نعني بالزيادات الأبيات والقطع التي لم تثبت في النسخ التي بين أيدينا لهذا الشرح ولكن اطمأنت نفوسنا من نسبتها إلى المتنبي.
ومما لا ريب فيه أن المتنبي أسقط من ديوانه بعض القطع التي قالها في صباه أو ارتجلها ولم يجدها، أو استحى مما فيها، كما أسقط أبياتًا من قصائده حين إعادة النظر في ديوانه، وكذلك سها النساخ عن قطعة أو بيت، فمن أجل هذا وقع الخلاف بين النسخ في أبيات قليلة، ولسبب من ذلك يجد الباحث في بعض القطع حذفًا وإثباتًا وتقديمًا وتأخيرًا، أشرنا إليه في دراستنا ونبهنا عليه في موضعه من النص.
وفي النسخة التي اعتمد عليها شارحنا، قطع وأبيات مثبتة في متن الديوان ومشروحة. اعتبرها غيره من الشراح من زيادات الديوان، وذلك مثل قول أبي الطيب:
فديت بماذا يسرّ الرسول وأنت الصحيح بذا لا العليل
عواقب هذا تسوء العدو وتثبت فيك وهذا يزول
فقد ذكر البيتان في زيادات الديوان الذي حققه الدكتور عبد الوهاب عزام ولم يذكرا في التبيان، وإن ذكرهما الواحدي في صلب الديوان واتفق مع شارحنا في ذلك.
وليرجع الباحث إلى القطعتين رقمي ٢٤١ و٢٤٢ المثبتين في آخر السيفيات، ولينظر هوامشهما ليقف على مدى الخلاف في إثباتهما عند سائر الشراح.
ولقد أحببت أن أتتبع زيادات شعر المتنبي فأثبتها لحقًا لهذا الشرح، ولكن رأيت أن جمع الزيادات كلها يطول، ويدخلنا في نقد طويل، نزيف به بعض القصائد والقطع التي نسبت إلى الشاعر. وقد سبقنا العالم الثبت عبد العزيز الميمني الراجكوتي ونشرها في كتاب على حدة زيادات ديوان شعر المتنبي فكفانا مئونة هذا الجهد وسأكتقي بالزيادات التالية التي اطمأنت نفسي إليها مع ذكر مصادرها: أول شعر نظمه وهو صبي يتغزل:
بأبي من وددته فافترقنا وقضى الله بعد ذاك اجتماعا
فاقترفنا جولًا فلمّا التقينا كان تسليمه عليّ وداعا
وقال يمدح محمد بن عبيد الله العلوي الكوفي:
يا ديار العباهر الأتراب أين أهل الخيام والأطناب؟
قذفت بالبدور عنك ظهور البدن قذف القسيّ بالنّشاب
غادة تجعل الخليّ شجيّا وتصيب المحبّ بالأوصاب
صدّها، يذهل العقول، بالوص ل تردّ العقول بعد ذهاب
يا شبابي ترفّقن بشبابي نمت عن ليتي وبتّ لما بي
تالفًا بين ميتة وحياةٍ واقفًا بين رحمةً وعذاب
خذ إلهي من الملاح لجسمٍ حلن ما بينه وبين الثّياب
[ ١ / ٤٧٠ ]
سوءةٌ للّتي شكوت فقالت: سوءةٌ للممخرق الكذّاب
أعتبت بالصدود بعد عتاب ورمت بالنّقاب بالعنّاب
بعناب تسودّت من حشائي بسواد ومن دمي بخضاب
وتمشّت من الفؤاد بنعلٍ حرّ وجهي له مكان التّراب
آه لم يدر ما العذاب فؤاد لم يذق طعم فرقة الأحباب
ابعدي فالسّلوّ أجمل عندي من حضور البكا على الغيّاب
ووقار الفتى بغير مشيب كصبوّ امرئ بغير شباب
سقّني ريقها وسقّ نديمي من سلاف ممزوجة برضاب
