قيل: إن السبب الذي أوجب خروج أبي الطيب إلى مصر، ومدحه كافورًا الأسود: أن سيف الدولة كان يتلون عليه، ولا يثبت معه على حال واحدة، ويصغي إلى قوم كانوا يغرونه به ويقعون فيه حسدًا له، فكثر الأذى عليه من جهته فأجمع رأيه على الرحيل من حلب، فلم يجد بلدًا أدنى إليه من دمشق لأن حمص من عمل سيف الدولة، فسار إليها حتى نزلها، وبها يهودي من أهل تدمر يعرف بابن ملك من قبل كافور، فالتمس منه المدح فثقل عليه، وغضب ابن ملك فكتب إلى كافور يخبره أن أبا الطيب عنده، وجعل كافور يكتب في إرسال أبي الطيب إليه، فكتب إليه ابن ملك أن أبا الطيب قال: ما أقصده فإنه عبد، وإذا دخلت مصر فإنما قصدي مولاه فأحفظته كتبه.
ونبت دمشق بأبي الطيب، فسار منها إلى الرملة، فحمل إليه أميرها الحسن بن عبيد الله بن طغج هدايا وخلع عليه، وحمله على فرس جواد بمركب ثقيل، وقلده سيفًا محلى، وسأله المدح فاعتذر إليه بالأبيات الرائية وهي قوله:
ترك مدحيك كالهجاء لنفسي
وقد تقدم ذكرها قبل هذا، واتصل به أن كافورًا يقول: أترونه يبلغ إلى الرملة، ولا يبلغ إلينا؟! وأنه واجد عليه، ثم كتب كافور من مصر إلى أبي الطيب يستدعيه إلى حضرته، فلم يمكنه إلا المسير إليه، يظن أنه لا يسومه سوم غيره، من منعه من التصرف في نفسه.
وكافور هذا عبد أسود خصى لابي مثقوب الشفة السفلى بطين، قبيح القدمين ثقيل اليدين، لا فرق بينه وبين الأمة، وقد سئل عنه بعض بني هلال بالصعيد، فقال: رأيت أمةً سوداء تأمر وتنهي.
ولقد كان رسول الروم بمصر، فلما قعد في مركب راجعًا إلى بلد الروم والمسلمون ينظرون إليه قال لهم: ما أعرف أمةً أخس منكم! أعوزكم أبيض تملكونه أنفسكم! وسار، وولي كافور هذا أمر بني طغج عليهم، وملك ما كان في أيديهم، واستملك العبيد، وأفسدهم على ساداتهم.
وكان هذا الأسود لقوم من أهل مصر، يعرفون ببني عياش، يحمل لهم الحوائج من الأسواق على رأسه، ويخدم الطباخ. مشتراه ثمانية عشر دينارًا وكان ابن عياش يربط في عنقه حبلا إذا أراد النوم، فإذا طلب منه حاجته جذبه لسقوطه! فإنه لم يكن ينتبه بالصياح فدخل إلى دار ابن طغج والناس يمدون أيديهم إلى رأسه! ويصفونه بصلابة القفا، فكان الغلمان كلما صفعوه ضحك! فقالوا: هذا الأسود خفيف الروم؛ وكلموا صاحبه في بيعه، فوهبه لهم، فأقاموه على الوضوء والخلاء، ورأى مخاريق ابن طغج وكثرة كذبه، وما يتم لربه، فتعلم ذلك حتى ما يصدق في حرف، وأخذ عنه وزاد عليه، حتى وضع الكذب في غير مواضعه فاشتهر به.
ومات ابن طغج بدمشق وولده صغير، والأسود يخدمه، فأخذ البيعة على الناس عند موته، والناس يظنون أنه قد أمره بأخذها، وسار غلمانه في الوقت إلى مصر، فاقتسموا الضياع، وكانوا ضعفاء فقراء، فاشتغلوا بما في أيديهم لا يصدقون أنه يبقى لهم.
وتفرد الأسود بخدمة الصبي ومالت إليه والدته! وهي أمة؛ لأنه عبد، وتمكن من الصبى والمرأة حتى قرب من شاء وأبعد من شاء، ونظر الناس إلى هذا مع صغر هممهم وخفة أنفسهم، فتسابقوا إلى التقرب إليه، وسعى بعضهم ببعض عنده، حتى أن الرجل لا يأمن مملوكه ولا ولده على سره! وصار كل عبد بمصر يرى أنه خير من سيده، ولا تنبسط يد سيده عليه، ولا يستبعد أن يصل إلى أضعاف ما وصل إليه الخصى، حتى ملك الأمر على الصبي، وصار كل من معه عينًا عليه للأسود، فلا يقدر أحد أن يكلمه ويسلم عليه!
[ ١ / ٣٧٠ ]
وإذا رآه بعض غلمان أبيه أو غيرهم أسرع هاربا لئلا يقال: إنه كلمه! فمن كلمة أتلفه الأسود، فلما كبر الصبي وتبين ما هو فيه، وجعل يبوح بما في نفسه في بعض الأوقات على الشراب، وكل من معه عين عليه، فقدم الأسود فسقاه سمًا فقتله، وخلت له مصر وهان عليه أخوه الأصغر وغيره.
فلما ورد كتاب الأسود على أبي الطيب بالرملة، لم يمكنه إلا المسير إليه، وظن أنه لا يسومه سوم غيره. من أخذ ماله، وإضعاف حاله، ومنعه من التصرف في نفسه. وهذه فعال الأسود بكل حر له محل، يحتال عليه بالمكاتبة والمواعيد الكاذبة، حتى يصير إليه، فإذا حصل عنده أخذ عبيده وخيله وأضعفه عن الحركة، ومنعه منها، وبقي مطرحا يشكو إليه ويبكي بين يديه ولا يعينه على المقام، ولا يأذن له في الرحيل، وإن رحل عن غير إذنه غرقه في النيل، ولا يصفو قلبه إلا لعبد، كأنه يطلب الأحرار بحقد.
فلما قدم عليه أبو الطيب اخلى له دارًا ووكل به، وأظهر التهمة له، وطالبه بمدحه، وخلع عليه، وحمل إليه آلافًا من الدراهم وغيرها.
فقال أبو الطيب يمدحه لما وفد عليه في جمادى الآخرة سنة ست وأربعين وثلاث مئة ويعرض بسيف الدولة
كفى بك داءً أن ترى الموت شافيا وحسب المنايا أن يكنّ أمانيا
الباء في بك زائدة، والتقدير: كفاك داءً، وليست هذه الباء مثلها في قوله تعالى: " وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدا " " وكَفَى بنَا حَاسِبين " لأن، ها هنا زيدت الباء على المفعول، وفي الآية زيدت على الفاعل، والفاعل في البيت قوله: أن ترى وداءً نصب على التمييز. والأماني أصلها التثقيل، والتخفيف جائز.
يقول: كفاك من الداء وأذية الزمان، ما تستشفى منه بالموت! وما تتمنى معه الموت! إذ الموت غاية الشدائد، فإذا تمناه المرء فقد تمنى كل شدة.
تمنّيتها لمّا تمنّيت أن ترى صديقًا فأعيا، أو عدوًّا مداجيا
يقول: تمنيت الموت، لما تمنيت أن ترى صديقًا مخلصًا في صداقته، أو عدوا مساترًا للعداوة فأعيا عليك وجود ذلك، فلما لم تجد إلا صديقًا غير مخلص وجدت عدوا مظهرًا للعداوة، تمنيت الموت.
إذا كنت ترضى أن تعيش بذلّةٍ فلا تستعدّنّ الحسام اليمانيا
استعد وأعد بمعنىً.
يقول: إذا رضيت بالذل، وصبرت على الضيم، فلا معنى لاستعداد السيف، لأن السيف يراد لدفع الضيم. ومثله لأبي العتاهية:
فصغ ما كنت حلّي ت به سيفك خلخالا
فما تصنع بالسي ف إذا لم تك قتّالا؟
ومثله لعبد الرحمن بن دارة:
فإن أنتم لم تثأروا بأخيكم فكونوا بغايا للخلوق وللكحل
وبيعوا الرّدينيّات بالخمر واقعدوا على الذّل وابتاعو المغازل بالنّبل
ولا تستطيلنّ الرّماح لغارةٍ ولا تستجيدنّ العتاق المذاكيا
لا تستطيلن: أي لا تطلب طولها، وكذلك لا تستجيدن: أي لا تطلب جودها.
يقول: إذا رضيت بالذل فلا تطلب الرمح الطويل، والخيل الجياد، فإنك لا تحتاج إليها بعد أن رضيت بالذل واحتمال الضيم.
فما ينفع الأسد الحياء من الطّوى ولا تتّقي حتّى تكون ضواريا
يقول: إن الحياء لا ينفع الأسد من الجوع ولا يشبعه، ولا يخشى منه إلا إذا كان ضاريًا جريئًا.
يعني: أن الإنسان إنما يبلغ مراده إذا اطرح قناع الحياء عن وجهه، واتكل على إقدامه.
حببتك قلبي قبل حبّك من نأى وقد كان غدّارًا فكن لي وافيا
حببته وأحببته: لغتان: وقلبيك منادى، أي يا قلبي، ومن في موضع نصب بالمصدر الذي هو حبك.
يقول: يا قلبي أحببتك قبل أن تحب الحبيب الذي نأى عنك وغدر بك، فأنكرت غدره فلا تصنع معي من الغدر مثل ما صنع بك حبيبك، فتكون قد فعلت ما كرهته من غيرك.
وجعل حنين قلبه إلى الحبيب غدرًا منه، لأنه يؤلمه ويؤدي إلى تلفه، فتقع المفارقة بينه وبين قلبه! وهي التي ذاقها من حبيبه. وهذا تعريض منه بسيف الدولة.
وأعلم أنّ البين يشكيك بعده فلست فؤادي إن رأيتك شاكيا
يقول: يا قلبي، أعلم أن البين يحوجك إلى الشكوى، ويؤثر فيك، وإن فعلت ذلك تبرأت منك، ونفيت أن تكون قلبي، لأنك غدرت بي.
فإنّ دموع العين غدرٌ بربّها إذا كنّ إثر الغادرين جواريا
روى: غدرًا فيكون مصدرًا في معنى غادر فلا يثنى ولا يجمع، ولا يؤنث، وروى غدر وهو جمع غدور.
[ ١ / ٣٧١ ]
يقول: إن بكاءك على من غدر بك وفارقك غدر منك بي، وهذا إشارة إلى شكاية سيف الدولة.
إذا الجود لم يرزق خلاصًا من الأذى فلا الحمد مكسوبًا والمال باقيا
شبه لا بليس في نصب الخبر؛ فلهذا نصب مكسوبًا وباقيًا.
يقول: إذا لم يكون الجود خالصًا من الأذى، وما يكدره من المن والتكدير، فلم يكسب فاعله حمدًا، وذهب ماله هدرًا. وهذا تعريض بسيف الدولة.
وللنّفس أخلاقٌ تدلّ على الفتى أكان سخاءً ما أتى أم تساخيا
يقول: لكل إنسان أخلاق يستدل بها على ما يأتيه من الجود، هل هو طبيعي أو تكلفي؟ فيعرف حاله.
أقلّ اشتياقًا أيّها القلب ربّما رأيتك تصفي الودّ من ليس جازيا
يجوز في أقل كسر اللام ونصبها.
يقول لقلبه: قلل الاشتياق إلى من لا يشتاق إليك، فإنك تخلص المودة لمن لا يجازيك على ذلك، ولا يودك مثل ما توده، وهذه الأبيات تعريض بسيف الدولة، وتطييب لنفسه على فراقه.
خلقت ألوفًا لو رجعت إلى الصّبى لفارقت شيبي موجع القلب باكيا
يقول جبلت على الإلف، حتى إنني لشدة إلفي، لو فارقت الشيب الذي هو مكروه عند كل أحد ورجعت إلى أيام الصبى؛ لبكيت جزعًا على الشيب، من فراق المألوف، فلهذا أحن إلى سيف الدولة وإن كان يقصدني بالأذى.
ولكنّ بالفسطاط بحرًا أزرته حياتي ونصحي والهوى والقوافيا
الفسطاط: مدينة مصر التي بناها عمرو بن العاص ﵁، فأما مصر القديمة فهي في الجانب الآخر من النيل، وليس بها اليوم إلا دور قليلة.
المعنى: أني فارقت سيف الدولة مع إلفي له وأسفي على فراقه؛ لأزور كافورًا الذي هو كالبحر: في الجود وسعة الصدر وبعد الغور. وقوله: أزرته حياتي أي زرته بها.
وجردًا مددنا بين آذانها القنا فبتن خفافًا يتّبعن العواليا
وجردًا عطف على ما تقدم: أي قصدنا بخيل جرد ونصبنا رماحنا بين آذانها فكانت الخيل تتبعها في السير.
تماشى بأيدٍ كلّما وافت الصّفا نقشن به صدر البزاة حوافيا
تماشى: أي تتماشى.
يقول: هذه الخيل الجرد كانت تمشى بعضها إلى بعض، فإذا وطئت الصفا بأيديها وهي حواف أثرت فيه آثار نقش صدر الباز.
وروى: صدر البزاة وهي جمع صدار. وروى: صدر البزاة ويراد به الصدور.
وتنظر من سودٍ صوادق في الدّجى يرين بعيدات الشّخوص كما هيا
يقول: تنظر هذه الخيل من عيون سود، ترى هذه العيون - من حدة النظر - الشخص البعيد على هيئته وحاله، ولا يتغير عليها فيصغر أو يعظم، بل تراه على حقيقته. وقوله: يرين: يجوز أن يكون فعل سود ويجوز أن يكون: فعل الخيل.
؟ وتنصب للجرس الخفيّ سوامعًا يخلن مناجاة الضّمير تناديا الجرس: الصوت.
يقول: هذه الخيل حديدة السمع، فإذا أحست حسًا خفيفًا وصوتًا خفيًا، نصبت أذانها، فهي لحدة أذانها تحسب الصوت الخفي، أنه كلام ظاهر وصوت عال.
تجاذب فرسان الصّباح أعنّةً كأنّ على الأعناق منها أفاعيا
إنما قال: فرسان الصباح، لأن الغارات أكثر ما تكون في وقت السحر، وشبه الأعنة للينها ودقتها بالأفاعي.
يقول: إن الخيل لا تترك الأعنة تستقر في أيدي فرسانها، لما فيها من المرح والنشاط، فكأن الأعنة أفاع على أعناقها فهي تجاذبها الفوارس.
بعزمٍ يسير الجسم في السّرج راكبًا به ويسير القلب في الجسم ماشيا
الباء: متعلق بقوله: أزرته يعني: زرته بعزم.
يقول: قصدته بعزم قوى، وجسمي يسير وأنا راكب، وقلبي يسبقني إلى المنازل؛ لقوة العزم وفرط الاشتياق إلى حضرته، وكنت كلما نزلت منزلًا، كانت همتي المنزل الآخر، لأقطعه.
قواصد كافورٍ توارك غيره ومن قصد البحر استقلّ السّواقيا
قواصد: نصب على الحال. والعامل: أزرته أو تجاذب أو تماشى ويجوز الرفع: أي هي قواصد.
يقول: قصدت هذه الخيل كافورًا، وتركت من سواه من الملوك؛ لأنه أفضل منهم، وغيره من الملوك بالإضافة إليه كالجدول من البحر.
فجاءت بنا إنسان عين زمانه وخلّت بياضًا خلفها ومآقيا
[ ١ / ٣٧٢ ]
يقول: جاءت بنا هذه الخيل إلى من هو إنسان عين زمانه، أي كما أن أشرف ما في العيون سوادها، كذلك كافور أشرف الملوك، وهو ناظر الزمان، ومن سواه مثل البياض والمآقي؛ فلهذا قصدناه وتركنا غيره فانتظم معنيين: حسن التشبيه، لأنه شبه السواد بالسواد، والثاني التفضيل.
نجوز عليها المحسنين إلى الّذي نرى عندهم إحسانه والأياديا
عليها: أي على الخيل.
يقول: نتجاوز على هذه الخيل عند سيرنا عليها، المحسنين من الناس الذين يرغبون في المقام عندهم، إلى من كانت أياديه ونعمه عندهم، لأنا رأيناهم من قبل.
كأنه يذكر عبوره بابن طغج، وأنه رغب في فتركته وقصدت كافورًا.
فتىً ما سرينا في ظهور جدودنا إلى عصره إلاّ نرجّي التّلاقيا
يقول: ما تنقلنا في ظهور أجدادنا السالفة، إلى زمان هذا الممدوح؛ إلا لنصادف زمانه ونسعد بأيامه.
وقيل: أراد بالجدود. جمع الجد، الذي هو الحظ.
ترفّع عن عون المكارم قدره فما يفعل الفعلات إلاّ عذاريا
العون: جمع عوان، وهو فوق البكر، ودون القارض المسنة. والعذارى: جمع عذراء.
يقول: يرفع نفسه عن أن يقتدى بغيره في المكارم، فلا يأتي من المكارم إلا ما لا يسبقه أحد فيه.
قال ابن جني: وهذا مما ينقلب هجاءً فكأنه قال: ترفع عن المكارم هزءًا. ثم قال: فما يفعل من المخازي إلا ما لا يسبق إليه؛ لعظمه.
يبيد عداوات البغاة بلطفه فإن لم تبد منهم أباد الأعاديا
يقول: يتلطف في أمر الأعداء وإزالة الأحقاد من قلوبهم بإحسانه، فإن لم ينفع فيهم الرفق أهلكهم وأفناهم.
أبا المسك ذا الوجد الّذي كنت تائقًا إليه وذا الوقت الّذي كنت راجيا
يقول: كنت مشتاقًا إلى وجهك، راجيًا لهذا الوقت، فقصدتك، فافعل أنت ما يليق بك.
وهذا بالهزء أولى، مع قبح كافور وسواد وجهه.
لقيت المروري والشّناخيب دونه وجبت هجيرًا يترك الماء صاديا
المروري: الفلوات، واحدها مروراة والشناخيب: جمع شنخوب، وشنخاب، وهي القطعة العالية من الجبل. والهجير: شدة الحر. والصادي: العطشان. والهاء في دونه للوجه.
يقول: لقيت الفلوات وشواهق الجبال، وقاسيت الحر الشديد والعطش المهلك، الذي يترك الماء عطشانًا مع أنه يكسر العطش، فكيف حال غيره؟؟!
أبا كلّ طيبٍ لا أبا المسك وحده وكلّ سحابٍ لا أخصّ الغواديا
كان كافور مكنيا بأبي المسك.
يقول: لست أنت أبا المسك وحده، بل أنت أبو كل طيب، إذ الطيب كله مجموع فيك، وكذلك أنت أبو كل سحاب، ولست بالسحاب التي تأتي كل غداة، بل كل السحاب.
يدلّ بمعنى واحدٍ كلّ فاخرٍ وقد جع الرّحمن فيك المعانيا
يدل: من الدلال.
يقول: كل شريف إنما يفتخر بمعنى واحد من الفضل، وأنت جمعت كل معاني الفخر.
وهذا أيضًا مما ينقلب هجاء فكأنه يقول: جمع الله فيك كل المقابح.
وعن ابن جني قال: لما وصلت إلى هذا البيت ضحكت فضحك أيضًا، وعرف غرضي. وهو أنه قصد به الهجاء.
إذا كسب النّاس المعالي بالنّدى فإنّك تعطي في نداك المعاليا
يقول: إذا بذل الناس الأموال؛ ليكتسبوا المعالي، وهبت أنت - في جملة هباتك - المعالي لقصادك.
يعني: أن من يقصدك يتشرف بهباتك، حتى يبني بها المعالي، أو تهب من يقصدك الولايات العظيمة، والدرجات المنيفة.
يعرض له بأن يوليه ناحيةً.
وغير كثير أن يزورك راجلٌ فيرجع ملكًا للعراقين واليا
العراقين: الكوفة والبصرة.
يقول: لا يستكثر منك أن تهب العراقين لرجل قصدك راجلًا فيعود واليًا!.
فقد تهب الجيش الّذي جاء غازيًا لسائلك الفرد الّذي جاء عافيا
يقول: إذا قفل جيشك من الغزو، وهبته لسائل واحد.
وقيل: أراد إذا غزاك جيش أخذته فوهبته لواحد من سؤالك، وطالبي نوالك.
وتحتقر الدّنيا احتقار مجرّبٍ يرى كلّ ما فيها وحاشاك فانيا
يقول: رأيت جميع ما في الدنيا فانيًا، فلهذا احتقرتها ورغبت في الذكر الجميل والثناء، ثم استثنى الممدوح بقوله: وحاشاك.
وما كنت ممّن أدرك الملك بالمنى ولكن بأيامٍ أشبن النّواصيا
[ ١ / ٣٧٣ ]
يقول: لم تدرك الملك بالتمني والاتفاق، وإنما أدركته بمقاساة الأمور العظيمة، ومعاناة الخطوب الشديدة، ومباشرة الحروب التي تشيب بهولها رءوس الأطفال. وأراد بالأيام: الحروب، والخطوب العظمة.
عداك تراها في البلاد مساعيًا وأنت تراها في السّماء مراقيا
الهاء في تراها قيل: للمعالي وقيل: للأيام.
يقول: أنت تعتقد في المعالي، أو الخطوب العظيمة، أضعاف ما يعتقده أعداؤك من الملوك، فهم يرونها مساعي في الأرض، وأنت تراها مراقي في السماء، فحرصك عليها أبلغ، ونيلك لها أمكن.
لبست لها كدر العجاج كأنّما ترى غير صافٍ أن ترى الجوّ صافيا
يقول: لبست للمعالي أو للأيام، لباس الغبار، وملازمة القتام، حتى كأنك إذا رأيت الجو صافيًا من غبار الحروب، رأيت ذلك كراهةً، كما يكره غيرك الغبار، وصفاء الجو عندك، كدره بالغبار. ومثل هذا البيت في صفة السيف قوله:
يلاقيك بسّامًا ووجهك عابسٌ فتلقاه عبّاسًا وثغرك باسم
وقدت إليها كلّ أجرد سابحٍ يؤدّيك غضبانًا ويثنيك راضيا
إليها: أي إلى الأيام، التي هي الحروب. والأجرد: القصير الشعر السابق: الذي يتقدم الخيل متجردا عنها. والسابح: الشديد الجريء.
يقول: إنك تقود إلى الحروب كل فرس سابق، وهو يأتي بك إلى الحرب وأنت غضبان، ويرجع بك وأنت راض؛ لوصولك إلى مرادك من الأعداء.
ومخترطٍ ماضٍ يطيعك آمرًا ويعصي إذا استثنيت أو كنت ناهيا
وهذا عطف على ما قبله بإضمار فعل: أي وقدت إليها كل أجرد سابح، واخترطت كل سيف مجرد.
يقول: سيفك يطيعك إذا أمرته بالضرب، فإن أردت التوقف عن الضرب عصاك، لأنه قد قطع فلا يمكن رده.
وأسمر ذي عشرين ترضاه واردًا ويرضاك في إيراده الخيل ساقيا
أي: وحملت كل أسمر ذي عشرين ذراعًا. وهذا على طريق المبالغة؛ لأن ذلك لا يكون، وأكثر ما يكون الرمح ثلاثة عشر ذراعًا. والمحمود ما يكون أحد عشر ذراعًا. وقوله: ترضاه واردًا: أي إذا طعنت به رضيت نفاذه في الطعن، وهو أيضًا يرضاك إذا أوردته في نحور الخيل لتسقيه.
يعني: هو يرضى منك جودة الطعن كما ترضى منه جودة النفاذ.
كتائب ما انفكّت تجوس عمائرًا من الأرض قد جاست إليها فيافيا
تجوس: أي تدوس وتطأ. والعمائر: القبائل، الواحدة عمارة.
يقول: إن كتائبه لا تزال تدوس قبائل من أعدائه، قد سرت إليها من بعد، وقطعت فيافي من الأرض. يعني: أنه يقصد الأعداء في ديارهم.
وقيل: أراد بالعمائر الأرض العامرة؛ ليطابق الفيافي.
والمعنى: أنها سلكت المفاوز والفلوات، حتى وصلت إلى ديار الأعداء فوطئتها وأغارت عليها.
يصف بعض غزواته، وأنه يقصد أعداءه في الأماكن البعيدة.
غزوت بها دور الملوك فباشرت سنابكها هاماتهم والمغانيا
المغاني: المنازل. واحدها: مغنى.
يقول: غزوت بخيلك دور الملوك فقتلتهم، ووطئت بحوافرها رءوسهم وديارهم.
وأنت الّذي تغشى الأسنّة أوّلًا وتأنف أن تغشى الأسنّة ثانيا
يقول: أنت تطرح نفسك على رماح أعدائك قبل أصحابك، وتأنف أن يتقدمك أحد في الحرب وروى: تلقى الأسنة في المصراعين.
يعني: أنك تطاعن الخيل قدمًا، وتأنف أن يتقدم عليك أحد.
إذا الهند سوّت بين سيفي كريهةٍ فسيفك في كفٍّ تزيل التّساويا
يقول: إذا عملت الهند سيفين متينين من حديد واحد، حتى لا فضل لأحدهما على الآخر، فإذا حصل أحدهما في يدك صار أمضى من الآخر، وزال التساوي بينهما.
وسيف كريهة: أي قاطع، إذا أكره في الحديد والعظام مضى فيها.
ومن قول سامٍ لو رآك لنسله: فدى ابن أخي نسلي ونفسي وماليا
سام: ابن نوح ﵉، أبو العرب والروم والفرس، وحام: أبو السودان والبربر والهند، ويافث: أبو الترك. ويجوز فدى بكسر الفاء وابن أخي بالجر على الإضافة ويجوز: بفتح الفاء على أن تجعل فدى فعلًا فتنصب ابن أخي على أنه مفعول به.
والمعنى: أن سامًا لو رأى سياستك لقال لك: فداك نفسي ونسلي ومالي
مدىً بلّغ الأستاذ أقصاه ربّه ونفسٌ له لم ترض إلاّ التّناهيا
يقول: قد بلغ الله الأستاذ هذه المنزلة، وبلغته أيضًا نفسه التي لم ترض إلا بلوغ الغاية في المجد.
[ ١ / ٣٧٤ ]
دعته فلبّاها إلى المجد والعلا وقد خالف النّاس النّفوس الدّواعيا
يقول: دعته نفسه وهمته إلى طلب المجد والمعالي فأجابها، وغيره من الملوك قد خالفته النفوس الداعية.
فأصبح فوق العالمين يرونه وإن كان يدنيه التّكرّم نائيا
يقول: أصبح كافور، وقد علا الناس كلهم، فهم يرونه بعيد المراتب على المراقب، وإن كان يدنيه تواضعه من الناس.
