كان أبو شجاع فاتك الكبير المعروف بالمجنون روميًا، أخذ صغيرًا، وأخ وأخت له من بلاد الروم، قرب حصن يعرف بذي الكلاع، فتعلم الخط بفلسطين، وهو ممن أخذه ابن طغج من سيده وهو بالرملة كرهًا بلا ثمن، فأعتقه صاحبه، فكان معهم حرًا في عدة المماليك، كريم النفس حر الطبع، بعيد الهمة.
وكان في أيام كافور مقيمًا بالفيوم من أعمال مصر وهو بلد كثير الأمراض، لا يصح به جسم، وإنما أقام به أنفةً من الأسود وحياءً من الناس أن يركب معه، وكان الأسود يخافه، ويكرمه، فزعًا، وفي نفسه ما في نفسه فاستحكمت العلة في بدن فاتك، وأحوجته إلى دخول مصر فدخلها، ولم يمكن أبا الطيب أن يعوده، وفاتك يسأل عنه ويراسله بالسلام، ثم التقيا في الصحراء، فحمل إلى منزله للوقت هدية قيمتها ألف دينار ذهبًا، ثم أتبعها هدايا بعدها.
فقال أبو الطيب يمدحه في جمادى الآخر. سنة ثمان وأربعين وثلاث مئة.
لا خيل عندك تهديها ولا مال فليسعد النّطق إن لم تسعد الحال
يقول لنفسه: ليس عندك خيل ولا غيرها من الأموال تهديها إلى فاتك، مكافأة على إحسانه، فأنت قادر على مدحه، فساعده بالقول الجميل، إن لم يساعدك الحال على الأجر الجزيل. وهذا كقول الحطيئة.
إلاّ يكن مالٌ يثاب فإنّه سيأتي ثنائي زيدًا بن مهلهل
ومثله للمهلبي:
إن يعجز الدّهر كفّى عن جزائكم فإنّني بالهوى والشّكر مجتهد
وأجز الأمير الّذي نعماه فاجئةٌ بغير قولٍ، ونعمى النّاس أقوال
فاجئة: اسم فاعل من الفجاءة.
يقول: كافئ الأمير الذي يفاجئ بإنعامه من غير وعد، وغيره يقول ولا يفعل: يعرض بكافور.
فرّبما جزت الإحسان موليه خريدةٌ من عذارى الحيّ مكسال
الخريدة: الجارية الناعمة، وقيل الكثيرة الحياء. والمكسال من النساء: الفاترة القليلة التصرف.
يقول: إذا كانت النساء مع ضعفهن، وعادتهن كفران النعم، ربما جازين من أحسن إليهن، فأنت أقدر على شكر من أحسن إليك.
وخص من النساء الخريدة المكسال؛ لضعفها وفتورها.
وإن تكن محكمات الشّكل تمنعني ظهور جريٍ فلي فيهنّ تصهال
الشكل: جمع الشكال.
يقول: إن كان ضيق حالي يمنعني من مكافأتك فعلا، فإني أكافئك قولًا يظهر ما في نفسي، كصهيل الجواد يظهر ما في نفسه من الشوق إلى الجري. شبه نفسه بالجواد المشكول، إذا لم يقدر على الجري صهل شوقًا إليه.
وقيل: معناه إذا لم أقدر على المكاشفة بنصرتك على كافور، فإني أمدحك، وإني في ذلك كالجواد المشكول عن الجري فإنه يصهل شوقًا إليه.
وما شكرت لأنّ المال فرّحني سيّان عندي إكثارٌ وإقلال
الإكثار: كثرة المال. والإقلال: قلته، وأراد الغنى والفقر.
يقول: لم أشكر؛ لفرحي بالمال الذي أسديته إلي، وسواء عندي الغنى والفقر.
لكن رأيت قبيحًا أن يجاد لنا وأنّنا بقضاء الحقّ بخّال
بخال: جمع باخل.
يقول: إنما شكرت لك لأني رأيت بخلي بقضاء الحق مع جودك علي قبيحًا.
قال ابن جني: لما وصلت في القراءة إلى هذا الموضع، قال المتنبي: هذا رجل حمل إلي ألف دينار في وقت واحد.
قال: وما رأيته أشكر لأحد منه لفاتك، وكان يترحم عليه كثيرًا.
فكنت منبت روض الحزن باكره غيثٌ بغير سباخ الأرض هطّال
يقول: نمت صنيعته عندي، وزادت كالأرض الطيبة إذا صابها المطر الكثير ولم يذهب باطلا، كالمطر في الأرض السبخة.
غيثٌ يبيّن للنّظّار موقعه أنّ الغيوث بما تأتيه جهّال
موقعه: فاعل يبين، ويجوز فيه النصب، فيكون فاعله ضمير الغيث.
