقت فجئتني في خلالها قاصد
قاصد في موضع نصب على الحال، فجعله مقيدًا لأجل القافية.
يقول للخيال: ليس كما ظن صاحبك أني نائم، وإنما نالتني غشية لشدة الشوق فجئتني في خلال هذه الغشية قاصدًا، حيث حسبت أني نائم، ولأن العاشق لا ينام وإنما يغشى عليه. ومثله:
وإنّي لأستغشى وما بي غشيةٌ لعلّ خيالًا منك يلقى خياليا
عد وأعدها فحبّذا تلفٌ ألصق ثديي بثديها النّاهد
الهاء في أعدها للغشية.
يقول: عد يا خيال؛ وأعد الغشية التي كانت بي، فإني أحتملها من أجلك، فحبذا حال جمعت بيني وبينك، وإن كان فيها تلف النفس، فضلا عن الغشية والثدي الناهد: هو المشرف. والهاء في ثديها للمحبوبة.
وجدت فيها بما يشحّ به من الشّتيت المؤشّر البارد
الهاء في فيها للغشية. ويشح: أي يبخل. والشتيت: المتفرق من الثغر. والمؤشر: الذي في طرفه تحزيز وحدة، يكون ذلك في أطراف أسنان الأحداث.
والمعنى: وجدت أيها الخيال في حال الغشية بما يشح صاحبك به في حال اليقظة من الشتيت الموشر البارد: أي كنت تبخل بتقبيلي فمك، وارتشا في الثغر البارد الريق، فجدت في حال المنام.
إذا خيالاته أطفن بنا أضحكه أنّني لها حامد
خيالات: جمع خيالة، وقيل: جمع خيال، نحو جوابات وجواب، فكأن الخيال والخيالة لغتان مثل: مكان ومكانة، وجمعه وإن كان واحدًا لأنه رآه دفعات كل دفعة خيالا، فصارت خيالات، والهاء في خيالاته وأضحكه يعود إلى مولاك، وفاعل أضحكه: أنني وصلته. ويقال: أطاف الخيال يطيف، وطاف يطوف.
يقول: إذا طاف بي خيال صاحب فحمدته، أضحك صاحبه حمدي إليه لخياله، من حيث أن الخيال لا حقيقة له، وليس بشيء يحمد فضحك لذلك.
وقال: إن كان قد قضى أربًا منا فما بال شوقه زائد؟
زائد: في موضع نصب على الحال.
يقول: قال مولى الخيال: إن كان قد قضى حاجته من خيالي، فلم شوقه إلي زائد؟ فهلا تسلي عني، وقنع بالطيف الذي يزوره؟ ومثله لآخر:
[ ١ / ٤٥٧ ]
رأتني وقد شبّهت بالورد خدّها فصدّت وقالت: قاس خدّي بالورد
إذا كان مثلي في البساتين عنده فماذا الّذي قد جاء يطلبه عندي
لا أجحد الفضل ربّما فعلت ما لم يكن فاعلًا ولا واعد
ولا واعد في موضع نصب عطفًا على قوله: فاعلا وهو خبر كان، وفاعل فعلت ضمير الخيالات.
يقول: مجيبًا لحبيبه ورادًا عليه في قوله: لا أنكر فض هذه الخيالات علي؛ لأنها فعلت ما لم يكن يفعله صاحبها من الوصل، ولا كان يعد به، ونظر التهامي إلى هذا المعنى فقال:
فكان أكرم فضلًا، إنّ لذّته تخلو من المنّ والتّنغيص والمنن
ما تعرف العين فرق بينهما كلٌّ خيالٌ وصاله نافد
يقول: لا فرق بين الخيال وبين صاحبه، فإن وصله ينقضي وينصرم، وكلاهما خيال لا حقيقة له ولا دوام، فليس لصاحب الخيال أن يزدري بالخيال ووصله، إذ هما في الانقضاء سواء. وقوله: فرق بينهما أراد كلا من المذكورين: الخيال ومولاه، لما قال: لا فرق بينهما في قصر وصلهما، قدر أن كل واحد منهما خيال، ثم قال: كل خيال وصاله نافد.
يا طفلة الكفّ عبلة السّاعد على البعير المقلّد الواخد
الطفلة: الرخصة الناعمة: العبلة الممتلئة. والبعير المقلد: الذي جعل في عنقه قلادة. والواخد: السريع السير.
يقول هذا كله لمحبوبته.
زيدي أذى مهجتي أزدك هوىً فأجهل النّاس عاشقٌ حاقد
يجوز أذىً مهجتي وفيه تقديران: أحدهما أن مهجتي منادى مضاف. أي يا مهجتي زيدي أذىً. والثاني أنه مفعول زيدي وتقديره: زيدي مهجتي أذى.
يقول: زيدي في أذاك لي وتعذيبك إياي.
يقول: إنك كلما زدتني أذىً ازددت لك هوى، ولا أحقد عليك؛ لأن أجهل الناس هو العاشق الحاقد.
حكيت يا ليل فرعها الوارد فاحك نواها لجفني السّاهد
الفرع: شعر الرأس. والوارد: الطويل المسترسل. يخاطب الليل ويعاتبه على طوله.
يقول: يا ليل أشبهت شعرها في طوله وسواده، فاحك أيضا بعدها، كما حكيت شعرها، وابعد عن عيني.
وقيل: تقدير البيت: حكيت يا ليل فرعها الوارد، لجفني الساهد فاحك نواها.
طال بكائي على تذكّرها وطلت حتّى كلاكما واحد
يقول مخاطبا لليل: إن بكائي قد طال على تذكر المحبوبة، وطلت أنت أيها الليل، فكأنك والبكاء واحد، من حيث الطول، لا فرق بينكما.
ما بال هذي النّجوم حائرةً كأنّها العمى مالها قائد؟؟!
يصف طول الليل ويقول: ما للنجوم من هذا الليل متحيرةً واقفةً لا تزل! فكأنها عميان لا قائد لهم، فيبقون متحيرين لا يهتدون إلى مذهب. وهذا البيت مأخوذ من قول ابن المعتز:
والنّجم في كبد السّماء كأنّه أعمى تحيّر ما لديه قائد
أو عصبةٌ من ملوك ناحيةٍ أبو شجاعٍ عليهم واجد
العصبة: الجماعة، وهذا تشبيه آخر. شبه النجوم في تحيرها بملوك سخط عليهم الممدوح فبقوا حائرين لا يدرون ما يصنعون.
إن هربوا أدركوا وإن وقفوا خشوا ذهاب الطّريف والتّالد
هذا تفسير حيرة الملوك. يعني: لا يدرون ما يصنعون؛ لأنهم إن هربوا أدركهم، وإن وقفوا خافوا أن يغير على أموالهم.
فهم يرجّون عفو مقتدرٍ مبارك الوجه جائدٍ ماجد
الجائد: الجواد، وهو على أصل القياس، جاد فهو جائد، ولكنه مرفوض، واستغنوا عنه بقولهم جواد.
يعني: أنهم تحيروا فلا يدرون: أيهربون، أم يثبتون؟! فاستسلموا رجاء أنه إذا قدر عفا عنهم، وجرى على عادته في الجود والمجد.
أبلج لو عاذت الحمام به ما خشيت راميًا ولا صائد
صائد: في موضع النصب. وأبلج: في موضع جر بدلًا عن المجرورات المذكورة في البيت المتقدم. والأبلج: المفروق الحاجبين.
يقول: هو يحمي كل من يلجأ إليه، فلا يقدر على ضيم من استجار به، حتى لو لجأت إليه الحمام لأمنت ولم تخف صائدا ولا راميا.
أورعت الوحش وهي تذكره ما راعها حابلٌ ولا طارد
الوحش: اسم الجنس، وأراد ها هنا الجماعة فأنثه. والحابل: صاحب الحبالة، والطارد: الذي يطرد الوحش.
يعني: لا يجسر أحد على التعرض لمن يستجير به، حتى لو أن الوحش ذكرت اسمه في حال رعيها، أو خطر اسمه لها بالبال لأمنت بذكره، ولم يفزعها حابل بحبالته، ولا طارد يطردها. وهذا ذكره على وجه المثل.
[ ١ / ٤٥٨ ]
تهدي له كلّ ساعةٍ خبرًا عن جحفلٍ تحت سيفه بائد
فاعل تهدى: كل ساعة. والجحفل: الجيش العظيم. والبائد: الهالك.
يقول: يرد عليه كل ساعة خبر من عسكر عدوة: أنه هلك تحت سيفه، وإنما ذلك لكثرة سراياه وانتشارها في الأرض، وإنما قال ذلك، لأن الخبر كان قد ورد عليه بهزيمة وهسوذان مرة أخرى.