ودخل عليه بعد إنشاد هذه القصيدة فابتسم إليه الأسود، ونهض فلبس نعلًا فرأى أبو الطيب شقوقًا برجليه وقبحها فقال يهجوه:
أريك الرّضا لو أخفت النّفس خافيا وما أنا عن نفسي ولا عنك راضيا
يقول: أنا أظهر لك الرضا عنك، والسرور بقربك، ولكن ما في نفسي لا يخفى، فإني غير راض عنك، ولا عن نفسي.
أمينًا وإخلاقًا وغدرًا وخسّةً وجبنًا؟ أشخصًا لحت لي أم مخازيا؟!
مينا، وإخلافًا، وغدرًا، وخسةً، وجبنًا نصب على المصدر. وشخصًا نصب على الحال وكذلك مخازيا.
يقول: جمعت هذه المثالب، فإذا رأيتك لم أدر أنك إنسان، أم أنت مخاز؟!
تظنّ ابتساماتي رجاءً وغبطةً وما أنا إلاّ ضاحكٌ من رجائيا
يقول: إذا رأيتني ضاحكًا حسبت أني مسرور بقربك، راج لفضلك، وليس كذلك، بل ذاك سخرية بنفسي، أضحك منها، كيف رجت منالك مع لؤمك وخستك؟!
وتعجبني رجلاك في النّعل، إنّني رأيتك ذا نعلٍ إذا كنت حافيا
يقول: إذا رأيت رجليك في النعل تعجبت من لبسك النعل؛ لأني رأيتك ذا نعل، وإن كنت حافيا؛ لغلظ رجليك.
وقيل: المعنى إذا رأيتك وأنت لابس النعل تعجبت، وذكرت أيام كنت تمشي حافيا، ورجلاك كأنهما في النعل!
وأنّك لا تدري ألونك أسودٌ من الجهل أم قد صار أبيض صافيا؟!
يقول: من جهلك لا تعرف حقيقة لونك، وأنك أسود أم أبيض؟
ويذكرني تخييط كعبك شقّه ومشيك في ثوبٍ من الزّيت عاريا
يقول: إذا رأيت شقوق كعبك، تذكرت شقها حين كنت عبدًا، والسودان تكثر الشقوق بأرجلهم.
وقوله: ومشيك في ثوب من الزيت عاريًا: يعني: إني تذكرت أيام جئت من بلاد النوبة، وكنت تعرض على البيع وأنت عريان مطلى بالدهن، فكأنك لبست ثوب الزيت، وهذه عادة السودان إذا جلبوا أدهنوا بالزيت؛ ليصفو سوادهم. ونصب عاريا على الحال.
وقيل: معناه إنك أسود تضرب إلى الصفرة. والمولدون من أهل العراق يسمون من كان غير مشبع السواد زيتيًا.
وقيل: معناه الوسخ الذي عليه من آثار دهن الزيت.
ولولا فضول النّاس جئتك مادحًا بما كنت في سرّى به لك هاجيا
يقول: إنك لا تعرف الهجو من المدح، فلولا أني أخاف من فضول الناس، لكنت أنشدك الهجو، وأريك أنه غاية المدح.
فأصبحت مسرورًا بما أنا منشدٌ وإن كان بالإنشاد هجوك غاليا
يقول: كنت تسر بإنشادي هجوك! ظنًا منك أنه مدح، وإن كان هجوك لا يتساوى بالإنشاد.
فإن كنت لا خيرًا أفدت فإنّني أفدت بلحظى مشفريك الملاهيا
الملاهي: جمع ملهى، وهو كل ما يلهى به. ويجوز أن يكون مصدرًا. ونصب مشفريك بلحظي أي أفدت الملاهي؛ بأن لحظت مشفريك.
يقول: لم أستفد منك خيرًا، ولم أصل منك إلى مال، فإني استفدت اللهو برؤية مشفريك. وأفدت: بمعنى استفدت ها هنا.
ومثلك يؤتى من بلادٍ بعيدةٍ ليضحك ربّات الحداد البواكيا
الحداد: الثياب السود.
يقول: إن من رآك يضحك منك، حتى النساء اللابسات السواد في المصائب، إذا رأينك يضحكن منك، ويتسلين عن غمهن، وكل من عليه الحزن يقصدك من الأماكن البعيدة؛ ليلهو عن حزنه.
وبنى كافور دارًا بإزاء الجامع الأعلى على البركة، وتحول إليها وهنأه الناس بها، وطالب أبا الطيب بذكرها فقال:
إنّما التّهنئات للأكفاء ولمن يدّنى من البعداء
يدنى: يفتعل من الدنو.
يقول: إنما تكون التهنئة بين الأكفاء، وأنا لست بكفء لك، وتكون لمن يكون بعيدًا من الملوك ثم يدنوا منهم، وأنا لست بواحد من هذين، بل أنا عضو من أعضائك. على ما يبين فيما يليه.
وأنا منك لا يهنّئ عضوٌ بالمسرّات سائر الأعضاء
يقول: أنا عضو من اعضائك، وهل رأيت عضو إنسان يهنئ سائر أعضائه؟! فكما لا يهنئ الإنسان نفسه، كذلك لا يلزمني تهنئتك؛ لأني مشارك لك في الأحوال.
[ ١ / ٣٧٥ ]
مستقلٌّ لك الدّيار ولو كا ن نجومًا آجرٌّ هذا البناء
روى مستقل بفتح القاف. والديار رفع. وروى: مستقل لك الديار نصب.
يقول: أنا أستقل لك الديار والأبنية، ولو كان آجرها من النجوم.
ولو أنّ الّذي يخرّ من الأم واه فيها من فضّةٍ بيضاء
يخر: أي يصوت، من الخرير.
يقول: لو كان الذي يخر فيها من المياه من فضة بيضاء، لاستقللتها لك في جنب قدرك.
أنت أعلى محلّةً أن تهنّا بمكانٍ في الأرض أو في السّماء
أن تهنا: أصله أن تهنأ، فخفف الهمزة، فأبدلها ألفًا.
يقول: انت أجل قدرًا وأعلى محلًا من أن تهنأ بدار في الأرض أو في السماء، والمحل والمحلة واحدة.
ولك النّاس والبلاد وما يس رح بين الغبراء والخضراء
وما يسرح: أي ما يذهب من الدواب والوحش.
يقول: أنت تملك البلاد ومن عليها وما عليها من الحيوانات. والغبرآء: الأرض. والخضراء: السماء.
وبساتينك الجياد وما تحمل من سمهريّةٍ سمراء
يقول: إنما بساتينك التي تتنزّه فيها، الجياد من الخيل، وثمارها الرماح، فأنت لا تتنزه إلا بهما، فكيف أهنئك بالدار والبساتين؟!
إنّما يفخر الكريم أبو المس ك بما يبتنى من العلياء
يقول هو: إنما يفتخر بما يبنى من المعالي وما يشيد من المكارم، لا بالقصور المبنية بالآجر، فإنها تنهدم عن قريب، والمعالي تبقى أبدًا.
وبأيّامه الّتي انسلخت عن هـ وما داره سوى الهيجاء
يقول: إنما يفتخر بأيام حروبه وقائعه التي سبقت له فظهرت منه، ولا دار له سوى الحروب، ومعاركها.
وبما أثّرت صوارمه البي ض له في جماجم الأعداء
يقول: إنما يفتخر بتأثير سيوفه في رءوس الأعداء.
وبمسكٍ يكنى به ليس بالمس ك ولكنّه أريج الثّناء
أرج الطيب وأريجه: توهج ريحه.
يقول: يفتخر بالمسك المكنى به، ثم قال: وليس المسك المكنى به هو المسك المعروف، وإنما هو مسك الثناء وحسن الذكر.
لا بما تبتنى الحواضر في الرّي ف وما يطّبى قلوب النّساء
الحواضر: جمع الحاضرة. ويطبى: أي يستميل. والريف: المدن والماء يقول: لا يفتخر بما يبنيه أهل الحضر، وسكان المدن، من الدور الحسنة ولا بالمسك لأن ذلك إنما يستميل قلوب النساء، بل لا يفتخر إلا بالمعالي وحسن الثناء والمجد.
نزلت، إذ نزلتها، الدّار في أح سن منها من السّنا والسّناء
السنا المقصور: الضوء، والسناء الممدود: الشرف والعلا.
يقول: لما نزلت الدار تشرفت بك وتزينت بقربك، فكأن حسنها حيث نزلتها وتقديره: نزلت الدار في أحسن منها إذا نزلتها.
حلّ في منبت الرّياحين منها منبت المكرمات والآلاء
يقول: أنت منبت المكرمات والنعم، حللت من هذه الدار منبت الرياحين، فأنت منبت المكارم، وهي منبت الرياحين.
تفضح الشّمس كلّما ذرّت الشّم س بشمسٍ منيرةٍ سوداء
يقول: إذا طلعت الشمس تفضحها بشمس سوداء! وهذا في ظاهره مدح، وهو مضمر الهجو، إذ الشمس لا تكون سوداء.
إنّ في ثوبك الّذي المجد فيه لضياءٍ يزرى بكلّ ضياء
يقول: إن في ثوبك: أي في بدنك، الذي هو محل المجد ضياءً يقصر بكل ضياء. لما قال في البيت الذي قبله: شمس منيرة سوداء أورد هذا وما بعده ليزيل الإبهام.
إنّما الجلد ملبسٌ، وابيضاض النّ فس خيرٌ من ابيضاض القباء
يقول: سوادك لا يشينك، وإنما هو بمنزلة الثوب والقباء، وبياض النفس خير من بياض القباء، وليس الفخر بالبياض، وإنما هو بالأفعال. وهذا من قول عبد بني الحسحاس:
إن كنت عبدًا فنفسي حرّةٌ كرمًا أو أسود اللّون إنّي أبيض الخلق
ومثله كثير.
كرمٌ في شجاعةٍ، وذكاءٌ في بهاءٍ، وقدرةٌ في وفاء
أي جمعت هذه الخلائق الشريفة، فلا يشينك سواد لونك.
من لبيض الملوك أن تبدل اللّو ن بلون الأستاذ والسّحناء
السحناء: الهيئة.
يقول: إن البيض يتمنون أن يستبدلو بألوانهم لونه، ويغيروا هيئتهم بهيئته، ولكن أين لهم ذلك؟؟!
فتراها بنو الحروب بأعيا نٍ تراه بها غداة اللّقاء
الهاء في تراها للملوك. والفعل: لبني الحروب. والهاء في تراه لكافور.
[ ١ / ٣٧٦ ]
يقول: إن الملوك البيض يتمنون أن يستبدلوا ألوانهم بلونه، ليراهم الأبطال الذين هم أهل الحروب بالعيون التي رأوا بها كافورًا في الحرب. والأعيان: جمع عين في القلة.
يا رجاء العيون في كلّ أرضٍ لم يكن غير أن أراك رجائي
يقول: كل أحد يرجو أن يراك؛ لتفيض عليه إنعامك، ولم يكن لي رجاء في قصدي مصر سوى أن أراك وأتشرف بمدحك.
ولقد أفنت المفاوز خيلي قبل أن نلتقي، وزادي ومائي
يقول: قطعت المسافة البعيدة، والمفاوز الصعبة: لرؤيتك، حتى أفنت المفاوز خيلي وزادي ومائي.
فارم بي ما أردت منّي فإنّي أسد القلب آدميّ الرّواء
الرواء: المنظر.
يقول: كلفني ما شئت من الأمور العظيمة، فإني وإن كنت في المنظر آدميًا فإن قلبي قلب الأسد.
وفؤادي من الملوك وإن كا ن لساني يرى من الشعراء
يقول: إني وإن كنت شاعرًا، فإن لي همة عاليةً، ونفسا شريفة، وقلبي قلب الملوك.
ولما أنشده أبو الطيب، حلف له كافور ليبلغنه جميع ما في نفسه، وإنه لأكذب ما يكون إذا حلف! فقال أبو الطيب وأنشده إياها في انسلاخ شهر رمضان سنة ست وأربعين وثلاث مئة:
من الجآذر في زيّ الأعاريب حمر الحلي والمطايا والجلابيب؟!
الجآذر: جمع جوذر، وهو ولد البقرة الوحشية. والزي: اللباس والأعاريب: جمع الأعراب، والأعراب: جمع أعرابي. والحلي: جمع حلية. وهو بضم الحاء وكسرها. والجلابيب: جمع جلباب، وهي الملاحف والملابس. وقال أبو عبيدة: الجلابيب هي الخمر، والملاحف.
وقد روى: برفع الراء ونصبها، فالرفع على الاستئناف أي: هن حمر الحلي. والنصب على الحال. جعل كونهن جآذر حقيقة، وكونهن أعاريب مجازًا وتشبيها، وهذا على عادته في قلب التشبيه.
يقول: من هذه الجآذر التي في زي الأعراب؟! جعلهن جآذر؛ لسواد عينهن. وهن حمر الحلي؛ لأنها من الياقوت، وملابسهن حمر لأنهن غنيات شواب، يلبسن المعصفرات وثياب الملوك، ومطاياهن حمر؛ لأنها كرام الإبل عندهم، وهي من مراكب الملوك.
إن كنت تسأل شكًّا في معارفها فمن بلاك بتسهيد وتعذيب؟!
أنكر على نفسه في هذا، السؤال! وقال: إن كنت تسأل عن هؤلاء النساء من حيث أنك شككت فيهن، حيث أشبهن الجآذر، فلا ينبغي لك أن تشك في معرفتهن، لأنهن اللاتي سهدن عينيك، وعذبن قلبك، ومن في قوله: فمن بلاك على هذا تكون خبرًا، ويجوز أن تكون استفهامًا على معنى الإنكار.
والمعنى: إن لم تعرفهن فمن الذي بلاك بتسهيد وتعذيب؟!
لا تجزني بضنىً بي بعدها بقرٌ تجزي دموعي مسكوبًا بمسكوب
الضنى: الألم، ولا تجزني: جزم، والهاء في بعدها قيل: ضمير البقر، أي: بعد فراقهن، وقيل: هو ضمير الحالة أو المرأة. أي: بعد هذه المرأة أو الحالة. وتقديره: لا تجزني بضني بي ضني نساءٍ يجزينني بالبكاء بكاء. على سبيل الدعا لهن: أي لا مرضن كما مرضت.
والمعنى: أنه دعاء لهن بألا يضنين بفراقه، كما ضنى بفراقهن.
وقوله: تجزي دموعي صفة البقر. يعني: هذه البقرة التي جازتني بالبكاء، فجرت دموعهن لفراقي، كما جرى دمعي.
وقيل: معناه قد أضناني حب هؤلاء، حتى تغيرت محاسني، وقرب شيبي، فلا تجزني بعدهن بفرقتي، لأني قد شبت وبليت، فلم يبق لي موضع لعشق النساء كما عشقتهن، فيجزينني ضني بضني، وتقابلن بكاء ببكاء، رحمة لي لا عشقًا. فيكون البقر غير التي جرى ذكرها.
سوائرٌ ربّما سارت هوادجها منيعةً بين مطعونٍ ومضروب
سوائر: صفة أخرى لبقر، وقيل: وهن سوائر. ومنيعةً: نصب على الحال. يعني: أنهن عزيزات في قوم أعزة، فإذا سارت هودجهن بهن، كان حولهن من يذب عنهن ويحميهن من كل من تعرض لهن، فلا مطمع لأحد فيهن.
وربّما وخدت أيدي المطّى بها على نجيعٍ من الفرسان مصبوب
الوخد والوخيد: ضرب من السير السريع.
يقول: ربما سارت هوادجهن فوق الدماء، فتقع أيدي المطى على دماء الفرسان المصبوبة، إن تعرضوا لهن.
وإنما ذكر الأيدي دون الأرجل؛ لأنها أول ما تقع على الأرض، فاكتفى بذكرها عن ذكر الأرجل.
كم زورةٍ لك في الأعراب خافيةٍ أدهى وقد رقدوا من زورة الذّيب
[ ١ / ٣٧٧ ]
أي: أدهى من زورة الذيب، وقد فصل بينهما بقوله: وقد رقدوا والذيب: يضرب به المثل في الخبث والدهاء.
يخاطب نفسه ويقول: كم مرة ذهبت إلى الأعراب حين رقدوا فزرت حبيبتك وهم لا يشعرون، وهجمت عليها هجوم الذئب، إذ اختطفتها من بينهم على وجه الاحتيال والاستخفاء، كما يفعل الذئب لما يختطف من الغنم، ويهجم عليها من حيث لا يشعر الراعي.
أزورهم وسواد اللّيل يشفع لي وأنثني وبياض الصّبح يغري بي
يقول: إن الظلام يسترني عند زيارتي هؤلاء الأعراب، فكأنه يشفع لي إلى ما أريد. وعند الانصراف يشهرني الصبح ويحول بيني وبينها. ومثله لابن المعتز:
لا تلق إلا بليلٍ من تواصله فالشّمس نمّامةٌ واللّيل قوّاد
فذكر جميع ما في البيت في نصف بيت.
قد وافقوا الوحش في سكنى مراتعها وخالفوها بتقويضٍ وتطنيب
التقويض: ضد التطنيب.
يقول: هؤلاء الأعراب وافقوا الوحش في حلولهم مراتع الوحوش وسكناهم مساكنها وخالفوها بأنهم يحطون خيامهم مرة، ويقلعون أوتادهم مرة، ثم يطنبونها: أي ينصبونها، ويشدون حبالها.
جيرانها وهم شرّ الجوار لها وصحبها وهم شرّ الأصاحيب
الجوار: بضم الجيم وكسرها، هي المجاورة، ومعناه ها هنا: هم شر أهل الجوار.
يقول: جيران الوحش من حيث المسكن، إلا أنهم شر الجيران لها؛ لأنهم يصيدونها وهم أصحاب الوحوش؛ إلا أنهم أشر الأصحاب؛ لأنهم يأكلونها.
فؤاد كل محبّ في بيوتهم ومال كلّ أخيذ المال محروب
أخيذ المال: أي مأخوذ المال. والإضافة في تقدير الانفصال، ولهذا نكر الصفة في قوله: محروب والمحروب: الذي أخذ حريبه، وهو ماله.
يقول: إن رجالهم صعاليك يغيرون على الأعداء، ونساؤهم فواتن يسلبن قلوب العشاق، ففي بيوتهم قلوب الرجال وأموال الأبطال.
وقيل: إنهم أحنوا إلى الناس فملكوا قلوبهم بالإحسان، وملكوا أموال الأعداء بالقهر والإغارة.
ما أوجه الحضر المستحسنات به كأوجه البدويّات الرّعابيب
الرعابيب: جمع رعبوبة، وهي البيضاء الممتلئة الجسم. والهاء في به للحضر، وهو خلاف البدو.
يقول: ليس أهل الحضر كأهل البدو.
حسن الحضارة مجلوبٌ بتطريةٍ وفي البداوة حسنٌ غير مجلوب
الحضارة: ملازمة الحضر، والبداوة: ملازمة البدو. والتقدير: حسن أهل الحضارة وأهل البداوة.
يقول: إن حسن الحضريات مصنوع بالتطرية، وحسن البدويات مطبوع، والمطبوع خير من المصنوع.
أين المعيز من الآرام ناظرةً وغير ناظرةٍ في الحسن والطّيب
المعيز والمعزى والمعز: واحد. وناظرةً: نصب على الحال. أقام الحضريات مقام المعز، لكون المعز حضريات، وأقام البدويات مقام الظباء؛ لكون الظباء في الفلوات.
يقول: أين المعز من الظباء في حسنها وطيبها! وفي حال كونها ناظرةً، وفي غير حال نظرها.
أي: كما أن الظباء أحسن من المعز في كل حال، فكذلك البدويات أحسن من الحضريات.
وقيل معنى قوله: ناظرة وغير ناظرة أي أن الظباء أحسن من المعز: حيةً وميتة، فهي أحسن منها منظرًا حية، ولحمًا ميتة.
أفدي ظباء فلاةٍ ما عرفن بها مضغ الكلام ولا صبغ الحواجيب
الصبغ بالفتح: مصدر، وبالكسر: اسم. والحواجيب: أراد به الحواجب، فأشبع الكسرة؛ لتحدث الياء بعدها. والهاء في بها للفلاة.
يقول: إن البدويات مطبوعات على حسن الكلام، وحسن الحواجب، فلا يصبغن حواجبهن بالسواد، ولا يمضغن الكلام؛ لأن كلامهن فيه غنة فلا يحتجن إلى تكلفها.
وقيل: أراد بمضغ الكلام التفاصح.
ولا برزن من الحمّام مائلةً أوراكهنّ صقيلات العراقيب
أوراكهن رفع بمائلةً وصقيلات نصب على الحال.
يعني: أنهن مخلوقات كذلك فلا يصبغن حواجبهن، ولا يكسرن في كلامهن، ولا تتمايل أوراكهن تصنعا، ولا يصقلن عراقيبهن كما تفعله النساء من أهل الحضر. فأفدى من هذه حالها.
ومن هوى كلّ من ليست ممّوهةً تركت لون مشيبي غير مخضوب
المموه: المزور المغشوش.
يقول: لما كنت أحب كل مطبوعة، وأبغض كل مصنوعة، تركت لون شيي ظاهرًا مطبوعًا، لم أموهه بالخضاب. وهذا ينظر إلى قول الشاعر:
لا تنه عن خلقٍ وتأتي مثله عارٌ عليك إذا فعلت عظيم
[ ١ / ٣٧٨ ]
ومن هوى الصّدق في قولي وعادته رغبت عن شعرٍ في الوجه مكذوب
الهاء في عادته للصدق.
يقول: من حبي للصدق واعتيادي له، زهدت عن شعر مخضوب في الوجه: وهو المكذوب.
ليت الحوادث باعتني الّذي أخذت منّي بحلمي الّذي أعطت وتجريبي
يقول: إن الحوادث أخذت مني الشباب، وأعطتني الحكمة والتجارب، فليتها ردت على ما أخذته من الصبي، وأخذت ما أعطت من الحلم والنهى.
فما الحداثة من حلمٍ بمانعةٍ قد يوجد الحلم في الشّبّان والشّيب
يقول: ليت الحوادث ردتني إلى أيام الصبى والحداثة، فإنها لا تمنع من الحلم، فيكون مع الحداثة ما يكفيني من الحلم والتجربة؛ فإن العقل يوجد في الأحداث كما يوجد في الشيوخ. والحداثة: لا توجد إلا مع الشبان.
ترعرع الملك الأستاذ مكتهلًا قبل اكتهالٍ، أديبًا قبل تأديب
ترعرع: أي شب، ولا يكون إلا حسن الشباب. والاكتهال: التمام في كل شيء. والكهل من الناس: من سنه ما بين أربع وثلاثين، إلى خمسين سنة. ونصب مكتهلًا وأديبًا على الحال.
لما قال: إن الحداثة لا تمنع من الحلم، استدل بحال كافور فقال: الحلم يوجد في الأحداث، كما أن الأستاذ كافور ترعرع من الحلم والأدب، ولم يكن من الشيوخ. ولا الكهول.
يعني: أنه خلق مطبوعًا على الأدب، فلم يحتج إلى مؤدب، وكان ابتداء شبابه في الكمال، كاكتهال غيره.
مجرّبًا فهمًا من قبل تجربةٍ مهذّبًا كرمًا من قبل تهذيب
مهذبًا ومجربًا نصب على الحال. وفهمًا وكرمًا نصب على المصدر أو على المفعول له.
يقول: ترعرع الملك على هذه الأحوال، فهو مجرب قبل تجربة؛ لما طبع عليه من الفهم، مهذب؛ لما جبل عليه من الكرم، فلا يحتاج إلى التهذيب والتجريب.
حتّى أصاب من الدّنيا نهايتها وهمّه في ابتداءاتٍ وتشبيب
التشبيب: الابتداء بالأمر.
يقول: قد أصاب الغاية من الدنيا، وهو مع ذلك في أول مطالبه وتشبيب همته، ولم تبلغ همته أقصى مرادها.
يدبّر الملك من مصرٍ إلى عدنٍ إلى العراق فأرض الروم فالنّوب
يعني: أن هذه النواحي كلها تحت يده، وهو يديرها.
إذا أتتها الرّياح النّكب من بلدٍ فما تهبّ بها إلا بترتيب
النكب: جمع النكباء، وهي كل ريح هبت بين مهبى ريحين. وقيل: هي ريح تهب من مهاب الرياح الأربع على غير استواء.
يقول: إن الريح النكباء مع اختلاف هبوبها، إذا أتت هذه النواحي، لا تهب فيها إلا بترتيب من حسن سياسته وترتيبه الأمور.
ولا تجاوزها شمسٌ إذا شرقت إلا ومنه لها إذنٌ بتغريب
روى: إذا شرقت وإذا طلعت والتغريب: أن تأخذ نحو المغرب.
يقول: إذا طلعت الشمس على هذه النواحي، فأرادت أن تتجاوزها، فلا تجسر على المجاوزة، إلا أن يأذن لها بالغروب، والها في منه: لكافور وفى لها للشمس.
يصرّف الأمر فيها طين خاتمه ولو تطلّس منه كلّ مكتوب
تطلس: أي انمحى وذهب أثره، وطلست الكتاب: محوته.
يقول: لا يمضي الأمر إلا بخاتمه، وإن انمحت كتابته متى عرفت رسومه أمضي أمره، رهبة له وإعظامًا.
يحطّ كلّ طويل الرّمح حامله من سرج كلّ طويل الباع يعبوب
فاعل يحط حامله: أي حامل خاتمه. والهاء للخاتم. واليعبوب: الفرس الكثير الجري. وقيل: هي الطويل، وطويل الباع: طويل القوائم.
يقول: حامل خاتمه يحط كل فارس طويل الرمح، عن سرج كل فرس طويل القوائم واسع الجري؛ لما يداخله من الهيبة، وانبساط أمره، فإذا كانت هذه حاله، فحال غيره في الانقياد أبلغ.
كأنّ كلّ سؤالٍ في مسامعه قميص يوسف في أجفان يعقوب
يقول: يفرح بسؤال كل سائل، وكأنه في أذنه. مثل: قميص يوسف في عين يعقوب، فهو يستشفى بالسؤال، كما استشفى يعقوب بقميص يوسف.
إذا غزته أعاديه بمسألةٍ فقد غزته بجيشٍ غير مغلوب
يقول: إن أعداءه إذا قصدوه بالخضوع والسؤال، طلبًا لما له أو طلبًا للصلح منه، أجابهم لما يريدون، فكأنهم قصدوه بجيش لا يغلب.
أو حاربته فما تنجو بتقدمةٍ ممّا أراد، ولا تنجو بتجبيب
التجبيب: بباءين هو التأخر والهرب. وروى تخبيب من قولهم: خبب فلان نفسه إذا بعد.
[ ١ / ٣٧٩ ]
يقول: إن حاربه الأعداء فلا ينجون بالشجاعة والإقدام، وإن هربوا لحقهم بخيله، فلا ينجون بالهرب والانهزام.
أضرت شجاعته أقصى كتائبه على الحمام، فما موت بمرهوب
أضرت: أي أغرت، يقال: أضريته على كذا وضريته على كذا: إذا عودته. وأقصى كتائبه: أي جميع كتائبه؛ لأن أقصى هو الغاية.
