وكثرت على أبي الطيب مراسلة الأمير أبي محمدٍ الحسن بن عبيد الله ابن طغج من الرملة فسار إليه فلما حل به حمل إليه وأكرمه.
وحدث أبو عمر عبد العزيز بن الحسن السلمي بحضرة أبي الطيب قال: حدثني محمد بن القاسم المعروف بالصوفي قال: أرسلني الأمير أبو محمدٍ إلى أبي الطيب ومعي مركوبٌ يركبه فصعدت إليه، إلى دارٍ كان نزلها فسلمت عليه وعرفته رسالة الأمير، وأنه منتظرٌ له، فامتنع علي وقال: أعلم أنه يطلب شعرًا، وما قلت شيئًا. فقلت له: ما تفترق! فقال لي: فاقعد إذًا، ثم دخل إلى بيت في الحجرة ورد الباب عليه فلبث فيه مقدار كتب القصيدة ثم خرج إلي وهي في يده مكتوبةٌ لم تجف بعد. فقلت له: أنشدنيها فامتنع وقال: الساعة تسمعها. ثم ركب وسرنا فدخل على الأمير أبي محمد وعيني الأمير إلى الباب ممدودة منتظرًا إلى وروده فسأل عن خبر الإبطاء فأخبرته الخبر فسلم عليه ورفعه أرفع مجلسٍ.
وأنشد أبو الطيب:
أنا لائمي إن كنت وقت اللوائم علمت بما بي بين تلك المعالم
وقت نصب على الظرف. واللوائم جمع اللائمة. والمعالم جمع، وهي أثر العلامة. وقوله: أنا لائمي كالقسم، أو كالدعاء على نفسه بأن يكون من جملة لوامه، لأنه أبغض الناس عنده.
فيقول: لمت نفسي إن كنت وقت لامتني اللوائم، ما لحقتني عند وقوفي على آثار المحبوبة يعني: جعلني الله من لوامه إن كنت علمت ذلك.
وقيل: معناه الخبر، أي لو كنت علمت ما أصابني عند ذلك، لكنت أنا ألوم نفسي على ما ظهر من الجزع ولكني تحيرت حتى ذهب عقلي.
ولكنني مما ذهلت متيمٌ كسالٍ وقلبي بائحٌ مثل كاتم
ذهلت: أي غفلت والمتيم: الذي عبده الحب.
يقول: ولكنني تحيرت فبقيت ذاهل اللب عن الشكوى فأنا متيم ولكني كأني سالٍ صابر؛ لما لحقني من التحير وذهاب العقل، وكأن قلبي يحب ويخفق فيبوح بما كنت أكتمه من الشوق! فهو بائح بما يجده وكأنه كاتم؛ لأني لا أظهر الشكوى بلسان.
وقيل: إن قلبي بائح من حيث أنه يتوجع فتبكي العين، فيظهر ما في قلبي بالدمع واللسان، فسكت عن إظهاره بالشكوى.
وقفنا كأنا كل وجد قلوبنا تمكن من أذوادنا في القوائم
الأذواد الإبل، ما بين الثلاثة إلى العشرة.
يقول: لما وقفنا بتلك المعالم أطلنا الوقوف، ولم تبرح إبلنا، فكأن ما في قلوبنا من الوجد في قوائم الإبل فهي لا تبرح!
ودسنا بأخفاف المطي ترابها فلا زلت أستشفي بلثم المناسم
المنسم: طرف خف البعير. والهاء في ترابها للمعالم.
يقول: وطئنا تراب المعالم بأخفاف إبلنا، فما زلت أشفي غليلي بتقبيل مناسم الإبل.
ديار اللواتي دارهن عزيزةٌ بطول القنا يحفظن لا بالتمائم
روى: ديار بالنصب بدلًا من قوله: ترابها. وروى: بالرفع على أنه خبر ابتداء محذوف: أي هي ديار.
يقول: هذه الديار ديار نساء عزيزات منيعات، لا يقدر أحد على الوصول إليهن، وإنما يحفظن بالرماح لا بالتمائم؛ إشارة إلى حسنهن وإلى صغرهن؛ لأن التمائم تعلق على من كان كذلك.