يقول: إن فاتكًا غيث يولي بإنعامه من هو أهله، فإذا نظر الناس علموا أن الغيوث جاهلة بما تفعله: من سقى المكان السبخ والطيب. فموقع نعمه يبين هذا المعنى.
لا يدرك المجد إلا سيّدٌ فطنٌ لما يشقّ على السّادات فعّال
يقول: لا يصل إلى المجد إلا كل فطن يراعي أحوال القضاء، ويتحمل المشاق التي تشق على سائر السادات.
لا وارثٌ جهلت يمناه ما وهبت ولا كسوبٌ بغير السّيف سآل
[ ١ / ٤١٦ ]
يقول: لم يرث هذا المال الذي وهبه من آبائه فيجهل قدره، حيث لم يلحقه عناء بجمعه، بل كبه بسيفه وقهر عليه أعداءه، ولم يجمعه بالسؤال، حتى لا يعرف خطره.
ولا في قوله: لا وراث بمعنى غير: أي غير وارث. وقيل: إنها اطفة كقولك: جاءني زيد لا عمرو: أي لا يدرك المجد إلا سيد فطن لا وراث جاهل بقدر ما يهب.
قال الزّمان له قولًا فأفهمه إنّ الزّمان على الإمساك عذّال
يعني: أن الزمان أيقظه بتصاريفه، حتى كأنه عذله على الإمساك، وأمره بأن يهب كيما يكسب المجد والشرف، فكأنه قال هذا القول:
تدري القناة إذا هتزّت براحته أنّ الشّقيّ بها خيلٌ وأبطال
يقول: إذا تحركت القناة في يده، علمت أنه يقتل بها الأبطال، والخيل. وهذه الأبيات من تمام قوله: لا يدرك المجد إلا سيد فطن.
كفاتكٍ. ودخول الكاف منقصةٌ كالشّمس قلت، وما للشّمس أمثال
يعني. لا يبلغ المجد إلا سيد كفاتك، ثم استدرك وقال: ودخول الكاف منقصة أي إذا قلت: كفاتك جعلت له نظيرًا، ولا نظير له، ثم اعتذر فقال: إنما قلت: كفاتك مع علمي أنه لا نظير له، كما أشبه الأشياء بالشمس، وأعلم أنه لا مثل لها، ولم يوجب ذلك نقصا فيها كذلك هذا. ومثله لآخر:
لقد جلّ في أوصافه وخطابه عن الكاف إلا أن يقال كريم
القائد الأسد غذّتها براثنه بمثلها من عداه وهي أشبال
يقول: هو يقود غلمانًا رباهم بأسلاب أعدائه، حتى صاروا كالأسود. وقوله: بمثلها أي غذتهم براثنه: أي سيوفه، بأسلاب أسود أمثالهم من أعدائهم، وهذه الأسود أشباله.
جعله أسدًا، وغلمانه حوله كالأشبال.
القاتل السّيف في جسم القتيل به وللسّيوف كما للنّاس آجال
يقول: يضرب الفارس بسيفه فيقتله، وبكسر السيف في جسمه. وقوله: والسيوف كما للناس آجال أخده من قوله ﷺ: لا تضربوا إماءكم بكسر إنائكم، فإن لها آجالًا كآجالكم والمصراع الأول مثل قوله:
قتلت نفوس العدي بالحدي د حتّى قتلت بهنّ الحديدا
تغير عنه على الغارات هيبته وما له بأقاصي الأرض أهمال
الأهمال: جمع الهمل والهمال، والهمل: جمع الهامل، وهو المال المهمل في المرعى بلا راع.
يقول: إن هيبته تغير عن الممدوح غارات اللصوص: أي تبعدهم عن التعرض لماله، فماله يرعى في المرعى مهمل بلا راع، فلا يتعرض إليه أحد من الهيبة.
له من الوحش ما اختارت أسنّته: عيرٌ وهيقٌ وخنساءٌ وذيّال
العير: حمار الوحش والهيق: ذكر النعام والأنثى هيقة، والخنساء: البقرة الوحشية، والذيال: الثور الوحشي.
يقول: إنه يقدر على اصطياد كل ما يختاره.
تمسي الضّيوف مشهّاةً بعقوته كأنّ أوقاتها في الطّيب آصال
عقوته سهله وما قرب منه. والمشهاة: من قولهم: شهيته: أي جعلته يشتهي، أو أنلته ما يشتهي. والآصال: جمع أصل، وأصل: جمع أصيل، وهو بعد العصر؛ وذلك الوقت يطيب خاصة في الصيف.