يقول: قد عودت شجاعته جميع عسكره لقاء الحروب، فكأنه أضراهم على الموت، فلا يخافون من الموت والقتل، كالبازي إذا ضرى بالصيد، لا يخاف منه.
قالوا هجرت إليه الغيث! قلت لهم: إلى غيوث يديه والشّآبيب
الشآبيب: جمع شؤبوب، وهي الدفعة العظيمة من المطر.
والمعنى: أن أرض مصر لا تمطر، وكأن الناس قالوا: لم تركت ديار الخصب والغيث، وقصدت كافورًا؟! فقال لهم: إن غيث يديه وشآبيب جوده، أكثر من الغيث وأنفع.
إلى الّذي تهب الدّولات راحته ولا يمنّ على آثار موهوب
يقول: إن كنت تركت الغيث، فقد قصدت ملكًا يهب الولايات، ولا يتبع منه.
وفيه تعريضان: أحدهما تعريض لكافور أن يوليه ولاية، والآخر تعريض بسيف الدولة أنه كان يمن عليه بما يصل منه إليه.
ولا يروع بمغدورٍ به أحدًا ولا يفزّع موفورًا بمنكوب
الموفور: الرجل الكثير المال.
يقول: لا يغدر بأحد، فيخاف آخر بأن يغدر به كما غدر بغيره، ولا ينكب صاحب مال، فيخاف منه صاحب مال أن ينكبه، كما نكب غيره.
بلى يروع بذي جيش يجدّله ذا مثله في أحمّ النّقع غربيب
يجدله. يصرعه على الجدالة، وهي الأرض، والأحم: الأسود، والنقع: الغبار، والغربيب: الأسود جاء به توكيدًا.
يقول: لا يروع بمغدور به أحدًا، ولكن يقصد إلى ملك صاحب جيش عظيم فيقتله ويروع به ملكًا آخر صاحب جيش مثل هذا المقتول، فإذا رأى ما صنع بالأول هابه.
يعني: أن همته ليست أخذ المال، بل همته طلب العز.
وجدت أنفع مالٍ كنت أذخره ما في السّوابق من جريٍ وتقريب
التقريب: أرفع المشي، وأدنى الجري.
يقول: كان أنفع مال وجدته وجمعته: ما في الخيل السوابق من الجري والتقريب.
جعل الجري والتقريب مالًا، لما وصل بهما إلى المال؛ لاتصاله بالممدوح.
لمّا رأين صروف الدّهر تغدر بي وفين لي ووفت صمّ الأنابيب
يقول: لما وصلت بهذه السوابق، وبهذه الرماح إلى جميع ما أردته، فكأنهن وفين لي، في وقت غدرت بي صروف الدهر، ولم توافني حوادث الأيام.
فهو يصف بذلك رحيله إلى مصر، ونجاته من أذية سيف الدولة.
فتن المهالك حتّى قال قائلها: ماذا لقينا من الجرد السّراحيب؟!
المهالك: جمع مهلكة، وهي المفازة. والسرحوب: الفرس الطويل، ولا يوصف بها الذكر.
يقول: سرعة هذه الخيل، شكت المفاوز حتى قال قائلها: أي بعض بقاعها: أي شيء لقينا من هذه الخيل؟! وقيل: أراد بالمهالك أسباب الهلاك. أي فأتت خيلي كل أمر فيه هلاك.
تهوى بمنجردٍ ليست مذاهبه للبس ثوبٍ ومأكولٍ ومشروب
تهوى: أي تسرع. والمنجرد: الماضي في أمره.
يقول: هذه السوابق تهوى في المفاوز برجل مجد في أمره، ليست همته المأكول والمشروب والملبوس، وإنما همته معالي الأمور.
يرى النّجوم بعيني من يحاولها كأنّها سلبٌ في عين مسلوب
يقول: ينظر هذا المنجرد إلى النجوم نظر من يريد تناولها، فكأنها سلب سلب منه، فهو ينظر إليها كما ينظر المسلوب إلى سلب في يد غيره.
يعني: أنه يستحق منازل النجوم، لكن الدهر حطه عن درجته، فهو ينظر إليها على هذا الوجه.
حتّى وصلت إلى نفس مححّبةٍ تلقى النّفوس بفضلٍ غير محجوب
يقول: قطعت المهالك حتى وصلت إلى نفس محبة من الناس؛ لعظم شأنه، ولكن فضلها غير محجوب.
وقيل: إن هذا تعريض بسواده. يعني: وصلت إلى نفس كريمة، محجوبة في جسم أسود، وفضلها غير محجوب: يعني: أن مخبره أحسن من منظره.
في جسم أروع صافي العقل تضحكه خلائق النّاس إضحاك الأعاجيب
يقول: هذه النفس في جسم رجل ذكي صافي العقل، وإن كان أسود اللون، فهو أبيض العقل، فلا يخالط عقله شيء من الكدورة، وهو يضحك من أخلاق الناس لنقصائهم في العقل! فكأنه رأى شيئًا عجيبًا.
والأروع: الذكي القلب.
[ ١ / ٣٨٠ ]
فالحمد قبل له، والحمد بعد لها وللقنا ولإدلاجي وتأويبي
له: أي لكافور. ولها: للخيل. والإدلاج: سير الليل. والتأويب: سير النهار كله.
يقول: الحمد أولًا لك، إذ كان كرمك هو الباعث على قصدك، ثم بعد ذلك لخيلي؛ لأني وصلت بها إليك، وكذلك لسيري ليلًا ونهارًا حتى وصلت إليك.
وكيف أجحد يا كافور نعمتها وقد بلغنك بي يا كلّ مطلوبي؟!
يقول: كيف أجحد نعم هذه الخيل السوابق! وهي التي بلغتني إليك، وأنت مأمولي وغاية كل مطلوبي.
يا أيّها الملك الغاني بتسميةٍ في الشّرق والغرب عن وصفٍ وتلقيب
الغاني: المستغني.
يقول: أنت مشهور في العالم باسمك المذكور، فإذا قيل: كافور، عرفت واستغنيت عن الوصف، واللقب.
أنت الحبيب ولكنّي أعوذ به من أن أكون محبًّا غير محبوب
به: يرجع. إلى الحبيب.
يقول: أنت حبيبي، ولكني أعوذ بك من أن أكون محبًا لك، ولا أكون محبوبًا عندك. ومثله لأبي تمام قوله:
كم من عدوٍّ قال لي متمثّلًا: كم من ودود ليس بالمودود!
وقال يمدحه في ذي الحجة من هذه السنة ويستنجزه وعده.
أودّ من الأيّام ما لا تودّه وأشكو إليها بيننا وهي جنده
الهاء في توده ترجع إلى ما والفعل للأيام. والهاء في إليها تعود إلى الأيام. وفي جنده إلى البين.
يقول: أريد من الأيام ألا تفرق بيني وبين أحبائي، والأيام لا تريد ذلك. وأشكو إليها الفراق وهي جنده: أي هو الذي حكم بها، فإذا شكوت إليها لم تشكني.
يباعدني حبًّا يجتمعن ووصله فكيف بحبٍّ يجتمعن وصدّه؟!
الحب: المحبوب، وجعل الأيام تجتمع مع الوصل والصد؛ لأنهما في الأيام يكونان، والظرف يتضمن الفعل، فإذا تضمنه فقد لابسه وصار كأنه مجتمع معه، وعطف الوصل والصد على الضمير في يجتمعن من غير التوكيد بالفصل، وهذا جائز في ضرورة الشعر.
يقول: إن الأيام تباعد مني الحبيب المواصل، فكيف تقرب الحبيب المقاطع؟!
أبى خلق الدّنيا حبيبًا تديمه فما طلبي منها حبيبًا تردّه
يقول: كيف ترد عليك الأيام حبيبك الذي فارقك؟ وهي لا تترك عليك حبيبك الذي هو معك!
وأسرع مفعولٍ فعلت تغيّرًا تكلّف شيءٍ في طباعك ضدّه
يقول: إن الدنيا مطبوعة على التغير والتنقل، وإذا ساعدت بقرب حبيب لم تلبث أن تفرق بيننا وبينه! وترجع إلى عادتها التي جبلت عليها، فأسرع شيء انتقالًا، وأقربه زوالًا هو: تكلف ما في طبعه خلافه.
رعى الله عيسًا فارقتنا وفوقها مهًا كلّها يولى بجفنيه خدّه
المها: بقر الوحش، وعنى بها النساء ويولي: من الولي، وهو من المطر الثاني. والهاء في كلها للمها وفي جفنيه وخده يعود إلى لفظ كل.
يقول: حفظ الله عيسًا فارقتنا وفوقهن نساء يبكين لفراقنا، فتجرى دموعهن على خدودهن مرةً بعد مرة، فكأن خد كل واحدة منهن يسقى وليًا بعد وسمى من سحابة جفنيها، تأسفًا على الفراق.
بوادٍ به ما بالقلوب كأنّه وقد رحلوا جيدٌ تناثر عقده
الهاء في به وكأنه للوادي، وفي عقده للجيد.
يعني: فارقتنا هذه العيس بوادٍ به من الوحشة لفراقهن مثل ما في قلوبنا من الوحشة، فهو لوحشته كالجيد الذي انقطع عقده وتناثر در قلائده. أي كن زينةً له، فلما رحلن عنه صار كالجيد نزع حليه.
إذا سارت الأحداج فوق نباته تفاوح مسك الغانيات ورنده
الأحداج: جمع الحدوج، وهو مركب من مراكب النساء، والرند: الآس، وقيل: شجر طيب الريح، والعرب تسمى العود رندًا والهاء نباته ورنده للوادي.
يقول: اختلطت رائحة المسك من النساء برائحة الرند في هذا الوادي، فكان كل واحد منهما يباري الآخر بفوح الرائحة.
وحالٍ كإحداهنّ رمت بلوغها ومن دونها غول الطّريق وبعده
غول الطريق: بعده. يقول: هو الهلاك.
يقول: رب حال مثل إحدى هؤلاء الجواري في الحسن والكمال، أو في العزة والامتناع. وأنا أروم الوصل إليها، وبيني وبينها طريق بعيد يهلك من سلكه.
وأتعب خلق الله من زاد همّه وقصّر عمّا تشتهي النّفس وجده
الوجد والوجدة: هو الغنى.
يقول: أتعب الناس من أتعب همته، ولم يساعده ماله وإمكانه.
[ ١ / ٣٨١ ]
فلا ينحلل في المجد مالك كلّه فينحلّ مجدٌ كان بالمال عقده
يقول: لا تتلف مالك كله في اكتساب المجد والثناء، فإن فعلت ذلك افتؤلت وضاع المجد الذي كنت تطلبه! إذ المجد لا يكون إلا مع المال.
ودبّره تدبير الّذي المجد كفّه إذا حارب الأعداء والمال زنده
يقول: دبر المال تدبير الرجل الذي المجد كفه، والمال زنده: يعني كما لا تقوم الكف إلا بالزند، فكذلك لا تقهر الأعداء إلا بالمال.
فلا مجد في الدّنيا لمن قلّ ماله ولا مال في الدّنيا لمن قلّ مجده
يعني: كما لا يقوم المجد من دون المال، كذلك المال لا ينفع إلا مع المجد، فمن له المال بلا مجد فهو بمنزلة الفقير الذي لا مال له.
وفي النّاس من يرضى بميسور عيشه ومركوبه رجلاه والثّواب جلده
يقول: في الناس من ليس له همة، فقد رضى بالدون من العيش، واقتصر على طعام بطنه، فلا يركب إلا رجله، ولا يلبس إلا جلده.
ولكنّ قلبًا بين جنبيّ ما له مدىً ينتهي بي في مرادٍ أحدّه
لفظة ما في قوله: ما له نفي.
يقول: أنا لست هكذا، لكني بعيد الهمة، ليس لهمتي غاية تقف عندها. والهاء في أحده للمراد.
يرى جسمه يكسى شفوفًا تربّه فيختار أن يكسى دروعًا تهدّه
الشفوف: جمع شف، وهو الثوب الرقيق. وتربه: تنعمه. وتهده: تهدمه.
يقول: هذا القلب يرى الجسم الذي فيه يلبس أثوابًا رقاقًا، وهو لا يختار له ذلك، وإنما يختار الدروع مع خشونتها وغلظتها؛ لتهدم نعومة الحسم.
يكلّفني التّهجير في كلّ مهمهٍ عليقي مراعيه وزادي ربده
التهجير: السير في وقت الهاجرة. والعليق: ما تعلق به على الدابة، من شعير أو غيره. والربد: النعام، الواحد أربد، وربداء، سميت بذلك لسواد لونها.
يقول: قلبي يكلفني السير في وقت الهاجرة في كل مهمه بلا زاد ولا عليق، فخيلي تأكل من مراعيها، وزادي من نعامها.
وأمضى سلاحٍ قلّد المرء نفسه رجاء أبي المسك الكريم وقصده
يقول: أمضى سلاح المرء: قصد كافور ورجاؤه، فكما أن أبلغ ما يتوصل به المرء إلى مرامه هو السلاح، كذلك أبلغ ما يوصله إلى مراده قصده ورجاؤه.
هما ناصرا من خانه كلّ ناصر وأسرة من لم يكثر النّسل جدّه
يقول: رجاؤه وقصده معينان من ليس له معين. وعشيرة يتقوى بها، كما يتقوى الرجل بناصره وعشيرته.
أنا اليوم من غلمانه في عشيرةٍ لنا والدٌ منه يفدّيه ولده
الولد والولد: لغتان يقعان على الواحد والجمع. وقيل: الولد: جمع الولد.
يقول: أنا اليوم من جملة غلمانه، وهم لي بمنزلة الولد، ونحن أولاده نتمنى أن نفديه بأنفسنا.
فمن ماله مال الكبير ونفسه ومن ماله درّ الصّغير ومهده
يعني: أن نعمه عمت الكبير والصغير، فمال الكبير ونفسه من هباته، ولب الصغير ومهده من ماله.
يعني: أنه يملك نفوس الناس وأموالهم.
نجرّ القنا الخطّىّ حول قبابه وتردى بنا قبّ الرّباط وجرده
الهاء في جرده يرجع إلى لفظ الرباط لأنه اسم واحد موضوع للجمع مثل: القوم والنفر. وتردى: من الرديان، وهي سرعة السير. والقب: جمع أقب وقباء وهو الفرس الضامر، والرباط: اسم للخيل المربوطة، وقال أبو زيد: هي الخمس فما فوقها.
يقول: نجر القنا حول قباب الممدوح كل يوم، لأنا من غلمانه، ونجري الخيل في ميدانه؛ لأن عادة الغلمان أنهم يتلاعبون في ميادين الملوك.
ونمتحن النّشّاب في كلّ وابلٍ دوىّ القسيّ الفارسيّة رعده
الهاء في رعده يعود إلى وابل.
يقول: نرمي النشاب بين يديه، ونمتحنها، على عادة الغلمان من امتحان السهام. وشبه كثرة النشاب بالمطر الوابل، ودوي القسي وصوتها عند الرمي بالرعد. يصف كثرة غلمانه وجنده.
فإلاّ تكن مصر الشّري أو عرينه فإنّ الّذي فيها من النّاس أسده
الشري: موضع كثير الأسد، والعرين: الأجمة.
يقول: إن لم تكن مصر مقر الأسود، فإن الذي فيها أسود، فلا اعتبار بالموضع، وإنما الاعتبار بالأسد.
سبائك كافورٍ وعقيانه الّذي بصمّ القنا لا بالأصابع نقده
العقيان: الذهب.
[ ١ / ٣٨٢ ]
يقول: هؤلاء الغلمان، والرجال الذين هم الأسود سبائك لكافور ادخرهم بعد أن امتحنهم بالطعن بين يديه، وجربهم فجعلهم ذخائر، وأقامهم مقام ماله، الذي هو السبائك والذهب؛ لأنه يصل بهم إلى مطالبه كما يوصل بالمال.
ولما جعلهم مالا جعل نقدهم بالقنا والطعن لا بالأصابع، لأنه لم يرد حقيقة الدنانير التي تنقد بالأصابع.
وقيل: أراد أنه يكسب الذهب والفضة بصم القنا لا بالتجارة. والأول هو الظاهر الأليق.
قال أبو الطيب: لما أنشدت هذا البيت قال لي كافور: من يعرف العقيان. اليوم؟ فقلت: نعم هربًا من تفسيره إياه. فقال: الصيوف. يريد السيوف.
بلاها حواليه العدوّ وغيره وجرّبها هزل الطّراد وجدّه
بلاها: أي جربها. والهاء فيها قيل: تعود إلى الخيل، وقيل للسبائك والعقيان.
يقول: إن العدو قد جرب هذه الخيل والغلمان وغير العدو أيضا.
فالعدو في الحرب في حالة الجد وغير العدو في الميدان: في حالة الهزل.
أبو المسك لا يفنى بذنبك عفوه ولكنّه يفنى بعذرك حقده
يخاطب نفسه أو صاحبه يقول: إن عفوه لا يفنى بذنبك، ولم يغلبه ذنب المذنب، ولكنه يفنى حقده بعذرك: يعني إذا اعتذرت إليه زال عن قلبه حقده.
فيا أيّها المنصور بالجدّ سعيه ويا أيّها المنصور بالسّعي جدّه
سعيه وجده: رفع بالمنصور.
المعنى: أنك بلغت جدك بسعيك، ولم تبلغ ما بلغت بالجد وحده، ولكنه بالجد والسعي، فجدك ينصر سعيك في أمرك ويوفقه لك، وسعيك ينصر جدك، فقد اشتملتك السعادة والنصر.
تولّى الصّبا عنّي فأخلفت طيبه وما ضرّني لمّا رأيتك فقده
أخلفت: أي وجدت طيب كافور خلفًا من الصبا.
يقول: لما تولت عني أيام الصبا جعلت طيبك خلفًا عنها، فناب مناب أيام الصبا ولم يضرني فقد أيام الصبا لما رأيتك، فسروري بك مثل سروري بأيام الصبا.
لقد شبّ في هذا الزّمان كهوله لديك، وشابت عند غيرك مرده
يقول: شب كهول الزمان عندك؛ لسرورهم بإحسانك إليهم فكأنهم في أيام الصبا، والشباب عند غيرك شابت مرد هذا الزمان لإيذائه إياهم.
يريد سيف الدولة.
ألا ليت يوم السّير يخبر حرّه فتسأله، واللّيل يخبر برده
يقول: ليت حر الهواجر يخبرك بحاله؛ حتى تسأله عما فعل بي، وليت برد الليل مخبر أيضا؛ لتعرف منه ما قاسيت من البرد.
وليتك ترعاني وحيران معرضٌ فتعلم أنّي من حسامك حدّه
حيران: ماء بالشام، وقيل: جبل. كانت قد ظهرت له خيل وهو عليه.
يقول: ليتك تراني بهذا المكان، حين لاحت لي الخيل، لتعلم شجاعتي، وأني بمنزلة الحد في سيفك.
وقيل: شبه الجيش بحيران، الذي هو الجبل.
والمعنى: ليتك رأيتني يوم يبدو فيه الجيش، حتى تقف على شجاعتي، وتعلم أني حد حسامك.
وأنّى إذا باشرت أمرًا أريده تدانت أقاصيه وهان أشدّه
يقول: وتعلم أيضًا أني إذا رمت أمرًا، قرب بعيده وهان شديده.
وما زال أهل الدّهر يشتبهون لي إليك فلمّا لحت لي لاح فرده
يقول: كنت أظن أن أهل الدهر مشتبهون في المراتب والمنزلة، متساويين في القدر، فلما رأيتك رأيت فرد الزمان الذي لا نظير له.
وقيل: إن أهل الدهر من الملوك كانوا يشتبهون بك عندي، فيوهمونني مساواتهم لك في الملك وسائر الخصال، فلما رأيتك، أوحد الدهر، علمت بطلان دعاويهم.
يقال إذا أبصرت جيشًا وربّه أمامك ربٌّ ربّ ذا الجيش عبده
يقول: كنت إذا رأيت جيشًا وأميره، قيل لي قدامك ملك - وهو كافور - وأمير هذا الجيش، عبد ذلك الملك.
وألقى الفم الضّحّاك أعلم أنّه قريبٌ بذي الكفّ المفدّاة عهده
الهاء في عهده للفم. وقوله: بذي الكف: أي بهذه الكف، وقيل بصاحب الكف.
يقول: كنت إذا رأيتك فمًا كثير الضحك علمت أنه قريب العهد بتقبيل كفك - التي تفدي الأنفس - وذلك الضحك، لما لحقه من السرور حين وصل إلى تقبيل كفك، أو عرفت أنه قريب العهد بعطاء كفك المفداة، فذلك الضحك سرور بعطائك.
فزارك منّي من إليك اشتياقه وفي النّاس إلاّ فيك وحدك زهده
المعنى: زارك مني رجل مشتاق إليك، زاهد في جميع الناس إلا فيك وحدك وقوله: زارك مني أي أنا ذلك الذي إليك اشتياقه.
[ ١ / ٣٨٣ ]
يخلّف من لم يأت دارك غايةً ويأتي فيدري أنّ ذلك جهده
الجهد: الطاقة، والجهد: المشقة، وقيل: هما واحد.
يقول: من قصد غيرك من الملوك فقد خلف وراءه غاية، وإذا قصدك فقد بلغ غاية جهده وطاقته، فإنه ليس وراءك غاية يطلب الوصول إليها.
فإن نلت ما أمّلت منك فربّما شربت بماءٍ يعجز الطّير ورده
الورد: الورود، وهو فاعل يعجز والضمير في ورده للماء والباء في قوله: شربت بماء زائدة.
المعنى: إني بعيد الهمة، شريف المطلب، لا أطلب إلا غايةً بعيدة؛ فلهذا قصدتك، وقاسيت الأخطار دونك، وليس هذا بمنكر مني، فإني ربما وصلت إلى ما لا يقدر الطير على الوصول إليه! يعني: وصلت إلى مطالب يعجز عنها غيري.
ووعدك فعلٌ قبل وعدٍ لأنّه نظير فعال الصّادق القول وعده
يقول: وعد كل أحد يشبه فعله، وأنت صادق القول، فإذا وعدت فكأنك ابتدأت بالجود. قبل الوعد، فإن وعدك واقع لا محالة.
فكن في اصطناعي محسنًا كمجربٍ يبن لك تقريب الجواد وشدّه
التقريب: ضرب من سير الفرس دون الشد.
يقول: جربني في اصطناعك إياي وإحسانك إلي، ليتبين لك صغر حالي وكبرها.
شبه الصغر بالتقريب، والكبر بالشد.
إذا كنت في شكٍّ من السّيف فابله فإمّا تنفّيه وإمّا تعدّه
يقول: إن شككت في حالي فجربني، فإني مثل السيف يتبين حاله بالتجربة، فإن رضيتني جعلتني عدة لك، وإلا رميت بي.
وما الصّارم الهنديّ إلاّ كغيره إذا لم يفارقه النّجاد وغمده
نجاد السيف: حمائله.
يقول: لا فضل بيني وبين غيري إذا لم تجربني كما لا فضل بين السيف الهندي القاطع، وبين غيره من السيوف إذا لم يجرد من غمده. ومثله لأبي تمام:
لما انتضيتك للخطوب كفيتها والسّيف لا يكفيك حتّى ينتضى
وإنّك للمشكور في كلّ حالةٍ ولو لم يكن إلاّ البشاشة رفده
الهاء في رفده للمشكور.
يقول: أنا أشكر لك في كل حال، وإن لم يكن من عطائك إلا طلاقة وجهك لكفاني ذلك.
وكلّ نوالٍ كان أو هو كائن فلحظة طرفٍ منك عندي ندّه
يقول: كل عطاء كان منك فيما مضى أو سيكون، فنظرة منك إلي تقوم عندي مقامه. والند: المثل. والهاء في نده للنوال.
وإني لفي بحر من الخير أصله عطاياك أرجو مدّها وهي مدّه
يقول: أنا في بحر من الخير، وأصل هذا البحر من عطاياك، وأرجو مد عطاياك، فهي مد هذا البحر.
وما رغبتي في عسجدٍ أستفيده ولكنّها في مفخرٍ أستجدّه
العسجد: الذهب. وأستفيده وأستجده بمعنىً واحد.
يقول: ليست رغبتي في المال، ولكن رغبتي في استفادة الفخر واستجداد الشرف. وأراد به الولاية. ومثله لأبي تمام:
ومن خدم الاقوام يرجو نوالهم فإنّي لم أخدمك إلاّ لأخدما
يجود به من يفضح الجود جوده ويحمده من يفضح الحمد حمده
الهاء في به للمفخر.
يقول: يجود بهذا المفخر، من جوده يفضح كل جود. يعني كافورا. ويحمده على هذا الجود، من حمده يفضح كل حمد. يعني به نفسه.
يعني: أنت أجود الملوك وأنا أبلغ الشعراء وأفصحهم.
فإنّك مامّر النّحوس بكوكبٍ وقابلته إلاّ ووجهك سعده
يقول: لو أن كوكبا من الكواكب أصابه نحس، وقابلته أنت، سعد ذلك النجم بسعادتك، وخرج النحس من غير أن يؤثر فيه بنحوسته.
يعني: أن من أتاك سعد بقربك، وظهر عليه إقبالك، فيرجع غنيا مسرورا.
وشكا إليه ابن عياش طول قيامه في مجلس الأسود وكان دسه عليه، ليعلم ما في نفسه فقال أبو الطيب يمدح كافورا ارتجالا:
يقلّ له القيام على الرّءوس وبذل المكرمات من النفوس
يقول: الوقوف بين يديه يقل له، لأنه يستحق فوق ذلك، وكذلك يقل له بذل النفوس المكرمة في جنب ما يستحقه من التعظيم.
إذا خانته في يومٍ ضحوكٍ فكيف تكون في يومٍ عبوس؟
يقول: إذا خانته في حال الرفاهية والسلم والسرور فتقصر في الخدمة والقيام بين يديه فكيف تكون في حال الشدة والحرب؟! والغرض بضحك اليوم وعبوسه: حسنه وطلاقته. وقيل: أراد في يوم يضحك فيه ويعبس فيه كما يقال: ليل نائم أي ينام فيه
[ ١ / ٣٨٤ ]
ومات له في دار البركة التي انتقل إليها خمسون غلاما في أيام يسيرة، ففزع، وخرج إلى دار أخرى هاربًا منها في الليل، حتى قال الناس إنه جاءه في الليل أسود فقال له: إن خرجت منها.. وإلا قتلتك! فخرج على وجهه، ونزل دار بعض غلمانه إلى أن أصلحت له دار كانت لحرم ابن طولون، فلما نزلها دخل عليه أبو الطيب فقال في المحرم سنة سبع وأربعين وثلاث مئة.
أحقّ دارٍ بأن تدعى مباركةً دارٌ مباركة الملك الّذي فيها
يقول: أحق الدور بأن تسمى مباركة، هي الدار التي الملك فيها، لما يشملها من نعمه وبره.