[ ١ / ١٧٩ ]
حسان التثني ينقش الوشي مثله إذا مسن في أجسامهن النواعم
الهاء في مثله للوشي.
يقول: إنهن إذا تثنين فيؤثر ما عليهن من الوشي في أبدانهن، لنعومتها! فينقش عليها آثارًا مثل آثار الوشي، كما ترى نقش الخاتم في الشمع إذا وضع عليه.
ويبسمن عن درٍّ تقلدن مثله كأن التراقي وشحت بالمباسم
المباسم: جمع مبسم وهو الثغر، ووشحت: أي قلدت. والهاء في مثله للدر.
يقول: إنهن إذا ضحكن أبدين ثغورًا مثل الدر الذي في قلائدهن فكأن الذي توشحن بها هي أسنانهن التي كالدر.
فما لي وللدنيا: طلابي نجومها ومسعاي منها في شدوق الأراقم
روى: نجومها أي يكون منصوبًا بالمصدر الذي هو طلابي. وروى: بالرفع على أن يكون خبر طلابي. وأراد بالنجوم: معالي الأمور، والأراقم: الحيات.
يقول: ما لي أطلب من الدنيا معالي الأمور! فأتحمل المشاق والأخطار وأقتحم المهالك. وهو من قول العتابي:
فإن جسيمات الأمور منوطةٌ بمستودعاتٍ في بطون الأساود
من الحلم أن تستعمل الجهل دونه إذا اتسعت في الحلم طرق المظالم
يقول: من الحلم، استعمال الجهل في بعض الأوقات وذلك إذا اتسعت في الحلم طرق المظالم، أي إذا كان حلمك داعيًا إلى ظلمك وإقدام السفيه عليك، فالجهل ها هنا هو الحلم. وهذا من قول أبي الأسود:
فإنك لم تعطف عن الحق جاهلًا بمثل خصيم عالمٍ يتجاهل
وأن ترد الماء الذي شطره دمٌ فتسقي إذا لم يسق من لم يزاحم
يقول: من الحلم أن ترد الماء الذي قتل عليه الوارد، حتى امتزج بدم القتلى وتسقي إبلك إذا لم يمكن الضعيف أن يسقيها، وأن تزاحم الناس.
ومن عرف الأيام معرفتي بها وبالناس روى رمحه غير راحم
يقول: من عرف أحوال الأنام، وطباع الأيام، كما عرفت وجربت من لؤمهم لم يترك واحدًا من أحيائهم. وروى رمحه من دمائهم!
فليس بمرحومٍ إذا ظفروا به ولا في الردى الجاري عليهم بآثم
قوله: فليس بمرحوم، إشارة إلى من في البيت المتقدم، وكذلك الهاء في به.
يقول: إنما قلت ذلك لأنهم إذا ظفروا به لا يرحمونه، فكذلك هو إذا قتلهم لا يأثم به.
إذا صلت لم أترك مصالًا لفاتكٍ وإن قلت لم أترك مقالًا لعالم
يقول: إذا صلت في الحرب لم أترك فيه غاية لشجاع، وإذا قلت شعرًا لم يقدر أحد أن يأتي بمثله.
وإلا فخانتني القوافي وعاقني عن ابن عبيد الله ضعف العزائم
يقول: إن لم أكن كما قلت ووصفت من الشجاعة والعلم، خانتني الأشعار وهذا دعاء منه على نفسه وكذلك صرفني عن هذا الممدوح ضعف العزائم إن لم أكن كذلك.
عن المقتنى بذل التلاد تلاده ومجتنب البخل اجتناب المحارم
يقول: إن أكن كما وصفت وعاقني ضعف عزائمي عن الذي يكتسب المال مكان المال، فيقتني بذلك الثناء الحسن والذكر الجميل ويجتنب البخل كما يجتنب المحارم.
تمنى أعاديه محل عفاته وتحسد كفيه ثقال الغمائم
تمنى: أي تتمنى، فحذف التاء لدلاتها.
يقول: إن أعداءه يتمنون أن يكون لهم من هذا الممدوح محل قصاده؛ لأن قصاده، ينفذ حكمهم في ماله، ويملكون ويغيرون عليه! ومع ذلك لهم محل رفيع عند الممدوح! وغاية ما يتمنى العدو من عدوه، أن يحصل في عدوه مثل ذلك. وتحسده أيضًا الغمائم المطيرة، لأنه زاد عليها في الجود والعطاء.