واسق أطلالها وإن هجرتنا يا إله السماء، نوء السحاب
مضلخمّ الرّوقين مثعنجر الود ق مسفّ الجهام، داني الرّباب
مسبلا مثل راحة ابن عبيد الله معطى الورى بغير حساب
يستقلّ الكثير معتذرًا من أخ ذه طالبًا إلى الطّلاّب
فنفوس الأموال غير رواض عنه، والسائلون غير عضاب
إنّ جود الوسمىّ بل زبد البح ر ترامى عبابه بحباب
دون جدوى أبي الحسين إذا ما اش تغل الشّعر بالعطايا الرّغاب
وقال يمدح ابن كيغلغ وهو في حبسه:
شغلي عن الرّبع أن أسائله وأن أطيل البكاء في خلقه
بالسّجن والقيد والحديد وما ينقض عند القيام من حلقه
في كل لصٍّ إذا خلوت به حدّث عن جحده وعن سرقه
لو خلقت رجله كهامته إذًا لباري البزاة في طلقه
بدّلت جيرانه وبليته في خطّ كفّ الأمير من ورقه
يا أيها السيد الهمام أبا العبّا س والمستعاذ من حنقه
أعنى الأمير الذي لهيبته يخفق قلب الرّضيع في خرقه
المظهر العدل في رعيّته والمعتدي حلمه على نزقه
لما تأمّلته رأيت له مجدًا تضلّ الصّفات في طرقه
نظرت من طبعه إلى ملكٍ يغضى حماة الشام من خلقه
لو ما ترى سفكه بقدرته كان دم العالمين في عنقه
يا من إذا استنكر الإمام به مات جميع الأنام من فرقه
في كلّ يوم يسري إلى عملٍ في عسكر لا يرى سوى حدقه
تشتعل الأرض من بوارقه نارًا وتنبو السيوف عن درقه
قد أثّر القيظ في محاسنه وفاح ريح العبير من عرقه
كأنّ الشمس؛ لم تزر بلدًا في الأرض إلاّ طلعت في أفقه
الله يا ذا الأمير في رجلٍ لم تبق من جسمه سوى رمقه
كم ضوء صبح رجاك في غده وجنح ليل دعاك في غسقه
ناداك من لجّة لتنقذه من بعد ما لا يشكّ في غرقه
وقال يمدح أحمد بن الحسن:
أتظعن يا قلب مع من ظعن حبيبين أندب نفسي إذن
ولم لا أصاب وحرب البسو س بين جفوني وبين الوسن
وهل أنا بعدكم عائشٌ وقد بنت عنّي وبان السّكن؟!
فدى ذلك الوجه بدر الدّجى وذاك التّثنّي تثنّى الغصن
فما للفراق وما للجميع؟ وما للرّياح وما للدّمن؟
كأن لم يكن بعد أن كان لي كما كان لي بعد أن لم يكن
ولم يسقني الرّاح ممزوجةً بماء اللّثى لا بماء المزن
لها لون خدّيه في كفّه وريحك يا أحمد بن الحسن
ألم يلفك الشّرف اليعربيّ وأنت غريبة أهل الزّمن
كأنّ المحاسن غارت عليك فسلّت لديك سيوف الفتن
لذكرك أطيب من نشرها ومدحك أحلى سماع الأذن
فلم يرك النّاس إلا غنوا برؤياك عن قول: هذا ابن من؟
ولو قصد الطّفل من طيّئ لشارك قاصده في اللّبن
فما البحر في البرّ إلا نداك وما النّاس في الباس إلا اليمن
وقال يعاتب:
إنّي لغير صنيعة لشكور كلا وإنّ سواءك المغرور
مالي أراني منك تحت سحابةٍ ظمآن أستسقي وأنت مطير
أنت الأمير، وغيرك المأمور وعظيم شغلٍ في جداك يسير
وقال يمدح أبا دلف:
ليس العليل الّذي حمّاه في الجسد بل العليل الّذي حمّاه في الكمد
أقسمت ما قبّل الحمّى سوى ملكٍ قبل الأمير، ولا اشتاقت إلى أحد