وأجدر الدّور أن تسقى بساكنها دارٌ عدا النّاس يستسقون أهليها
يقول: إذا كان البعيد يستسقى من جود يديك، فدارك التي تسكنها أولى بأن تسقيها بجودك وبركتك.
هذي منازلك الأخرى نهنّئها فمن يمرّ على الأولى يسلّيها
ويقول: نحن نهنئ دارك التي انتقلت إليها بنفسك، فمن يمر على الأولى التي انتقلت عنها يسليها: أي يصبرها. من بمعنى الذي.
إذا حللت مكانًا بعد صاحبه جعلت فيه على ما قبله تيها
يقول: إذا نزلت مكانًا بعد ما رحلت عن مكان غيره، تاه المكان الذي نزلته على الذي ارتحلت عنه، تشرفًا بك.
لا تنكر العقل من دارٍ تكون بها فإنّ ريحك روحٌ في مغانيها
يقول: لا تنكر أن تكون الدار التي تحلها لها عقل! تعرف به شرفها بقربك، لأن ريحك في منازلها، لها روح تحيا به.
أتمّ سعدك من لقّاك أوّله ولا استردّ حياةً منك معطيها
يقول: أتم الله سعادتك، كما ابتدأك بها، ولا استرد منك ما أعطاك من الحياة.
ودخل يوما أبو الطيب على كافور الأسود، فلما نظر إليه وإلى قلته في نفسه ونقص عقله ولؤم كفه وقبح فعله، ثار الدم في وجهه حتى ظهر ذلك فيه، فخرج فركب فأتبعه الأسود بعض القواد، وهو يرى أن أبا الطيب لا يفطن فسايره وسأله عن حاله وقال له: أراك متغير اللون؟ فقال أبو الطيب: أصاب فرسي اليوم جرح خفته عليه، وقلبي مشغول به، وليس له خلف إن تلف، فبلغ معه إليه ثم عاد إلى الأسود فأخبره، فأنفذ إليه مهرًا أدهم، فقال أبو الطيب يمدحه ويذكر أسف الحمدانيين عليه وأنشدها يوم الأحد لأربع عشرة ليلة من شهر ربيع الآخر من هذه السنة:
فراقٌ ومن فارقت غير مذمّم وأمٌّ ومن يمّمت خير ميمّم
يقول: هذا فراق ومن فارقته غير مذموم، وهو سيف الدولة، وهذا أم: أي قصد، ومن أممته خير مقصود، وهو كافور.
وما منزل اللّذّات عندي بمنزلٍ إذا لم أبجّل عنده وأكرّم
يقول: ليست اللذة بلذة الأماكن إلا إذا أكرمني أصحابها وعظموا قدري، فمتى كنت مهانًا فيها فلا أعدها لذة عندي.
سجيّة نفسٍ ما تزال مليحةً من الضّيم مرميًّا بها كلّ مخرم
مليحةً: أي مشفقة خائفةً. والمخرم: المفازة.
يقول: عادة نفسي أنها تأنف الذل، وتشفق من الضيم، فلهذا أتحمل المشقة وأقطع المفاوز.
رحلت فكم باكٍ بأجفان شادنٍ عليّ، وكم باكٍ بأجفان ضيغم
الشادن: ولدى الظبي إذا قوى. والضيغم: الأسد.
يقول: لما رحلت بكى لفراقي النساء اللواتي عيونهن كأعين الغزلان، والأبطال الذين هم كالأسود، وعنى به سيف الدولة وأصحابه.
يعني: بكى لفراقي حبيبي بأجفان الشادن، وبكى سيف الدولة بأجفان الضيغم.
وما ربّة القرط المليح مكانه بأجزع من ربّ الحسام المصمّم
هذا تفسير البيت الذي قبله. والهاء في مكانه للقرط، وهو الذي يعلق في شحمة الأذن.
يقول: لم تكن حبيبتي صاحبه القرط، بأشد جزعًا لفراقي، من حبيبي الذي هو صاحب السيف. وأراد به سيف الدولة.
فلو كان ما بي من حبيب مقنّع عذرت ولكن من حبيب معمّم
يقول: لو كان ما بي من الشوق إنما هو لحبيبي المقنع، لعذرت نفسي في فراقه، لأني فارقته لطلب المجد والعلا، ولكن أي عذر في مفارقة حبيبي المعمم؟؟! وما رجوته من قصد غيره، كان موجودًا عنده! يظهر الندم على فراق سيف الدولة.
وقيل: معناه لو كان سبب فراقي من قبل المحبوبة لعذرتها، لأن التغير والفراق من عاد النساء، ولكن ما بي من حبيب معمم، فالتغير لا يعذر فيه.
رمى واتّقى رميي ومن دون ما اتّقى هوىً كاسرٌ كفّى وقوسي وأسهمي
[ ١ / ٣٨٥ ]
يقول: ذلك الحبيب المعمم رماني بسهم، ثم خاف أن أرميه بما رماني به، وليس يدري أن هواه يكسر قوسي وكفي وسهمي.
يعني: إن سيف الدولة بدأ لي بالاساءة، ثم تغير لي، لأنه حسب أني تغيرت له، فقبل في كلام الأعداء وساء ظنه! وليس يدري أن محبتي له تمنعني من الإساءة إليه، ومقابلته على فعله. وهذا عتاب لطيف.
إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه وصدّق ما يعتاده من توهّم
يقول: إذا أساء إنسان إلى إنسان، أساء ظنه به وصدق توهمه عليه، لأنه يظن أنه حقد عليه ففسدت نيته.
وعادى محبّيه بقول عداته وأصبح في ليلٍ من الشّكّ مظلم
يقول: إذا أساء الرجل إلى صديقه، ظن أنه قد تغير له، فيتنكر في مودته ويعاديه بقول أعدائه.
أصادق نفس المرء من قبل جسمه وأعرفها في فعله والتّكلّم
يقول: أصدق الأرواح قبل الأشباح، وأعرف أحوال الأرواح في فعل المرء وكلامه: الذي هو صاحب النفس.
وأحلم عن خلّي وأعلم أنّه متى أجزه حلمًا عن الجهل يندم
يقول: إذا جهل علي خليلي حلمت، وعلمت أني إذا قابلته بالحلم، ندم على ما بدر منه وعاد إلى الوصل.
وإن بذل الإنسان لي جود عابسٍ جزيت بجود التّارك المتبسّم
يقول: إذا شاب الإنسان جوده بالعبوس، جدت له بترك نواله، وتركته وقابلت عبوسه بالتبسم.
وأهوى من الفتيان كلّ سميدع نجيبٍ كصدر السّمهريّ المقوّم
السميدع: السيد.
يقول: أحب كل سيد كريم، ماض في أموره نافذًا فيها مثل الرمح المقوم.
خطت تحته العيس الفلاة وخالطت به الخيل كبّات الخميس العرمرم
خطت: أي قطعت من خطوت. والكبات: الصدمات والحملات. وروى لبات الخميس والهاء في تحته وفى به للسميدع.
يقول: أهوى كل سيد كريم، قطع الفلوات وشاهد الواقعات، وقارع الأبطال والزمان.
ولا عفّةٌ في سيفه وسنانه ولكنّها في الكفّ والفرج والفم
يقول: أهوى من لا عفة له في سيفه وسنانه: أي لا يردهما عن عدوه في قتال، وهو مع ذلك عفيف اليد والفرج والفم.
وما كل هاوٍ للجميل بفاعلٍ ولا كلّ فعّالٍ له بمتمّم
يقول: ليس كل من يحب الفعل الجميل يفعله، ولا كل من يفعله يتممه ويربيه. كأنه يعرض بسيف الدولة: أنه لم يتمم إحسانه.
فدىً لأبي المسك الكرام فإنّها سوابق خيلٍ يهتدين بأدهم
شبه الكرام بالخيل السوابق، وجعل كافورا فرسًا أدهم يتقدمها لسواد لونه. وفداه بجميع الكرام المقتدين به.
أغرّ بمجدٍ قد شخصن وراءه إلى خلقٍ رحبٍ وخلقٍ مطهّم
شخصن: أي رفعن أبصارهن.
يقول: هذا الأدهم أغر بالمجد، لا بالبياض، فالمجد يشرق في وجهه إشراق الغرة، والسوابق وراءه ينظرون سعة خلقه وكمال خلقه، شاخصة أبصارهن إليه.
إذا منعت منك السّياسة نفسها فقف وقفةً قدّامه تتعلّم
يقول: إذا صعب عليك أيها الإنسان أمر السياسة، فقف بين يديه وانظر إلى سياسته، تتعلم منه حسن السياسة
يضيق على من راءه العذر أن يرى ضعيف المساعي أو قليل التّكرّم
راء: مقلوب رأى.
يقول: من رأى كافورًا وصحبه، فلا عذر له في ضعف مساعيه وقلة تكرمه، لأنه يتعلم منه المساعي وكرم الأخلاق.
ومن مثل كافورٍ إذا الخيل أحجمت وكان قليلًا من يقول لها اقدمي
اقدمي: من قدم يقدم إذا تقدم.
يقول: من يكون مثله في حال شدة الحرب؟ حين تأخرت الخيل عن الإقدام، ولم يكن هناك من تقدم إلا القليل من الفرسان أي ليس لهمته في هذا الوقت نظير.
شديد ثبات الطّرف والنّقع واصلٌ إلى لهوات الفارس المتلثّم
يقول: لا يصرف بصره في المعركة مع تراكم الغبار ودخوله في لهوات الفارس المتلثم.
أبا المسك أرجو منك نصرًا على العدا وآمل غرًّا يخضب البيض بالدّم
يقول: أرجو منك أن تنصرني على أعدائي، حتى أتمكن منهم، وأخضب من دمائهم سيوفي.
ويومًا يغيظ الحاسدين وحالةً أقيم الشّقا فيها مقام التّنعم
[ ١ / ٣٨٦ ]
يقول: أرجو يومًا تنعم علي فيه، فيغيظ ذلك اليوم حسادي، وأرجو منك أن تبلغني يوما أقتل فيه أعدائي وأغيظ فيه حسادي، وأرجو حالة أقيم الشقاء فيها مقام التنعم: يعني يكثر فيها تعب الحرب، ومشقة القتال، ويكون ذلك الشقاء عندي بمنزلة التنعم أسر به كما أسر بالنعم.
ولم أرج إلاّ أهل ذاك ومن يرد مواطر من غير السّحائب يظلم
يقول: إنما رجوتك لهذا الأمر؛ لأنك أهل له قادر أن تبلغني ما أريده ولو طلبت ذلك من غيرك لكنت قد ظلمته وكلفته ما لا يقدر عليه، ووضعت الشيء في غير موضعه، وأكون كمن طلب المطر من غير السحاب.
فلو لم تكن في مصر ما سرت نحوها بقلب المشوق المستهام المتيّم
يقول: قصدت مصر لألقاك، ولو لم تكن فيها لما سرت إليها بقلب المشتاق: الذي عنده الشوق.
ولا نبحت خيلي كلاب قبائل كأنّ بها في اللّيل حملات ديلم
الديلم: الأعداء، والديلم: هذا الجيل من العجم.
وعن ابن جني قال: سئل أبو الطيب فقال: أتريد الديلم الأعداء، أو هذا الجيل من العجم؟ فقال: بل كل.
يقول: لو لم تكن في مصر، لما صرت على قبائل الأعراب، حتى حملت كلابها علي، كما تحمل الديلم في حروبها مع الصياح.
ولا اتّبعت آثارنا عين قائفٍ فلم تر إلاّ حافرًا فوق منسم
القائف: الذي يتبع الأثر والمنسم: طرف خف البعير.
والمعنى: أنه ركب الأبل وجنب الخيل، وكانت حوافرها تقع على آثار أخفاف الإبل، فمن تبع أثره رأى أثر حوافر الخيل على أثر أخفاق الإبل.
وسمنا بها البيداء حتّى تغمّرت من النّيل واستذرت بظلّ المقطّم
تغمرت: أي شربت شربا قليلا. واستذرت: أي استترت. والمقطم: جبل على جانب النيل.
يقول: سرنا بالخيل والإبل في البيداء، فصارت آثارها فيها كالسمة، حتى وصلنا إلى مصر، فشربت من النيل واستترت بظل المقطم.
وأبلج يعصي باختصاصي مشيره عصيت بقصديه مشيري ولوّمي
الأبلج: هو الجميل، وقيل: المنقطع ما بين الحاجبين.
يقول: قصدته وعصيت من لامني فيه، وأشار علي بترك لقائه، كما عصى هو من لامه في اختصاصي.
وأراد به وزير كافور ابن خنزابة لأن المتنبي لم يمدحه. وأراد بالأبلج: كافورا.
فساق إليّ العرف غير مكدّرٍ وسقت إليه الشّكر غير مجمجم
جمجم الرجل بكلامه إذا لم يفصح به ولم يبينه.
يقول: لما قصدته أنعم علي نعمًا غير مكدرة بمن ولا أذى، ومدحته مدحًا لا عيب فيه، ولا إشارة فيه إلى ذم.
قد اخترتك الأملاك فاختر لهم بنا حديثًا وقد حكّمت رأيك فاحكم
أي: قد اخترتك من الأملاك، فحذف من وأوصل الفعل إلى ما بعده فنصبه.
يقول: قد اخترتك من بين الملوك، فاختر أنت حديثًا يتحدثون به عني وعنك، وقد جعلتك حاكمًا، فافعل بي فعلًا إذا سمعوه كان مختارًا عندهم.
فأحسن وجهٍ في الورى وجه محسنٍ وأيمن كفٍّ فيهم كفّ منعمٍ
يقول: وجه المحسن أحسن الوجوه، وكفه أكثر بركةً من سائر الأكف. ومثله لآخر:
ولم أر كالمعروف: أمّا مذاقه فحلوٌ وأمّا وجهه فجميل
وأشرفهم من كان أشرف همّةً وأكثر إقدامًا على كلّ معظم
يقول: أشرف الناس من كانت همته أشرف، وإقدامه على كل أمر عظيم أكثر.
لمن تطلب الدّنيا إذا لم ترد بها سرور محبٍّ أو مساءة مجرم
كأنه يخاطب نفسه أو صاحبه فيقول: إن المال إنما يراد به أن تسر الودود، وترغم أنف الحسود، فإذا لم ترد هذين فلماذا تطلب المال؟! وأي معنى في طلب الجاه وحسن الحال؟!
وقد وصل المهر الّذي فوق فخذه من اسمك ما في كلّ عنقٍ ومعصم
يقول: قد وصل إلي المهر الموسوم باسمك، الذي هو سمة في عنق كل حي ويده، فرسًا كان أو غيره.
لك الحيوان الرّاكب الخيل كلّه وإن كان بالنّيران غير موسّم
يقول: أنت تملك الخيل وراكبيها، وكل حيوان موسوم باسمك فالخيل موسومة بالنيران، والناس موسومون بالنعم والإحسان.
ولو كنت أدري كم حياتي قسمتها وصيّرت ثلثيها انتظارك فاعلم
[ ١ / ٣٨٧ ]
يقول: إنما أتقاضاك بالوعد؛ لأني لا أدري كم أعيش فأخاف حلول الموت قبل الوصول إلى الموعود، ولو كنت أعلم مقدار حياتي لأمضيت ثلثيها انتظارًا لوعدك واستطابة به، فلا أتهم وعدك وإنما أتهم الأجل.
ولكنّ ما يمضي من الدّهر فائتٌ فجد لي بحظّ البادر المتغنّم
يقول: ما فات من العمر لا أستدركه، فجد لي بحظ من يسبق الإحسان ويغتنمه.
رضيت بما ترضى به لي محبّةً وقدت إليك النّفس قود المسلّم
يقول: كل شيء ترضى به لي فإني راض به، ومؤثر هواك في كل شيء، وقدت نفسي إليك قود من سلمها لك.
ومثلك من كان الوسيط فؤاده فكلّمه عنّي ولم أتكلّم
الوسيط: الواسطة بين الرجلين.
يقول: من كان مثلك في الكرم فقلبه يكون واسطة بيني وبينه، وينوب منابي في التشفع إليه والتقاضي له، فيتكلم عني في حاجتي ولا يحتاج أن أتكلم بها.
وخرج من عنده فقال يهجوه:
أنوك من عبدٍ ومن عرسه من حكّم العبد على نفسه
من مرفوعة بالابتداء وأنوك خبره وتقديره: من حكم العبد على نفسه أنوك من عبد. والهاء في عرسه قيل: تعود إلى من أي: الذي يرضى بحكم العبد، فهو أشد حمقًا من العبد، وأشد حمقًا من امرأة نفسه. وقيل: الهاء تعود إلى العبد أي يكون أحمق من العبد، ومن امرأة العبد.
وإنّما يظهر تحكيمه ليحكم الإفساد في حسّه
الحس: العقل.
يقول: الذي يجعله حاكمًا، ويعتقد تحكيمه في الباطن، ويظهر رضاه أيضًا. أي: يرى أنه راض بتحكيمه في الظاهر، كما هو راض به في الباطن، فقد حقق الناس فساد عقله. والهاء في حسه تعود إلى من وفي تحكيمه إلى العبد وأراد به: ابن الإخشيد الذي كان في حجر كافور. ورضى بحكمه.
وروى نظهر ونحكم بالنون.
والمعنى: إنما نظهر للناس تحكيم كافور في أنفسنا؛ لتفسد حسه، لا أنا حكمناه في الحقيقة على أنفسنا، بل أظهرنا ذلك له ليزداد في حسه فسادًا؛ إذ من شأن الأحمق أنه مهما حكم ازداد حمقًا. والهاء في حسه تعود إلى العبد.
ما من يرى أنّك في وعده كمن يرى أنّك في حبسه
يقول: ليس من يظن أنك في حبسه، كمن يظن أنك منتظر وعده. يعني: أنا في حبسه وهو يظن أني مقيم على انتظار وعده. والكاف: خطاب لنفسه. والهاء في وعده وحبسه تعود إلى من الأولى.
العبد لا تفضل أخلاقه عن فرجه المنتن أو ضرسه
يقول: إن العبد ليس له همة إلا في الأكل والجماع، ولا يتجاوز همه إلى مكرمة، فكيف أرجوه؟!
لا ينجز الميعاد في يومه ولا يعي ما قال في أمسه
الهاء في يومه قيل: للميعاد أي في يوم الميعاد وقيل: للعهد.
يقول: إذا وعد وعدًا لم ينجزه، وإذا صار إلى يوم آخر، نسى وعده بالأمس؛ لجهله، فمن هذا حاله فكيف يرجى نواله!؟
وإنّما تحتال في جذبه كأنّك الملاّح في قلسه
القلس: حبل السفينة.
يقول: إذا وعد شيئًا تحتاج إلى الاحتيال في جذبه إلى ذلك الموعود، فإن أغفلت جره تأخر، كما أن الملاح يحتاج إلى جر السفينة في النهر مصعدًا لها، فإن ألقى الحبل من يده، انجرت مع الماء.
فلا ترجّ الخير عند امرئٍ مرّت يد النّخّاس في رأسه
في رأسه: أي على رأسه.
يقول: لا ترج خيرًا عند من كان عبدًا، فمرت على رأسه يد النخاس بالصفع، فإنه لا خير عنده.
وإن عراك الشّكّ في نفسه بحاله فانظر إلى جنسه
يقول: إن عرض لك شك في أمره بحسن حاله، فلا تغتر بتلك، وانظر إلى جنسه من العبيد فإن خلقه كأخلاقهم، والشيء إذا التبس حاله بغيره، يرد إلى جنسه.
فقلّما يلؤم في ثوبه إلاّ الّذي يلؤم في غرسه
الغرس: جلدة رقيقة تخرج على رأس المولود.
يقول: قلما يلؤم في ثوبه إلا الذي يولد وهو لئيم، فكل شيء ينزع إلى أصله.
من وجد المذهب عن قدره لم يجد المذهب عن قنسه
القنس: الأصل.
يقول: من وجد طريقًا إلى أن يتجاوز قدر نفسه ويباين أشكاله، فإنه لا يجد طريقًا يتجاوز أصله وينحرف به عن لؤم نفسه.
واتصل قوم من الغلمان بالصبي مولى الأسود، فأنكر ذلك عليهم وطالبه بتسليمهم إليه، فجرت بينهما وحشة أيامًا، ثم سلمهم إليه فقتلهم واصطلحا، فطولب أبو الطيب بأن يذكر الصلح فقال في ذلك:
[ ١ / ٣٨٨ ]
حسم الصّلح ما اشتهته الأعادي وأذاعته ألسن الحسّاد
وأذاعته: أي وما أذاعته.
يقول: قطع الصلح ما كانت تشتهيه الأعادي من الخلاف بينكما، وما أفشاه الحساد من الوحشة الواقعة بينكما.
وأرادته أنفسٌ حال تدبي رك ما بينها وبين المراد
أي: وما أرادته. والهاء راجعة إلى ما في قوله: ما اشتهته.
يقول: أراد قوم أن يوقعوا بينكما الخلاف، فحال تدبيرك بينهم وبين مرادهم.
صار ما أوضع المخبّون فيه من عتابٍ، زيادةً في الوداد
أوضع إيضاعًا: إذا أسرع المشي. والمخبون: الذين يحملون دوابهم على الخب، وهو السير السريع، وأراد ها هنا السعي بالنميمة.
يقول: صار فعل من يسعى بينكما بالنميمة والفساد، زيادة في إصلاح الوداد، فرجع الوشاة بالخيبة.
وكلام الوشاة ليس على الأحبا ب سلطانه على الأضداد
سلطانه: يروى بالرفع فيكون مبتدأ، وعلى الأضداد خبره، واسم ليس: ضمير الكلام، وعلى الأحباب خبره.
يقول: إن كلام الوشاة إنما يوقع الفساد إذا كان بين الأضداد، فأما بين الأحباب المتصافين فلا يوقع الفساد.
وروى: سلطانه بالنصب يعني ليس يتسلط على الأحباب، سلطانه على الأضداد.
إنّما تنجح المقالة في المر ء إذا وافقت هوىً في الفؤاد
يقول: إن مقالة الوشاة، إنما تعمل في المرء إذا وافقت منه مرادًا لها، وأصغى إليها. وهذا تأكيد للمعنى الأول.
ولعمري لقد هزرت بما قي ل فألفيت أوثق الأطواد
الأطواد: الجبال.
يقول: إن الوشاة بالغوا في السعاية بينكما، وحركوك بالوشاية فلم تسمع قولهم، فصادفوك في الحلم والوقار مثل الجبل.
وأشارت بما أبيت رجالٌ كنت أهدى منها إلى الإرشاد
يقول: أشار قوم عليك بالخصومة، فأبيت ما أشاروا به، فكنت أرشد منهم وأهدى إلى الصواب فيما فعلت من الصلح.
قد يصيب الفتى المشير ولم يج هد ويشوى الصّواب بعد اجتهاد
يشوى: أي يخطئ. يقال: رماه فأشواه: إذا أخطأ المقتل وأصاب الشوى، وهي الأطراف.
يقو: قد يصيب الإنسان الصواب وإن لم يجتهد، وقد يخطئ الصواب بعد الاجتهاد.
يعني: أنك أصبت الرأي في الصلح، وأخطأ من اجتهد في السعاية.
نلت ما لا ينال بالبيض والسّم ر وصنت الأرواح في الأجساد
يقول: أدركت بصواب رأيك من مرادك، ما لا ينال بالقتال، وحفظت الدماء حتى بقيت الأرواح في الأجساد، ولم يقتل أحد ولم يرق دم.
وقنا الخطّ في مراكزها حو لك والمرهفات في الأغماد
يقول: وصلت إلى مرادك من غير أن حركت الرماح من مراكزها، وأخرجت السيوف من أغمادها. والمرهفات: السيوف المحدودة.
ما دروا، إذ رأوا فؤادك فيهم ساكنًا، أنّ رأيه في الطّراد
الطراد: المطاردة، وهي المحاربة. والهاء في رأيه للفؤاد.
يقول: لما رأوك ساكن القلب، توهموا بأن ذلك عن غفلةٍ وقلة فكر فيه، ولم يعلموا أنك معمل رأيك في فؤادك لاستنباط الصواب، فكان قلبك ساكنًا، ورأيك في محاربة.
ففدى رأيك الّذي لم تفده كلّ رأيٍ معلّمٍ مستفاد
لم تفده: أي لم تستفده.
يقول: كل رأي مستفاد معلم مكتسب بالتعلم، فداء رأيك الذي طبعت عليه، ولم تستفده أنت من أحد.
وإذا الحلم لم يكن في طباعٍ لم يحلّم تقدّم الميلاد
يقول: إذا لم يكن الرجل مطبوعًا على الحلم، فمرور الأيام وتقدم الولادة، لا تجعله حليمًا.
يعني: لا اعتبار بالسن، وإنما الاعتبار بالطبع.
فبهذا ومثله سدت يا كا فور واقتدت كلّ صعب القياد
يقول: بهذا الرأي الحصيف وبمثله من الآراء، صرت سيدًا، وقدت كل صعب المقادة، حتى انقاد لك، ودخل في طاعتك.
وأطاع الّذي أطاعك والطّا عة ليست خلائق الآساد
يقول: بمثل هذا الرأي أطاعك رجال مثل الأسود التي لم تطع لأحد قبلك، إذ ليست الطاعة من عادة الأسود.
إنّما أنت والدٌ، والأب الّقا طع أحنى من واصل الأولاد
يقول: أنت له بمنزلة الوالد، والأب على كل حال أشفق على ولده من الولد الواصل.
قال ابن جني: معناه أنك يا كافور أقرب إلى ابن مولاك، وأحنى عليه من ولده الواصل له: أي لو كان له ولد لكنت أحنى عليه من ولده.
[ ١ / ٣٨٩ ]
لا عدا الشّرّ من بغى لكما الشّرّ وخصّ الفساد أهل الفساد
يقول: من طلب لكما الشر، فلا تجاوز عنه الشر ولا فارقه، وجعل الله أهل الفساد، مخصوصًا به دونكما.
أنتما ما اتّفقتما الجسم والرّو ح فلا احتجتما إلى العوّاد
يقول: أنتما - ما دام بينكما اتفاق وصلح - كالجسم والروح، فلا وقع بينكما اختلاف حتى تحتاجا إلى السفر في الصلح بينكما.
لما جعلهما الروح والجسم، جعل الاختلاف بينهنا مرضهما، وجعل سعي الناس في الصلح بينهما، عيادة لهما.
وإذا كان في الأنابيب خلفٌ وقع الطّيش في صدور الصّعاد
يقول: إذا وقع الخلف بين أهل المملكة، وهم الأمراء والجيوش والقواد، اضطرب ملكهم الذي هو صدرهم، كما أن أنابيب الرمح إذا اختلفت لم يعمل صدره وزل عن الطعن، واضطرب في يديه.
وقيل: أراد أنكما إذا اختلفتما اضطرب أمركما، كما أن الرمح إذا اختلفت أنابيبه طاشت أعاليه.