يقول: إنه يكرم أضيافه، ويمكنهم من كل ما يشتهونه، فأوقاتهم كلها عنده طيبة كالآصال.
لو اشتهت لحم قاريها لبادرها خراذلٌ منه في الشّيزى وأوصال
القاري: المضيف، وهو الممدوح، ولحم خراذل بالذال والدال: مقطع والواحد خرذلة. والشيزى: جفان سود يقال إنها من الشيز.
قال الأصمعي: الشيز لا يعمل منه الجفان، وإنما تعمل من الجون فتسود من الدسم فتشبه الشيز، والهاء في قاريها وبادرها للأضياف، وفي منه للحم ويجوز أن يكون للممدوح.
يقول: لو اشتهت الأضياف لحمه لنحر لهم نفسه، وحملت قطعًا إلى الضيوف في الجفان، وحملت إليهم أوصاله مقطعةً.
لا يعرف الّزء في مالٍ ولا ولدٍ إلا إذا حفز الضّيفان ترحال
الحفز: التحريك والإزعاج.
يقول: لا يغتم لشيء أصابه في ماله وولده، وإنما يحزن عندما يتأهب الضيف للرحيل.
يروى صدى الأرض من فضلات ما شربوا محض اللّقاح، وصافي اللّون سلسال
الصدى: العطش، وأراد ها هنا يبس الأرض. والمحض: اللبن الخالص. واللقاح: جمع لقحة، وهي الناقة التي تحلب. والسلسال: الشراب الصافي السهل المساغ، وأراد به الخمر.
يقول: إذا رحل أضيافه أراق ما يبقى من شرابهم من اللبن والخمر، ولم يدخره لغيرهم، لأنه يتلقى كل ضيف بقرىً جديد.
[ ١ / ٤١٧ ]
تقرى صوارمه السّاعات عبط دمٍ كأنّما السّاع نزّالٌ وقفّال
العبط والعبيط: الدم الطري واللحم. والساع: جمع ساعة.
يقول: يريق كل ساعة دمًا طريًا من أعدائه، ويذبح وينحر للأضياف، فكأنه يقري الساعات بما يريقه من الدماء، وكأنها قوم ينزلون، وقوم يقفلون عنه.
تجري النّفوس حواليه مخلّطةً منها عداةٌ وأغنامٌ وآبال
النفوس: الدماء وقد روى ذلك أيضًا.
يقول: إنه يقتل الأعداء وينحر الآبال ويذبح الأغنام، فتختلط الدماء بعضها ببعض.
والتقدير: منها دماء أعداء ومنها دماء أغنام. فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه.
لا يحرم البعد أهل البعد نائله وغير عاجزةٍ عنه الأطيفال
الأطيفال: تصغير أطفال.
يقول: يصل نواله إلى القريب والبعيد، والقوي والضعيف، فلا يحرم البعيد نائله لأجل بعده، والصغير لا يعجز منه لصغر سنه.
أمضى الفريقين في أقرانه ظبةً والبيض هاديةٌ والسّمر ضلاّل
يقول: إذا التقى الجيشان، وسقطت الرماح السمر، وآل الأمر إلى السيوف البيض، فهو أمضى الفريقين سيفا في ذلك الوقت.
يريك مخبره أضعاف منظره بين الرّجال وفيها الماء والآل
الهاء في فيها للرجال.
يقول: إذا جربته في الحرب رأيت منه أضعاف منظره. وفي الرجال من له حقيقة كالماء، وفيهم من لا حقيقه له كالسراب.
وقد يلقّبه المجنون حاسده إذا اختلطن وبعض العقل عقّال
العقال: داء يأخذ الدابة في الرجلين، فيعقلهما عن التصرف. ويجوز تخفيفه. وقوله: إذا اختلطن قيل: أراد به الصفوف فأضمر، وقيل: أراد به خيله وخيل عدوه.
كان فاتك يلقب بالمجنون، فصرح بذكر لقبه ثم تخلص منه أحسن تخلص، حتى فضل الجنون على العقل.
فيقول: إنما جنونه عند اختلاط الصفوف، والعقل في ذلك الوقت عقال على صاحبه، فجنونه: شجاعة وإقدام، لا كما يزعمه الحاسد. فحسن لقبه!
يرمي بها الجيش لا بدٌّ له ولها من شقّه ولو أنّ الجيش أجبال
بها أي بالخيل، والهاء في له للمدوح.
يقول: يرمي بخيله جيش العدو، فلا بد له ولخيله من شق الجيش، وإن كان كالجبل شدة وثباتا.
إذا العدى نشبت فيهم مخالبه لم يجتمع لهم حلمٌ ورئبال
نشبت: ثبتت. والرئبال: الأسد.