وموضعًا في فتان ناجيةٍ يحمل في التّاج هامة العاقد
وموضعًا: أي مسرعًا، وهو نصب عطفًا على قوله: تهدى له كل ساعة خبرًا، وموضعًا والناجية: الناقة السريعة. والفتان: غشاء من أدم يكون للرحل.
يعني: كل ساعة يرد عليه رسول ببشارة، وراكب يسرع، في رحل ناقة سريعة، تحمل تاج الملك الذي هلك تحت سيفه، ورأس من عقد ذلك التاج على رأسه، ويجوز أن يكون هو الذي قد عقد عليه.
يا عضدًا ربّه به العاضد وساريًا يبعث القطا الهاجد
يبعث القطا: أي ينبه. والهاجد: النائم، وهو من وصف القطا. والساري: الذي يسير ليلا. والعاضد: المعين والمعني: يا عضد الدولة الذي ربه يعين به أولياءه.
وقيل: العاضد هو القاطع. يعني: يا عضدًا يقطع الله تعالى به أصول أعدائه ويستأصلهم بفعله، ويا من سرى بالليل في فلوات يطلب الأعداء، فينتبه القطا النائم فيها.
وممطر الموت والحياة معًا وأنت لا بارقٌ ولا راعد
الراعد: السحاب الذي فيه الرعد. والبارق: الذي فيه البرق.
يقول: إنك تمطر الموت على أعدائك والحياء على أوليائك، فتحييهم بنعمك وتميت أعداءك بنقمك، ولست مع ذلك سحابًا حقيقيًا لا ذي رعد ولا ذي برق. وقيل: أراد أنك تحسن بلا برق وتسيء بلا رعد، بخلاف السحاب يكون البرق فيه وعدًا، والرعد وعيدًا.
نلت وما نلت من مضرّة وهسو ذان ما نال رأيه الفاسد
أي: وما نلت من مضرته ما نال منها رأيه الفاسد. يعني: أن ما نال منه فساد رأيه أكثر مما نلت أنت منه. أي: جنى الشر على نفسه حين تعرض لقتال ركن الدولة.
يبدأ من كيده بغايته وإنّما الحرب غاية الكائد
الكائد: اسم فاعل من الكيد.
يقول: من جهله أنه بدأ بالمحاربة، وكان سبيله ألا يحارب إلا إذا اضطر إليه؛ إذ الحرب غاية الكائد.
ماذا على من أتى محاربكم فذمّ ما اختار لو أتى وافد
وافد: في موضع نصب على الحال.
يقول: من حاربكم فقتلتموه فيذم عاقبة ما اختاره، ولو جاءكم وافدًا عليكم لنال كل ما أراد. يعني: لو أتى وافدا لأدرك مناه.
بلا سلاحٍ سوى رجائكم ففاز بالنّصر وانثنى راشد
راشد: حال، فترك نصبه لأجل التقفية. يعني: لو أتى محاربكم وافدا بلا سلاح إلا رجاءه إياكم لفاز بالنصر، وانثنى بالغنيمة والرشد، فمن علم ذلك من حالكم وحاله، فما الذي يضره لو فعل هذا، ولم يعرض نفسه للقتل، ونعمته للزوال والانتقال.
يقارع الدّهر من يقارعكم على مكان المسود والسّائد
يقارع: أي يقاتل. والمسود: الذي ساده غيره. والسائد: الذي ساد غيره. يعني: أن الدهر يحارب من حاربكم ونازعكم على الملك، وهو مكان المسود والسائد: يعني: أن الدهر خصم لعدوكم وعون لكم.
وقيل: أراد أن الدهر مسود، وأنتم ساده، فمن قارعكم قارعه الدهر لسيادتكم، فكأن الدهر جند لكم تسودونه، وتسوسونه.
وليت يومي فناء عسكره ولم تكن دانيًا ولا شاهد
شاهد: في موضع النصب عطفا على قوله: دانيا والهاء في عسكره لوهسوذان.
يقول: إنك توليت القتال في اليومين اللذين فنى فيهما عسكر وهسوذان، وإن لم تكن حاضرًا ذلك اليوم ولا قريبًا؛ لأن جيش أبيك إنما فعلوا ذلك لتشجيعك إياهم.
ولم يغب غائبٌ خليفته جيش أبيه وجدّه الصّاعد
الهاء في خليفته وأبيه وجده للغائب. يعني: أنك وإن كنت غائبا كان خليفتك الذي يقوم مقامك جيش أبيك، وجدك الصاعد، فمن كان كذلك فكأنه لم يغب، فلهذا قلت: إنك توليت القتال وهزمه.
وكلّ خطيّةٍ مثقّفةٍ يهزّها ماردٌ على مارد
هذا عطف على ما تقدم، والمارد: الذي لا يطاق من خبثه.
يقول: ناب عنك جيش أبيك، كل فارس مارد على فرس مارد، يهز كل رمح خطى.
سوافكٌ ما يدعن فاصلةً بين طريّ الدّماء والجامد
[ ١ / ٤٥٩ ]
يقول: نابتك رماح خطية، تسفك دماء الأعداء دائمًا، لا تدع بين الطري والجامد فصلا. أي: إذا أراقت دمًا فجمد أتبعته بطري من غير فصل.
إذا المنايا بدت فدعوتها أبدل نونًا بداله الحائد
الحائد: إذا أبدل داله بالنون فهو الحائن أي الهالك. والحائد: الذي يميل عن الحرب. والهاء في دعوتها للمنايا. وقيل: للخيل. أي دعوة الخيل: أن تقول ما في البيت.
يقول: إذا ظهرت المنيه في الحرب، فدعوة المنايا هي أن تقول: أبدل الله تعالى الحائد نونًا بدال. يعني: أنها تدعو على من يحيد عن الحرب بهذا القول أي جعل الله الحائد حائنًا. أي: هالكا، من الحين، وهو الهلاك.
إذا درى الحصن من رماه بها خرّلها في أساسه ساجد
ساجد: حال، والهاء في بها ولها للخيل المضمرة.
يقول: إذا علم الحصن أنك رميته بخيلك سجد لك على أساسه، تعظيما لك ومثله قوله:
تملّ الحصون الشّمّ طول نزالنا فتلقى إلينا أهلها وتزول
ما كانت الطّرم في عجاجتها إلا بعيرًا أضلّه ناشد
الطرم: بلدة وهسوذان، أو قلعته، والهاء في عجاجتها للخيل. والعجاجة: الغبار.
يعني: أن الطرم قد خفيت في عجاجة خيلك ساعة ثم أثخنتها فكانت بمنزلة بعير ضل عن صاحبه ثم وجده.
وقيل: أراد من كثرة ما أثارت الخيل الغبار، اسودت الطرم، فخفيت القلعة حتى لا يكاد أحد يراها، ثم شبه الطرم بالبعير الضال الذي فقده صاحبه، لأن وهسوذان خرج عنها وسلمها، فكأنه بعير أضله صاحبه.
تسأل أهل القلاع عن ملكٍ قد مسخته نعامةً شارد
شارد: في موضع النصب صفة لنعامة، وإنما ذكره لأن النعامة تقع على الذكر والأنثى، وتسأل: فعل الخيل وكذلك مسخت والهاء فيه ضمير الملك.
يقول: تتبع خيلك وهسوذان وتسأل عنه القلاع، وقد مسخته هذه الخيل نعامة نافرًا. أي: كان ملكا ففر من بين يديه كالنعامة الشارد، وسؤال الخيل عنه: تعرضها للقلاع وأهلها.
تستوحش الأرض أن تقرّبه فكلّها آنهٌ به جاحد
الهاء في آنه ترجع إلى لفظ كل.
يقول: تفزع الأرض أن تقر بوهسوذان، فكل مكان منها حاحد لا يقر بمكانه. والمعنى: أنه فر ولم يوجد له أثر، فكل مكان طلبته الخيل فيه لم تجده، والغرض باستيحاش الأرض من الإقرار به هو أنها تأنف من كونه عليها، وتريد ألا يكون حيًا يمشي عليها، فلما كان الأمر بخلاف مرادها لم ترض أن تقر به أنفةً من أن يكون هو من أهلها.
فلا مشادٌ ولا مشيدٌ حمى ولا مشيدٌ أغنى ولا شائد
المشيد: الجص. يقال: شدت البناء أشيده شيدًا: إذا بنيته بالشيد وأنا شائد وهو مشيد.
وأشدته أشيده إشادةً: إذا رفعته. فأنا مشيد وهو مشاد. يعني: أنه هرب ولم يمنعه حصنه الذي رفعه وطوله وبناه بالشيد ولا مبانيه التي شيدها وجصصها.
فاغتظ بقومٍ وهسوذ ما خلقوا إلا لغيظ العدوّ والحاسد
أراد: وهسوذان فرخمه، فحذف منه الألف والنون. كما تقول: في مروان يا مرو.
يقول: يا وهسوذان: اغتظ بآل بويه، فهم لم يخلقوا إلا غيظًا لكل عدو وحاسد. وقيل: أراد بالقوم: جيش ركن الدولة.