أشمت الخلف بالشّراة عداها وشفى ربّ فارسٍ من إياد
فاعل شفى ضمير الخلف والشراة: الخوارج، سموا أنفسهم شراة. يعني: شروا - بحزم - أنفسهم من الله تعالى: أي باعوها.
يقول: الاختلاف بين القوم يشمت الأعداء بهم، كما أن الخوارج لما اختلفت كلمتهم في خلافة أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه، ظفر بهم أمير المؤمنين وأفناهم وأشمت بهم أعداءهم، وكذلك تمكن كسرى صاحب فارس من قبيلة إياد، شفى صدره، حين اختلفت كلمتهم.
وتولّى بني البريديّ في البص رة حتّى تمزّقوا في البلاد
يقول: إن الخلف أوقع ببني البريدي وهم ثلاثة إخوة كانوا قد ملكوا البصرة في أيام المقتدر فلم يقدر عليهم، حتى وقع الخلاف بينهم، ومات أحدهم، فتمكن منهم السلطان وشتت شملهم واستأصلهم.
وملوكًا كأمسٍ بالقرب منّا وكطسمٍ وأختها في البعاد
وملوكًا عطف على ما قبله. أي وتولى الخلف ملوكًا. وأختها: أي أخت طسم: وهي جديس.
يقول: أهلك الخلف ملوكًا قربوا منا، حتى أن مدة قربهم منا كمدة أمس إلى يومنا، وأهلك الاختلاف أيضًا ملوكًا في قديم الزمان: مثل طسم وجديس، وكانوا ملوك حمير.
بكما بتّ عائذًا فيكما من هـ ومن كلّ باغٍ وعاد
الباغي: من البغي. والعادي: من العدوان. والهاء في منه تعود إلى الخلف.
يقول: أعوذ بكما أن يقع الخلف بينكما، وأن يقع بينكما كيد البغاة والعداوة.
وبلبّيكما الأصيلين أن تف رق صمّ الرّماح بين الجياد
كان الوجه: ألبابكما. كقوله تعالى: " فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا "، والتثنية أيضًا جائزة.
يقول: أعوذ به بعقلكما الثابت أن تتحاربا، فتفرق الرماح بين خيولكما، فيصير معك حزب ومعه حزب.
أو يكون الوليّ أشقى عدوٍّ بالّذي تذخرانه من عتاد
يقول: أعوذ بعقلكما من أن تقتلا الولي، وأن تجعلاه لسلاحكما - الذي هو عدتكما وذخيرتكما للأعداء - أشقى عدو، إذ السلاح يعد للأعداء لا للأولياء.
هل يسرّنّ باقيًا بعد ماضٍ ما تقول العداة في كلّ ناد
النادي: المجلس.
يقول: إذا تقاتلتما، فيقتل أحدكما صاحبه، هل يسر الباقي منكما ما تقول الأعداء في المجالس: إنه قتل صاحبه وهتك حرمته؟!
منع الودّ والرّعاية والسّؤ دد أن تبلغا إلى الأحقاد
يقول: هذه الخصال التي فيكما منعتكما أن تبلغا إلى أن يحقد أحدكما على صاحبه؛ فلهذا عدلتما إلى الصلح، لتأكد هذه المعاني.
وحقوقٌ ترقّق القلب للقل ب ولو ضمّنت قلوب الجماد
يقول: ومنع أيضًا حقوق متأكدة، حتى لو كانت للجماد قلوب، فضمنت هذه الحقوق تلك القلوب، لرق بعضها لبعض.
فغدا الملك باهرًا من رآه شاكرًا ما أتيتما من سدادٍ
يقول: لما اصطلحتما أصبح الملك منيرًا، أبهر من رآه، وغلبه بنوره، وشكر لكما على ما رأيتما من الصواب والسداد.
فيه أيدكما على الظّفر الحل ووأيدي قومٍ على الأكباد
الهاء في فيه للملك.
يقول: ظفرتما من الملك بما أردتما، وأصبح حسادكما واضعين أيديهم على أكبادهم؛ لما نالهم من الألم بالصلح الذي صار بينكما.
هذه دولة المكارم والرّأ فة والمجد والنّدى والأيادي
[ ١ / ٣٩٠ ]
يقول: دولتكما دولة هذه الأشياء، فإذا وقع في هذه الدولة خلل، اختلت هذه الأشياء، وإذا سلمت سلمت هذه الأمور.
كسفت ساعةً كما تكسف الشّم س وعادت ونورها في ازدياد
يقول: هذه الدولة كسفت ساعة لمخالفتكما، كما تكسف الشمس، ثم زال الكسوف عنها فعاد نورها، وزاد على ما كان من قبل.
يزحم الدّهر ركنها عن أذاها بفتىً ماردٍ على المرّاد
المراد: جمع مارد، وهو الشرير الخبيث.
يقول: ركن هذه الدولة يزحم الدهر عن أذاها. أي: إذا أراد الدهر أن يؤذي هذه الدولة، زاحمه ركنها ومانعه، بفتىً ماردٍ على المراد: أي عاد على المعتدين، ومقابل للخبثاء بخبثهم. وعنى به كافور الأسود.
متلفٍ، مخلفٍ، وفيٍّ، أبيٍّ، عالمٍ، حازمٍ، شجاعٍ، جواد
أي يتلف ماله في الجود، ويخلف من تلف ماله، ويعوضه على ما ذهب منه. وأراد: أن هذا الفتى جامع لهذه الأوصاف.
أجفل النّاس عن طريق أبي المس ك وذلّت له رقاب العباد
أجفل: أي تفرق.
يقول: خلى الناس له طريق المجد والعلا، وذلت له رقاب الناس، وانقادوا له.
كيف لا يترك الطّريق لسيلٍ ضيّقٍ عن أتيّه كلّ واد
الأتى: السيل الذي يأتي من بلد إلى بلد. والوادي: مجرى السيل، شبهه بالسيل في إقدامه وكثرة جيوشه، ومن حيث أن السيل يحمل كل شيء يأتي عليه.
يقول: كيف لا يترك الناس الطريق لسيل يضيق عنه كل واد؛ لكثرته وكل موضع أتى عليه غرقه.
وكان كافور يتقدم إلى أصحاب الأخبار، يرجفون بأنه ولاه موضعًا في الصعيد، وينفذ إليه قومًا يعرفونه ذلك، فلما كثر هذا وعلم أن أبا الطيب لا يثق بكلام يسمعه، حمل إليه ست مئة دينار ذهبًا، فقال يمدحه وأنشدها يوم الخميس لليلتين خلتا من شوال، سنة سبع وأربعين وثلاث مئة:
أغالب فيك الشّوق والشّوق أغلب وأعجب من ذا الهجر والوصل أعجب
يخاطب حبيبه يقول: أنا أحاول أن أغلب شوقي إليك، وهو يغلبني لا محالة، لأنه أغلب مني: أي أقدر على الغلبة، وأعجب من هجرك لي، ووصلك أولى بأن أعجب منه؛ لأن عادتك الهجر، فليس هو بعجيب، وإنما العجب من الوصل.
أما تغلط الأيّام فيّ بأن أرى بغيضًا تنائى، أو حبيبًا تقرّب
يقول: من عادة الأيام أنها تقرب البغيض، وتبعد الحبيب، فلم لا تغلط مرةً فتقرب الحبيب وتبعد البغيض؟
ولله سيري ما أقلّ تئيّةً عشيّة شرقيّ الحدالى وغرّب
التئية: التثبت والتلبث. والحدالى: موضع بالشام: وغرب: جبل. ولله سيرى! تعجب. وتئيةً: نصب على التمييز.
يقول: لله سيرى! حين جعلت الحدالى وغرب عن يميني وقصدت مصر فما كان أسرعه، وأقل تمكني فيه! وقيل: أراد جعلت هذين المكانين في جانب المشرق، وسرت إلى جانب المغرب. وهو مصر.
عشيّة أحفى النّاس بي من جفوته وأهدى الطّريقين الّذي أتجنّب
أحفى الناس بي: أي أشدهم اهتمامًا في البر بي. وعشية: بدل من العشية الأولى.
يقول: لله مسيري، عشية جفوت من هو ألطف الناس بي، وأشدهم اهتمامًا بأمري: يعني سيف الدولة، يظهر الندم على فراقه، وأصوب الأمرين: الأمر الذي تركته لما قصدت كافورًا وجفوت سيف الدولة، مع اهتمامه بأمري.
وعن ابن جني: أنه كان ترك الجادة وتعسف، ليخفي أثره، خوفًا على نفسه، فترك أقصر الطريقين.
وكم لظلام اللّيل عندي من يدٍ تخبّر أنّ المانويّة تكذب
المانوية: قوم من المجوس ينتسبون إلى رجل اسمه: ماني. وهم يقولون: إن النور مطبوع على الخير والصلاح، والظلمة مطبوعة على الشر والفساد. فهو يقول: إنهم كذبوا في قولهم، فكم من نعمة لليل عندي، تدل على كذبهم في أن الظلمة لا تفعل الخير.
وقاك ردي الأعداء تسري إليهم وزارك فيه ذو الدّلال المحجّب
هذا تفسير للبيت الأول يقول: كم مرة سترني الليل عن الأعداء عند سيري فيما بينهم؟! وتمكني فيه من زيارتي الحبيب المحجوب! وهذا كله خير حصل لي من الظلمة.
ويومٍ كليل العاشقين كمنته أراقب فيه الشّمس أيّان تغرب
كمنته: أي كمنت فيه.
يقول ردًا على المانوية في قولهم: إن النور لا يفعل الشر.
[ ١ / ٣٩١ ]
رب يوم كمنت فيه خوفًا من أعدائي وطال علي، كما يطول الليل على العاشقين، وكنت أنتظر فيه الشمس حتى تغرب، ليظلم الليل فأسرى فيه وأنجو من أعدائي. وهذا شر حصل من النور، فبطل قولهم: إنه مطبوع على الخير، لا يقدر على الشر.
قال ابن جني: حدثني المتنبي قال: لما أنشدته قال: غيرك يستطيل الليل، فقبحًا له! كيف عرف معناه؟!
وعيني إلى أذني أغرّ كأنّه من اللّيل باقٍ بين عينيه كوكب
يقول: كنت أنظر إلى أذني الفرس الأغر، فإن توجس بهما علمت أنه أحس بشيء، فتأهبت في أمري فكأن أذني الفرس قائمان: مقام عيني، وقوله: كأنه من الليل باق: أي كأنه قطعة باقية من الليل.
شبه فرسه بقطعة من الليل؛ لأنه أدهم، وغرته بكوكب في ظلمة.
له فضلةٌ عن جسمه في إهابه تجيء على صدرٍ رحيبٍ وتذهب
الرحيب: الواسع، ويستحب في الفرس سعة الصدر. وإهابه: جلده.
يقول: لهذا الفرس فضلة من جلده تضطرب على صدره الواسع، فتجيء وتذهب. ويستحب في الفرس أن يكون جلد صدره واسعًا فاضلًا عنه. وقيل: أراد بالفضلة ذكاءه، ثم قال: هذه الفضلة تجيء على صدره الواسع: يعني لا يسع هذا الذكاء إلا صدره؛ لسعته، ولا يسع إهابه.
شققت به الظّلماء أدنى عنانه فيطغى وأرخيه مرارًا فيلعب
يقول: شققت بهذا الفرس ظلمة الليل، فسرت فيها، فكنت إذا جذبت عنانه طغى برأسه: أي رفعه، لطماحه وعزة نفسه، وإذا أرخيته: لعب برأسه، لنشاطه.
وأصرع أيّ الوحش قفّيته به وأنزل عنه مثله حين أركب
يقول: إذا تبعت به أي وحش كان، لحقته وصرعته، ونزلت عنه وهو على القوة التي ركبته عليها، لم يلحقه تعب وعياء.
وما الحيل إلاّ كالصّديق قليلةٌ وإن كثرت في عين من لا يجرّب
يقول: الخيل وإن كانت كثيرة في عين من لا يعرفها، فالعتيق منها قليل، فهي مثل الأصدقاء يكثرون في العدد ويقلون عند التجربة.
إذا لم تشاهد غير حسن شياتها وأعضائها فالحسن عنك مغيّب
الشية: العلامة كالغرة والتحجيل، وكل لون يخالف لون الجلد.
يقول: إن كنت لا تعرف حسن الخيل إلا في شياتها وأعضائها فالحسن غائب عنك.
لحا الله ذي الدّنيا مناخًا لراكبٍ فكلّ بعيد الهمّ فيها معذّب
مناخًا نصب على التمييز، وقيل: على الحال.
يقول: لعن الله هذه الدنيا التي لا ينال فيها المراد، فكل صاحب همة شريفة فيها معذب بإجدابها عليه.
ألا ليت شعري: هل أقول قصيدةً فلا أشتكي فيها ولا أتعتّب
ليت شعري: أي ليتني أشعر. وتقديره: ليت شعري كائن، فحذف خبر ليت.
يقول: هل أقول قصيدة وأنا راض عن الزمان؟ لا أشكو صروفه ولا أتعتب عليه!
وبي ما يذود الشّعر عنّي أقلّه ولكنّ قلبي يا ابنة القوم قلّب
قوله: يا ابنة القوم: كناية عن قوله: يا بنت أب جيد التصرف في الأمور.
يقول: بي من الهم ما يمنع أقله الشعر. كما يقال: حال الجريض دون القريض ولكن قلبي متقلب في الأمور. جلد صابر على ما ينويه، ويستخرج المعنى، مع ما فيه من الهموم.
وأخلاق كافورٍ، إذا شئت مدحه وإن لم أشأ تملي عليّ وأكتب
يقول: إن كانت الهموم شغلتني عن الشعر، فإني إذا شئت مدح كافور، فإن أخلاقه تبعثني على مدحه، فأكتبه وإن لم أتفكر فيه.
إذا ترك الإنسان أهلًا وراءه ويمّم كافورًا فما يتغرّب
يقول: من حصل عنده فكأنه في أهله، لما يرى من بره ما يسره. ومثله لآخر:
فما زال بي إكرامهم وافتقادهم وإلطافهم حتّى حسبتهم أهلي
فتىً يملأ الأفعال رأيًا وحكمةً وبادرةً أحيان يرضى ويغضب
البادرة: البديهة.
يقول: ليس له فعل إلا فيه حكمة ورأي وبادرة، فيملأ ذلك الفعل من هذه الثلاثة.
وبالغ في ذلك حيث جعل: البديهة كالروية من غيره، في امتلائه من الحكمة، ويفعل ذلك في حالتي الرضا والغضب، ولا يمنعه غضبه من الحكمة، ولا رضاه يلهيه عنها.
وقيل: البادرة: ما يبدر عند الغضب.
والمعنى: إذا رضى ملأ أفعاله رأيًا وحكمة، وإذا غضب ملأها بادرة وسطوةً، فيبالغ في كلا الحالين.
إذا ضربت في الحرب بالسّيف كفّه تبيّنت أنّ السّيف بالكفّ يضرب
[ ١ / ٣٩٢ ]
يقول: إذا ضرب بالسيف، عمل في يده أكثر مما يعمل في يد غيره، فإذا رأيت ذلك علمت أن السيف عمل على قدر قوة الكف.
تزيد عطاياه على اللّبث كثرةً وتلبث أمواه السّحاب فتنضب
تنضب: أي تجف.
يقول: كلما بقيت عطاياه ازدادت ونمت؛ لأنه يهب فرسًا فتنتج، أو ضيعةً فتغل، فعطاياه أبدًا تزداد وتبقى، لا كعطاء السحاب، فإنه إذا أقام بمكان أيامًا جف وذهب.
وقيل: معناه أنه إذا أمسك العطاء، فإنما يؤخره لتكثيره، والماء إذا منع من السيلان، غار ونضب.
وقيل: أراد أن عطاياه متصلة دائمة، فهي أكثر وأثبت من ماء السحاب، لأنها تجيء أحيانًا وتقلع أخرى.
أبا المسك هل في الكأس فضلٌ أناله؟ فإنيّ أغنّي منذ حينٍ وتشرب
يقول: أنا أغنيك بمدحك، وأطربك، وأنت تشرب كأس السرور بما أنظمه من أوصافك، فاسقني من فضلة هذا الكأس: أي اجعل لي في سرورك نصيبا بإنجاز ما وعدت.
وقيل: أراد أن مديحي يطرب، كما يطرب الغناء الشارب.
وهبت على مقدار كفّي زماننا ونفسي على مقدار كفّيك تطلب
يقول: أنت إنما وهبت من المال على قدر همة الزمان، وأنا أطلب منك على قدر همتك ومبلغ جودك.
وحكى ابن جني عنه أنه قال: كنت إذا خلوت أنشدت.
وهبت على مقدار كفّيك عسجدًا ونفسي على مقدار كفّيّ تطلب
إذا لم تنط بي ضيعةً أو ولايةً فجودك يكسوني وشغلك يسلب
يقول: إذا لم تقطعني ضيعةً، أو توليني ولايةً تفضل عن مؤنتي، فإنه وإن كساني جودك، فإن اشتغالك بتدبير الملك عنى، يسلبني ما يكسوني إياه جودك.
يضاحك في ذا العيد كلٌّ حبيبه حذائي وأبكى من أحبّ وأندب
يقول: كل أحد في هذا العيد يسر بأهله في وطنه، وأنا بعيد عمن أحب، أبكى على فراقه، وأشتاق إلى لقائه.
أحنّ إلى أهلي وأهوى لقاءهم وأين من المشتاق عنقاء مغرب؟
يقال: عنقاء مغرب وصفًا وإضافة. وهو جعله وصفًا. ومغرب: أي بعيد، يقال: أغرب في البلاد وغرب: إذا خرج منها.
يقول: أنا أشتاق إلى أهلي، وأشتهي لقاءهم، ولكن بيني وبينهم بعد العنقاء، فهل أصل إليهم؟! فاشتياقي إليهم كاشتياق المشتاق إلى عنقاء مغرب! فكما لا يصل إليه كذلك وصولي إلى أهلي.
وقيل: معناه أرى الناس يضربون المثل في البعد بالعنقاء، ولو عقلوا لضربوا بالمغرب عن الوصل؛ لأنه أبعد من العنقاء.
فإن لم يكن إلاّ أبو المسك أو هم فإنّك أحلى في فؤادي وأعذب
يقول: متى لم يكن لي إلا أنت، أو أهلي، فإن الذي أختاره، هو الكون عندك، والمقام في خدمتك، دون الأهل الذين أشتاقهم.
وكلّ امرئٍ يولي الجميل محبّبٌ وكلّ مكانٍ ينبت العزّ طيّب
يقول: أنت تفيض على نعمك، وأكتسب العز عندك، فقلبي يحبك، والمقام يطيب لي بقربك.
يريد بك الحسّاد ما الله دافعٌ وسمر العوالي والحديد المذرّب
المذرب: المحدد.
يقول: يريد بك الحساد السوء، والله تعالى يدفع عنك، وكذلك تدفعه رماحك وسيوفك الحداد.
ودون الّذي يبغون ما لو تخلّصوا إلى الشّيب منه عشت والطّفل أشيب
يقول: دون ما يرومون من كيدك حروب، لو سلموا من أهوالها إلى الشيب، لشيب رءوس أطفالهم، ولكنك متى أرادوا بك سوءًا، قصدتهم بمكر، أو ضرب، يأتي على أنفسهم ويفني حياتهم، وقوله: عشت دعاء للممدوح.
إذا طلبوا جدواك أعطوا وحكّموا وإن طلبوا الفضل الّذي فيك خيّبوا
يقول: إذا طلبوا عطاءك أعطيتهم وحكمتهم فيه، وإن طلبوا فضلك خيبتهم وحرمتهم.
ولو جاز أن يحووا علاك وهبتها ولكن من الأشياء ما ليس يوهب
يقول: من الأشياء ما لا يجوز هبته، وعلاك من جملة ذلك؛ لأنه لا يمكن لأحد أن يحويها، فلست تمنعهم ذلك للبخل.
وأظلم أهل الظّلم من بات حاسدًا لمن بات في نعمائه يتقلّب
يقول: أظلم الظالمين، من يحسد الذي ينعم عليه، فهو يتقلب في نعم المحسود، فحسادك يتقلبون في نعمك، ومع ذلك يحسدونك!
وأنت الّذي ربّيت ذا الملك مرضعًا وليس له أمٌّ سواك ولا أب
يقول: ربيت هذا الملك وهو ضعيف حتى شددته وقهرت أعداءه، فليس له كافل سواك، وأنت أولى به ممن عجز عن تدبيره وسياسته.
[ ١ / ٣٩٣ ]
ويروى ذا الملك بفتح الميم. أي أنت الذي ربيت هذا الملك، وأراد به: ابن مولى كافور. أي أنك كفلته وهو طفل صغير، لا يعرف أبًا ولا أمًا، فليس له أب ولا أم غيرك.
وكنت له ليث العرين لشبله وما لك إلاّ الهندوانيّ مخلب
يقول: كنت كالأسد لشبله، تذب عنه كما يذب الأسد عن شبله، وسيفك لك كالمخلب للأسد. والهاء في له للملك أو للملك.
لقيت القنا عنه بنفسٍ كريمةٍ إلى الموت في الهيجا من العار تهرب
يقول: باشرت القتال عنه بنفسك الكريمة التي تهرب إلى الموت خوفًا من العار، ولا تهرب من الموت.
وقد يترك النّفس الّتي لا تهابه ويخترم النّفس الّتي تتهيّب
فاعل يترك ويخترم: ضمير الموت.
يقول: قد ينجو من الموت من لا يخاف منه، وقد يصيب الموت من يحذر منه، فيخترمه.
وما عدم اللاّقوك بأسًا وشدّةً ولكنّ من لاقوا أشدّ وأنجب
يقول: الذين لقوك في الحرب لم يكونوا ضعافًا جبناء، ولكنهم لقوا من هو أشد منهم وأقدر على قهرهم.
ثناهم، وبرق البيض في البيض صادقٌ عليهم، وبرق البيض في البيض خلّب
سللت سيوفًا علّمت كلّ خاطبٍ على كلّ عودٍ كيف يدعو ويخطب
يقول: هزمهم لما لقيهم، وكانت سيوفه إذا برقت صدق برقها وعملت السيوف في البيض، وأوعدته أنها تقطعه وتقطع الرءوس التي فيه، وإذا برق البيض للسيوف كذب برقها أنها تمنع لابسها، فبرق سيوفك المسلولة علمت الخطباء في جميع البلاد: أن الواجب عليهم أن يخطبوا في جميع الناس، فخطبوا على كل منبر باسمك.
ويغنيك عمّا ينسب النّاس أنّه إليك تناهى المكرمات وتنسب
يقول: وإن لم يكن لك نسب في العرب فأنت أصل المكرمات وإليك نسبها، فأنت أكبر من أن تنسب إلى أب أو جد، وهذا كقول أبي طاهر:
خلائقه للمكرمات مناسبٌ إليها تناهى المكرمات وتنسب
وروى: إليها تناها كل مجد مؤثل.
وأيّ قبيلٍ يستحقّك قدره؟ معدّ بن عدنان فداك ويعرب
الهاء في قدره للقبيل، وقيل: تعود إلى أي.
يقول: أية قبيلة من العرب تستحق أن تنسب إليها، فأنت أفضل من معد بن عدنان، ويعرب بن قحطان اللذين هما أصل العرب. وهما يفديانك.
وقيل: هذا هجو يريد: إنك عبد لا يعرف لك أصل وحسب.
وما طربي لمّا رأيتك بدعةً لقد كنت أرجو أن أراك فأطرب
يقول: ليس سروري - الآن وقد رأيتك - ببدع، فإني كنت أرجو أن أراك فأطرب بمجرد الرجاء فكيف الآن؟! وقد رأيتك.
هذا وإن كان ظاهره مدحًا، فإن باطنه إلى الهزؤ أقرب ورفع فأطرب عطفًا على أرجو ولم يعطفه على أن أرى.
وتعذلني فيك القوافي وهمّتي كأنّي بمدحٍ قبل مدحك مذنب
يقول: لامتني القصائد على مدح غيرك، فقالت: لم وضعتني في غير موضعي؟ وكذلك لامتني همتي وقالت: لم اشتغلت بخدمة غيره؟ حتى كأن مدحي لغيرك ذنب أذنبته. وهو كقول أبي تمام:
وهل كنت إلاّ مذنبًا يوم أنتحي سواك بآمالي فأصبحت تائبًا
والمصراع الأول لو لم يضم إليه المصراع الثاني لكان هجوًا ظاهرًا.
ولكنّه حال الطّريق ولم أزل أفتّش عن هذا الكلام وينهب
يقول: إنما مدحت غيرك؛ لأن الطريق حال بيني وبينك، وكنت أتخير لك هذا الكلام لأتعلمه مدحًا لك، والملوك ينتهبونه مني.
وقيل: أراد بالطريق طريق المدح أي كان طريق مدحك بعيد التناول؛ لانتهاء أوصافك في المكارم، فكنت أتفكر في مدحك، وتنهبه الملوك مني، فكان ذلك سبب تأخري عنك.
فشرّق حتّى ليس للشّرق مشرقٌ وغرّب حتّى ليس للغرب مغرب
يقول: سار هذا الكلام أي الشعر في الآفاق، فشرق حتى ليس مشرق لأهل الشرق؛ لأن مشارق أهل الشرق كثيرة، فليس بعد الشرق شرق، ولا بعد الغرب غرب، ولو كان وراءهما موضع لسار إليه.
إذا قلته لم يمتنع من وصوله جدارٌ معلّى أو خباءٌ مطنّب
يعني: إذا قلت شعرًا سار في البدو والحضر، ووصل إلى سكان المدر والوبر فالجدار المعلى لأهل الحضر، والخباء المطنب لأهل الوبر.
واتصل بأبي الطيب أن قومًا نعوه في مجلس سيف الدولة بحلب، فقال في ذلك ولم ينشدها كافورًا الأسود:
بم التّعلّل؟ لا أهلٌ ولا وطن ولا نديمٌ، ولا كأسٌ، ولا سكنه
[ ١ / ٣٩٤ ]
التعلل: تطيب النفس. والسكن: ما يسكن إليه.
يقول: بأي شيء أتعلل؟ وقد عدمت هذه الأشياء التي يتسلى الإنسان بها.
أريد من زمني ذا أن يبلّغني ما ليس يبلغه في نفسه الزّمن
يقول: أريد من الزمان أن يدوم على حال، فلا يسلب مني الشباب، ولا يكدر على السرور، وهذه حالة لو أرادها الزمان لنفسه لم يقدر عليها؛ لأنه لو اختار أن يكون نهارًا دائمًا، أو ربيعًا أبدًا لما أمكنه ذلك، فكيف يبلغني ما لا يقدر عليه لنفسه؟!
لا تلق دهرك إلاّ غير مكترثٍ ما دام يصحب فيه روحك البدن
يقول: ما دام روحك في الجسد، فلا تبال بحوادث الدهر، فإنها لا تدوم.