يقول: هو في يوم الحرب أسد، فإذا نشبت مخالب الأسد في فريسة، فلم يكن حينئذ حلم، إذ الحلم لا يوجد مع الأسد.
وهذا تأكيد لتحسين لقبه، وتفضيله على العقل.
يروعهم منه دهرٌ صرفه أبدًا مجاهرٌ وصروف الدّهر تغتال
يقول: هو على أعدائه كالدهر، يروعهم أبدًا بحروبه وغاراته مجاهرة، بخلاف صروف الدهر فإنها تغتالهم ولا تجاهرهم. فضلة على الدهر.
أناله الشّرف الأعلى تقدّمه فما الّذي بتوقّي ما أتى نالوا
ما في قوله: فما الذي قيل: للاستفهام على جهة الإنكار، الذي في موضع نصب بنالوا والتوقي: مصدر توقي، وهو مضاف إلى ما الثانية وما في موضع الجر، وتقديره: فأي شيء نالوا بتوقيهم ما أتاه هو؟ يقول: أوصه إلى نيل الشرف الأعلى جرأته، فما الذي نال أعداؤه لما توقوا ما أتاه، وأشفقوا على أنفسهم؟ وقيل: ما الأولى نفي والثانية بمعنى الذي. ويتوقى فعل مضارع انتصب به ما والذي في موضع الذين.
والمعنى: أن تقدمه أناله الشرف الأعلى، فليس الذين يتوقون الشرف الذي أتاه هو، نالوا ما ناله من الشرف. أي إنهم لما جبنوا عن مباشرة الشدائد لم ينالوا ما ناله.
إذا الملوك تحلّت كان حليته مهنّدٌ وأصمّ الكعب عسّال
اسم كان مضمر، والجملة في موضع النصب على أنها خبر كان: أي كان هو، أو كان الأمر والشأن حليته مهند، ولو نصبت حليته على الخبر وجعلت مهندًا اسمها كان قبيحًا، لأن الخبر يكون معرفة والاسم نكرة، ومثل هذا قد جاء في الشعر.
يقول إذا تزين الملوك بالحلل وأنواع الحلي فهو يتزين بسيفه ورمحه.
والعسال: الرمح المضطرب.
أبو شجاعٍ أبو الشّجعان قاطبةً هولٌ نمته من الهيجاء أهوال
نمته ها هنا أي ولدته، وأصله من الانتماء، وهو الانتساب.
يقول: من حقه أن يكنى أبا الشجعان قاطبة، لا أبا شجاع واحد. وهو هول نمته أهوال من الهيجاء: أي ممارة الخطوب أعلت قدره وصارت نسبًا له ينتمي إليه.
[ ١ / ٤١٨ ]
أبو شجاع: مبتدأ. وأبو الشجعان: بدل منه. وقاطبةً: نصب على المصدر أو الحال. وهول خبر المبتدأ. وأهوال رفع بنمته ويجوز أن يكون أبو شجاع مبتدأ وأبو الشجعان خبره. وهول خبر ابتداء محذوف: أي هو هول، أو بدل من أبي الشجعان.
تملّك الحمد حتّى ما لمفتخر في الحمد حاءٌ ولا ميمٌ ولا دال
يقول: قد استولى على الحمد كله واستحقه بفضله، حتى لم يبق لأحد شيء من الحمد وأجزائه.
عليه منه سرابيلٌ مضاعفةٌ وقد كفاه من الماذيّ سربال
يقول: عليه من الحمد. سرابيل ظاهرة مضاعفة، وفي الحرب يكتفي بدرع واحد. يعني لا يرضى من الحمد إلا بالسرابيل المضاعفة ويكفيه في الحرب سربال واحد.
وقيل: عليه لباس الحمد المضاعف، وقد كفاه الدرع وإن لم يكن الحمد، فاجتمعا له جميعا، حتى يكون ذلك أشرف له.
وكيف أستر ما أوليت من حسنٍ وقد غمرت نوالًا أيّها النّال
رجل نال: أي كثير النوال.
يقول: كيف أستر أفضالك، وقد أكثرت علي نوالك وغمرتني به، حتى لا يمكنني ستره.
لطّفت رأيك في وصلي وتكرمتي إنّ الكريم على العلياء يحتال
يقول: لطفت رأيك واحتلتفي إحراز ثنائي ومدحي، وهذه عادة الكرام بتوصلون إلى اكتساب المعالي بكل حيلة.
حتّى غدوت وللأخيار تجوالٌ وللكواكب في كفّيك آمال
يقول: لما تلطفت في إكرامي ومدحتك فجال ذكرك بين الناس، وطمعت النجوم في نوالك.