ولا يتلقى الحرب إلا بمهجةٍ معظمةٍ مذخورةٍ للعظائم
معظمة: أي رفيعة مصونة عن الدنايا، وهي معدة لدفع الأمور العظائم.
يقول: إنه لا يباشر الحرب والشدائد الجسام إلا بنفسه.
وذي لجبٍ، لا ذو الجناح أمامه بناجٍ ولا الوحش المثار بسالم
اللجب: الصوت في الحرب. وتقديره: وجيش ذي لجب.
يقول: إنه لا يتلقى الحرب إلا بمهجة نفيسة، وجيش له أصوات كثيرة، فإذا عبر عليهم طير صادوه، وإن ثار وحش قصدوه. فلا يسلم منه وحش ولا طير.
تمر عليه الشمس وهي ضعيفةٌ تطالعه من بين ريش القشاعم
القشاعم: جمع قشعم، وهو النسر، وقيل: هو طائر يشبهه، والهاء في عليه وتطالعه تعود إلى ذي لجب.
يقول: إن النسور كانت تطير فوقه والغبار ساطع حوله، حتى حال بينه وبين الشمس، وهي تمر عليه ضعيفة، فيظهر الضوء من بين ريش النسور.
[ ١ / ١٨٠ ]
إذا ضوءها لاقى من الطير فرجةً تدور فوق البيض مثل الدراهم
يقول: إن الشمس إذا صادف ضوءها فرجة من أجنحة الطير، وقع على البيض مدورًا مثل الدراهم.
ويخفى عليك البرق والرعد فوقه من اللمع في حافاته والهماهم
الهماهم: جمع همهمة، وهي صوتٌ لا يفهم.
يقول: يخفى عليك البرق من لمعان السلاح، والرعد بصوت الجيش.
أرى دون ما بين الفرات وبرقةٍ ضرابًا يمشي الخيل فوق الجماجم
برقة: مدينة قريبة من الاسكندرية إلى المغرب.
يقول: أرى بين هذين الموضعين ضروبًا يكثر فيها القتلى حتى تمشي الخيل عليها.
وطعن غطاريفٍ كأن أكفهم عرفن الردينيات قبل المعاصم
الغطاريف: السادة. والمعاصم: موضع الأسورة من اليد.
يقول: وأرى في هذه المواضع طعن قوم سادة، تعودوا حمل الرماح من صغرهم، حتى كأن أيديهم وصلت بالرماح قبل أن توصل بمعاصمهم.
حمته على الأعداء من كل جانبٍ سيوف بني طغجٍ بن جف القماقم
القمقام: السيد، والقماقم: صفة لبني طغج.
يقول: إن قومه يحمون جيوشه بسيوفهم. والهاء في حمته للجيش وهذا من قوله:
بالجيش تمتنع السادات كلهم والجيش بابن أبي الهيجاء يمتنع
هم المحسنون الكر في حومة الوغى وأحسن منه كرهم في المكارم
يقول: هم يحسنون، أي يعرفون، أو يأتون ما يستحسن من الكر في وسط الحرب، وكذلك يفعلون في المكارم، وذلك أحسن من كرهم في الحرب والطعن والضرب.
وهم يحسنون العفو عن كل مذنبٍ ويحتملون الغرم عن كل غارم
يعني بقوله: يحسنون أحد المعنيين، وأراد أنهم يعفون عن كل مجرم، ويحملون على أموالهم كل مغرم.
حييون إلا أنهم في نزالهم أقل حياءً من شفار الصوارم
يقول: من عادتهم الحياء في مواضع الحياء لكنهم في الحرب وقاح ولا يرتدون بشيء كحد السيف الذي لا يرتد من أحد.
ولولا احتقار الأسد شبهتها بهم ولكنها معدودةٌ في البهائم
يقول: لولا أنهم يحتقرون، لشيهت الأسود بهم، ولكنها من جملة البهائم التي لا تمييز لها. فلهذا لا أشبهها بهم.
سرى النوم عني في سراي إلى الذي صنائعه تسري إلى كل نائم
يقول: ذهب النوم عني في سراي إلى هذا الممدوح، الذي تسري مواهبه ليلًا لكل نائم على فراشه! لم يتعبه في طلبها.