وقيل: أراد لا تبال بأهل الدهر ما دمت حيًا.
فما يديم سرورٌ ما سررت به ولا يردّ عليك الفائت الحزن
فاعل يديم: سرور.
يقول: سرورك بمواتاة الدهر لا يديم ذلك لك، وإن حرصت على دوامه. وجزعك على ما يفوتك منه لا يرده عليك، فلا تفرح بلذة إن وصلت إليك، ولا تحزن عليها إن فاتتك.
ممّا أضرّ بأهل العشق أنّهم هووا وما عرفوا الدّنيا ولا فطنوا
يقول: إن أهل العشق اغتروا بظواهر الدنيا، فاغتروا بحسن الخلق، وأحبوا من هو حسن الوجه، ولم يعتبروا قبح أفعاله، ولم ينظروا إلى حوادث الزمان وأحوال الدهر، فأخر ذكرهم. وقد بين ذلك فيما يليه.
تفنى عيونهم دمعًا وأنفسهم في إثر كلّ قبيحٍ وجهه حسن
دمعًا نصب على التمييز.
يقول: عشقوا بلا تجربة وروية؛ فعيونهم تذوب عبرةً، وأنفسهم تسيل حزنًا على كل قبيح الفعل حسن الوجه.
تحمّلوا حملتكم كلّ ناجيةٍ فكلّ بينٍ عليّ اليوم مؤتمن
الناجية: الناقة السريعة. وتحملوا أمر، وحملتكم دعاء.
يقول لأحبابه: متى شئتم الرحيل فارحلوا، فلست أبالي بفراق من بان عني بعد أن عرفت قبح أفعالكم وخبث هذا الزمان، ولا أخاف الآن من الفراق، فكل فراق مأمون في حقي.
ما في هوادجكم من مهجتي عوضٌ إن متّ شوقًا ولا فيها لها ثمن
يقول: نفسي أحب إلي من النساء اللاتي في هوادجكم، فكيف أفنيها شوقًا إليهن ولا عوض لي فيهن؟! وليس في الهوادج ثمن لمهجتي.
يا من نعيت على بعدٍ بمجلسه كلٌّ بما زعم النّاعون مرتهن
يخاطب سيف الدولة يقول: كل منا مرهون بالموت فلا شماتة فيه لأحد ومثله للفرزدق قوله:
فقل للشّامتين بنا أفيقوا سيلقى الشّامتون كما لقينا
كم قد قتلت وكم قدمتّ عندكم؟ ثمّ انتفضت فزال القبر والكفن
يقول: كم مرة أخبرت بموتي وقتلي وأنا حي، فبطل ما تمناه المرجفون وزالت أراجيفهم.
قد كان شاهد دفني قبل قولهم جماعةٌ ثمّ ماتوا قبل من دفنوا
يقول: قد كان جماعة قبل من أخبرك الآن بموتي، زعموا أنهم شاهدوا دفني، ثم ماتوا وأنا حي، فكذلك يموت هؤلاء وأبقى أنا حيًا.
ما كلّ ما يتمنّى المرء يدركه تجري الرّياح بما لا تشتهي السّفن
يقول: ليس كل ما يشتهيه الإنسان يصل إليه، فإن الأقدار لا تجري على وفق الإرادات، كما أن الرياح إنما تهب على طبعها لا على ما يختاره أصحاب السفن، وهذا تعريض بسيف الدولة.
يقول: إن الأمر ليس كما تحبه من موتي، فإني ربما عشت بعدك.
ويجوز في كل النصب بإضمار الفعل يفسره الظاهر، وهو يدركه أي: ما يدرك المرء كل ما يتمناه وهذا هو الاختيار لأجل النفي، كالاستفهام.
ويجوز في كل الرفع بالابتداء وما بعدها خبرها. هذا في لغة تميم، وفي لغة أهل الحجاز رفع لأنه اسم ما وما بعدها خبرها.
رأيتكم لا يصون العرض جاركم ولا يدرّ على مرعاكم اللّبن
يقول: من جاوركم لا يصون عرضه عن الذل والأذى، وليس عندكم مرعىً خصيب يدر عليه اللبن.
يعني: لا خير عندكم نصبر لأجله على الأذى.
جزاء كلّ قريبٍ منكم مللٌ وحظّ كلّ محبٍّ منكم ضغن
يقول: من قرب منكم مللتموه، فجزاء قربه منكم الملل، ومن أحبكم جازيتموه بالحقد عليه.
وتغضبون على من نال رفدكم حتّى يعاقبه التّنغيص والمنن
يقول: إذا أحسنتم إلى إنسان نغصتم إليه نعمكم حتى يصير التنغص والمنن عقوبةً عليه.
فغادر الهجر ما بين وبينكم بهماء تكذب فيها العين والأذن
[ ١ / ٣٩٥ ]
البهماء: الأرض البعيدة التي لا يهتدي فيها.
يقول: لما جربت أحوالكم هجرتكم وبعدت عنكم، وجعلت بيني وبينكم فلاةً بعيدةً تكذب فيها العين فترى خيالات لا حقيقة لها، وتسمع فيها الأذن أصواتًا لا حقيقة لها أيضًا.
تحبو الرّواسم من بعد الرّسيم بها وتسأل الأرض عن أخفافها الثّفن
الرواسم: النوق التي تسير الرسيم، وهو ضرب من السير، الواحدة راسمة والثفن: جمع ثفنة وهو ما غلظ من جلد البعير إذا لاقى الأرض من اليدين والركبتين.
يقول: إذا سارت الإبل في هذه البهماء حفيت أخفافها لشدة السير فيها، فتحبوا على ثفناتها وتجري عليها، حتى تسأل الثفنات الأرض فتقول: ما فعلت أخفاف هذه الإبل التي كانت تكفينا ملاقاتك؟!
إنّي أصاحب حلمي وهو بي كرمٌ ولا أصاحب حلمي وهو بي جبن
يقول: أحلم ما دام الحلم منى منسوبًا إلى الكرم، فأما إذا كان منسوبًا إلى الذل والجبن لم أصبر عليه.
ولا أقيم على مالٍ أذلّ به ولا ألذّ بما عرضي به درن
يقول: لا أختار المال مع الذل، ولا أستلذ بما يورثني العيب ويؤدي إلى دناءة الطبع ولؤم العرض.
سهرت بعد رحيلي وحشةً لكم ثمّ استمّر مريري وارعوى الوسن
المرير جمع المريرة وهي القوة من الحبل. يقال: استمر فلان على مريره: أي جرى على عادته التي أمر عليها.
يقول: لما فارقتكم سهرت وحشةً لفراقكم، فلما طالت الأيام نسيتكم وتسليت عنكم وعاد النوم إلى عيني.
وإن بليت بودٍّ مثل ودّكم فإنّني بفراقٍ مثله قمن
يقول: إن عاملني كافور بمثل ما عاملتموني به، وجرى على عادتكم في الأذى، فارقته كما فارقتكم. ومثله:
وإذا نبا بك منزلٌ فتحوّل
أبلى الأجلّة مهري عند غيركم وبدّل العذر بالفسطاط والرّسن
الأجلة: جمع الجلال. والعذر جمع العذار.
يقول: طال مقامي عند غيركم لإكرامه إياي، حتى أبلى مهري الأجلة جلًا بعد جل، وبدل عليه عذار بعد عذار، فلم يملني كما مللتم أنتم مقامي عندكم.
عند الهمام أبى المسك الّذي غرقت في جوده مضر الحمراء واليمن
يقول: أقمت عند كافور الذي عم جوده جميع العرب مضريهم ويمنيهم. وإنما سميت مضر الحمراء؛ لأن نزار لما مات وتحاكم أولاده وهم: ربيعة، ومضر، وإياد، وأنمار، إلى جرهم في قسم ميراثه، فأعطى ربيعة الخيل؛ فسمى أولاده: ربيعة الفرس. وأعطى مضر الإبل الحمر، وقيل أعطاه الذهب؛ فسمى أولاده مضر الحمراء.
وإن تأخّر عنّي بعض موعده فما تأخّر آمالي ولا تهن
يقول: إن تأخر عني بعض ما وعدني به من الولاية وغيرها، فإن أملي فيه في غاية القوة. وهذا استبطاء وعتاب.
هو الوفيّ ولكنّي ذكرت له مودّةً فهو يبلوها ويمتحن
يقول: هو يفي بما وعدني، ولكني ذكرت إظهار المودة التي يختبر بها ويمتحن.
يعني: كنت أظهر له المودة فأذكرها، فهو يمتحن ما ذكرته من المودة فيؤخر موعدي تجربة لمودتي له.
ويروى: بدل ذكرت بذلت.
ومما قاله بمصر في الحكم ولم ينشده الأسود ولم يذكره فيه.
صحب النّاس قبلنا ذا الزّمانا وعناهم من شأنه ما عنانا
يقول: صحب الناس قبلنا هذا الزمان، وأهمهم من أمر هذا الزمان ما أهمنا منه.
وتولّوا بغصّةٍ كلّهم من هـ وإن سرّ بعضهم أحيانا
يقول: كل من مضى قبلنا، مضى وفي قلبه غصة من الزمان، وإن سر بعضًا في وقت. ومثله للآخر قوله:
كلٌّ يبيت من الدّنيا على غصص
ربّما تحسن الصّنيع ليالي هـ ولكن تكدّر الإحسانا
الهاء في لياليه نعود إلى الزمان. يعني: تحسن ليالي الزمان الصنيع.
يقول: إن الزمان يمزج الإحسان بالإساءة والتكدير.
يعني: أن الزمان إذا أحسن أولا كدر وأساء آخرًا، هذه عادته، يعطي ثم يرجع وإذا أحسن لا يتم الإحسان
وكأنّا لم نرض فينا بريب الد دهر حتّى أعانه من أعانا
يقول: لم يكفنا ما نقاسيه من حوادث الزمان، حتى أعانه عليها حسادنا وأعداؤنا، فصاروا أعوانًا للزمان على الإساءة إلينا.
كلّما أنبت الزّمان قناةً ركّب المرء في القناة سنانا
يقول: إذا أنبت الزمان قناةً: أي كيدًا أو شرًا يطلب به هلاكنا، ركب الإنسان في تلك القناة السنان فيصيرها رمحًا.
[ ١ / ٣٩٦ ]
يعني: أن الإنسان يتم أمر الدهر في الإيقاع بنا.
ومراد النّفوس أصغر من أن نتعادى فيه وأن نتفانى
يقول: ما يريد الإنسان من هذه الدنيا من المأكول والملبوس والنعم، أحقر من أن يقتل بعضنا بعضًا لأجله؛ لأنه لا يدوم لأحد.
غير أن الفتى يلاقي المنايا كالحاتٍ ولا يلاقي الهوانا
كالحات أي عابسات، وقيل: شديدات، وهي نصب على الحال.
يقول: إن الدنيا لا قدر لها، ولكن احتمال الهوان أصعب من ملاقاة الموت.
ولو أنّ الحياة تبقى لحيٍّ لعددنا أضلّنا الشّجعانا
يقول: لو كانت الحياة تدوم، لكان الشجعان الذين يتعرضون للقتل أكثر الناس ضلالًا وأغبنهم رأيًا.
وإذا لم يكن من الموت بدٌّ فمن العجز أن تكون جبانا
يقول: فإذا كانت الحياة منقطعة بالموت، والموت لا محيص عنه بحال، والجبن لا ينجى منه، فاستعمال الجبن هو العجز والذل.
كلّ ما لم يكن من الصّعب في الأن فس سهلٌ فيها إذا هو كانا
ما لم يكن: أي ما لم يقع.
يقول: إن كل ما لم يقع مما يستصعب في النفوس، فهو سله إذا وقع.
وكان الأستاذ أبو المسك اصطنع شبيبًا بن جرير العقيلي فقلده عمان والبلقاء وما بينهما من البر والجبال، فعلت منزلته وزادت رتبته واشتدت شوكته وغزا العرب في منابتها، من السماوة وغيرها، واجتمعت العرب إليه وكثر من حوله وطمع في الأسود وأنف من طاعته، فسولت له نفسه أخذ دمشق والعصيان بها، فسار إليها في نحو عشرة آلاف، وقاتله أهلها وسلطانها واستأمن إليه جمهور الجند الذين كانوا بها، وغلقت أبوابها واستعصموا بالحجارة والنشاب، فترك بعض أصحابه على الثلاثة الأبواب التي تلي المصلي ليشغلهم بهم، ودار هو حتى دخل على القوات، حتى انتهى إلى باب الجابية، وحال بين الوالي وبين المدينة ليأخذها.
وكان يقدم أصحابه، فزعموا أن امرأة دلت على رأسه صخرة. واختلف الناس في أمره. فقال قوم: وقعت يد فرسه في قناة ولم تخلص يدها فسقط، وكان مكسور الكتف والترقوة بسقطة سقطها عن الفرس في الميدان بعمان قبل ذلك بقليل، وسار إلى دمشق قبل تمام الانجبار وذكروا أنه سار من سقطته فمشى خطوات، ثم غلب فجلس وضرب بيده ألمًا إلى قائم سيفه وجعل يذب حوله، وكان شرب وقت ركوبه سويقًا، فزعم قوم أنه طرح له فيه شيء، فلما سار وحمى عليه الحديد وازدحم الناس حوله عمل فيه؛ غير أنه سقط ولم ير أثر شيء من السلاح ولا الحجارة التي أصابته، وكثر تعجب الناس منه ومن أمره، حتى قال قوم: كان يتعهده صرع فأصابه ذلك في تلك الساعة.
وانهزم أصحابه لما رأوا ذلك، وخالفوا الموضع الذي دخلوا منه، وأرادوا الخروج منه معه فقتل منهم أربع مئة فارس وبضعة عشر، وأخذ رأسه، ووردت الكتب إلى مصر بخبره يوم الجمعة لخمس خلون من جمادى الآخرة سنة ثمان وأربعين وثلاث مئة وطالب الأسود أبا الطيب بذكره فقال، وأنشدها يوم السبت لست خلون منه.
عدوّك مذمومٌ بكلّ لسان ولو كان من أعدائك القمران
القمران: الشمس والقمر.
يقول: كل من عاداك فهو مذموم عند كل أحد، حتى أن الشمس والقمر لو عادياك لذمهما جميع الناس: يعني: أن الخلق أجمعوا على فضلك وإقبال دولتك، حتى أن من عاداك لم يوجد في وجميع الأمم من يحمده.
وقد صرف هذا المعنى إلى الذم كأنه قال: أنت رذل ساقط، ومن كان كذلك لا يعاديه إلا مثله، فإذا كان من يعاديك مثلك فهو مذموم بكل لسان، حتى لو عاداك القمران لكانا مذمومين بمساجلتهما إياك.
ولله سرٌّ في علاك وإنّما كلام العدى ضربٌ من الهذيان
يقول: لله تعالى سر بما أعلى قدرك، وإنما رفع قدرك لما علم من فضلك، فكلام العدى لا معنى له مع إرادة الله تعالى.
وقد صرف إلى الهجو.
وقيل: أراد أن الله تعالى إنما بلغك هذه المنزلة ليغيظ بك الأحرار، وليعلم الناس أن الدنيا لا قدر لها عند الله تعالى، إذ لو كان لها قدر لما مكنك منها مع حقارتك ومهانة قدرك.
أتلتمس الأعداء بعد الّذي رأت قيام دليلٍ أو وضوح بيان؟!
يقول: قد ظهر للأعداء دليل على ما قلت: إن لله تعالى سر في علاك بموت شبيب حين غدر بك، فهل يطلبون دليلًا أوضح من هذا؟!
رأت كلّ من ينوي لك الغدر يبتلي بغدر حياةٍ أو بغدر زمان
[ ١ / ٣٩٧ ]
يقول: رأت الأعداء كلّ من يغدر بك مغدورًا به، إما من جهة الحياة بالموت أو من جهة الزمان بالذل.
برغم شبيبٍ فارق السّيف كفّه وكانا على العلاّت يصطحبان
علات الدهر: حوادثه.
يقول: إن السيف فارق شبيبًا على رغم منه، بعد أن كان لا يفارقه فقتل بسيفه على ما يقال.
كأنّ رقاب النّاس قالت لسيفه: رفيقك قيسيٌّ وأنت يماني
قيس: من عدنان. واليمن: من قحطان. وبينهما عداوة قديمة وتارات وكيدة وهذا الرجل كان من قيس عيلان، والسيوف الجيدة تنسب إلى اليمن.
يقول: كأن رقاب الناس لما تبرمت بقطع شبيب لها، أغرت بينه وبين سيفه ليقتله حتى تسلم الرقاب من شره فقالت له: لم تصحبه؟! وأنت يماني وهو قيسي، وبين قيس واليمن تلك الحروب والتارات، فبان من يده وضرب عنقه وأخذ منه ثأر اليمن عند قيس.
وأراد أن يذكر سبب قتله بسيفه فعبر عنه بأحسن عبارة.
فإن يك إنسانًا مضى لسبيله فإنّ المنايا غاية الحيوان
اسم كان مضمر: أي إن كان شبيب إنسانًا مات، فالموت غاية كل حي، فضلًا عن كل إنسان.
فهذا كالمرثية له.
وما كان إلاّ النّار في كلّ موضعٍ يثير غبارًا في مكان دخان
يقول: كان في أيام حياته نارًا في المواقع، وكان يثير الغبار بدل الدخان. جعله نارًا وغبار المعركة دخانًا.
فنال حياةً يشتهيها عدوّه وموتًا يشهّي الموت كلّ جبان
يقول: عاش في حياة نكدة منغصة يشتهيها كل عدو له، ومات موتةً قبيحةً تمنى الجبان أن يموت قبل أن يصير إلى مثل حاله.
قيل: قنطر به فرسه. وقيل: إن امرأة رمته بجرة ملآنة عذرة.
وقيل: إن هذا البيت مرثية له.
يقول: إنه عاش في عز وعلاء يتمناه العدو لنفسه، ومات موتًا يشجع الجبان؛ لأنه إذا علم أن الموت لا محيص عنه، وأن تحرزه لا ينجيه منه، اشتهى الموت في القتال.
نفى وقع أطراف الرّماح برمحه ولم يخش وقع النّجم والدّبران
يقول: دفع رماح الأبطال عن نفسه برمحه، لما خشى أن يصل إليه من جهتهم قتل أو جرح، ولم يخش أن ينزل إليه الموت من السماء.
يعني: استبعد الموت من الجهة التي أتاه منها، كما يستبعد وقع النجوم من السماء. وذلك أن امرأة دلت على رأسه حجرًا من سور دمشق، وقيل: سقطت به فرسه. يعني لم يكن يخشى ذلك.
ولم يدر أنّ الموت فوق شواته معار جناحي، محسن الطّيران
شواته: أي جلدة رأسه.
يقول: لم يعلم أن الموت نجم أعير جناحا طائر، وأنه يعلم الطيران فيهتدي إليه.
وقد قتل الأقران حتّى قتلته بأضعف قرنٍ، في أذلّ مكان
يقول: لم يزل يقتل الأبطال حتى قتلته الأقران بأضعف قرن في أخس مكان وأذله. يعني: المرأة التي دلت عليه الرحى.
أتته المنايا في طريقٍ خفيّةٍ على كل سمعٍ حوله وعيان
يقول: أتاه الموت من حيث لا يشعر به هو ولا أصحابه فكأنه جاء في طريق خفي على كل أحد ممن حوله.
ولو سلكت طرق السّلاح لردّها بطول يمينٍ واتّساع جنان
الجنان: القلب. والهاء في ردها للمنايا.
يقول: لو جاءته المنايا من طريق الحرب لردها عن نفسه بطول يمينه وسعة قلبه.
تقصّده المقدار بين صحابه على ثقةٍ من دهره وأمان
تقصده: قيل: قصده، وقيل: قتله.
يقول: قصد موته أو أجله القدر. وهو بين أصحابه، واثق من دهره آمن من صروفه.
وهل ينفع الجيش الكثير التفافه على غير منصورٍ وغير معان؟
التفافه: أي اجتماعه.
يقول: إذا لم يكن الإنسان منصورًا من جهة الله تعالى، فلا ينفعه كثرة جيشه واجتماعه.
ودى ما جنى قبل المبيت بنفسه ولم يده بالجامل العكنان
ودى: أي أعطى الدية. وفاعله: ضمير شبيب. وما جنى مفعوله. والجامل: اسم موضع لجماعة الجمال. مثل الباقر: لجماعة البقر. والعكنان: الكثير.
يقول: أعطى دية من قتله من الأقران قبل دخول الليل بنفسه ولم يعط ديتهم بالإبل الكثيرة.
أتمسك ما أوليته يد عاقلٍ وتمسك في كفرانه بعنان؟
يقول: كيف تمسك يد العاقل إحسانك ثم يكفره؟! وتمسك يده العنان لمحاربتك! يعني لا يفعل هذا عاقل، وإن رامه خذلته يده.
وعطف تمسك على تمسك ولو نصب الثاني لجاز. كقولك: أتأكل السمك وتشرب اللبن.
[ ١ / ٣٩٨ ]
ويركب ما أركبته من كرامةٍ ويركب للعصيان ظهر حصان!
طريقة الإعراب في يركب الثاني مثل ما ذكر في جواز الرفع والنصب.
يقول: كيف يجمع عاقل بين ركوب كرامتك وركوب فرسه لمحاربتك؟!
ثنى يده الإحسان حتّى كأنّها وقد قبضت كانت بغير بنان
يقول: إحسانك قبض يده عن معصيتك، فكأنها وقد قبضت السيف والعنان ليس لها أصابع وبنان.
وعند من اليوم الوفاء لصاحبٍ؟ شبيبٌ وأوفى من ترى أخوان
يقول: من يفي اليوم لصاحبه؟ فأوفى الناس مثل شبيب في غدره.
وهذا معنى قوله: شبيب وأوفى من ترى أخوان يعني أوفى الناس أخو شبيب: أي مثله، وأراد أنهما ميتان. وقيل: أخوان: أي متشابهان في العلة متشاكلان في الطبع كالأخوين.
قضى الله يا كافور أنّك أوّلٌ وليس بقاضٍ أن يرى لك ثاني
يقول: إن الله تعالى قد حكم بأنك الأول في الفضل والسابق إليه، ولم يحكم بأن يكون لك نظير في الفضل.
فمالك تختار القسيّ وإنّما عن السّعد يرمي دونك الثّقلان؟
يقول: لم تختار القسي وتستعدها، فأنت لا تحتاج إليها؛ لأن سعادة جدك ترمي الجن والإنس.
ومالك تعني بالأسنّة والقنا وجدّك طعّانٌ بغير سنان؟
تعني من العناية.
يقول: أي حاجة لك إلى الإعناء بالأسنة والقنا، وإقبال دولتك يطعن عنك أعداءك بغير سنان.
ولم تحمل السّيف الطّويل نجاده وأنت غنيٌّ عنه بالحدثان؟
يقول: لم تحمل السيف وحوادث الدهر قد أغنتك عنه؟ وقيل: أراد بالحدثان؛ قضاء الله تعالى وقدره.
أرد لي جميلًا: جدت أو لم تجد به فإنّك ما أحببت فيّ أتاني
يقول: أرد لي الجميل، فعلته أو لم تفعله، فإن الأيام تبلغني إليه؛ لأنها لا تفعل إلا ما تريده.
لو الفلك الدّوّار أبغضت سعيه لعّوقه شيءٌ عن الدّوران
يقول: لو كرهت دوران الفلك، لعرض له ما يمنعه من الدوران، وحبسه على وفق إرادتك.
وروى هذا البيت برفع الفلك والدوار: صفة له، فيكون مرفوعًا بفعل مضمر، وهذا الظاهر تفسير له. كأنه قال: لو خالفك الفلك لعوقه. وصار أبغضت تفسيرًا له. ولا يجوز رفعه بالابتداء؛ لأن لولا يقع بعدها إلا الفعل.
ولو نصب الفلك لكان أظهر في الإعراب؛ لأنك كنت تضمر فعلًا، ويكون أبغضت تفسيرًا له وتقديره: لو أبغضت سعي الفلك أبغضت سعيه فأضمرت الأول لدلالة الثاني عليه.
ونالت أبا الطيب بمصر حمى، كانت تغشاه إذا أقبل الليل، وتنصرف عنه إذا أقبل النهار بعرق، فقال يصف الحمى ويذم الأسود، ويعرض بالرحيل، فشغف الناس بها بمصر، وأنشدوها الأسود فساءته.
وذلك في يوم الاثنين لأربع ليال بقين من ذي الحجة سنة ثمان وأربعين وثلاث مئة.
ملومكما يجلّ عن الملام ووقع فعاله فوق الكلام
الملوم: الرجل الذي يلام.
يقول لصاحبيه: الرجل الذي تلومانه يعني نفسه يجل عن لومكما فلا تؤذياه بملامكما. وكذلك وقع فعل هذا الرجل الملوم فوق الكلام الذي توجهانه إليه على سبيل الملام. يعني: أن فعله أجل أيضًا من أن يلام عليه.
وقيل: اراد فعل هذا الرجل أجل من أن يلحقه الوصف بالكلام، ويبلغه البيان بالعبارة والمقال.
وقيل: الهاء في فعاله تعود إلى الملام أي وقع فعل الملام وتأثيره فوق تأثير الكلام.
يعني: أن الملام يفعل في فعل السهام لا فعل الكلام. وعلى الأول الهاء تعود إلى الملام.
ذراني والفلاة بلا دليلٍ ووجهي والهجير بلا لثام
نصب الفلاة والهجير لأنهما مفعول والهجير: شدة الحر، واللثام: ما يشد على الفم من طرف العمامة.
يقول لصاحبيه: ذراني مع الفلاة أقطعها بلا دليل، فإني دليل لنفسي، وذرا وجهي مع الهجير بلا لثام، فإن جلدة وجهي تنوب لي مناب اللثام.
فإني أستريح بذا وهذا وأتعب بالإناخة والمقام
بذا إشارة إلى الفلاة، وذكره على معنى المكان وروى: بذي أي بهذه، وهو إشارة إلى الفلاة لفظا. وهذا: إشارة إلى الهجير.
يقول: أنا أستريح بقطع الفلوات وملاقات الحر وأتعب بإناخة المطية والإقامة.
عيون رواحلي إن حرت عيني وكلّ بغام رازحةٍ بغامي
البغام: صوت الناقة عند التعب. والرازحة: المعيبة التي كلت. وقامت. وله معنيان:
[ ١ / ٣٩٩ ]
أحدهما ما ذكره ابن جني عن أبي الطيب أنه قال: إن حارت عيني فعيون رواحلي عيني، وبغامهن بغامي، يعني به طريقة الدعاء، فكأنه قال: أنا بهيمة مثلهن إن تحيرت. كما إذا قال القائل: إن فعلت كذا فأنت حمار.
والثاني يقول: أنا أقتدي بعيون رواحلي إن حارت عيني، فعينها تقوم مقام عيني.