وهذان البيتان مدح أبو الطيب بهما نفسه! يعني: أنا كالنجم من بعدي من عطاء مثلك! فلما احتلت في إيصال برك إلي رغبت النجوم أيضا في نوالك.
وقد أطال ثنائي طول لابسه إنّ الثّناء على التّنبال تنبال
التنبال: القصير، وعنى بطول لابسه طول السؤدد والكرم.
يقول: إذا مدح الانسان كريما كثير الفضائل طال حمده بطول كرمه، وجاد شعره، وإذا مدح لئيما قليل الكرم لؤم شعره وقل؛ لأن المادح لا يجد ما يمدح به.
إن كنت تكبر أن تختال في بشرٍ فإنّ قدرك في الأقدار يختال
يقول: إن كنت ترفع نفسك من أن تتكبر على الناس، فإن قدرك يختال على كل قدر ويتكبر على كل ذي فخر.
كأنّ نفسك لا ترضاك صاحبها إلا وأنت على المفضال مفضال
ولا تعدّك صوّانًا لمهجتها إلاّ وأنت لها في الرّوع بذّال
يقول: كأن نفسك. تفوق كل متفضل من الناس ولا ترضى أن تكون صاحبها حتى تفضل على كل ذي فضل، ولا تعد أنك تصونها إلا بذلتها في الحرب، فأنت تقتحم على كل غمرة، وتحمل نفسك على كل مهلكة.
لولا المشقّة ساد النّاس كلّهم الجود يفقر والإقدام قتّال
يعني: أن السيادة لا تتم إلا ببذل المال ومخاطرة النفس، فالجود يؤدي إلى الفقر، والإقدام يفضي إلى العطب. ولولا مشقة هاتين الخلتين لكان الناس كلهم سادة.
وإنّما يبلغ الإنسان طاقته ما كلّ ماشيةٍ بالرّحل شملال
الشملال: الناقة السريعة الخفيفة. يعني: كل أحد يسعى على قدر همته ومبلغ طاقته، وليس الناس سواء، كما أنه ليس كل ناقة شملال.
إنّا لفي زمنٍ ترك القبيح به من أكثر النّاس إحسانٌ وإجمال
فصرنا في زمان لا خير عند أهله، فمن كف أذاه عن الناس فهو يحسن عندهم.
ولطف في قوله: من أكثر الناس حتى لا يدخل الممدوح.
ذكر الفتى عمره الثّاني، وحاجته ماقاته وفضول العيش أشغال
يقول: ذكر الإنسان بعد موته يقوم له مقام العمر الثاني، فكأنه موجود وغير معدوم، وحاجته من الدنيا ما يقوته، وما فضل عنه يكون شغلًا له.
يمنعه عن جمع المال ويحثه على العلا. وروى: ما فاته أي هو محتاج أبدًا إلى ما لم ينله، فأما ما ناله فلا حاجة به إليه.
قال ابن جني: قد جمع في هذا البيت ما يعجز كل من يدعي الشعر والحكمة والكلام الشريف، فينبغي أن يلحق بالأمثال السائرة. ومثله لسالم بن وابصة:
غني النّفس ما يكفيك من سلخ حاجةٍ وإن زاد شيئًا كان ذاك الغني فقرًا
وهو قد استوفى جميع ذلك وزاد عليه بقوله: ذكر الفتى عمره الثاني.
وتوفي أبو شجاع فاتك بمصر ليلة الأحد عشاء لإحدى عشرة ليلة خلت من شوال سنة خمسين وثلاث مئة.
فقال أبو الطيب يرثيه عند موته ويهجو كافورًا وأنشدها بعد رحيله عن الفسطاط:
[ ١ / ٤١٩ ]
الحزن يقلق والتّجمّل يردع والدّمع بينهما عصيٌّ طيّع
يقول: الحزن يحملني على الجزع، والتجمل يردعني عن الجزع، فدمعي متحير بين التجمل والقلق، يعصي التجمل ويطيع القلق.
يتنازعان دموع عين مسهّدٍ هذا يجيء بها وهذا يرجع
يقول: إن الحزن والتجمل يتنازعان: دموع عين لا تنام. هذا يجيء بها، أي الحزن يجيء بالدموع. وهذا يرجع. أي التجمل يردها.
النّوم بعد أبي شجاعٍ نافرٌ واللّيل معيٍ والكواكب ظلّع
يقال: ظلع يظلع إذا عي من التعب فهو ظالع، والجمع ظلع.
يقول: قد زال عني النوم بعد موت أبي شجاع، وطال علي الليل حتى كأنه معي لا نهوض له، والكواكب أيضا لا تبرح مكانها حتى كأنها غامزة.
يصف طول ليله عليه، ودوام سهره.