رأوك لمّا بلوك نابتةً يأكلها قبل أهله الرّائد
بلوك: أي جربوك. والنابتة: القطعة النابتة من الحشيش.
يقول: لما جربوك رأوك أمرًا هينًا فرموك بطلائعهم، وأوائل خيلهم قبل حضورهم، فكنت في القلة كالقطعة من العشب يأكلها الرائد قبل حضور الحي.
وخلّ زيًّا لمن يحقّقه ما كلّ دام جبينه عابد
يقول: خل زي الملك لأهله الذين يستحقونه، فإنه لا يليق بك، فليس كل من تزيا بزي الملوك يستحق ذلك، كما أنه ليس كل من دمى جبينه فهو عابد.
إن كان لم يعمد الأمير لما لقيت منه فيمنه عامد
يقول: إن كان عضد الدولة لم يقصد إلى ما جرى عليك، ولم يشهده بنفسه، فإن يمنه تعمد ذلك فناب عنه.
يقلقه الصّبح لا يرى معه بشرى بفتحٍ كأنّه فاقد
يقول: إذا طلع الصبح، ولم يرد عليه من يبشره بفتح، قلق لذلك، حتى كأنه فقد شيئًا كان في يده. وقيل: الفاقد: المرأة التي فقدت ولدها بغير هاء كحائض وطاهر يعني: كأنه من قلقه امرأة فقدت ولدها.
والأمر لله ربّ مجتهدٍ ما خاب إلاّ لأنّه جاهد
[ ١ / ٤٦٠ ]
يقول لوهسوذان: اجتهدت في طلب الملك، فخاب سعيك، وقد رأينا من كان سبب خيبته، اجتهاده. وحرصه، وهذا كما قيل: الحريص محروم فكأنه قال: إن الإمارة والدولة بتوفيق الله تعالى، ومن مواهبه، لا تنال بالجد والاجتهاد.
ومتّقٍ والسّهام مرسلةٌ يحيص عن حابضٍ إلى صارد
يحيص: أي يعدل. وحابض: من قولهم حبض السهم يحبض حبضا فهو حابض، إذا وقع بين يدي الرامي لضعفه ولم يصل إلى الغرض. والصادر: من قولهم صرد السهم صردا، إذا نفذ من الرمية إلى ما وراءها.
يقول: رب متق من سهام مرسلة يعدل عنها من قرب، ويمر إلى الهدف حتى تصيبه يعني: ورب إنسان يحذر ما لا يصيب، ويفر إلى ما فيه هلاكه.
فلا يبل قاتلٌ أعاديه أقائمًا نال ذاك أم قاعد
يعني: الغرض قتل العدو، فسواء قتلته بنفسك، أو قتله غيرك ممن هو منك، وأنت قاعدًا - وقاعد في موضع نصب عطفًا على قائم وقوله: فلا يبل أصله فلا يبالي، فحذف الياء للجزم ثم حذف الألف أيضًا تخفيفًا.
ليت ثنائي الّذي أصوغ فدى من صيغ فيه، فإنّه خالد
الهاء في فإنه للثناء وفي فيه للممدوح.
يقول: إن ثنائي الذي أصوغه في عضد الدولة يبقى مخلدًا، فليت أن الله جعله فداء من مدحته ليدوم ملكه خالدًا كما دام هذا الثناء.
لويته دملجًا على عضدٍ لدولةٍ ركنها له والد
يقول: صغت مدحي دملجًا يزينه، كما يزين الدملج العضد، ولما كان الممدوح ملقبًا بعضد الدولة جعل شعره دملجًا عليه؛ لما بين العضد والدملج من المناسبة؛ لأن الدملج زين العضد. ثم قال: ركنها له والد أي ركن هذه الدولة والد لعضد الدولة، أورد لقبه ولقب أبيه بلفظ وجيز، والهاء في لويته للثناء وفي له للعضد، والعضد: مؤنثة ولكنه رد الهاء إليها بلفظ التذكير، حملا على المعنى؛ لأنه أراد الممدوح، وهو مذكر، فرد الضمير إليه.
وخرج عضد الدولة يتصيد ومعه الكلاب والفهود والبزاة والشواهين وعدد الصيد، ما لم يرم مثله كثرةً، وكن يسير قدام الجيش يمنه ويسرةً فلا يطير شيء إلا وصاده، حتى وصل إلى دشت الأرزن، وهو موضع حسن على عشرة فراسخ من شيراز، كثير الصيد تحف به الجبال، والأرزن، فيه غاب وماء ومروج، وكانت الأيائل تصاد ويقتل بعضها، ويقبل بعضها يمشي والحبل في قرونها، وكانت الوعول تعتصم بالجبال، وتدور بها الرجال، وتأخذ عليها المضايق، فإذا أثخنها النشاب لجأت إلى مواضع لا تحملها، فهوت من رءوس الجبال إلى الدشت، فسقطت بين يديه، فمنها ما يطيح قرنه. ومنها ما يؤخذ ويذبح فتخرج نصول النشاب من كبده وقلبه، فأقام بها أيامًا على عين حسنة وأبو الطيب معه، ثم قفل فقال أبو الطيب يمدحه في رجب سنة أربع وخمسين وثلاث مئة:
ما أجدر الأيّام واللّيالي
بأن تقول ماله وما لي؟
لا أن يكون هكذا مقالي
يقول: ما أخلق الأيام والليالي بأن تتظلم مني وتستغيث من يدي فتقول: ما لهذا الرجل ومالي؟! وقوله: لا أن يكون هكذا مقالي: يعني: ما أجدر ألا تكون الأيام هكذا. أي: تحتال الأيام والليالي من أجلي.
والمعنى: أنها أولى بأن تتظلم مني، وأن تقول هذا المقال، من أن أقوله أنا لها. أي: هي أحق بأن تستغيث مني، لا أنا، لأني أقوى منها وأقدر، فلا أحتاج إلى التظلم منها؛ لاعتصامي بعضد الدولة.
وتقديره: لا أن يكون هكذا مقالي لها، فحذف للاختصار والعلم به، ولا بد من ضمير يعود إليها، فلو لم يحمل على هذا التفسير لم يصح.
فتىً بنيران الحروب صالي
منها شرابي وبها اغتسالي
لا تخطر الفحشاء لي ببال
الضمير في منها وبها للحروب. والبال: القلب. وفتىً: خبر ابتداء محذوف أي: أنا فتى.
يقول: كيف لا تتظلم الأيام والليالي من يدي؟ وأنا فتى أصطلي بنار الحروب وألابسها وأخوض شدائدها. وهي نيرانها. وقوله: منها شرابي أي: أني ألفتها كما ألفت الماء الذي أشرب منه وأغتسل به، وقيل: أراد شرابي من دماء الأعداء التي أريقها في الحروب، وأتضمخ بها، فيكون ذلك اغتسالي، ثم قال: وأنا مع ذلك عفيف النفس، لا تخطر الفحشاء بقلبي فضلا عن فعلها.
لو جذب الزّرّاد من أذيالي
مخيّرًا لي صنعتي سربال
ما سمته سرد سوى سروالي
[ ١ / ٤٦١ ]
الزراد: الذي يعمل الدروع. والسربال: القميص والسروال. واحد السراويل. والسرد: عمل الدروع ونسجها.
يقول: لو جذب الزراد أذيالي، وخيرني أن يسرد لي قميصا أو سراويل. وهو قوله: مخيرًا لي صنعتي سربال ما طلبت منه إلا أنه يصنع لي سراويل، أحصن بها عورتي، ثم لا أبالي بعد ذلك بانكشاف سائر جسدي، إذا صنت العورة وحصنتها. وهذا مبالغة منه في بيان العفة.
وقيل: إن المراد بذلك أن كل ما علي حديد: فثوبي من حديد، وعمامتي من حديد، وتجافيف فرسي حديد. فلم يبق إلا أن أصنع سراويل من حديد.
وكيف لا وإنّما إدلالي
بفارس المجروح والشّمال
أبي شجاعٍ قاتل الأبطال
المجروح، والشمال: فرسان لعضد الدولة. وأبي شجاع: بدل من فارس. أي: كيف لا أكون كذا، وإنما أدل وأعتمد بفارس هذين الفرسين، وهو أبو شجاع الذي يقتل الشجعان كلهم.
ساقي كئوس الموت والجربال
لما أصار القفص أمس الخالي
وقتّل الكرد عن القتال
حتّى اتّقت بالفرّ والإجفال
فهالكٌ وطائعٌ وجالي
الجربال: الخمر. يعني: يسقى أعداءه كئوس الموت وأولياءه كئوس الخمر. والقفص: قوم من الأكراد، في نواحي كرمان، كان أهلكهم. والخالي: الماضي. والفر: الفرار. والإجفال: الإسراع في الهرب. وقتل الكرد: أي منعهم. والقفص: المفعول الأول لأصار. وأمس: المفعول الثاني.