فلا تلمها رأت شيئًا فأعجبها فعاودتك ولو ملّتك لم تعد
[ ١ / ٤٧١ ]
أليس من محن الدّنيا أبا دلفٍ ألا نزورك والرّوحان في بلد؟
وقال معاتبا:
أتاني عنك قولٌ فازدهاني ومثلك يتّقي أبدًا ويرجى
ولولا ظنّةٌ خلعت فؤادي وجدت إليك طرقًا منك نهجا
فلمّا جئت أشرق منك بدرٌ وكان لتمّه الإسعاد برجا
وكتب إليه الضرير الضبي:
قد صحّ شعرك والنّبوّة لم تصح والقول بالصدق المبيّن يتّضح
فالزم مقال الشّعر تحظ برتبةٍ وعن النّبوّة لا أبًا لك فانتزح
تربح دمًا قد كنت توجب سفكه إنّ التمتّع بالحياة لمن ربح
فأجابه المتنبي:
نار الذراية من لساني تقتدح يغدو عليّ من النّهي ما لم يرح
بحرٌ لو اغترفت لطائم موجه بالأرض والسّبع الطّباق لما نزح
أمري إليّ، فإن سمحت بمهجةٍ كرمت عليّ، فإنّ مثلي من سمح
وقال أيضًا يفتخر بنفسه:
لي منصب العرب البيض المصاليت ومنطقٌ صيغ من درٍّ وياقوت
وهمّةٌ هي دون العرش منكبها وصار ما تحتها في لجّة الحوت
وقال يهجو حيدرة قاضي طرابلس:
هينًا فقدت من الرّجال بليدا من كان عند وجوده مفقودا
غلب التّبسّم يوم مات تفجّعي وغدا به رأي الحمام سديدا
يا صاحب الجدث الّذي شمل البري ية جوده لو كان لؤمك جودا
قد كنت أنتن منه يوم دخوله ريحًا وأكثر في الحياة صديدا
وأذلّ جمجمةً وأعيا منطقًا وأقلّ معروفًا وأذوى عودا
أسلمت لحيتك الطويلة للبلى وثويت لا أجرًا ولا محمودا
وروى الأطبّة أنّ ما بك قاتل حمق شفاؤك كان منه بعيدا
وفساد عقلك نال جسمك معديًا وليفسدن ضريحه والدّودا
قسمت ستاه بنيه ميراث استه من بعده فغدت بغايا سودا
لو وصّلوا ما استدخلوا من فيشة في طولهم وصلوا السماء قعودا
أولاد حيدرة الأصاغر أنفسًا ومناظرًا ومخابرًا وجدودا
سودٌ ولو بهر النّجوم بياضهم قلّ ولو كثروا التّراب عديدا
بليت بما يجدون كلّ بخيلةٍ حسناء كيلا تستطيع صدودا
شيءٌ كلا شيءٍ لو أنّك منهم في عسكر مجرٍ لكنت وحيدا
أسرف فإنّك صادقٌ في شتمهم في كلّ شيءٍ ما خلا التّحديدا
وقال أيضا يهجو آل حيدرة:
يا آل حيدرة المعفّر خدّهم عبد المسيح على اسم عبد مناف
تربا الكلاب بأن يكون أبًا لها ويرين عارًا شدّة الإقراف
لا تجمعوا لغة النّبيط وتيهكم وأصولكم وأسامي الأشراف
وكتب إليه الضبي الشاعر الضرير وهو في الحبس:
أطللت يا أيّها الشّقيّ دمك لا رحم الله روح من رحمك
أقسمت لو أقسم الأمير على قتلك قبل العشاء ما ظلمك
فأجابه المتنبي:
إيهًا أتاك الحمام فاخترمك غير سفيهٍ عليك من شتمك
همّك في أمردٍ تقلّب في عين دواةٍ لصلبه قلمك
وهمّتي في انتضاء ذي شطبٍ أقدّ يومًا بحدّه أدمك
فاخسأ كليبًا واقعد على ذنبٍ واطل بما بين إليتيك فمك
ومن شعر المتنبي مما ليس في ديوانه بل رواه الشيخ تاج الدين الكندي بسند صحيح متصل به بيتان وهما.