إلى مطلق الأسرى، ومخترم العدى ومشكى ذوي الشكوى ورغم المراغم
المخترم: المهلك، والمراغم: الذي يحاول أن يذلك وتحول أن تذله. المشكي: المزيل. الشكوى.
يقول: إنه يمن على الأسارى بهلك الأعداء، ويزيل الشكاية، ويرغم أعاديه.
كريمٌ نفضت الناس لما بلغته كأنهم ما جف من زاد قادم
جف وخف رويا، وروى حف بالحاء.
يقول: لما ملت إليه طرحت الناس كلهم، كما يطرح القادم ما جف من زاده.
وكاد سروري لا يفي بندامتي على تركه في عمري المتقادم
يقول: سررت بلقائه، وندمت على تركي قصده في متقدم عمري، حتى كأن ندامتي على تركه أكثر من سروري بلقائه وحضرته.
وفارقت شر الأرض أهلًا وتربةً بها علويٌّ جده غير هاشم
أهلًا وتربة: نصبًا على التمييز.
قيل: أراد بهذا العلوي الذي قال فيه:
أتاني وعيد الأدعياء البيت
وسئل عنه فقال: أردت بهذا طبرية لأن فيها أعداء الممدوح.
بلا الله حساد الأمير بحلمه وأجلسه منهم مكان العمائم
يقول: ابتلاهم الله بحلمه، ليروا من سعادته ما يديم حزنهم، وجعله في العز والشرف، وأذلهم له، حتى يكون منهم مكان العمائم: وهي الرءوس.
فإن لهم في سرعة الموت راحةً وإن لهم في العيش حز الغلاصم
الغلاصم: جمع الغلصمة، وهي قصبة الحلق. وهذا علة دعائه لهم بالحلم. يعني أن بقاءهم أشد لهم وعليهم من الفناء والهلاك.
كأنك ما جاودت من بان جوده عليك لا قاتلت من لم تقاوم
يقول: كل من جاودته زدت عليه وكل من قاتلته غلبته، وكأنك اخترت منهما من تعلم أنك تغلبه لا محالة، ولم تفعل ذلك قصدًا، ولكن لما كان الظاهر من حالك الغلبة عليهم في الجود والشجاعة كنت كأنك فعلت ذلك.
وسأله الشرب معه فامتنع. فقال له: بحقي عليك إلا شربت. فقال:
[ ١ / ١٨١ ]
سقاني الخمر قولك لي بحقي وودٌّ لم تشبه لي بمذق
يقول: حملني على شرب الخمر قولك لي: بحقي. فيلزمني رعايته. والثاني مودتك الخالصة لي التي لا يشوبها خلاف ولا مذق. والمذق: ضد الخالص.
يمينًا لو حلفت وأنت ناءٍ على قتلي بها لضربت عنقي
يمينًا: نصب على المصدر.
يقول: لو حلفت بمثل هذه اليمين، وألزمتني بقتل نفسي وأنت بعيد عني لفعلت! فكيف لا أشرب؟ وهو دون ذلك، وأنت قريب مني! ثم أخذ الكأس وقال:
حييت من قسمٍ وأفدي المقسما أمسى الأنام له مجلًا معظما
الأنام: اسم الجمع للناس، وليس بجمع؛ ولهذا وحد فقال: مجلًا معظما، ولو جمعه ردًا على المعنى لكان جيدًا.
يخاطب القسم ويقول: حياك الله من قسمٍ وأنا أفدي المقسم! وهو الممدوح؛ لأن الخلق أصبحوا كلهم مجلين له، ومعظمين قدره كما أعظمه وأجله أنا!
وإذا طلبت رضى الأمير بشربها وأخذتها فلقد تركت الأحرما
يقول: إن شرب الخمر، وإن كان حرامًا، فعصيانه أحرم، فإذا شربتها لرضاه، فقد تركت ما هو أشد حرمة! والهاء في شربها ووأخذتها للخمرة.