يقول: لما قتل القفص حتى جعلهم منقضيًا كأمس الماضي، وقتل الكرد عن آخرهم فلم يبق منهم مقاتلًا، حتى التجئوا إلى الفرار وصاروا بين ثلاثة أقسام: هالك قتل، وطائع سلم، وهارب قد خلا عن وطنه.
واقتنص الفرسان بالعوالي
والعتق المحدثة الصّقال
يقول: اصطاد الفرسان بالرماح والسيوف. العتق: القديمة، الحديثة الصقال؛ لأنها كل وقت يجدد صقالها.
سار لصيد الوحش في الجبال
وفي رقاق الأرض والرّمال
على دماء الإنس والأوصال
الرقاق من الأرض: ما كان رقيقًا، ليس بذي رمل؛ لأنه أطيب التراب. وقوله: سار جواب لقوله: لما أصار والمعنى: أنه بدأ أولا بالجد والحرب، ثم أتبعه بالنزهة والصيد.
يقول: لما قتل الكرد، عاد إلى صيد الوحش في السهول والجبال، فكان سيره في هذه الأرضين على دماء الإنس وأوصالهم. وأراد بالإنس: الكرد الذين قتلهم وأجرى دماءهم وأبان أوصالهم: وهي كل عظم يتصل بالآخر.
منفرد المهر عن الرّعال
من عظم الهمّة لا الملال
وشدّة الضّنّ لا الأستبدال
الرعال: جمع رعلة، وهي القطعة من الخيل. ونصب منفرد على الحال. يعني: كان يسير وحده منفردًا عن جيشه، ولم يكن يفعل ذلك مللًا بجيشه، وإنما فعله لعظم همته أن يدنو منه أحد، وأن يختلط الجيش به، وليتأمل عسكره ويميزه ويتفقده؛ لظنه به، ولو اختلط بهم لم يستبن له قدره.
وقيل: إن عظم قدره وعلو همته حمله على الصيد بنفسه وقوله: لا الاستبدال يعني: أنه لم يرد الاستبدال بجيشه لتنزهه بهم، لكن لشدة ضنه بهم، أو بنفسه عن الاختلاط بهم.
ما يتحرّكن سوى انسلال
فهنّ يضربن على التّصهال
يعني: أن الرعال، وهي الخيل، لا تتحرك ولا تمشي إلا على وجه الانسلال: وهو اللين والرفق، هيبةً أو حذرًا من تنفير الصيد، فإن صهل منها فرس ضرب على صهيلة هيبةً له، وحذرًا من نفور الصيد.
كلّ عليلٍ فوقها مختال
يمسك فاه خشية السّعال
من مطلع الشّمس إلى الزّوال
يعني: كل قائد مختال فوق هذه الخيل، كأنه عليل؛ هيبةً منه، ولا يصول خشية نفور الصيد فهو يمسك فاه خشيةً من أن يسعل.
وقيل: أراد أن العليل إذا كان يمسك فاه إذا حضره السعال وهو مع الرئيس، فكيف يكون حال من دونه؟! وهم كذلك من مطلع الشمس إلى وقت الزوال. ومثله لأبي تمام:
فالمشي همسٌ والنّداء إشارةٌ خوف انتقامك والحديث سرار
فلم يئل ما طار غير آل
وما عدا فانغلّ في الأدغال
وما احتمى بالماء والدّحال
من الحرام اللّحم والحلال
إنّ النّفوس عدد الآجال
لم يئل: أي لم ينج. وغير آل: أي غير مقصر. وانغل: دخل والأدغال: جمع دغل، وهو الشجر الملتف. واحتمى: أي امتنع. والدحال: جمع دحل، وهو المطمئن من الأرض يجتمع فيها ماء السماء وينبت القصب.
[ ١ / ٤٦٢ ]
يقول: لم ينج من الطير ما طار غير مقصر في الطيران. يعني: لم ينج منها طائر مجد في الطيران، فكيف المقصر؟! ولم ينج أيضًا ما انغل فيما بين الأشجار الملتفة. ولم ينج أيضًا ما امتنع بالدحال من الصيد الحرام اللحم كالخنزير والسباع، والحلال اللحم كالظباء والأيائل. وقوله: إن النفوس عدد الآجال مثل منه. وروى عدد بضم العين. والمعنى: أن النفوس معدة للموت، والأجل يدركها متى شاء وروى بفتح العين. يعني: أن لكل نفس أجلًا، فآجالها مثل أعدادها.
سقيًا لدشت الأرزن الطّوال
بين المروج الفيح والأغيال
روى: الطوال: وهو الطويل، والطوال، وهي جمع طويل، فكأنه جعل لكل موضع منها دشتًا طويلًا لسعته، والدشت: الصحراء، وهي فارسي معرب أبدل منه السين شينًا علامة للتعريب. والأرزن: هو الخشب، وأضاف الدشت إليه لأنه ينبت فيه، والمروج: جمع مرج، وهو كل موضع فيه ماء وعشب لا ينقطع. والفيح: جمع أفيح وفيحاء وهو الواسع. والأغيال: جمع غيل، وهو الشجر الملتف، وأراد به الأجمة هنا.
مجاور الخنزير للرّئبال
داني الخنانيص من الأشبال
مشترف الدّبّ على الغزال
مجتمع الأضداد والأشكال
مجاور وما بعده نصب على الحال من دشت الأرزن. أي سقاه الله تعالى من هذه الأحوال. والرئبال: الأسد. والخنانيص: جمع خنوص، وهو ولد الخنزير. والأشبال: جمع شبل، وهو ولد الأسد. والمشترف والمشرف بمعنى. وذلك لأن الدب جبلي والغزال سهلي. فيكون مشرفًا يعني به: أن هذا الدشت سهلي جبلي قد اجتمع فيه صيد السهل والجبل، وقد حصل فيه الأضداد والأشكال.
كأنّ فنّاخسر ذا الإفضال
خاف عليها عوز الكمال
فجاءها بالفيل والفيّال
عوز الشيء: فقدانه. والهاء في عليها وجاءها لدشت الأرزن ردها إلى معنى الصحراء والأرض والناحية.
يقول: هذه الصحراء قد اجتمع بها جميع الحيوان إلا الفيل، فلما خشى الأمير أن تقصر عن حد الكمال جاءها بالفيل والفيال حتى كملت.
فقيدت الأيّل في الحبال
طوع وهوق الخيل والرّجال
تسير سير النّعم الأرسال
معتمّةً بيبّس الأجذال
طوع: نصب على الحال. والأيل ها هنا جمع الأيل، والمعروف في جمعه الأيائل. والوهوق: جمع وهق: وهو الحبل. والرجال: جمع راجل.
يقول: قاد الأيل، وهو الثور الوحشي في الحبال، وأنها طوع حبال الخيل والرجال. يعني: أنها متمكنة لا يتعذر عليهم صيدها. والنعم الأرسال: القطع من الإبل، واحدها: رسل. والأجذال: جمع جذل، وهو أصل الشجرة إذا قطع أعلاه وأراد به ها هنا قرون الأيل، وجعلها معتمة بالقرون؛ لإحاطتها برءوسها، وتعطفها عليها. واليبس: جمع يابس.
يقول: أقبلت الأيائل تسير كأنها قطع الإبل المتصلة، من كثرتها، وشبه قرونها بأصول الأشجار اليابسة.
ولدن تحت أثقل الأحمال
قد منعتهنّ من التّفالي
لا تشرك الأجسام في الهزال
قوله: ولدن: أي الأيائل ولدت تحت أثقل الأحمال، وهي قرونها، جعلها أثقل الأحمال لطولها وكثرة شعبها.
وقيل: أراد بأثقل الأحمال الجبال؛ لأنه تولد في مغارات الجبال. وقول: قد منعتهن من التفالي: يعني: أن القرون قد منعتها من أن يدنو بعضها من بعض فيفلى بعضها رءوس بعض كسائر الحيوانات. ثم ذكر أن القرون لا تشارك الأجسام في الهزال، ولا تنقص كما تنقص الأجسام.
إذا تلفّتن إلى الأظلال
أرينهنّ أشنع الأمثال
يقول: إذا تلفتت الأيائل، ونظرت أظلالها، رأت منها أشنع منظر وأقبح مثال؛ لطول قرونها وكثرة شعبها.
كأنّما خلقن للإذلال
زيادةً في سبّة الجهّال
كأن هذه القرون خلقت للإذلال، زيادة في سبة الجهال. يعني بذلك قول الناس: لفلان قرنان. فإذا زاد في السب قال: له قرون الأيل.
والعضو ليس نافعًا في حال
لسائر الجسم من الخبال
الخبال: الفساد، وجعل القرن عضوًا مجازًا لاتصاله بالأعضاء.