أبعين مفتقر إليك نظرتني فأهنتني وقذفتني من حالق
لست الملوم أنا الملوم؛ لأنّني أنزلت آمالي بغير الخالق
وله في سيف الدولة، وكان قد أمر بخيمة فصنعت له، فلما فرغ منها نصبها لينظر إليها، وكان على الرحيل إلى العدو، فهبت ريح شديدة فسقطت، فتشاءم بذلك ودخل الدار واحتجب عن الناس، فدخل عليه المتنبي بعد ثلاثة أيام، فأنشده حيث قال:
يا سيف دولة دين الله دم أبدا وعش برغم الأعادي عيشةً وغدا
هل أذهل الناس إلا خيمةٌ سقطت من المكارم حتى ألقت العمدا
خرّت لوجهك نحو الأرض ساجدةً كما يخرّ لوجه الله من سجدا
وقيل للمتنبي: مالك لم تمدح أمير المؤمنين علي بن أبي طالبي ﵁ فقال:
وتركت مدحي للوصيّ تعمّدًا إذ كان نورًا مستطيلًا شاملا
وإذا استقلّ الشّيء قام بذاته وكذا ضياء الشّمس يذهب باطلا
[ ١ / ٤٧٢ ]
وللمتنبي وليس في ديوانه أيضا: يتغزل:
وحبيب أخفوه منّي نهارًا فتخفّي وزارني في اكتئام
زارني في الظّلام يطلب سترًا فافتضحنا بنوره في الظّلام
قال عبد الله بن المحسن بن علي بن كوجك: قرأت قصيدة لأبي الطيب يرثي بها أبا بكر بن طغج الإخشيدي ويعزي ابنه أنوجور بمصر وليست في ديوانه أولها:
هو الزّمان مننت بالذي جمعا في كلّ يومٍ ترى من صرفه بدعا
إن شئت مت أسفًا أو فابق مضطربا قد حلّ ما كنت تخشاه وقد وقعا
لو كان ممتنعٌ تغنيه منعته لم يصنع الدّهر بالإخشيد ما صنعا
قال وهي طويلة لم يحضرني منها إلا هذه الأبيات وجاء في بدائع الزهور لابن إياس: وقد رثاه أي رثا محمد بن طفج أبو الطيب المتنبي بهذه الأبيات: وذكر الأبيات الثلاثة السابقة ثم زاد الأبيات التالية:
ذاق الحمام فلم تدفع عساكره عنه القضاء، ولا أغناه ما جمعا
لو يعلم اللّحد ما قد ضمّ من كرمٍ ومن فخارٍ ومن نعماء لا تسعا
بالحد طل إنّ فيك البحر محتسًا والليث مهتصرًا والجرد مجتمعا
يا يومه لم تخصّ الفجع فيه لقد كلّ الودى؛ برزءٍ الإخشيد قد فجعا
ولما خلص إلى العراق هجا كافور بقصائد كثيرة، وكان هجاه من قبل أيضا تلويحًا وتصريحًا منها ما هو مثبت في ديوانه ومنها ما لم يثبت فمن ذلك هذه القصيدة وهي توجد في بعض النسخ دون بعض:
قطعت بسيري كلّ يهماء مفزع وجبت بخيلي كلّ صرماء بلقع
وثلّمت سيفي في رءوسٍ وأذرعٍ وحطّمت رمحي في نحور وأضلع
وصيّرت رأيي بعد عزمي رائدي وخلّفت آراءً توالت بمسمعي
ولم أترك أمرًا أخاف اغتياله ولا طمعت نفسي إلى غير مطمع
وفارقت مصرًا والأسيود عينه حذار مسيري تستهلّ بأدمع
ألم تفهم الخنثى مقالي وأنّني أفارق من أقلى بقلبٍ مشيّع
ولا أرعوي إلاّ إلى من يودّني ولا يطّبيني منزلٌ غير ممرع
أبا النّتن كم قيّدتني بمواعدٍ مخافة نظمٍ للفؤاد مروّع
وقدّرت من فرط الجهالة أنّني أقيم على كذبٍ رصيفٍ مضيّع
أقيم على عبدٍ خصيٍّ منافق لئيم رديء الفعل للجود مدّعي
وأترك سيف الدّولة الملك الرّضي كريم المحيّا أروعًا وابن أروع
فتىً بحره عذبٌ، ومقصده غنىً ومرتع مرعى جوده خير مرتع
تظلّ إذا ما جئته الدّهر آمنًا بخير مكانٍ بل بأشرف موضع