إنّي لأجبن من فراق أحبّتي وتحسّ نفسي بالحمام فأشجع
يقول: ليس حزني هذا من ضعف قلبي، ولكنه إلف وعادة، فنفسي إذا أحست بالموت أقدمت عليه، وإذا أحست بفراق صديق جبنت عنه.
ويزيدني غضب الأعادي قسوةً ويلمّ بي عتب الصّديق فأجزع
يقول: إذا غضب العدو، لم أبال بغضبه، بل ازددت قسوة عليه، وإذا عتب علي صديق أدنى عتب، جزعت منه.
تصفو الحياة لجاهلٍ أو غافلٍ عمّا مضى فيها وما يتوقّع
ولمن يغلط في الحقائق نفسه ويسومها طلب المحال فتطمع
يقول: لا تصفو الحياة إلا لثلاث: إما جاهل بأحوال الدنيا، أو غافل عما مضى، وما ينتظره من الحياة، أو من يغالط نفسه في الحقائق، ويعللها بالأماني الكاذبة ويطمعها في الأمور المحالة.
أين الّذي الهرمان من بنيانه؟ ما قومه ما يومه ما المصرع!!
الهرمان: بناءان شاهقان في الهواء، وسمك كل واحد منهما أربع مئة ذراع في عرض مثلها، لا يعرف من بناهما! ويقال: بناهما عمرو المشلل.
ما قومه؟ لفظه استفهام، ومعناه التعظيم يعني: أن هذا الباني مع قومه وعزه سلطانه، قد انقطع خبره، فلا يعلم من هو ولا من أي أمة هو!!
تتخلّف الآثار عن أصحابها حينًا، ويدركها الفناء فتتبع
الهاء في أصحابها للآثار. يعني: ان الآثار تبقى بعد أربابها زمانا، ثم إن الفناء يبطل الآثار أيضًا، فتتبع في الفناء أصحابها.
لم يرض قلب أبي شجاعٍ مبلغٌ قبل الممات ولم يسعه موضع
يقول: كان بعيد الهمة، لم يرض من الدنيا منالا ناله، بل كان يطلب أكثر مما ناله، ولم يسعه موضع حتى مات، فكأنه كرهها فارتحل عنها.
كنّا نظنّ دياره مملوءةً ذهبًا فمات وكلّ دارٍ بلقع
البلقع: الخالية، والجمع: بلا قع.
يقول: كنا نظن أن خزائنه مملوءة من الذهب؛ لكثرة ما كان يهبه من الأموال، فلما مات وجدنا دياره خالية من المال؛ لأنه وهب ماله في حال حياته، ولم يجمع إلا أربعة أشياء ذكرها فيما يليه:
وإذا المكارم والصّوارم والقنا وبنات أعوج كلّ شيءٍ يجمع
بنات أعوج: هي الخيل، تنسب إلى فحل كريم في العرب يقال له: أعوج.
يقول: كل شيء جمعه في خزانته فهو هذه الأشياء، دون الذهب وسائر الأموال. ومثله لآخر:
ولم يك كنزه ذهبًا ولكن سيوف الهند والحلق المذالا
المجد أخسر والمكارم صفقةً من أن يعيش لها الكريم الأروع
الأروع: الجميل الذي يروعك جماله.
يقول: إن المجد والمكارم قد خسرت صفقتها فلا يعيش لها كريم يعتني بأمرهما.
وتقدير البيت في الظاهر: المجد والمكارم أخسر صفقة. وإعرابه على غير هذا الوجه؛ لأنك إذا علقت صفقة بأخسر كنت قد فصلت بين الصلة والموصول بقولك: والمكارم ولكن تحمله على إضمار فعل ينصب به صفقة كأنك قلت: المجد أخسر والمكارم كذلك، وتم الكلام، ثم استأنفت صفقة وأضمرت فيه فعلا أي: خسر المجد صفقة.
والنّاس أنزل في زمانك منزلًا من أن تعايشهم وقدرك أرفع
يقول لفاتك: إن الناس أنزل درجةً من أن يستحقوا أن تعيش معهم، وأنت أرفع قدرًا من أن تصاحبهم، فلما أنفت من ذلك اخترت الموت.
برّد حشاي إن استطعت بلفظةٍ فلقد تضرّ إذا تشاء وتنفع
يقول: إن قلبي فيه حرارة الحزن، فبرده بلفظة منك أنتفع بها؛ لأنك قد كنت قادرًا على ضر من شئت ونفع من أردت، فذلك لم يتعذر عليك.
[ ١ / ٤٢٠ ]
ما كان منك إلى خليلٍ قبلها ما يستراب به ولا ما يوجع
قبلها: أي قبل هذه الحالة، أو هذه المصيبة، وما يستراب: أي ما يكره.