يقول: إن العضو وإن عظم لا يمنع صاحبه من الموت والفساد.
وأوفت الفدر من الأوعال
مرتدياتٍ بقسيّ الضّال
[ ١ / ٤٦٣ ]
أوفت: أي أشرفت، وقيل أقبلت. والفدر: جمع فدور، وهو المسن من الأوعال، وهي تيوس الجبل. والضال: السدر البري، والعرب تتخذ منها القسي شبه قرونهًا لطولها وانعطافها بالقسي، وجعلها مرتدية بها، لانعطافها من رءوسها إلى أكفالها.
نواخس الأطراف للأكفال
يكدن ينفذن من الآطال
النواخس: من نخست الدابة بعود: دفعتها به، والآطال: الخواصر، واحدها إطل.
يقول: طالت قرونها حتى نخست أكفالها، وأطراف هذه القرون تكاد تنفذ في الخواصر؛ لحدتها واعتراضها.
لها لحىً سودٌ بلا سبال
يصلحن للإضحاك لا الإجلال
يقول: لهذه الفدر: وهي التيوس، لحىً سود، ليس لها شوارب، ولحاها تصلح لأن يضحك منها ويسخر من صاحبها، ولا تصلح للإجلال، بخلاف سائر اللحى، وكان القياس أن يقول: بلا أسبلة، لكن أقام الواحد مقام الجمع.
كلّ أثيثٍ نبتها متفال
لم تغذ بالمسك ولا الغوالي
الأثيث: كثير النبت يقال شعر أثيث إذا كان صفيقًا كثيفًا. والمتفال: المنتنة الرائحة. والغوالي: جمع الغالية.
يقول: لكل منها لحية كثيفة ملتفة الشعر منتنة الريح لم تغذ بالمسك ولا الغالية.
ترضى من الأدهان بالأبوال
ومن ذكيّ المسك بالدّمال
الدمال: السرجين.
يقول: تستعمل البول بدل الدهن، والبعر بدل المسك. وقيل: إن الوعل يشرب بوله، فهو ينصب على لحيته.
لو سرّحت في عارضي محتال
لعدّها من شبكات المال
بين قضاة السّوء والأطفال
سرحت: أي مشطت، وعارضا الرجل: جانبا وجهه. يعني: أن لحيته كبيرة تصلح للعدول والقضاة، فلو كانت في وجه رجل صاحب حيلة لعدها من الشبكات التي يصطاد بها المال، بين قضاة السوء والأطفال. يعني: يأكل بها أموال الأيتام التي في حجر القضاة.
شبيهة الإدبار بالإقبال
لا تؤثر الوجه على القذال
القذال: مؤخر الرأس.
يقول: إن وجهها مثل أقفائها في كثرة الشعر، وإقبالها مثل إدبارها، ففي وجهها من شعر نواصيها ما يشبه أذنابها، فلا يتميز إقبالها من إدبارها ولا وجهها من قفاها.
وقيل: إنها رميت من كلا الجانبين، فهي ما بين النبال أقبلت أم أدبرت. ثم أخبر أنه لا يؤثر في الرمي بعض الأعضاء على البعض، بل هو مرمي من خلفه وقدامه.
فاختلفت في وابلي نبال
من أسفل الطّود ومن معال
يعني: اختلفت الأوعال في وابلين من السهام: من أسفل الطود، وهو الجبل، ومن فوقه. يعني: ان الرماة كانوا يرمونها من أعلى الجبل ومن تحته، وشبه كثرة السهام بالمطر الوابل. وقول: من معال. أي: من أعلى الجبل.
قد أودعتها عتل الرّجال
في كلّ كبدٍ كبدي نصال
العتل: القسي الفارسية الواحد عتلة، وهي القسي التي نشاهدها، وكبدي النصل: جانباه.
يقول: قد رمتها قسي الرجال، من فوق ومن تحت، فأثبتوا في كبد كل وعل سهمين. والهاء في أودعتها للوعول.
فهن يهوين من القلال
مقلوبة الأظلاف والإرقال
يهوين: أي يسقطن من القلال. أي: من رءوس الجبال. يعني: أنها كانت تسقط من أعالي الجبال معكوسة على رءوسها إلى أسفل، فأظلافها فوق جسومها، وكذلك عدوها معكوس مقلوب. والإرقال: ضرب من السير السريع.
يرقلن في الجوّ على المحال
في طرقٍ سريعة الإيصال
يرقلن: أي يسرعن. والمحال: جمع محالة، وهي فقار الظهر. أي كانت تهوي على ظهورها في طرق سريعة الإيصال لها إلى الأرض.
ينمن فيها نيمة الكسال
على القفيّ أعجل العجال
الهاء في فيها للطرق. والنيمة: الهيئة للنائم، كالجلسة والكسال: جمع كسلان. والعجال: جمع عجلان. والقفى: جمع قفا.
يقول: ينمن في الطرق التي يهوين فيها كما تنام الكسالى على أقفائها، تشبيهًا بنوم الكسلان الذي إذا نام لا يحب الحركة والعجلة ولا ينتبه بالتحريك.
لا يتشكّين من الكلال
ولا يحاذرن من الضّ؟ لال
يعني: لا تشكو كلالا؛ لأن هويتها حركة طبيعية، فلا مشقة عليها فيها ولا يحاذرن من الضلال. يعني أنها لا تخطئ الحضيض؛ لأن المرمى من شاهق لا ينفك من الهوى والسقوط.
فكان عنها سبب التّرحال
تشويق إكثارٍ إلى إقلال
الهاء في عنها للأيائل، والوعول.
[ ١ / ٤٦٤ ]
يقول: كان سبب رحيلنا عن صيد الوحش تشويق الإكثار منها إلى الإقلال. يعني: كثر الصيد حتى شوقنا الإكثار، بما أدخل علنيا من الملال إلى الإقلال منها، فكان ذلك سبب رحيلنا.
فوحش نجدٍ منه في بلبال
يخفن في سلمى وفي قتال
البلبال: الهم. وسلمى: أحد جبلي طيئ، والآخر أجأ. وقتال: جبل بالقرب من دومة الجندل. والهاء في منه لأبي شجاع.
يقول: الوحش التي في نجد، لما سمعت بما صنع الأمير هنا خافت واضطربت في جبالها.
نوافر الضّباب والأورال
والخاضبات الرّبد والرّئال
والظّبي والخنساء والذّيّال
الضباب: جمع ضب. والأورال: جمع ورل وهي دابة أكبر من الضب على خلقته. والخاضبات: النعام إذا أكلت الزهر احمرت أطراف جناحها. والربد: جمد أربد وربداء، وهو الذي يضرب لونه إلى لون الرماد. والرئال: جمع الرأل، وهو فرخ النعام. والخنساء: البقرة الوحشية. والذيال: الثور الوحشي. ونوافر نصب على الحال من الوحش. أي: يخفن منه على هذه الحال. يعني: هذه الحيوانات الوحشية نافرة في نجد خوفًا منه.
يسمعن من أخباره الأزوال
ما يبعث الخرس على السّؤال
الازوال: جمع زول، وهو العجب.
يقول: وحش نجد يسمعن من أخبار عضد الدولة أخبارًا عجيبة تبعث الخرس على السؤال لعجبها.
وقيل: أراد بالخرس الوحوش؛ لأنها لما سمعت بأخباره أقبلت مع خرسها يسأل بعضها بعضًا على هذا الخبر العجب.
وقيل: إن الهاء في أخباره تعود إلى الصيد. أي: يسمعن من أخبار الصيد.
فحولها والعوذ والمتالي
تودّ لو يتحفها بوالي
يركبها بالخطم والرّحال
الفاء فاء الجواب، وقيل: الفاء أصل، وهي فحول بضم الفاء جمع فحل. والعوذ: جمع عائذة، وهي القريبة العهد بالنتاج. والمتالي: جمع متلية، وهي التي يتلوها ولدها. والخطم: جمع خطام
يؤمنها من هذه الأهوال
ويخمس العشب ولا يبالي
وماء كلّ مسيلٍ هطّال
يعني: أنها تتمنى أن يبعث واليًا، حتى يركبها بالأزمة والرحال، ويؤمنها هذا الوالي من أن يقصدها لصيدها، ولا يروعها بأهوالها، ويأخذ منها خمس العشب الذي ترعاه وخمس الماء الذي تشربه.
يا أقدر السّفّار والقفّال
لو شئت صدت الأسد بالثّعال
أو شئت غرّقت العدى بالآل
السفار: جمع المسافر. والقفال: جمع قافل، وهو الراجع من سفره. والثعالي: الثعالب. وأبدل الياء من الباء.
يقول لعضد الدولة: يا أقدر مسافر وراجع لو شئت أن تصيد الأسود بالثعالب لأمكنك ذلك؛ لسعادة إقبالك. والآل: السراب. يعني: لو شئت أن تفرق أعداءك بالسراب لأمكنك.