وقوله: كل بغام رازحة بغامي يعني: أني أهتدي بالبغام: الذي هو صوت الرازحة، وأستدل بصوتها على جادة الطريق، لأن الروازح لا تئن إلا على جواد الطريق، فيكون بغامهن بمنزلة بغامي الذي أهتدي به، ودليل على الطريق.
وقيل: معناه أن صوتها ينوب عن صوتي في شكوى التعب.
فقد أرد المياه بغير هادٍ سوى عدّى لها برق الغمام
قيل: إن العرب إذا عدت للسحاب مئة برقة، لم تشك أنها ماطرة فتنتجعها. وقيل سبعين برقة.
يقول: أنا أعد البرق وأنتجع مواقع غيثه فيكون عدى البرق دليلًا على الماء، فلا أحتاج أي دليل آخر من الناس يدلني إليه.
يذمّ لمهجتي ربّي وسيفي إذا احتاج الوحيد إلى الذّمام
يذم أي يجعلني في ذمته، والذمة هنا: الغرر.
يقول: إذا سرت فإنما أسير في ذمة الله تعالى. وذمة سيفي، ولا أحتاج إلى خفير يجيرني إذا احتاج إليه غيري.
وحكى أنه لما رجع من عند عضد الدولة وبلغ الأهواز أحضر خفير العرب وقاطعهم على الخفارة فوقع النزاع بينه وبينهم في نصف دينار، سألوه زيادة على ما بذل لهم فلم يجبهم إليه، وضرب فرسه وهو ينشد هذا البيت.
يذمّ لمهجتي ربّي وسيفي البيت
فقتل عند دير العاقول:
ولا أمسى لأهل البخل ضيفًا وليس قرىً سوى مخّ النّعام
يقول: لا أمسى ضيف البخيل، ولو لم أجد شيئًا البتة. وجعل مخ النعام كناية عن ذلك؛ إذ النعام لا مخ لها.
ولمّا صار ودّ النّاس خبًّا جزيت على ابتسامٍ بابتسام
الخب: الخديعة.
يقول: لما نافقني الناس بالوداد، عاشرتهم كما عاشروني، وجازيتهم ابتسامًا على ابتسامهم.
وصرت أشكّ فيمن أصطفيه لعلمي أنّه بعض الأنام
يقول: لما رأيت الناس مطبوعين على الغدر! صرت أشك فيمن أصطفيه وأثق به من أهل أو ولد، لمعرفني أنه بعض الناس، والغدر قد عمهم.
وقيل: أراد بمن أصطفيه نفسه، وهذا بعيد لأن الإنسان لا يشك في نفسه.
يحبّ العاقلون على التّصافي وحبّ الجاهلين على الوسام
الوسام، والوسامة، والميسم: حسن الوجه.
يقول: العاقل يحب من يصطفيه في الوداد. والجاهل يحب من حسن وجهه.
وآنف من أخي لأبي وأمّي إذا ما لم أجده من الكرام
يقول: إن أخي من الأم والأب إذا لم يكن كريمًا لجانبته وأنفت أن يكون لي أخًا مع لؤمه.
يعني: لا أصحب إلا كرام الناس وخيارهم.
أرى الأجداد تغلبها كثيرًا على الأولاد، أخلاق اللّئام
كثيرًا: نصب على الظرف، أي كثيرا من الأزمنة، ويجوز أن يكون صفة لمصدر محذوف.
يقول: إذا كان الولد لئيمًا حال لؤم الولد بين الولد والجد، فينسب إلى اللؤم، ويعرف به دون الجد، فيكون كأنه ولد من اللؤم لا من الأب.
ولست بقانعٍ من كلّ فضلٍ بأن أعزى إلى جدٍّ همام
يقول: لا أرضى من الفضل والشرف بمجرد كرم النسب، حتى أكسب لنفسي مفاخر أتشرف بذكرها.
عجبت لمن له قدٌّ وحدٌّ وينبو نبوة القضم الكهام
القد: القامة. والحد يجوز أن يريد به أن يكون قد بلغ حد الرجال، وأن يريد به الحدة في الأمر. والقضم: المتكسر. والكهام: الكليل.
يقول: عجبت ممن له صورة الرجل الكامل، وآلة تبلغه إلى معالي الأمور فلم يبلغ إليها، وينبو كالسيف الكليل.
ومن يجد الطّريق إلى المعالي فلا يذر المطيّ بلا سنام
من في موضع جر عطفًا على قوله: عجبت لمن له قد وقيل: استفهام.
يقول: عجبت ممن يجد الطريق إلى المعالي فلا يسير إليها حتى يهزل المطي بسيره ويذيب أسنمتها تحته، فتبقى بغير سنام،
ولم أر في عيوب النّاس عيبًا كنقص القادرين على التّمام
يقول: ليس في الإنسان عيب أقبح من أن يكون ناقصًا مع قدرته على الكمال.
وقيل: معناه ليس عيب أقبح من الكسل.
أقمت بأرض مصر فلا ورائي تخبّ بي الرّكاب ولا أمامي
[ ١ / ٤٠٠ ]
يقول: بقيت بمصر متبرمًا بها فلا أسير عنها متقدمًا ولا متأخرًا.
وملّني الفراش وكان جنبي يملّ لقاءه في كلّ عام
يقول: طال نومي على الفراش حتى مل الفراش مني، وكان جنبي إذا لقي الفراش في عام مرةً واحدة مل منه.
قليلٌ عائدي، سقمٌ فؤادي كثيرٌ حاسدي، صعبٌ مرامي
رفع هذا كله ليخبر أنه على هذه الأوصاف في الحال دون ما مضى، إذ لو أراد الماضي لنصب على الحال من يمل لقاءه.
عليل الجسم ممتنع القيام شديد السّكر من غير المدام
المدام: الخمر. والسكر من غير مدام عبارة عن الشدة وعظم المحنة. وهذا من قوله تعالى: " وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمَ بِسُكَارَى ".
وزائرتي كأنّ بها حياءً فليس تزور إلاّ في الظّلام
عنى بالزائرة: الحمى، كأنها تستحي من أن تزور بالنهار، فتأتيني في الظلام؛ لفرط حيائها.
بذلت لها المطارف والحشايا فعافتها، وباتت في عظامي
المطارف: أردية من الخز، معلمة الأطراف، الواحد مطرف، بضم الميم. والحشايا: جمع حشية.
يقول: فرشت لهذه الزائرة الفرش الحسنة فكرهت أن تبيت عليها، ولم تقنع بها، فوصلت إلى عظامي وباتت فيها.
يضيق الجلد عن نفسي وعنها فتوسعه بأنواع السّقام
عنها: أي عن الزائرة.
يقول: جلدي يضيق عن احتمال نفسي واحتمال الحمى، فوسعت الحمى جلدي؛ بأن أذابته وأكلت لحمي ليتسع لها!
إذا ما فارقتني غسّلتني كأنّا عاكفان على حرام
يعني: أنه كان يعرق عرقًا شديدًا إذا أقلعت عنه الحمى.
يقول: إن هذه الزائرة إذا فارقتني غسلتني بالعرق، فكأنا كنا مقيمين على حرام، فغسلت له.
وخص الحرام لأن الزائرة تكون أجنبية دون زوجته.
كأنّ الصّبح يطردها فتجري مدامعها بأربعةٍ سجام
يقول: إذا جاء الصبح فارقتني هذه الزائرة، فكأن الصبح يطردها عني بعد ما ألفتني، فتدمع عينها جزعًا من ألم الفراق.
جعل عرقه دمعًا يسيل من أجفانها. وقوله: بأربعة سجام يعني: أن الدمع كان يجري من طرفي العين الذي يلي الأنف والأصداغ، وكذلك من العين الأخرى، فهذه أربعة مجار. وسجام: أي جارية.
أراقب وقتها من غير شوقٍ مراقبة المشوق المستهام
يقول: أنا أنتظر وقت زيارتها، كما ينتظر العاشق وقت زيارة حبيبه، وليس ذلك من شوق مني إليها.
ويصدق وعدها والصّدق شرٌّ إذا ألقاك في الكرب العظام
وروى: تصدق يعني: أن الزائرة تصدق وعدها. والأول أولى.
يقول: هي صادقة الوعد، وليتها تخلف وعدها فإن الصدق إذا كان يؤدي إلى المحن العظام فهو مذموم.
أبنت الدّهر عندي كلّ بنتٍ فكيف وصلت أنت من الزّحام؟!
بنت الدهر: هي الداهية.
يقول للحمي: يا بنت الدهر، كيف وصلت إلي مع ازدحام حوادث الدهر علي وتراكم الدواهي؟!
جرحت مجرّحًا لم يبق فيه مكانٌ للسّيوف ولا السّهام
يقول للحمي: جرحت مني بدنًا مجرحًا، قد عمته الجراحات، فليس فيه موضع صحيح تجرحه السيوف والسهام.
ألا يا ليت شعر يدي أتمسى تصرّف في عنانٍ أو زمام
يقول: ليت يدي عرفت، هل تتمكن من التصرف في عنان فرسي، أو زمام ناقتي بعدها؟ عند رحيلي من مصر ومفارقتي الأسود.
وهل أرمي هواي براقصاتٍ محلاّة المقاود باللّغام
اللغام: الزبد الذي يخرج من فم البعير. والراقصات: الإبل السريعة.
يقول: ليتني علمت: هل أرتحل من مصر وأقصد إلى ما أهواه بإبل راقصات قد سال لعابها على مقاودها فصار عليها كالحلية.
فربّتما شفيت غليل صدري بسيرٍ أو قناةٍ أو حسام
يقول ربما شفيت نفسي ووصلت إلى مرادي إما بسير إليه وإما بسيف أو رمح.
وضاقت خطّةٌ فخلصت منها خلاص الخمر من نسج الفدام
نسج الفدام: خرقة من الإبريسم تشد على فم الإبريق لتصفي الشراب.
يقول: ربما ضاقت على حالة فتخلصت منها بألطف وجه، فزدت عند ذلك شرفًا، وزادت أخلاقي تهذيبًا، وجوهري صفار ورونقًا، كما أن الخمر إذا خلصت من الفدام ازدادت صفاءً ورونقًا وقريب منه قول الآخر:
ما تعتريني من خطوب ملمّةٍ إلاّ تشرّفني وتعظم شاني
وفي ذكر الفدام قول المطرز البغدادي:
[ ١ / ٤٠١ ]
وقبلةٌ هي الخم ر إلاّ أنّها بفدام
وفارقت الحبيب بلا وداعٍ وودّعت البلاد بلا سلام
يقول: ربما فارقت حبيبي من غير وداع، وربما خرجت من البلاد ولم أسلم على أهلها سلام الوداع. يعني: أنه هرب من أشياء كرهها وتخلص من أمور عافها مرات كثيرة، فكذلك مفارقته مصر لا يتعذر عليه.
يقول لي الطّبيب: أكلت شيئًا وداؤك في شرابك والطّعام
يقول: إذا رآني الطبيب متغير الحال قال: قد أكلت شيئًا ضرك، فاحتم فإن ذلك من الطعام والشراب.
وما في طبّه أنّى جوادٌ أضرّ بجسمه طول الجمام
الجمام: الراحة.
يقول: إن الطبيب لا يعلم أن مرضي من طول مقامي بمصر، وتركي لما هو عادتي من السفر، كما أن الفرس إذا تعود السير عليه، وتحمل الكد والنصب، ثم طال مقامه على الجمام، أضر به ذلك.
تعوّد أن يغبّر في السّرايا ويدخل من قتامٍ في قتام
يغبر: أي يثير الغبار.
يقول: مثلي مثل فرس يدخل من غبار إلى غبار.
فأمسك لا يطال له فيرعى ولا هو في العليق ولا اللّجام
العليق: ما يعلق على الفرس.
يقول: أنا مثل فرس جواد تعود القتال، ثم حبس في مكان فلا يرخي له الحبل حتى يرعى بنفسه، ولا يعلق عليه ما يأكله، ولا عليه لجام! فكذلك أنا عند كافور: لا يأذن لي في الرحيل، ولا يكفيني مؤنة المقام.
فإن أمرض فما مرض اصطباري وإن أحمم فما حمّ اعتزامي
يقول: إن أمرض فصبري صحيح لم يمرض، وعزمي لم يتغير عما عهدته، فهذا المرض يزول، ويعود إلى الصحة جسمي.
وإن أسلم فما أبقى ولكن سلمت من الحمام إلى الحمام
يقول: إن سلمت الآن من مرضي فلا خلود في الدنيا، ولكن آخر أمري الموت، فكأني نجوت من موت معجل إلى موت مؤجل.
تمتّع من سهادٍ أو رقادٍ ولا تأمل كرىً تحت الرّجام
الرجام: القبور، واحدها رجم.
يقول: تمتع في هذه الدنيا من النوم واليقظة، ولا تطمع في النوم ولذته إذا صرت إلى القبر.
فإنّ لثالث الحالين معنىً سوى معنى انتباهك والمنام
يقول: إن الموت حالة ثالثة سوى النوم والانتباه، وليس فيه شيء من اللذة التي ترجى في اليقظة والمنام، ولكنه الفناء والفساد، ولا ترجى فيه اللذة بحال من الأحوال.
وكان كافور يتطلع إلى مدحه، ويقتضيه إياه، ولم يكن له بد من مداراته فقال فيه، وأنشدها إياه في شوال سنة تسع وأربعين وثلاث مئة.
وهي آخر ما أنشده ولم يلقه بعدها:
منىً كنّ لي أنّ البياض خضاب فيخفي بتبييض القرون شباب
القرون: الذوائب. وقوله: أن البياض في موضع الرفع بدلا من منى.
يقول: كنت في حال شبابي أتمنى أن أخضب شبابي بالبياض، فيكون البياض خضابا للسواد، كما يخضب البياض بالسواد، فينظر إلي بعين الجلالة والوقار والحلم.
ليالي عند البيض فوداي فتنةٌ وفخرٌ وذاك الفخر عندي عاب
الفودان: جانبا الرأس وليالي نصب بفعل مضمر، يعني كنت أتمنى ذلك ليالي كان فوداي فتنة للنساء البيض لسواد شعري، فكن يفتن به ويعددنه فخرًا، وأنا أعده عيبًا لأنه يدل على الجهل والنزق.
فكيف أذمّ اليوم ما كنت أشتهي وأدعو بما أشكوه حين أجاب؟!
يقول: كنت أشتهي المشيب أيام الشباب، فكيف أذمه لما بلغت إليه؟! وكنت أدعو الله تعالى أن يهب لي المشيب، فلا يحسن بي الآن أن أشكوه حين أجابني إليه.
وقيل: قوله: أدعو بما أشكوه من قولك: دعوت بفلان إذا دعوته إليك.
والمعنى: كيف أدعو بشيء، إذا أجبت إليه شكوته؟! وهو المشيب، أي كنت أدعو المشيب إلى نفسي. فكيف أشكوه الآن.
جلا اللّون عن لونٍ هدى كلّ مسلكٍ كما انجاب عن ضوء النّهار ضباب
جلال: أي زال يقول: زال السواد عن لون هدى كل مسلك: يعني البياض لأنه حليف الهداية والمانع من الغواية. وشبه زوال السواد وطلوع البياض بانكشاف الضباب عن ضوء النهار والضباب: ما تراه على وجه الأرض في الربيع.
وفي الجسم نفسٌ لا تشيب بشيبه ولو أنّ ما في الوجه منه حراب
الحراب: جمع حربة.
يقول: إن كان جسمي أثر فيه الشيب، فإن نفسي التي في جسمي لم تضعف بضعفه ولو أن بدل كل شعرة بيضاء حربة في الوجه مغروزة.
[ ١ / ٤٠٢ ]
لها ظفرٌ إن كلّ ظفرٌ أعدّه ونابٌ إذا لم يبق في الفمّ ناب
يقول: لنفسي ظفر أجعله عدةً لي، إن كل ظفر الجسم: أي إن ذهبت قوته. فقوة النفس باقية، وكذلك إن لم يبق ناب في الجسم فللنفس ناب.
يغيّر منّي الدّهر ما شاء غيرها وأبلغ أقصى العمر وهي كعاب
الكعاب: الجارية التي كعب ثديها.
يقول: إن الدهر يغير من جسمي كل شيء، ولا يقدر أن يغير نفسي، فإنها أبدًا تبقى في قوتها، وإن بلغت أقصى العمر.
وإنّي لنجمٌ يهتدي صحبتي به إذا حال من دون النّجوم سحاب
الصحبة: الأصحاب.
يقول: إن صحبتي يهتدون برأيي ودلالتي، فإذا نالهم خطب رجعوا إلى رأيي، وإذا حال سحاب دون النجوم اهتدوا بدلالتي، لمعرفتي بالفلوات، وهدايتي في المفاوز، فكأنه نظر إلى قول النبي ﷺ أصحابي كالنجوم.
غنيٌّ عن الأوطان؛ لا يستفزّني إلى بلدٍ سافرت عنه إياب
يستفزني: أي يستخفني وقد روى أيضا.
يقول: أنا مستغن عن الأوطان، فإذا سافرت عن بلد لا يستخفني الرجوع إليه.
وعن ذملان العيس إن سامحت به وإلاّ ففي أكوارهنّ عقاب
الذملان: ضرب من السير. وعنى بالعقاب: نفسه، فالهاء في به للذملان.
يقول: إني غني عن سير الإبل، فإن سمحت به سرت عليها، وإلا فما أبالي، فإن الذي في أكوارهن عقاب: أي كما أن العقاب لا يحتاج إلى سير الإبل، كذلك أنا أسير على قدم كما يطير العقاب.
وأصدي فلا أبدي إلى الماءٍ حاجةً وللشّمس فوق اليعملات لعاب
أصدى: أي أعطش. واليعملات: النوق التي يعمل عليها في السير، والواحدة يعملة، ولا يوصف بها الذكر. ولعاب الشمس: ما يتدلى منها مثل الخيوط إذا اشتد الحر.
يقول: أعطش في شدة الحر وأصبر عليه، ولا أظهر من نفسي الحاجة إلى الماء وأهل البادية يمتدحون بذلك.
وللسّرّ منّي موضعٌ لا يناله نديمٌ ولا يفضي إليه شراب
لا يفضي إليه أي لا يصل إليه.
يقول: أنا أودع السر من قلبي موضعًا لا يطلع عليه نديمي، ولا يصل إليه الشراب، وذلك أن الرجل إذا سكر أذاع ما في قلبه من السر. فيقول: أنا لا أسكر من الخمر على وجه يزول عقلي، حتى لا أبوح بما في قلبي من السر صيانةً لعقلي ومروءتي.
وقيل: أراد أن الخمر لا تصل إلى السر، مع أن الخمر تجري من الإنسان مجرى الدم فتصل إلى كل موضع.
وللخود منّي ساعةٌ ثمّ بيننا فلاةٌ إلى غير اللّقاء تجاب
الخود: المرأة الناعمة.
يقول: إن اجتماعي مع المحبوبة ساعةً واحدةً، ثم أفارقها وأقطع الفلوات إلى غير لقائها، ولا أبالي بها، وإنما همتي السعي في معالي الأمور.
وقيل: ذكر الفلاة مثلا. أي يكون بيننا فلوات ومفاوز. على معنى ما يقال: بيني وبين فلان مسافة بعيدة في امتناع الوصول إليه.
وما العشق إلاّ غرّةٌ وطماعةٌ يعرّض قلبٌ نفسه فتصاب
الغرة: الاغترار، والطماعة: الطمع.
يقول: إن العشق اغترار وطمع، وهما مذمومان، وقلب العاشق يعرض نفسه على الهلاك فتهلك.
وغير فؤادي للغواني رميّةٌ وغير بناني للزّجاج ركاب
يقول: كل قلب سوى قلبي فهو هدف للنساء يصبنه للعشق. وكل بنان سوى بناني ركاب للزجاج الذي فيه الخمر، فأما أنا فلا أشتغل باللذة واللهو، فلا أعرض قلبي للعشق ولا أشتغل بشرب الخمر.
وروى للرخاخ وهو الشطرنج. يعني لا أشتغل بالنساء واللعب بالشطرنج وسائر الملاهي، وما يذهب به العمر باطلًا.
تركنا لأطراف القنا كلّ شهوةٍ فليس لنا إلاّ بهنّ لعاب
اللعاب: الملاعبة.
يقول: تركنا كل شهوة، ولذة لعاب، إلا بالرماح والسيوف.
نصرّفه للطّعن فوق حواذرٍ قد انقصفت فيهنّ منه كعاب
الهاء في نصرفه راجع إلى لفظ القنا وقوله: فوق حواذر أي خيل حواذر من الطعن، لأنها قد تعودته وانقصفت: أي انكسرت.
يقول: نصرف القنا فوق خيل قد تعودت الطعان فهي تحذر منه، فانكسرت في الخيل كعوب الرماح مرة بعد أخرى.
أعزّ مكانٍ في الدّنى سرج سابحٍ وخير جليسٍ في الزّمان كتاب
الدنى: جمع الدنيا، جعل كل مكان فيها دنيا، ثم جمعه.
[ ١ / ٤٠٣ ]
يقول: أعز مكان في الدنيا سرج فرس سابح، لأن الشجاع إذا ركبه امتنع، وخير جليس في الزمان كتاب؛ لأنك لا تخشى غوائله ويؤدبك بآدابه، ويؤنسك عند الوحشة بحكمه.
وبحر أبو المسك الخضمّ الّذي له على كلّ بحرٍ زخرةٌ وعباب
الخضم: الكثير العطاء، الزخرة: تراكم الماء، والعباب: مثله. وروى: بحر جرًا على العطف على ما قبله. أي: وخير جليس في الزمان كتاب، وخير بحر أبو المسك. والتقدير: وخير البحور ثم أقام الواحد مقام الجمع. وروى: وبحر أبي المسك على الإضافة.
يقول: هو كثير العطاء، له فضل على كل سخي، كالبحر الذي يزيد على البحار. شبهه بالبحر، ثم فضله على سائر البحار.
تجاوز قدر المدح حتّى كأنّه بأحسن ما يثنى عليه يعاب
يقول: قد تجاوز غاية المدح وكل ما وصفته وأثنيت به عليه فهو دونه، وكأني إذا مدحته أعيبه وأنقصه عن قدره. وهو مأخوذ من قول البحتري:
جلّ عن مذهب المديح علا هـ فكأنّ المديح فيه هجاء
وغالبه الأعداء ثمّ عنوا له كما غالبت بيض السّيوف رقاب
يقول: إن أعداءه طلبوا مغالبته فقهرهم وأذلهم فخضعوا له. وكانوا له مثل رقاب غالبت السيوف فقطعتها.
وأكثر ما تلقى أبا المسك بذلةً إذا لم يصن إلاّ الحديد ثياب
التاء في تلقى خطاب لنفسه أو صاحبه. وأبا المسك مفعول تلقى وبذلةً نصب على التمييز.
والمعنى: أن أبا المسك في أكثر أوقاته تلقاه لابسًا ثوب البذلة، في وقت لا يصون الأبطال الثياب، من الرماح والسيوف، وإنما يصونهم منها الحديد. فهو يباشر الحديد القتال في تلك الحال، لابسًا ثوب البذلة حاسرًا بلا درع ومغفر، وذلك لقوة قلبه وثقته بنفسه، وقلة مبالاته بعدوه. والحديد على هذا نصب مستثنى مقدم. ومفعول يصن محذوف كأنه قال: إذا لم يصن الأبطال والأبدان ثياب، ولكن الذي يصونها هو الحديد.
وقال ابن جني معناه: إذا لبست الأبطال الثياب فوق الحديد خشية واستظهارًا فهو في ذلك الوقت أشد ما يكون تبذلا بنفسه. والحديد: هو الدروع وهو منصوب لأنه مفعول يصن.
وأوسع ما تلقاه صدرًا وخلفه رماءٌ وطعنٌ والأمام ضراب
الرماء مصدر راميته. والأمام نصب على الظرف، فكأنه قال: وأمامه، فجعل الألف واللام بدلًا من الإضافة.
يقول: أوسع ما يكون صدرًا إذا كان في مضيق الحرب، وخلفه رمي وطعن من قبل الأعداء، وأمامه ضراب.
يعني: أنه يتقدم على أصحابه يضرب بالسيف وجوه الأعداء وأمامه ضرب وخلفه رمي، فيكون في تلك الحال ثابت النفس، لا يدخله روع وقلق.
وروى: وخلفه دماء والمعنى: أنه لا يضيق صدره عند مضيق الحرب، بل يقتل ويخلف دماءً سفكها، ويضرب أمامه بالسيوف.
وأنفذ ما تلقاه حكمًا إذا قضى قضاءً ملوك الأرض منه غضاب
يقول: إذا أراد أمرًا يغضب منه جميع ملوك الأرض، فذلك الأمر أنفذ ما يكون من أوامره، لأنهم لا يمكنهم أن يردوا عليه أمره.
يقود إليه طاعة النّاس فضله ولو لم يقدها نائلٌ وعقاب
يقول: لو لم يطعه الناس رغبةً في نائله ورهبة من عقابه، لأطاعوه لفضله. وهذا مثل قوله:
رأيتك لو لم تقتض الطّعن في الوغى
أيا أسدًا في جسمه روح ضيغم وكم أسدٍ أرواحهنّ كلاب
يقول: أنت الأسد، وروحك روح الأسد، وغيرك من الملوك جسمه جسم الأسد، وروحه روح كلب.
شبههم بالأسود من حيث الجثة وبالكلاب من حيث الهمة. وقوله: أرواحهن كلاب: أي أرواحهن أرواح كلاب فحذف المضاف.
ويا آخذًا من دهره حقّ نفسه ومثلك يعطى حقه ويهاب
يقول: هذا الملك حق لك، أخذته من دهرك قهرًا، ولم يقتدر أن يمتنع من ذلك، ومن كان مثلك في البأس والقوة: يخاف منه ويعطى حقه.
لنا عند هذا الدّهر حقٌّ يلطّه وقد قلّ إعتابٌ وطال عتاب
يلطه أي يمطله ويدفعه والإعتاب: الرجوع إلى أن تجيب من يعاتبك.
يقول: لنا عند الدهر حق يمطلنا به، قد طال عتابنا له وهو لا يرجع إلى ما أحبه.
وقيل: هذا تعريض بالممدوح، وأنه طال عتابه واستبطاؤه فيما كان يعده به من الولاية.
وقد تحدث الأيّام عندك شيمةً وتنعمر الأوقات وهي يباب
الشيمة: العادة. واليباب: الخراب، وقيل: هو إتباع لخراب.
[ ١ / ٤٠٤ ]
يقول: إن الأيام قد تترك عادتها عندك من قصد ذوي الفضل، لحصولهم في ذمتك وجوارك، وتعود أوقاتهم بك عامرة، بأن يدركوا مطلوبهم بعد أن كانت خرابًا.
وقيل: معناه أن الأيام تغير كل إنسان وتبدل الأحوال، فلا آمن أن تصل إليك فتحدث في أخلاقك تغييرا، كما تفعل في نفسها ضد خلقها، من عمارة بعد خراب.