وقال يهجو كافورًا:
أفيقا خمار الهمّ نغّصني الخمرا وسكري من الأيّام جنّبني السّكرا
تسرّ خليليّ المدامة والّذي بقلبي يأبى أن أسرّ كما سرّا
لبست صروف الدّهر أخشن ملبسٍ فعرّقنني نابًا ومزّقنني ظفرا
وفي كلّ لحظٍ لي ومسمع نغمةٍ يلاحظني شزرًا ويوسعني هجرا
سدكت بصرف الدّهر طفلًا ويافعًا فأفنيته عزمًا ولم يفنني صبرا
أريد من الأيام ما لا يريده سواي ولا يجري بخاطره فكرا
وأسألها ما أستحقّ قضاءه وما أنا ممّن رام حاجته قسرا
ولي كبدٌ من رأي همّتها النّوى فتركبني من عزمها المركب الوعرا
تروق بني الدّنيا عجائبها ولي فؤادٌ ببيض الهند لا بيضها مغري
أخو هممٍ رحّالةٍ لا تزال بي نوىً تقطع البيداء أو أقطع العمرا
ومن كان عزمي بين جنبيه حثّه وخيّل طول الأرض في عينه شبرا
صحبت ملوك الأرض مغتبطًا بهم وفارقتهم ملآن من شنفٍ صدرا
ولمّا رأيت العبد للحرّ مالكًا أبيت إباء الحرّ مسترزقًا حرّا
ومصر لعمري أهل كلّ عجيبةٍ ولا مثل ذا المخصيّ أعجوبةً نكرا
يعدّ إذا عدّ العجائب أوّلًا كما يبتدي في العدّ بالإصبع الصّغرى
ومنها يذكر أم كافور:
فيا هرمل الدّنيا ويا عبرة الورى ويا أيّها المخصيّ من أمّك البظرا
نوبيّةٌ لم تدر أنّ بنيّها النّوي بيّ بعد الله يعبد في مصرا
ويستخدم البيض الكواعب كالدّمى وروم العبدّي والغطارفة الغرّا
[ ١ / ٤٧٣ ]
قضاءٌ من الله العليّ أراده ألا ربّما كانت إرادته شرّا
ولله آياتٌ وليست كهذه أظنّك يا كافور آيته الكبرى
لعمري ما دهرٌ به أنت طيّبٌ أيحسبني ذا الدّهر أحسبه دهرا
وأكفر يا كافور حين تلوح لي ففارقت مذ فارقتك الشّرك والكفرا
عثرت بسيري نحو مصر فلالعًا بها ولعًا بالسّير عنها ولا عثرا
وفارقت خير النّاس قاصد شرّهم وأكرمهم ظرًّا لأنذلهم طرّا
فعاقبني المخصيّ بالغدر جازيًا لأنّ رحيلي كان عن حلبٍ غدرا
وما كنت إلا فائل الرّأي لم أعن بحزم ولا استصحبت في وجهتي حجرا
وقد أرى الخنزير أنّي مدحته ولو علموا قد كان يهجي بما يطرا
جسرت على دهياء مصر ففتّها ولم يكن الدّهياء إلا من استجرا
سأجلبها أشباه ما حملته من أسنّتها جردًا مقسطلةً غبرا
وأطلع بيضًا كالشّموس مطلّةً إذا طلعت بيضًا وإن غربت حمرا
فإن بلغت نفسي المنا فبعزمها وإلا فقد أبلغت في حرصها عذرا
وقال وقد كثرت الأمطار بآمد:
أآمد هل ألمّ بك النّهار قديمًا أو أثير بك الغبار
إذا ما الأرض كانت فيك ماءً فأين بها لغرقاك القرار
تغضّبت الشّموس بها علينا وماجت فوق أرؤسنا البحار
حنين البخت ودّعها حجيجٌ كأن خيامنا لهم جمار
فلا حيّا الإله ديار بكرٍ ولا روّت مزارعها القطار
بلادٌ لا سمينٌ من رعاها ولا حسنٌ بأهليها اليسار
إذا لبس الدّروع ليوم بؤس فأحسن ما لبست بها الفرار
قال ابن عساكر: وقرأت في بعض الكتب أنه لما خرج المتنبي بأرض سلمية من عمل حمص في بني عدي الكلبيين، قبض عليها بن علي الهاشمي في ضيعة له يقال لها كوتكين وأمر النجار فجعل في رجله قرمة، وفي عنقه، من خشب الصفصاف.