ولو جعلت موضع الإلال
لآلئًا قتلت بالآلي
الإلال: الحراب، واحدتها آلة، والآلئ: جمع لؤلؤة.
يعني: لو جعلت بدل الحراب لآلئ، لأمكنك أن تفعل بها ما تفعل بالحراب؛ لسعادة جدك فلا يتعذر عليك شيء ترومه.
لم يبق إلاّ طرد السّعالي
في الظّلم الغائبة الهلال
على ظهور الإبل الأبّال
السعال: جمع سعلاة، وهي الغول. وقيل: السعلاة أخبث الجن. والإبل الأبال: التي قد اجتزأت بالعشب عن الماء، الواحد: الأبل. يقال: أبلت الإبل تأبل أبلًا.
يقول: لم يبق إلا أن تطرد السعالي في الظلمات التي لا يطلع فيها القمر، على الإبل التي تجزئ بالرطب عن الماء.
فقد بلغت غاية الآمال
فلم تدع منها سوى المحال
في لا مكانٍ عند لا منال
الهاء في منها للآمال.
يقول: قد بلغت جميع الآمال، ولم تترك منها إلا ما هو المحال، وهو ما لا يحويه مكان، ولا يصل إليه منال، وهو المحال؛ لأن كل شيء لا بد من أن يحويه مكان ويدركه منال، خلا الله ﵎ فإنه لا يحويه مكان، ولا يدركه منال ولا مثال، وهو موجود حي.
وقيل: أراد قد بلغت ما يصح بلوغه فلم يبق إلا وراء العالم الذي لا يحويه مكان ولا يناله منال.
يا عضد الدّولة والمعالي
النّسب الحلي وأنت الحالي
بالأب لا بالشّنف والخلخال
حليًا تحلّى منك بالجمال
الحالي: الذي يلبس الحلي وحليًا نصب على المصدر.
[ ١ / ٤٦٥ ]
يخاطب عضد الدولة ويقول: النسب زينة لك، كما أن الحلي زينة للابسه، فأنت حالي بمفاخر أبيك، لا بالحلي الذي هو الشنف والخلخان. وقوله: حليًا تحلى منك بالجمال يعني: أن كرم نسبك حلى عليك، وأنت أيضًا حلى بالنسب حليته الجمال فنسبك يزينك وأنت تزينه بجمالك.
وربّ قبحٍ وحلىً ثقال
أحسن منها الحسن في المعطال
المعطال: العاطل، التي لا حلي عليها. يعني: حسن الحلي بحسن لابسه، فإن الحسن على المرأة العاطل أحسن من الحلي الثقيل على المرأة القبيحة. وهذا كما قال في موضع آخر:
وفي عنق الحسناء يستحسن العقد
فخر الفتى بالنّفس والأفعال
من قبله بالعمّ والأخوال
من قبله: أي من قبل فخره بعمه وخاله.
يقول: الفتى من يفخر بأفعاله ونفسه قبل افتخاره بأعمامه وأخواله. والباء في قوله بالعم متعلق بمحذوف. أي: لا يفخر أحد بعمه وخاله، ويترك نفسه وأفعاله. وقيل: إن الباء وما بعدها في موضع نصب على الحال من الهاء في قبله وتعلقها أيضًا بمحذوف. أي: من قبله كائنًا بالعم والخال.
وقال أيضًا يمدحه ويودعه في شعبان سنة أربع وخمسين وثلاث مئة. وهي آخر ما سار في شعره، وفي أثناء هذه القصيدة كلام جرى على لسانه كأنه ينعى نفسه، وإن لم يقصد ذلك.
فدىً لك من يقصّر عن مداكا فلا ملكٌ إذًا إلاّ فداكا
الفداء: بكسر الفاء يمد ويقصر، وإذا فتح يقصر لا غير والمدى: الغاية.
يقول: لعضد الدولة جعل الله فداءك من يقصر عن مداك في الفضل والجود، فإذا أجيبت لي هذه الدعوة، فداك كل ملك، فلم يبق في الدنيا ملك، إلا وهو فداك؛ لأنهم كلهم مقصرون عن معاليك، فكأني قلت: فداك سائر الملوك والخلائق.
ولو قلنا فدىً لك من يساوي دعونا بالبقاء لمن قلاكا
قلاك: أي أبغضك.
يقول: لو قلنا جعل الله فداك من يساويك، لكنا قد دعونا لمن يبغضك بالبقاء لقصوره عن محلك وانحطاطه عن مساواتك. يعني: إذا قلت فداك من يساويك. كأني قلت لا فداك من هو دونك. وهذا اقتضاء.
وآمنّا فداءك كلّ نفسٍ وإن كانت لمملكةٍ ملاكا
ملاك الشيء: قوامه الذي يقوم به. أي: لو قلنا فداك من يساويك، لكنا قد جعلنا كل نفس آمنة من أن تكون فداك، وإن كانت قوامًا لممالك؛ لأن كل ملك مقصر عن علاك، فهو خارج عن هذه الدعوة لو دعوتها، فلهذا تركتها.
ومن يظّنّ نثر الحبّ جودًا وينصب تحت ما نثر الشّباكا
يظن: يفتعل من الظن، وأصله يظتن فقلبت التاء طاء لموافقة الطاء في الإطباق. ثم أبدلت الطاء ظاء لتدغم في الظاء بعدها، ثم أدغم فيها الظاء فصار اللفظ بالظاء يظن وموضع من نصب عطفًا على كل ويجوز أن يكون موضعه جرًا عطفًا على كل نفس ويجوز أن يكون رفعًا على الاستئناف.
يقول: وكنا أيضًا آمنا. فداك من ينثر الحب وينصب تحته الشباك. وهذا مثل لمن يبذل الأموال وغرضه أن يجر بها نفعًا إلى نفسه، وهو يظن أن ذلك جود، وهو ليس بجواد في الحقيقة، لأنه كالتاجر يطلب ببذل الأموال الأرباح، وأما الجواد فمن يحسن ولا يطلب جزاء على ما فعله، ولا يجر نفعًا إلى نفسه. ولابن الرومي مثل ذلك:
رأيتك تعطي المال إعطاء واهبٍ إذا المرء أعطى المال إعطاء مشتري
ومن بلغ التّراب به كراه وقد بلغت به الحال السّكاكا
الكرى: النوم. والسكاك: الهواء.
يقول: آمنا. فداك كل من بلغه نومه وغفلته وخمول ذكره وجهله بالتراب، وإن بلغته حاله وغناؤه للسماء.
والكرى أيضًا: دقة الساقين، وهذا إشارة إلى ضعفه وخموله.
فلو كانت قلوبهم صديقًا لقد كانت خلائقهم عداكا
الصديق: يقع على الواحد والجمع، والمذكر والمؤنث بلفظ واحد، وكذلك العدو، وقد أتى بلفظ الجمع في قوله: عداكا لأن القاقية أدته إلى ذلك، والأحسن أن يقول: عدوا ليطابق قوله صديقًا.
والمعنى: أن جميع من ذكرته لو كانوا يحبونك بقلوبهم فإن خلائقهم أعداؤك لكونهم أضداد لك، والضد يبغض ضده، فأخلاقهم تبغضك لقصور أصحابها عن شأوك.
لأنّك مبغضٌ حسبًا نحيفًا إذا أبصرت دنياه ضناكا
الضناك: السمينة التي ضاق جلدها بشحمها. لما استعار لقلة الحسب النحافة، استعار لكثرة المال السمن والضخامة.
يقول: إن خلائقهم أعداؤك؛ لأنك تبغض من كثر ماله وقل حسبه ومجده.
[ ١ / ٤٦٦ ]
أروح وقد ختمت على فؤادي بحبّك أن يحلّ به سواكا
يقول: أحسنت إلي إحسانًا ملكت به، حتى صرت مضطرًا إلى حبك، وشغلت به قلبي. كما في الخبر: جبلت القلوب على حب من أحسن إليها فأنا أروح عنك مختومًا على قلبي بحبك، فلا يشغل بحب ملك غيرك.
وقد حمّلتني شكرًا طويلًا ثقيلًا لا أطيق به حراكا
الحراك: الحركة. يعني: أروح عنك وقد حملتني من شكرك ما لا أطيق له حملًا، ولا أقدر على القيام به، لكثرة ما أفضت علي من إحسانك، فكيف أتفرغ إلى حمل نعمة غيرك؟؟! إشارة بالعود إليه.
أحاذر أن يشقّ على المطايا فلا تمشي بنا إلاّ سواكا
روى: إلا سواكا ومساكا وهما المشي الضعيف المضطرب. يقال: سوكت الإبل، إذا تمايلت في مشيتها من الضعف والهزال.
يقول: أخاف أن أشكرك، فيثقل على المطايا فلا تقدر على المشي تحته، إلا مشيًا ضعيفًا من كثرة ما حملناه من العطايا، ومن كثرة ما تقلدنا من الشكر ونحن عليها.