يقول: لم يكن منك قبل هذه الحالة ما يريب صديقك ويوجعه.
ولقد أراك وما تلمّ ملمّةٌ إلا نفاها عنك قلبٌ أصمع
قلب أصمع: أي ذكي.
يقول: إذا نالتك مصيبة، تدفعها عنك بقوة قلبك، وحدة ذكائك.
ويد كأنّ نوالها وقتالها فرضٌ يحقّ عليك وهو تبرّع
ويد عطف على قلب.
يقول: كنت أعرفك، إذا نزلت بك حادثة دفعتها عنك بذكاء قلبك وشدة ساعدك، فما بالك لم تدفعها الآن عنك؟؟! وقوله: كأن نوالها وقتالها أي أنك لم تبخل بقتال ولا بذل نوال، حتى كأنهما واجبان عليك، وهو تبرع وتفضل.
يا من يبدّل كلّ يومٍ حلّةً أنّى رضيت بحلّةٍ لا تنزع؟
أي: يا من كان يبدل، فحذف كان وكذلك فيما قبله، كقوله تعالى: " واتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ " أي ما كانت تتلوا.
يقول: كنت تنزع كل يوم حلة للسؤال، وتلبس حلة جديدة، فكيف رضيت الآن بحلة لا تنزعها أبدًا، ولا تبدلها بغيرها؟ يعني الكفن.
ما زلت تخلعها على من شاءها حتّى لبست اليوم ما لا تخلع
يقول: لم تزل تخلع حلتك على من طلبها حتى لبست الآن حلةً لا يشتهيها أحد، ولا يسألك أن تخلعها عليه. والهاء في تخلعها وشاءها للحلة.
ما زلت تدفع كلّ أمرٍ فادحٍ حتّى أتى الأمر الّذي لا يدفع
يقول: كنت تدفع كل حادثة عظيمة تنزل بك، حتى نزل بك الآن ما لا يمكن أحد دفعه يعني: الموت.
فظللت تنظر لارماحك شرّعٌ فيما عراك ولا سيوفك قطّع
عراك: أي أتاك.
يقول: لما نزل بك حادث الموت، لم تغن عنك رماحك وسيوفك، لكنك ظللت تنظر إلى أصحابك، ولا يقدر أحد على دفعه عنك.
بأبي الوحيد وجيشه متكاثرٌ يبكي ومن شرّ السّلاح الأدمع
يقول: أبي فداء المتوحد الذي جيشه كثير.
يعني: أن جيشه لا يقدر على دفع الموت عنه.
جعله وحيدًا لا ناصر له، وكأن جيشه يبكي عليه، لأنهم لا يملكون له شيئًا سوى البكاء ثم قال: والدموع شر السلاح؛ لأنه لا يدفع بها حادثة.
وإذا حصلت من السّلاح على البكا فحشاك رعت به، وخدّك تقرع
يقول: إذا كان رأس سلاحك هو البكاء لم يصل ضرره إلا إليك، لأنك تؤلم به قلبك وتقرع به خدك.
وصلت إليك يدٌ سواءٌ عندها ال بازي لاشهب والغراب الأبقع
أراد يد الدهر، والمراد بالبازي لاشهب: الكريم. وبالغراب الأبقع: اللئيم. يعني: أن الموت إذا جاء لم يفرق بين الشريف والوضيع.
من للمحافل والجحافل والسّرى؟ فقدت بفقدك نيّرًا لا يطلع
المحافل: المجالس، وقيل: هي جماعات الناس. والجحافل: الخيل. والسرى: جمع سراية. كأن قوام هذه الأشياء، نيرها الذي غاب عنها فلا يطلع أبدا.
ومن اتّخذت على الضّيوف خليفةً؟ ضاعوا ومثلك لا يكاد يضيّع
من استفهام. يعني: كنت تتعاهد أمر أضيافك، فمن الذي تركت بعدك خليفة يقوم بأمورهم؟ فإنهم ضاعوا، ولم يكن من عادتك أن تضيع أحدًا.
قبحًا لوجهك يا زمان! فإنّه وجهٌ له من كلّ قبحٍ برقع
يقول: قبح الله وجهك يا زمان! فإنه وجه مبرقع بكل لؤم: أي كل فعل مذموم مجتمع فيك!
أيموت مثل أبي شجاعٍ فاتكٍ ويعيش حاسده الخصيّ الأوكع؟!
الأوكع الذي تميل إبهام رجله على أصابعه حتى تخرج عن أصله، ويجوز أن يكون فاتك رفع بدلا من مثل وجر بدلا من من أبي شجاع.