زعم المقيم بكوتكين بأنّه من آل هاشم بن عبد مناف
فأجبته: مذ صرت من أبنائهم صارت قيودهم من الصّفصاف
ولما أن صار معتقلًا في الحبس كتب إلى الوالي:
بيديّ أيّها الأمير الأريب لا لشيءٍ إلاّ لأنّي غريب
أو لأمٍّ لها إذا ذكرتني دم قلبٍ بدمع عين سكوب
إن أكن قبل أن رأيتك أخطأ ت فإنّي على يديك أتوب
عائبٌ عابني لديك ومنه خلقت في ذوي العيوب العيوب
وحكى الصفدي في شرح لامية العجم أن ابن المستكفي اجتمع بالمتنبي في مصر وروى عنه قوله يتغزل:
لا عبت بالخاتم إنسانةً كمثل بدر في الدّجى النّاجم
وكلّما حاولت أخذي له من البنان المترف النّاعم
ألقته في فيها فقلت انظروا قد أخفت الخاتم في الخاتم
وقال أبو بكر الشيباني: حضرت عند أبي الطيب وقد أنشده بعض الحاضرين:
فلو أنّ ذا شوقٍ يطير صبابةً إلى حيث يهواه لكنت أنا ذاكا
وسأله إجازته فقال:
من الشّوق والوجد المبّرح أنّني يمثّل لي من بعد لقياك لقياكا
سأسلو لذيذ العيش بعدك دائمًا وأنسى حياة النّفس من قبل أنساكا
وله في عبد العزيز الخزاعي قبل رحيله من مصر:
لئن مرّ بالفسطاط عيشي فقد حلا بعبد العزيز الماجد الطّرفين
فتىً زان قيسًا بل معدًّا فعاله وما كلّ سادات الشّعوب بزين
تناول ودّي من بعيدٍ فناله جرى سابقا في المجد ليس برين
وقال بهجو الضبي الشاعر:
أيّ شعري نظرت فيه لضبٍّ أوحدٍ ماله على الدّهر عون
كلّ بيتٍ يجيء يبرز فيه لك من جوهر الفصاحة لون
يالك الويل ليس يعجز موسى رجلٌ حشو جلده فرعون
أنا في عينك الظّلام كما أنّ بياض النّهار عندك جون
وله في بستان المنية بمصر قبل رحيله وقد وقعت حيطانه من السيل:
ذي الأرض عمّا أتاها الأمس غانيةً وغيرها كان محتاجًا إلى المطر
شقّ النّبات عن البستان ريّقه محيّيًا جاره الميدان بالشّبحر
كأنّما مطرت فيه صوالجةٌ تطرّح السّدر فيه موضع الأكر
وله في معاذ الصيداني:
معاذٌ ملاذٌ لزوّاده ولا جار أكرم من جاره
[ ١ / ٤٧٤ ]
كأنّ الحطيم على بابه وزمزم والبيت في داره
وكم من حريق أتى مرّةً فلم يعمل الماء في ناره
وله فيه يعاتبه:
أفاعل بي فعال الموكس الزّاري ونحن نسأل فيما كان من عار
قل لي بحرمة من ضيّعت حرمته أكان قدرك ذا أم كان مقداري؟!
لا عشت إن رضيت نفسي ولا ركبت رجلٌ سعيت بها في مثل دينار
وليّك الله لم صيّرتني مثلًا كالمستجير من الرّمضاء بالنّار
وكتب إلى علي بن أحمد الماذرائي في حاجة كانت له بالرملة قال:
إنّي سألتك بالّذي زان الإمامة بالوصيّ
وأبان في يوم الغدي ر لكلّ جبّار عويّ
فضل الإمام عليهمو بولاية الرّب العليّ
إلا قصدت لحاجتي وأعنت عبدك يا عليّ
وكان من نباهته أن تطلع الشعراء إلى شعره منذ صباه. وقد ادعى بعضهم قصيدته:
جللا كما بي فليك التبريح أغذاء ذا الرشأ الأغن الشيح؟
فأخذ أبو الطيب الدواة وكتب لوقته قطعة لم يجز أن تروى عنه وأولها:
لم لا يغاث الشّعر وهو يصيح ويرى منار الحقّ وهو يلوح
يا عصبةً مخلوقةً من ظلمةٍ ضمّوا جوانبكم فإنّي يوح
قال ابن العديم: ونقلت من هذا المجموع مجموع صالح بن إبراهيم بن رشدين بخطه. ذكر لي أبو العباس بن الحوت الوراق - ﵀ - أن أبا الطيب المتنبي أنشده لنفسه هذين البيتين:
تضاحك منّا دهرنا لعتابنا وعلّمنا التّمويه لو نتعلّم
شريفٌ زغاويٌّ، وزانٍ مذكّرٌ وأعمش كحّال، وأعمى منجّم
وقد وجد له مرويات أخر منها ما لا يستحسن إثباته هنا. ومنها ما ليس في ذكره إجداء. على أن الكثير من ذلك ليس من جيد شعره. ولمن طلب المزيد أن يرجع إلى كتاب الأستاذ عبد العزيز الميمني الراجكوتي.
لأن الحي مولع بآثار من ذهب حريص على التنقيب عنها وتخليدها على تراخي الزمن.
اللهم إن أخطأت فالخير أردت، وإن أصبت فلك الحمد.
[ ١ / ٤٧٥ ]