لعلّ الله يجعله رحيلًا يعين على الإقامة في ذراكا
الذرا: الناحية والكنف.
يقول: أرجو أن يجعل الله تعالى هذا الرحيل سببًا لإقامتي في ذراك. يعني: إنما أمضى لأصلح شأني وأحمل أهلي وأقيم في ظلك ساكن النفس رخي البال.
فلو أنّي استطعت حفضت طرفي فلم أبصر به حتّى أراكا
يقول: لو قدرت بعد رحيلي عنك لغمضت طرفي، فلم أنظر إلى أحد حتى أرجع إليك؛ لشدة شوقي إليك، واهتمامي بسرعة العود، ومثله لآخر:
غمضت عيني لا أرى أحدًا حتّى أراهم آخر الدّهر
وكيف الصّبر عنك وقد كفاني نداك المستفيض وما كفاكا؟
المستفيض: من فاض الماء، إذا سال.
يقول: أصبر عنك وقد أفضت علي من نعمائك حتى كفاني ما أعطيتنيه، وأغناني؟ وأنت بعد لم يكفك البذل والإنعام!
أتتركني وعين الشّمس نعلي فتقطع مشيتي فيها الشّراكا؟!
يقول: قد بلغت بقصدي إليك المنزلة الرفيعة، حتى صارت عين الشمس أو نفسها نعلي! فإذا فارقتك زالت عني هذه المنزلة، وانحططت عن الدرجة التي أوصلتني إليها، فكأن مشيتي قطعت شراك نعلي، حتى سقطت عن رجلي، وهذا مثل: يعني: لا أحط نفسي وأنت ترفعني. أي: لا أبعد عنك وأنت تقربين. وقوله: أتتركني كأنه يقول: لا تتركني أضيع الشرف الذي وصلت إليه بقصدك، كأنه يعرض بالرغبة في المقام عنده.
أرى أسفي، وما سرنا، شديدًا فكيف إذا غدا السّيرا بتراكا؟؟!
ابتراكا: أي شديدًا. يقال: ابتركت الناقة في سيرها إذا سارت سيرًا شديدًا ومثله لسحيم:
أشوقًا ولمّا يمض بي غير ليلةٍ فكيف إذا حثّ المطيّ بنا شهرا؟!
إلا أن في قوله: وما سرنا زيادة حسنة. وقد جعل مكان الشوق الأسف لأنه قال: وما سرنا فإذا لم يسر فلا شوق هناك. ومثله قول قيس:
أشوقًا ولمّا يمض بي غير ليلةٍ رويد الهوى حتّى تعبّ لياليا
ومثله لبعضهم:
وقد كنت أبكي والنّوى مطمئنة بنا وبكم من علم ما البين صانع
وهذا الشّوق قبل البين سيفٌ وها أنا ما ضربت وقد أحاكا!
يقال: ضربه فما أحاك فيه السيف. أي: لم يقطع.
يقول: عمل في الشوق وأنا بعد لم أرحل عنه، فكأنه سيف قطع من بدني قبل أن أضرب به. شبه الشوق بالسيف، ونفسه بمن أثر فيه السيف، ثم تعجب بأن أثر فيه السيف قبل الضرب به.
إذا التّوديع أعرض قال قلبي عليك الصّمت لا صاحبت فاكا
أعرض: أي قرب وظهر، ونصب الصمت بعليك لأنه إغراء: أي الزم الصمت.
يقول: كلما أردت أن ألفظ بالوداع قال لي قلبي: اسكت لا صحبت فاك: أي أهلكه الله تعالى وفرق بينك وبين فيك قبل أن تنطق بالوداع.
وقيل: المعنى أن القلب قال لي: اسكت بعد رحيلك عنه، ولا تمدح غيره، فلا صاحبت فاك.
ولولا أنّ أكثر ما تمنّى معاودةٌ لقلت: ولا مناكا!
أي: ما تتمنى، فحذف تاء المخاطبة. يعني: قال قلبي عندما أردت التوديع: اسكت فلا صحبت فاك إن نطقت بالوداع ومدحت بعده غيره. وقال أيضًا: لولا أنك تتمنى الرجوع إليه، لقلت لا صاحبت مناك أيضًا.
قد استشفيت من داءٍ بداءٍ وأقتل ما أعلّك ما شفاكا
أعلك: أي أمرضك.
[ ١ / ٤٦٧ ]
يقول: قال قلبي تداويت من شوقك إلى أهلك بفراق عضد الدولة، وكل واحد منهما سقم، غير أن أقتل ما أسقمك، ما استشفيت به. يعني: أن فراق أهلك أعلك، وفراق عضد الدولة الذي استشفيت به، فهو أقتل لك وأدحى في الإهلاك. من الذي أعلك.
وقيل: هذا من قول المتنبي إلى قلبه وهو قريب من قول القائل:
المستجير بعمرو عند كربته كالمستجير من الرّمضاء بالنّار
فأستر منك نجوانا وأخفى همومًا قد أطلت لها العراكا
النجوى: السر. والعراك: الصراع.
يقول لعضد الدولة: أستر منك مناجاتي مع قلبي، وأخفي منك همومًا لا أزال أعاركها.
إذا عاصيتها كانت شدادًا وإن طاوعتها كانت ركاكا
الركاك: جمع ركيك، وهو الضعيف. والهاء في عاصيتها وطاوعتها للهموم، وأراد بالهموم: ما يهمه من الشوق. أي: إن عاصيت الهموم، واخترتك على أهلي كانت قوية وإن طاوعتها كانت ركيكة؛ لأني أختار لقاء الأهل على جوارك والتشرف بك. وهذا رأي ضعيف.
وكم دون الثّويّة من حزينٍ يقول له قدومي ذا بذاكا
الثوية: مكان بالكوفة. وقوله: دون الثوية أي أقرب إلينا من الثوية.
يقول: كم لي بقرب الثوية من حزين على فراقي، إذا قدمت عليه سر بلقائي، فكأن قدومي قال له: هذا السرور الآن، بذلك الحزن الذي كان، ولولا كان ذلك الحزن، لم يكن هذا السرور.
قال ابن جني: ولم يقل بعد قوله يقول: إن شاء الله تعالى.
ومن عذب الرّضاب إذا أنخنا يقبّل رجل تروك والوراكا
الرضاب: قطع الريق. وتروك: اسم ناقة وهبها له عضد الدولة والوراك شبه مخدة يتخدها الراكب تحت وركه، يتورك عليها.
يقول: كم دون الثوية من حبيب حلو الريق إذا وصلت إليه يقبل الناقة ومخدتي التي هي على الناقة.
يحرّم أن يمسّ الطّيب بعدي وقد علق العبير به وصاكا
صاك به: أي لصق به.
يقول: هذا الحبيب قد حرم على نفسه أن يمس الطيب بعد غيبتي عنه، وهو مع ذلك طيب الجسم، كأن العبير لصق به، وهو من قول امرئ القيس:
وجدت بها طيبًا وإن لم تطيّب
والمصراع الأول من قول الآخر:
فيا ليل إن الغسل ما دمت أيّما عليّ حرامٌ لا يمسّني الغسل
ويمنع ثغره من كلّ صبٍّ ويمنحه البشامة والأراكا
البشام: شجر يتخذ منه المساويك، وكذلك الأراك. والهاء في يمنحه للثغر.
يقول: هذا الحبيب يمنع ثغره من كل من يشتاق إليه، فلا يمكنه من تقبيله ورشفه، ومع ذلك يجود بثغره على مساويك البشام والأراك. يصفه بالعفة.
يحدّث مقلتيه النّوم عنّي فليت النّوم حدّث عن نداكا
يقول: إن الحبيب العذب الرضاب، إذا نام رآني في النوم، فليته رأى في النوم ما حبوتني به من المال والإكرام، فيعذرني في فراقي له.
وأنّ البخت لا يعرقن إلاّ وقد أنضى العذافرة اللّكاكا
البخت: جمع البختي، ويعرقن: من قولهم أعرق الرجل، إذا أتى العراق. والعذافرة: الناقة الشديدة. وقيل: الشحيمة. واللكاكا: جمع لكيك، وهو الكثير اللحم وروى بضم اللام، فيكون صفة لواحدة وفاعل أنضى ضمير الندى.
يقول: وليت النوم أخبره أن البخت لا تصل إلى العراق، إلا وقد أنضى نداه النياق بثقله وكثرته.
وما أرضى لمقلته بحلمٍ إذا انتهبت توهّمه ابتشاكا
الابتشاك: الكذب. وتوهمه: أي تتوهمه المقلة، فحذف تاء التأنيث، والهاء في مقلته لعذب الرضاب، وفي توهمه للحلم.