وغنى المغني فقال له:
ماذا يقول الذي يغني؟ يا خير من تحت ذي السماء
شغلت قلبي بلحظ عيني إليك عن حسن ذا الغناء
يقول: يا خير من تحت ذي السماء، إني شغلت بالنظر إلى حسن وجهك، وتأمل شمائلك من استماع الغناء، فأخبرني: ماذا يقول هذا المغنى؟ وعرض عليه سيفًا فأشار به إلى بعض من حضر، وقال:
أرى مرهفًا مدهش الصيقلين وبابة كل غلامٍ عتا
أتأذن لي ولك السابقات أجربه لك في ذا الفتى؟
المرهف الذي رققت شفرتاه والبابة: الغاية.
يقول: أرى سيفًا محدودًا يدهش الصيقلين بحسن جوهره ورونقه، وقوله: عتا أي عدا عن الحق. فهل تأذن لي أن أجربه في هذا الفتى؟ قوله: ولك السابقات حشو مليح أي لك النعم السابقة علي.
وهذان البيتان يجوز أن يكون رويهما التاء فتكون الألف وصلًا، وأن يكون رويهما الألف. لأن الألف فيهما من نفس الكلمة.
وأراد الانصراف فقال يذكر تعلقه بالأمير.
يقاتلني عليك الليل جدًا ومنصرفي له أمضى السلاح
يقول: إن الليل يغار من نظري إليك، فهو يدافعني ويقاتلني عليك غيرةً، فإذا انصرفت عنك يقوم مقام السلاح ويقتلني.
لأني كلما فارقت طرفي بعيدٌ بين جفني والصباح
بين: فاعل بعيد، وهو اسم غير ظرف، ومفعول فارقت: مضمر. أي كلما فارقت الممدوح. وطرفي مبتدأ، والجملة خبره.
وقيل: إنه أقام الممدوح مقام طرفه، على هذا مفعول فارقت. أي فارقت طرفي. بفراقي إياه، ويكون بعيد مبتدأ وبين جفني خبره، والجملة خبر أن.
يقول: إني إذا لم أرك، طال علي الليل شوقًا إلى لقائك، وبعد عني الصباح، وأسقم جسمي السهر، فكأن فراقك سيف لليل يقتلني.
وسايره وهو لا يدري أين يريد به؟ فلما دخلا كفر زنس قال يصفها:
وزيارةٍ عن غير موعد كالغمض في الجفن المسهد
يقول: رب زيارة من غير تقدم وعد بها، وهي في قلبي أحلى وألذ من النوم في الجفن الذي طال سهاده، وبعد عنه رقاده.
معجت بنا فيا الجيا د مع الأمير أبي محمد
المعج: ضرب من السير سهل لين من سير الإبل، واستعمله في الخيل ها هنا للزيارة.
يقول: سارت بنا الخيل في هذه الزيارة مع الأمير أبي محمد. وهو الممدوح.
حتى دخلنا جنةً لو أن ساكنها مخلد!
أي لو كان ساكنها مخلدًا كانت الجنة بعينها!
خضراء حمراء الترا ب كأنها في خد أغيد
الأغيد: الطويل العنق. وقيل الناعم البدن، شبه خضرتها بخضرة الشعر، وهو العذار على الخد الأحمر.
وإنما وصف تربتها بالحمرة، لأن الطين الذي فيها يضرب لونه إلى الحمرة.
أحببت تشبيهًا لها فوجدتها ما ليس يوجد
الهاء في وجدتها مفعوله الأول وما المفعول الثاني لأنه بمعنى علمت.
يقول: طلبت لها نظيرًا أشبهها به فلم أجد؛ لأنه لا نظير لها في الحسن.
وإذا رجعت إلى الحقا ئق فهي واحدةٌ لأوحد
أي إذا حققت وصفها فهي واحدة لا نظير لها في الحسن، لأوحدٍ: لا نظير له في المجد.
وقال أيضًا يمدحه وقد شرب معه:
[ ١ / ١٨٢ ]
ووقتٍ وفى بالدهر لي عند واحدٍ وفى لي بأهليه وزاد كثيرا
يقول: رب وقت اجتمع لي فيه من اللذات والسرور مثل ما في جميع الدهر عند فردٍ في عصره، وهذا الواحد اجتمع له من الفضائل مثل ما في جميع الخلق بل أزيد كثيرًا.