وقيل: أراد إن عادة الأيام عندنا دفع حقنا، وعندك إيصال حقك إليك، وأوقاتها عندنا خراب، وعندك عامرة.
ولا ملك إلاّ أنت والملك فضلةٌ كأنّك نصلٌ فيه وهو قراب
يقول: قوام الملك سياستك، فالملك إنما هو أنت وما سواك فضلة، كما أن العامل هو السيف والقراب فضله.
أرى لي بقربي منك عينًا قريرةً وإن كان قربًا بالبعاد يشاب
يقول: إن قربي منك مشوب بالحجاب والبعد، فتارةً أحجب عنك وأخرى ينحجب الحجاب وأقرب، فمتى قربت منك قرت عيني بالقرب الذي يتفق، فكأن الحجاب لم يكن.
وقيل: أراد بالبعاد، الوحشة التي كانت بينه وبين كافور.
وهل نافعي أن ترفع الحجب بيننا ودون الّذي أمّلت منك حجاب
يقول: أي نفع في رفع الحجاب؟! إذا كان ما أؤمل منك حجاب. يعني: أنت لا تبذل لي ما أملته منك من العطاء والوداد.
أقلّ سلامي حبّ ما خفّ عنكم وأسكت كيما لا يكون جواب
نصب حب لأنه مفعول له وعنكم في موضع عليكم ويكون ها هنا فعل تام لا يحتاج إلى خبر.
يقول: أقل سلامي عليكم، طلبًا للتخفيف عليك، وأسكت عن إذكارك بحاجتي؛ لئلا أكلفك الجواب، ولئلا يكون له جواب أكرهه.
وفي النّفس حاجاتٌ وفيك فطانةٌ سكوتي بيانٌ عندها وخطاب
الهاء في عندها يعود إلى لفظ الفطانة.
يقول: في نفسي حاجات ولك معرفة، فسكوتي عند معرفتك يغنيني عن بيانها وإظهارها بالخطاب. ومثله لأبي تمام:
وإذا الجود كان عوني على المر ء تقاضيته بترك التّقاضي
وما أنا بالباغي على الحبّ رشوةً ضعيفٌ هوىً يبغي عليه ثواب
يقول: من أحب إنسانًا لمنفعته فحبه ضعيف، وأنا أحبك حبًا خالصًا، لا أطلب عليه رشوة.
وما طلبت منك إلا طلب الإدلال لمن عذلني على قصدك. أني أصبت في مخالفتي قوله، فإذا رأى منزلتي عندك علم فساد قوله وصواب رأيي
وما شئت إلاّ أن أدلّ عواذلي على أنّ رأيي في هواك صواب
يقول: لم أرد ما أطلبه إلا كي أدل عواذلي اللاتي عذلنني في قصدك. أني كنت مصيبا في هواك، وأنك تحسن إلي وتقضي حق زيارتي.
وأعلم قومًا خالفوني فشرّقوا وغرّبت أنّي قد ظفرت وخابوا
يقول: أردت أن أعلم من خالفني، وقصد ملكًا غيرك، أنه قد خاب وأني ظفرت. ومثله للبحتري:
وأشهد أنّي في اختيارك دونهم مؤدّىً إلى حظّي ومتّبعٌ رشدي
جرى الخلف إلاّ فيك أنّك واحدٌ وأنّك ليثٌ والملوك ذئاب
يقول: قد وقع الخلاف في كل شيء إلا فيك، فإنهم اتفقوا على أنك واحد ولا نظير لك، وأنك أسد والملوك ذئاب بالنسبة إليك. فأنت أوحدهم، كما أن الأسد أوحد السباع ومثله لأبي تمام:
لو أنّ إجماعنا في فضل سؤدده في الدّين لم يختلف في الأمة اثنان
وأنّك إن قويست صحّف قارئ ذئابًا ولم يخطئ فقال: ذباب
يقول: لو صحف إنسان قول: إنك ليث والملوك ذئاب فجعل مكانه ذباب لم يخطئ في تصحيفه؛ لأن الأمر كذلك على الحقيقة.
وإنّ مديح النّاس حقٌّ وباطلٌ ومدحك حقٌّ ليس فيه كذاب
وهذا معطوف على ما قبله: أي قد اتفقوا على أن مدح غيرك فيه حق وباطل، وأن مدحك حق لا كذب فيه.
إذا نلت منك الودّ فالمال هيّنٌ وكلّ الّذي فوق التّراب تراب
يقول: إذا حصل لي ودك فلا أبالي بعده بالمال؛ لأن المال لا قدر له، فهو تراب كأصله الذي تولد منه.
وما كنت لولا أنت إلاّ مهاجرًا له كلّ يوم بلدةٌ وصحاب
يقول: لولا أنت وحبي قربك ما كنت بمصر، بل كنت كل يوم في بلد ومعي أصحاب.
ولكنّك الدّنيا إليّ حبيبةٌ فما عنك لي إلاّ إليك ذهاب
يقول: إنما أقمت عندك لأنك دنياي، فلا منصرف لي عنك، إذ الدنيا حبيبة إلى كل أحد، فأنت محبوب إلي فليس لي ذهاب إلا إليك.
وحبيبة خبر ابتداء محذوف: أي هي حبيبة إلي.
هذا آخر ما أنشده أبو الطيب في الأسود.
[ ١ / ٤٠٥ ]
فلما خرج من عنده قال يهجوه:
من أية الطّرق يأتي نحوك الكرم أين المحاجم يا كافور والجلم؟
الجلم المقص، وأكثر ما يستعمل في الذي يجز به الصوف من الغنم.
يقول: من أي طريق يصل إليك الكرم؟! وأنت لئيم الأصل تصلح لآلات الحجامين: من المحاجم والمقص.
وقيل: أراد أنك تصلح أن تكون حجاما أو راعيًا يجز الصوف بالجلم. وإنما نسبه إلى الحجامة؛ لأن الحجامين بمصر لا يكونون إلا سودانًا، وكذلك رعاة الغنم أكثرها العبيد السود.
جاز الألى ملكت كفّاك قدرهم فعرّفوا بك إنّ الكلب فوقهم
قدرهم منصوب بجاز.
يقول: الذين ملكتهم من أهل مصر كانوا قد بغوا وجاوزوا قدرهم، فأذلهم الله تعالى بك، وأعلمهم أن الكلب خير منهم عنده.
وكأن هذا تفسير لقوله: ولله سر في علاك.
لا شيء أقبح من فحلٍ له ذكرٌ تقوده أمةٌ ليست لها رحم
جعله أمةً لأنه خصى، ثم حطه عن منزلة الأمة. فيقول: هو أمة بلا رحم! فالأمة مع تمام خلقها أحسن حالا منه. فالفحل إذا رضي بحكمه وانقاد لأمره فهو أذل من الكلب. وهذا تعريض بابن الإخشيد، وتضريب بينه وبين كافور
سادات كلّ أناسٍ من نفوسهم وسادة المسلمين الأعبد القزم
القزم: رذال الناس والمال.
يقول: سيد كل أمة منهم ومن أعزهم، إلا المسلمين فإنهم يرضون بسيادة العبيد
أغاية الدّين أن تحفوا شواربكم يا أمّةً ضحكت من جهلها الأمم؟؟!
من عادة أهل مصر إحفاء الشوارب.
يقول: اقتصرتم من الدين على ذلك، وعطلتم سائر أحكامه! ورضيتم بولاية كافور عليكم مع خسته، حتى ضحكت الأمم منكم واستهزءوا بكم وبقلة عقلكم.
ألا فتىً يورد الهنديّ هامته كيما تزول شكوك النّاس والتّهم؟
يقول: سيادتك تشكك الناس في حكمة الله تعالى فمن الذي يتعصب للدين؟! فيضرب رأسه بالسيف ويزيل هذا الشك عن قلوب الشاكين.
فإنّه حجّةٌ يؤذي القلوب بها من دينه الدّهر والتّعطيل والقدم
يقول: إن هؤلاء الكفار إذا رأوا ما ناله كافور مع خسته، جعلوا ذلك حجة لقولهم: إن العالم ليس له مدبر حكيم. وآذوا بها قلوب المسلمين، فمن الذي يقتله؟ حتى تزول هذه الأذية عن قلوب المسلمين.
ما أقدر الله أن يخزي خليقته ولا يصدّق قومًا في الّذي زعموا
يقول: إن الله تعالى قادر على أن يخزيه ويخزي المعطلين، بأن يبطل قولهم واحتجاجهم على نفي الصانع.
يعني: إن لم يقتله الناس. فإن الله تعالى يريح المسلمين، ويزيل الشبهة عن قلوب المؤمنين.
وقال أيضًا يهجوه:
أما في هذه الدّنيا كريم تزول به عن القلب الهموم؟
يقول: ليس في هذه الدنيا كريم يؤنس إليه، ويزيل الهموم عن قلوب من يجالسه.
أما في هذه الدّنيا مكانٌ يسرّ بأهله الجار المقيم؟!
أي ليس فيها مكان، يسر المقيم في ذلك المكان بأهله.
تشابهت البهائم والعبدّي علينا والموالي والصّميم
العبدي: العبيد. والصميم الصريح الخالص النسب يقول: الناس كلهم جهال بمنزلة البهائم، فأحرارهم وعبيدهم ومواليهم سواء في اللؤم.
وما أدري أذا داءٌ حديثٌ أصاب النّاس أم داءٌ قديم؟؟!
يقول: لست أدري هل كان في قديم الزمان على ما نشاهده الآن في استواء الناس أم حدثت هذه الحالة الآن؟
حصلت بأرض مصر على عبيدٍ كأنّ الحرّ بينهم يتيم
كأنّ الأسود اللاّبىّ فيهم غرابٌ حوله رخمٌ وبوم
يقال للأسود: لابي ولوبي ونوبي. منسوب إلى اللابة، وهي الحجارة السود شبهه بالغراب، لسواده، وشبه من حوله بالرخم والبوم، وكل هذه من شرار الطير.
أخذت بمدحه فرأيت لهوًا مقالي للأحيمق يا حليم
يقول: لم أجد من مداراته بد، فلما أخذت بمدحه استهزأت به. وقلت له مع حمقه: إنك حليم، ومع لؤمه، إنك كريم!
ولمّا أن هجرت رأيت عيًّا مقالي لابن آوى يا لئيم
يقول: لما رأيت هجوه، لم أجد لمقالي مجالًا، فرأيت هجوي له عيًا، فكنت بمنزلة من يقول لابن آوى: يا لئيم وهو أخس من أن يقال له ذلك.
فهل من عاذرٍ في ذا وهذا فمدفوعٌ إلى السّقم السّقيم
[ ١ / ٤٠٦ ]
يقول: هل في الناس من يعذرني في مدحي وهجوي إياه، فإني مضطر إليهما، كما أن المريض مضطر إلى المرض غير مختار له.
إذا أتت الإساءة من وضيعٍ ولم ألم المسيء فمن ألوم؟!
يقول معتذرًا لنفسه في هجوه: إن الإساءة إذا وصلت لي من جهة لئيم اضطررت إلى لومه، ولا معنى للوم غيره ولم يسئ إلي.
وقال أيضًا يهجوه ولم ينشدها أحدًا:
لو كان ذا الآكل أزوادنا ضيفًا لأوسعناه إحسانا
يقول: هذا الذي أكل أزوادنا من غير أن يمدنا بنعمته، لو كان ضيفًا لنا لم نعامله مثل ما عاملنا به، بل كنا نوسعه إحسانًا، خلاف ما يفعله بنا. وأراد بأكل الأزواد: أن مقامه عنده يفني نفقاته.
لكنّنا في العين أضيافه يوسعنا زورًا وبهتانًا
يقول: ولكنني في الظاهر ضيفه ونازل عليه، وقراي عنده هو أن يوسعني زورًا وبهتانا، ويعدني بالمواعيد الكاذبة.
فليته خلّى لنا طرقنا أعانه الله وإيّانا
يقول: ليته إذا لم يحسن إلي خلى سبيلي ولم يحبسني، فقد رضيت من صلته وبره بتخلية سبيلي. ومثله لامرئ القيس:
وقد طوّفت في الآفاق حتّى رضيت من الغنيمة بالإياب
وكتب إليه أبو الطيب يستأذنه في المسير إلى الرملة لتنجز مال له بها، وإنما أراد أن يعرف ما عنده في مسيره ولا يكاشفه.
فأجابه: لا والله - أطال الله بقاك - لا نكلفك المسير لتنجز مالك، ولكنا ننفد رسولًا قاصدًا يقبضه ويأتيك به في أسرع وقت، ولا نؤخر ذلك إن شاء الله تعالى، فلما قرأ الجواب قال:
أتحلف لا تكلّفني مسيرًا إلى بلدٍ أحاول فيه مالا
وأنت مكلفي أنبي مكانًا وأبعد شقّةً وأشدّ حالا
أنى مكانًا: من نبا بك المنزل، إذا لم يمكن المقام فيه، ويدفعك لارتفاعه. وروى: أنأى مكانًا: أي أبعد مكانا.
يقول: أنت تحلف أنك لا تكلفني تجشم الارتحال لاقتضاء الحال، وأردت التخفيف علي، وليس الأمر كذلك، فإنك كلفتني ما هو أشد وأبعد منه، وأراد حبسه إياه على وجه العمر.
وقيل: أراد ما عزم عليه من الهرب والخروج من مصر، والتقدير: أنبى منه مكانا وأبعد منه شقة وأشد منه حالًا، فحذف منه تخفيفًا، والمحذوف يرجع إلى المسير.
إذا سرنا عن الفسطاط يومًا فلقّني الفوارس والرّجالا
يقول: إذا سرت عن الفسطاط، وصار بيني وبينه مسيرة يوم، فأنفذ خلفي الخيل والرجال ويومًا نصب على الظرف، والعامل فيه سرنا أي قطعنا بالسير يومًا.
لتعلم قدر ما فارقت منّي وأنّك رمت من ضيمي محالًا
أي لقني الفوارس والرجال؛ لتعلم قدري في شجاعتي، ودفعي عن نفسي، وتعلم أنك طلبت أمرًا محالا.
وقيل: إن اللام من لتعلم متعلقة بمحذوف أي رحلت من أعمالك لتعلم أنك لا تقدر على ضيمي.
وأقام أبو الطيب بعد أن أنشده قصيدته البائية سنةً لا يلقي الأسود، إلا أن يركب فيسير معه في الطريق لئلا يوحشه، وقد عمل على مراغمته والرحيل عنه، فأعد الإبل وخفف الرحل.
وقال يهجوه في يوم عرفة من سنة خمسين وثلاث مئة، وذلك قبل مسيره من مصر بيوم واحد:
عيدٌ بأية حالٍ عدت يا عيد بما مضى أم لأمرٍ فيك تجديد
كأنه قال: هذا عيد ثم خاطب العيد فقال: يا عيد بأية حال عدت؟! هل عدت بما مضى من حالك، أم فيك تجديد لأمر آخر؟ وتجديد مبتدأ، ولأمر خبره، وفيك صفة لأمر. وقيل: تجديد مبتدأ وفيك خبره ولأمر مفعول له.
أمّا الأحبّة فالبيداء دونهم فليت دونك بيدًا دونها بيد
البيد: جمع البيداء والهاء في دونها للبيد قبلها.
يقول: بيني وبين أحبابي فلاة بعيدة فما أصنع بك مع البعد عنهم! لأن الإنسان إنما يسر بالعيد إذا كان معه أحبته، فأما مع بعدهم، فليت بيني وبينك فلوات دونها فلوات.
لولا العلا لم تجب بي ما أجوب بها وجناء حرفٌ ولا جرداء قيدود
[ ١ / ٤٠٧ ]
لم تجب أي تقطع. والوجناء الناقة العظيمة الوجنات، وقيل: هي العظيمة الخلق، وقيل: الصلبة. والحرف القوية، وهي مشبهة بحرف الجبل، وهي الضامرة وقيل: التي انحرفت من الهزال إلى السمن، وقيل: السريعة الحادة، مشبهة بحرف السيف. والجرداء من صفة الخيل، وهي القصيرة الشعر، وقيل: هي السابقة. والقيدود: هي الطويلة. ووجناء فاعل لم تجب بي وما في موضع نصب والهاء في بها ضمير الوجناء قبل الذكر.
يقول: لولا ما أطلبه من العلا لم تقطع بي فلوات ناقة وجناء ولا فرس جرداء.
ولو ساعده الوزن لقال: لولا العلا لم تجب بي الوجناء ما أجوب بها من الفلاة.
وكان أطيب من سيفي مضاجعةً أشباه رونقه الغيد الأماليد
الغيد: جمع أغيد وغيداء وهي الحسنة الجيد الناعمة. والأماليد: جمع الأملود، وهي اللينة الأعطاف الرخص الناعمة. والهاء في رونقه للسيف ومضاجعة نصب على التمييز.
يقول: لولا طلب العلا لكان أطيب من مضاجعتي سيفي مضاجعة النساء الحسان الغيد النواعم، اللواتي يشبهن رونق السيف في الصفاء والطلاوة.
ورونق السيف: ماؤه وجوهره.
لم يترك الدّهر من قلبي ولا كبدي شيئًا يتيّمه عينٌ ولا جيد
يتيمه: يتعبده بالحب.
يقول: إن الدهر قد ملأ قلبي من المحن والشدائد، ولم يترك بي موضعًا يشغله العشق، إلى حسن عنق أو عين.
يا ساقييّ أخمرٌ في كئوسكما أم في كئوسكما همٌّ وتسهيد؟
يقول: يا ساقيي إن ما في كئوسكما خمر، أو حزن، منع من النوم، فكلما شربت ازددت حزنًا وسهرًا بخلاف عادة سائر الخمور.
أصخرةٌ أنا؟ ما لي لا تغيّرني هذي المدام ولا هذي الأغاريد!
يقول: كأني صخرة لا يؤثر في الشراب والغناء! ولا يحدثان في السرور.
والأغاريد: الأغاني، وأصلها تغريد الطائر، إذا رجع صوته.
إذا أردت كميت اللون صافيةً وجدتها، وحبيب النّفس مفقود
يقول: إذا أردت الشراب واللهو، وجدت الخمر، ولكن الحبيب مفقود! وقيل: أراد بالحبيب: الشرف، أي إذا تشاغلت بالخمر فقدت العز والعلا.
ماذا لقيت منن الدّنيا؟ وأعجبها أنّي بما أنا باكٍ منه محسود!
يقول: ما أعجب ما ألقاه من هذه الدنيا! وأعجب ما لقيت: أني أحسد على ما أبكي منه! يريد كونه عند الأسود وقربه منه.
أمسيت أروح مثرٍ خازنًا ويدًا أنا الغنيّ وأموالي المواعيد
يقول: أمسيت ويدي في راحة، وكذلك أمسى خازني في راحة، لأنه لا شيء في يدي أحتاج إلى حفظه، ولا في يد خازني. وأنا الغني من المواعيد الكاذبة.
وأراد بالغني: غني النفس، وأراد: إني بغير مال كافور.
وخازنا ويدًا نصبا على التمييز.
إنّي نزلت بكذّابين ضيفهم عن القرى وعن التّرحال محدود
يقول: إني نزلت على قوم كذابين، ضيفهم ممنوع من القرى الذي يعد للضيوف، وكذلك ممنوع عن الرحيل، فلا يضيفونه ولا يخلون سبيله.
جود الرّجال من الأيدي وجودهم من اللّسان فلا كانوا ولا الجود
يقول: عطاء الناس من الأيدي، وهو المال، وعطاؤهم من الألسنة، وهو الوعد، ثم دعا عليهم فقال: لا كانوا ولا كان جودهم.
ما يقبض الموت نفسًا من نفوسهم إلاّ وفي يده من نتنها عود
يقول: إن الموت لا يباشر أنفسهم بيده عند قبضها، استقذارا لها، بل ينزعها من الجسد بعودٍ في يده توقيًا من نتنها.
من كلّ رخو وكاء البطن منفتقٍ لا في الرّجال ولا النّسوان معدود
يصف هذه النفوس، وأن كل واحدة منها بهذه الصفة. وقوله: رخو وكاء البطن منفتق أي إنه رخو الشرج لا يحبس ما يخرج منه، وهكذا يكون الخصى. وإنما عنى به كافورًا وحده، وأخبر عنه بلفظ الجمع.
أكلّما اغتال عبد السّوء سيّده أو خانه فله في مصر تمهيد
يقول: كافور اغتال سيده أي قتله غيلة وجلس مكانه، وهكذا كل عبد في مصر إذا خان مولاه أو قتله ارتفع شأنه عند الأسود.
صار الخصىّ إمام الآبقين بها فالحرّ مستعبدٌ والعبد معبود
الهاء في بها لمصر.
يقول: لما ملك كافور مصر هرب كل عبد من مولاه وانضم إليه، فالحر ذليل كأنه عبد، والعبد مخدوم بها معظم.
نامت نواطير مصرٍ عن ثعالبها فقد بشمن وما تفنى العناقيد
[ ١ / ٤٠٨ ]
النواطير: جمع ناطور، وهو حافظ الزرع. ويجوز بالطاء والظاء.
يقول: غفل الملوك عن مصر وأهملوها فتمكن منها العبيد والأرذال، فجمعوا الأموال وأتخموا من كثرتها.
شبه مصر بالبستان. والملوك بالنواطير، والغواة بالثعالب.
العبد ليس لحرٍّ صالحٍ بأخٍ لو أنّه في ثياب الحرّ مولود
الهاء في أنه تعود إلى حر وأراد به ابن الإخشيد، لأنه كان يسمى كافورا أخاه. فيقول: إن الحر لا يصلح أن يكون العبد أخاه، لو كان حرًا ولد في ثياب الأحرار. يعني: لو كنت ولدت في ثياب حر لما اتخذته أخاك.
وقيل: تعود إلى العبد والمعنى: أن العبد لو ولد في ثياب الحر لما كان يصلح أن يكون أخًا للحر، لأنه ينزع إلى أصله.
لا تشتر العبد إلاّ والعصا معه إنّ العبيد لأنجاسٌ مناكيد
المناكيد: جمع منكاد، ومنكود، وهو قليل الخير.
يقول: العبد نجس نكد لا يستقيم إلا بالضرب.
ما كنت أحسبني أحيا إلى زمنٍ يسيء بي فيه كلبٌ وهو محمود
الها في فيه للزمن.
يقول: ما ظننت أني أبقى إلى زمن يسيء بي في ذلك الزمان كلب، وهو محمود على إساءته لي. وأحتاج إلى مدحه مع ذلك.
ولا توهّمت أنّ النّاس قد فقدوا وأنّ مثل أبي البيضاء موجود
لقبه بضد اسمه كما يقال للأعمى: البصير.
يقول: ما ظننت أن الناس يفقدون وكافور يبقى بعدهم مع خسة نفسه ودناءة أصله.
وأنّ ذا الأسود المثقوب مشفره تطيعه ذي العضاريط الرّعاديد
العضاريط: الأتباع والخدم واحدها عضروط والرعاديد الجبناء واحدهم رعديد.
يقول: لم أتوهم أن هؤلاء السفلة الأرذال تطيع مثل هذا الأسود، حتى يجوز عليهم أمره، وأنه يحصل له مثل هذا الملك والتسلط عليهم.
جوعان يأكل من زادي ويمسكني لكي يقال عظيم القدر مقصود
يقول: قاسى في الجوع قلبه الذي قاساه في عبوديته؛ فلهذا لا تسمح نفسه بالعطاء، وهو مع ذلك يأكل من زادي: أي يطالبني بأن أمدحه بشعري.
وقيل: أراد يحبسني من غير عطاء فأحتاج إلى أن أنفق مالي، وإنما يمسكني عنده ليقال: إنه مقصود يمدحه مثلي من الشعراء.
إنّ امرأً أمةٌ حبلى تدبّره لمستضامٌ سخين العين مفئود
المفئود الذي أصيب فؤاده، أي عقله، وجعله أمة حبلى لخصاه وعظم بطنه. يعرض بابن مولاه، ابن الإخشيد.
يقول: من جعل أمره إلى أمة حبلى حتى تدبره، فهو مقهور ذليل سخين العين مصاب الفؤاد، زائل العقل.
ويلمّها خطّةً ويلمّ قابلها لمثلها خلق المهريّة القود
ويلمها تعجب، وأصلها: ويل لأمها، فلما كثر استعمال هذه الكلمة خففت وحذفت اللام والهمزة، وجعلت الكلمتان واحدة. وخطةً نصب على التمييز والها في ويلمها للخطة والمهرية إبل منسوبة إلى مهرة، قبيلة من اليمن. والقود: الطوال الأعناق.
يقول: ما أعجب هذه الخطة! وما أعجب من يرضى بها! وإنما خلقت المهرية لتركب أنفةً من هذه الحال.
وعندها لذّ طعم الموت شاربه إنّ المنيّة عند الذّلّ قنديد
القنديد: الخمر، وقيل: هي التي فيها الأفاوية، والهاء في عندها للخطة وهي الحالة والقضية، يقال: إن فلانًا يكلفني خطة من الخسف.
يقول: وعند هذه الخطة يستلذ الموت كما يستلذ الخمر المطيبة بالأفاوية. وهذا كقوله:
الموت أحلى عندنا من العسل
لا عار بالموت إذا الموت نزل
من علّم الأسود المخصىّ مكرمةً أقومه البيض أم آباؤه الصّيد؟!
يقول: من أين تعلم هذا الخصى الأسود المكارم؟! أتعلمها من قومه البيض الألوان! أو البيض الكرام! أو من آبائه الملوك! يعني: ليس له في الكرم أصل فكيف يهتدى إلى فعل المكارم وإتيان الجميل؟! يلوم نفسه لطلبه الغني عنده مع لؤم أصله.
أم أذنه في يد النّخّاس داميةً أم قدره وهو بالفلسين مردود
نصب دامية على الحال من أذنه.
يقول: أعلمته المكرمة إدماء النخاس أذنه عركًا، أم قدره وهو لا يساوي فلسين.
أولى اللّئام كويفيرٌ بمعذرةٍ في كلّ لؤمٍ وبعض العذر تفنيد
يقول: إن كافورًا أولى اللئام بأن يعذر في كل لؤم! وقوله: وبعض العذر تفنيد: أي عذري له تفنيد وتوبيخ ونهاية في اللوم، وهجو صريح؛ لأني إنما أعذره وأدع لومه لخسته.
[ ١ / ٤٠٩ ]
وذاك أنّ الفحول البيض عاجزةٌ عن الجميل فكيف الخصية السّود؟
الخصية: جمع خصى.
يقول: أنا أعذره؛ لأن الذكور الأحرار تعجز عن الجميل، فكيف. لا يعجز السود الخصيان؟ هذا آخر ما قاله في كافور وإنما أخرنا مدح فاتك لئلا يختلط بغيره، وسنأتي بمدحه بعد هذه القصيدة إن شاء الله تعالى.