أنكر على الزمان موت فاتك وحياة كافور بعده، وقال: تترك كافورًا مع لؤمه، وتهلك فاتكا مع شرفه وكرمه؟! وإنما تفعل ذلك للؤمك، فأنت تحامي من كان مثلك. وقوله: أيموت مثل أبي شجاع: أي يموت أبو شجاع، ومثل زائدة.
أيدٍ مقطّعةٌ حوالي رأسه وقفًا يصيح بها: ألا من يصفع؟
يقول: إن كافورًا للؤمه وخسته يبعث الناس على صفعه، فكأن قفاه يصيح: هل من أحد يصفعني؟ ولكن كأن أيدي من حوله مقطوعة لا يقدرون على صفعه وتناوله. وهذا على معنى الخبر، أن أيديهم كذلك. ويجوز أن يكون دعاء على أصحابها فكأنه يقول: قطع الله هذه الأيدي.
أبقيت أكذب كاذبٍ أبقيته وأخذت أصدق من يقول ويسمع
ويسمع: أي يجيب.
[ ١ / ٤٢١ ]
يقول للزمان أو للموت: أبقيت كافورًا الذي هو أكذب الناس قولا، وأخذت فاتكًا الذي هو أصدقهم قولا ووعدا..
وتركت أنتن ريحةٍ مذمومةٍ وسلبت أطيب ريحةٍ تتضوّع
ريح وريحة ورائحة بمعنى. وتضوعت رائحة الطيب: إذا انتشرت. وهذا البيت كالذي قبله.
يعني: بأنتن ريحة كافورًا وبأطيب ريحة فاتكا.
فاليوم قرّ لكلّ وحشٍ نافرٍ دمه وكان كأنّه يتطلّع
يقول: إنه كان يديم قنص الوحش، فلما مات استقر دم كل وحش في جلده بعد أن كان الدم يتطلع: أي يهم بالخروج من غير أن يجريه خوفا منه.
وقيل: يتطلع الوحش: أي كان يهم بالخروج ولم يخرج خوفًا منه.
وتصالحت ثمر السّياط وخيله وأوت إليها سوقها والأذرع
ثمر السياط: أطرافها.
يقول: إنه كان يديم ضرب خيله بالسياط في الحروب والغارات والصيد وطرد الوحش، فلما مات تصالحت السياط مع خيله، حتى سكنت إليها سوق الخيل وأذرعها، وأمنت أذاها وألمها، إذ لا يضربها أحد بالسياط بعده.
وعفا الطّراد فلا سنانٌ راعفٌ فوق القناة ولا سنانٌ يلمع
الطراد: مطاردة الفرسان. وقيل: هو الرمح الصغير. وعفا: أي درس.
يقول: عفا بموته رسم الطعان والضراب، فلا يرى بعده سنان راعف: أي قد طعن به فهو يقطر دما، وكذلك لا يرى سيف يلمع ويبرق.
ولّى وكلّ مخالمٍ ومنادمٍ بعد اللّزوم مشيّعٌ ومودّع
المخالم: المصادق.
يقول: لما مات تفرقت ندماؤه وأصدقاؤه، فودع بعضهم بعضا وشيعه، بعد أن كانوا ملازمين لا يتفرقون. وقيل: أراد ودع فاتكًا كل منادم وصديق.
قد كان فيه لكلّ قومٍ ملجأ ولسيفه في كلّ قومٍ مرتع
يقول: قد كان فاتك ملجأ ينتمي إليه كل قوم عندما يقع لهم من الحوادث، وكذلك سيفه كان يقتل كل قوم، فكأنه يرتع في لحوم القتلى.
إن حلّ في فرسٍ ففيها ربّها كسرى تذلّ له الرّقاب وتخضع
الفرس: أهل فارس. والهاء في فيها ترجع إلى الفرس، وأراد به أرض فارس، أو القبيلة أو الجماعة.
أو حلّ في رومٍ ففيها قيصرٌ أو حلّ في عربٍ ففيها تبّع
يقول: إن فاتكا كان في الفرس كسرى، وفي الروم قيصرا، وفي العرب تبعا. والتبابعة: ملوك اليمن.
قد كان أسرع فارسٍ في طعنةٍ فرسًا، ولكنّ المنيّة أسرع
فرسا: نصب على التمييز. والتقدير: كان أسرع فارس فرسا في طعنه.
يقول: كان أحذق بالطعن من كل فارس، وفرسه أسرع من كل فرس، ولكن لم ينفعه ذلك حين جاء الموت.
لا قلّبت أيدي الفوارس بعده رمحًا ولا حملت جوادًا أربع
يعني: أنه كان حاذقًا بركوب الخيل والطعن بالرماح، فإذا قامت فلا حملت فرسا قوائمه الأربع، ولا حمل فارس رمحا بيده.