شربت على استحسان ضوء جبينه وزهرٍ ترى للماء فيه خريرا
يقول: شربت مستحسنًا ضوء جبينه، في بستانٍ ذي زهر. وماءٍ ترى له خريرًا. والهاء في فيه للزهر.
غد الناس مثليهم به، لا عدمته وأصبح دهري في ذراه دهورا
مثليهم: نصب على الحال، ويجوز أن يكون خبر غدا من أخوات كان.
يقول: فيه من الفضائل مثل ما في جميع الناس، فهو قائم مقامهم فصار الناس مثليهم، واجتنيت أنا عنده من اللذات ما يجتنيه أهل الدهور، فقام دهري مقام دهور كثيرة.
يصف مجلسين للأمير وذكر أبو محمد انزواء أحد المجلسين عن الآخر ليرى من كل واحد منهما ما لا يرى من صاحبه فقال له:
المجلسان على التمييز بينهما مقابلان ولكن أحسنا الأدبا
كان المجلسان كل واحد منهما في الجهة التي تقابل الآخر، منحرفًا عنه. فهو يقول: إنهما متقابلان في الحقيقة، ومن حيث الحسن والبهاء، وإن كانا قد ميز بينهما. وإنما انحراف أحدهما عن الآخر؛ لحسن الأدب! لأن عادة الغلام أن يقف ناحيةً، حيث لا يراه السيد إلا عند الحاجة إليه.
وقيل: إن ما يجري في أحدهما لا يعرفه أهل المجلس الآخر.
إذا صعدت إلى ذا، مال ذا رهبًا وإن صعدت إلى ذا، مال ذا رغبا
وروى في المصراعين رهبا.
يقول: إذا صعدت إلى أحد المجلسين انحرف الآخر عن مقابلة الآخر من مقابلة وجهك، هيبةً لك وخوفًا من سلطانك! وروى في الثاني: رعبًا، ورغبًا بالغين المعجمة، فالمعنى على هذا: إن أحدهما كان للسطوة والنكال، والآخر للرغبة والنوال، فإذا صعد إلى أحدهما خشي أن يميل إليه بسطواته، فإذا صعد إلى الآخر مال إليه رغبة فيما عوده به من نواله وهباته.
فلم يهابك ما لا حس يردعه؟ إني لأبصر من فعليهما عجبا
يردعه: أي يزجره.
يقول: كيف يخاف منك من ما لا حس له يزجره؟! وذلك عجب منهما، فإذا كان ذلك حالهما. فالعقلاء أولى أن يخافوا منك.
وأقبل الليل وهما في بستان فقال يمدحه:
زال النهار ونورٌ منك يوهمنا أن لم يزل ولجنح الليل إجنان
جنح الليل: قطعة من أوله، وقيل: نصفه الأخير. كأنه جنح إلى الذهاب وإجنان الليل: تغطية الأرض بالظلمة.
يقول: إن النهار قد زال، ونور وجهك في إشراقه يوهمنا أن النهار باقٍ بعد والليل قد أظلم بقطعه.
فإن يكن طلب البستان يمسكنا فرح فكل مكانٍ منك بستان
يقول: إن كانت إقامتك بالبستان هذا رغبة منه فارجع إلى منزلك فإن كل مكان تحله فهو بستان؛ لما فيك من المحاسن والألطاف.
فلما استقل في القبة نظر إلى السحاب فقال يمدحه:
تعرض لي السحاب وقد قفلنا فقلت: إليك إن معي السحابا
يقول: لما انصرفنا من البستان إلى المنزل تعرض لنا السحاب، وهم بالمطر علينا. فقلت: أمسك عن مطرك، فإن معي السحاب، وهو الممدوح.
وقوله: إليك. أي أمسك عني.
فشم في القبة الملك الرجى فأمسك بعد ما عزم انسكابا
شم: أي انظر، من قولك شمت البرق أشيمه شيمًا: إذا نظرت إليه.
يقول: قلت للسحاب انظر إلى الملك المرجى في القبة، إن شككت في قولي، فإنه أكرم منك! فلما نظر إليه السحاب علم صدق قولي فأمسك بعد أن عزم على أن يسكب خجلًا واستحياءً.
وكره الشرب فلما كثر البخور وارتفعت رائحة الند قال يصف مجلس الشراب عند الأمير:
أنشر الكباء ووجه الأمير وحسن الغناء وصافي الخمور!