لما قال: ليت النوم حدث عن نداك رجع وقال: لا أرضى أن يرى في النوم ما أنا عليه من الشرف؛ لأنه إذا انتبه من نومه توهمه كذبًا، وعده من أضغاث الأحلام والأماني الباطلة.
ولا إلاّ بأن يصغي وأحكي فليتك لا يتيّمه هواكا
أي لا أرضى بأن يرى ذلك في النوم، وإنما أرضى بأن أحكى له وهو يسمع، فليته لا يصير متيما بحبك فينصرف عني ولم يعشقك من وصفي مكارمك وإحسانك.
وكم طرب المسامع ليس يدري أيعجب من ثنائي أم علاكا؟!
يقول: كم من سامع يطربه ثنائي عليك، فلا يدري: أمدحي لك أحسن، أم علاك؟ إذ كل واحد منهما يطرب.
وذاك النّشر عرضك كان مسكًا وذاك الشّعر فهرى والمداكا
النشر: الرائحة الطيبة، والفهر: الحجر قدر ملء الكف. والمداك: حجر مبسوط يسحق عليه الطيب.
[ ١ / ٤٦٨ ]
ويجوز أن يريد بالنشر: نشر مكارمه بالشعر.
يقول: الذي أنشره من إحسانك وفضلك، إنما هو فعلك، فهو بمنزلة ريح المسك يفوح، ولكن عرضك كان المسك، وكان شعري الذي يتضمن ثناءك بمنزلة الفهر، والمداك يسيره وينشره، وليس يزيد فيه شيئًا، كما أن الفهر والمداك يشيعان نشر المسك ويظهران جوهره، ولا يزيدان فيه شيئًا، كذلك شعري يشيع معاليك من غير أن يزيد فيها شيئًا.
فلا تحمدهما واحمد همامًا إذا لم يسم حامده عناكا
أي: لا تحمد فهري ومداكي على ما يظهران من طيب عرضك. أي: لا تحمدني على شعري وحمدي لك، ولكن احمد همامًا. أي: نفسك التي أسدت الثناء وقوله: إذا لم يسم حامده عناكا أي: إذا قلت مدحًا ولم أسم فيه أحدًا، فإنما عنيتك به وهذا مثل قول أبي نواس:
إذا نحن أثنينا عليك بصالح فأنت كما نثني وفوق الّذي نثني
وإن جرت الألفاظ يومًا بمدحه لغيرك إنسانًا فأنت الّذي نعني
أغرّ له شمائل من أبيه غدًا يلقي بنوك بها أباكا
أغر: صفة للهمام، والشمائل: الأخلاق. والهاء في بها للشمائل.
يقول: أحمد همامًا أغر، فيه شمائل من أبيه: أي مشابهة وأخلاق. وقوله: غدًا يلقي بنوك بها أباكا أي بتلك الشمائل. يعني: أنهم إذا كبروا أشبهوا شمائل أبيك كما أشبهته أنت. أي كلكم يشبه فعله فعل أبيه، وينزع إلى كرم أصله.
وفي الأحباب مختصٌّ بوجدٍ وآخر يدّعي معه اشتراكا
يعني: في الناس من هو محب على الحقيقة، مختص بالوجد على فراق أحبته، وفيهم من يدعي الاشتراك معه في الوجد وهو كاذب في دعواه.
وقيل: أراد بالمختص نفسه لأجل فراقه، ومن تداني مختص بود ذلك الوجد، وذلك الوجد لفراقك، وليس عند غيري شعري، إلا مجرد الدعوى.
وقيل: أراد بالمختص بالوجد نفسه لأجل فراقه، ومن يدعي الاشتراك: زوجته، تدعى مشاركة والدته في الحزن لأجله.
إذا اشتبهت دموعٌ في خدودٍ تبيّن من بكى ممّن تباكا
يعني: أن الذي يبكي بوجد وحرقة قلب، يظهر ممن يتكلف البكاء رياءً، وإن اشتبهت دموعهما في جريانها على الخدود.
أذمّت مكرمات أبي شجاعٍ لعيني من نواي على أولاكا
أي: مكرمات أبي شجاع قد دخلت عيني في ذمتها ومنعتها من أن تكون من أولئك. أي: ممن يخادع ويظهر من الود خلاف ما يبطن.
يعني: مكارمك وإحسانك منعتني من دعوى المحبة بحضرتك وإظهار خلافها في غيبتك، فإن الإنسان مطبوع على حب من أحسن إليه، فإذا أبعدت أضمرت من مودتك مثل ما أظهر الآن بحضرتك.
فزل يا بعد عن أيدي ركابٍ لها وقع الأسنّة في حشاكا
يخاطب البعد يقول: يا بعد زل عن أيدي إبلي، فإنها تنفذ فيك وتفعل في حشاك فعل الأسنة. يشير إلى سرعة سيره وعوده.
وقيل: أراد بذلك أنها تطوي البعد وتنفذه، فكأنها أثرت فيه هذا التأثير.
وأيّا شئت يا طرقي فكوني أذاةً أو نجاةً أو هلاكا
يعني: إذا سرت وعضد الدولة راض عني، فلا أبالي أي شيء كان في طريقي: هلاكًا أو نجاة، فإن سعادة جده تدفع ما أحذره.
فلو سرنا وفي تشرين خمسٌ رأوني قبل أن يروا السّماكا
السماك: كوكب يطلع على أهل الكوفة لخمس خلون من تشرين الأول.
يقول: لو سرت إلى أهلي من شيراز في اليوم الذي يطلع في عشيته عليهم السماك، لوصلت إليهم قبل طلوع السماك. أي: كانت سعادته وإقباله يطويان لي البعد ويسهلان علي الطريق.
وقيل: لم يكن بين قول هذا وبين تشرين الأول دون عشرة أيام، وكان بشيراز، وبين شيراز وبغداد مئتا فرسخ.
يشرّد يمن فنّاخسر عنّي قنا الأعداء والطّعن الدّراكا
يشرد: يطرد ويبعد. والطعن الدراك: المتتابع.
يقول: إن يمن عضد الدولة إذا سرت وهو عني راض يبعد كل مكروه وينفي كل محذور. غير أنه لم ينفعه يمن فناخسر.
وألبس من رضاه في طريقي سلاحًا يذعر الأبطال شاكا
يقال: رجل شاكي السلاح، وأصله شائك، فحذف عين الفعل منه فصار شاكا. وقيل: شاكي السلاح وهذا مقلوب من شائك، وشاكا صفة للسلاح.
يقول: إذا سرت وهو عني راض قام رضاه لي مقام السلاح التام في دفع الأعداء وتخويف الأبطال. وهذا مثل قوله:
ومن يصحب اسم ابن العميد محمّدٍ يسر بين أنياب الأساود والأسد
[ ١ / ٤٦٩ ]
ومن أعتاض منك إذا افترقنا وكلّ النّاس زورٌ ما خلاكا
يقول: إذا فارقتك لم أجد منك عوضًا يقوم مقامك، فجميع الناس غيرك قول بلا فعل، ووعد بلا إنجاز، ودعوى بلا معنى. ومثله قول عمران بن حطان، في مرثية مرداس:
أنكرت بعدك من قد كنت أعرفه ما النّاس بعدك يا مرداس بالنّاس
وما أنا غير سهمٍ في هواءٍ يعود ولم يجد فيه امتساكا
يقول: إني وإن رحلت عنك، فإني لا ألبث حتى أعود راجعًا إليك كالسهم إذا رمي في الهواء لا يقف، بل ينعكس فيعود منخفضًا وهذا معنى حسن في سرعة السير والعود، والأصل فيه قول الآخر:
رماني بأمر كنت منه ووالدي بريئًا ومن قعر الطّوىّ رماني
حييًّا من إلهي أن يراني وقد فارقت دارك واصطفاكا
حييًا نصب على الحال. أي: أرجع وأنا أستحي من إلهي أن يراني فارقت دارك، وأنت صفوته. أي: إذا كان الله تعالى قد اصطفاك من بين خلقه استحييت منه أن أفارقك وأوثر عليك غيرك، وهو قد اختارك واصطفاك. أي: وهو فعل ماض.
وروى ابن جني ﵀ اصطفاكا بكسر الطاء وهو مصدر اصطفى وأصله المد، غير أنه قصر ضرورة. والأول أولى وأحسن في المعنى. ويجوز حيي بالرفع. أي أنا حيي من الله تعالى أن أفارقك، وقد اصطفاك ووكل إليك أمر العباد وأحوال البلاد.
هذا آخر ما سار من شعر أبي الطيب المتنبي رحمه الله تعالى.
وخرج من عند عضد الدولة، حتى إذا قرب من بغداد وخرج من دير العاقول خرج عليه فرسان ورجال من أسد وشيبان فقتل بين الصافية ودير العاقول وذلك يوم الاثنين لست ليال بقين من شهر رمضان سنة أربع وخمسين وثلاث مئة وقتل معه عبده وقتل ابنه بعده.