الكباء: العود الذي يتبخر به. ونشره: رائحته المنتشرة منه.
يقول لنفسه: هذه الأشياء مجتمعة في هذا المجلس ولا أشرب؟!
فداو خماري بشربي لها فإني سكرت بشرب السرور
يقول: شربت خمر السرور فسكرت، فهات الخمر لأداوي بها خماري! وهو من قول الأعشى:
وكأسٍ شربت على لذةٍ وأخرى تداويت منها بها
وأشار إليه بعض الطالبين بمسك فقال، وكان أبو محمدٍ حاضرًا:
الطيب مما غنيت عنه كفى بقرب الأمير طيبا
يبني به ربنا المعالي كما بكم يغفر الذنوبا
[ ١ / ١٨٣ ]
يقول: قد استغنيت عن الطيب؛ لأن قرب الأمير طيب لي! وإن يبني الله بهذا الأمير المعالي، كما بكم أيها الأشراف يغفر الذنوب. أي لحب آل رسول الله ﷺ.
وجعل الأمير يضرب بكمه البخور ويقول: سوقًا إلى الطيب فقال يمدحه:
يا أكرم الناس في الفعال وأفصح الناس في المقال
إن قلت في ذا البخور: سوقًا فهكذا قلت في النوال
يقول: يا أكرم الناس خصالًا وأفعالًا، وأنصحهم كلامًا ومقالًا، إن سقت إلي البخور فقد سقت قبله النوال. وسوقًا نصب لأنه حكاية قوله. وقيل: نصب على المصدر.
وتحدث أبو محمد عن مسيرهم في الليل لكبس باديةٍ وأن المطر أصابهم فقال أبو الطيب في شجاعة الأمير:
غير مستنكرٍ لك الإقدام فلمن ذا الحديث والإعلام؟
قد علمنا من قبل أنك من لا يمنع الليل همه والغمام
يقول: غير مستعجب إقدامك على الأمور العظام! فلمن تحدث بهذا الحديث؟ وقد علمنا أن الليل والمطر لا يمنعانك عما هممت به، فلمن هذا الحديث والإعلام؟ ثم قال أيضًا لابن طغج وهو عند طاهر العلوي:
قد بلغت الذي أردت من البر ومن حق ذا الشريف عليكا
وإذا لم تسر إلى الدار في وق تك ذا خفت أن تسير إليكا
يقول: قد قضيت ما عليك من حق هذا الشريف وبره، فارجع إلى دارك، فإني أخاف أنها تسير شوقًا وتشرفًا بحلولك فيها، فقد أوحشتها بغيبتك.
وهم بالنهوض فأقعده أبو محمد فقال له:
يا من رأيت الحليم وغدًا به، وحر الملوك عبدا
مال علي الشراب جدًا وأنت للمكرمات أهدى
يقول: يا من رأيت الحليم بالإضافة إليه وغدًا، ورأيت الحر من الملوك عند هيبته عبدا.
وجدًا: نصب على المصدر، أي أجد جدًا.
ويقول: إن السكر قد غلب علي وأنت للمكرمات أهدى من كل أحد فأذن لي فإنه من مكرماتك.
فإن تفضلت بانصرافي عددته من لدنك رفدا
الانصراف، صلة من عندك والرفد: العطاء.
يقول: إن أذنت لي في الانصراف حسبته صلة من عندك.
وذكر أبو محمد بن طغج أن أباه استخفى مرة، فعرفه يهوديٌّ فقال مجيبًا له:
لا تلومن اليهودي على أن يرى الشمس فلا ينكرها
يقول: لا تلومن اليهودي في أن يعرفه، لأنه في اشتهاره كالشمس، فتنكره لا يصير كافيًا. وأراد بقوله: لا ينكرها أن يعرفها.
إنما اللوم على حاسبها ظلمةً من بعد ما يبصرها
يقول: لا لوم على اليهودي في معرفة أبيك، وإنما اللوم على من يحسب الشمس ظلمة وهو يبصرها! وليس ذلك إلا من يعرف أباك.
وسئل عما ارتجل من الشعر بديها فأعاده، فتعجب قومٌ من حفظه إياه! فقال:
إنما أحفظ المديح بعيني؛ لما أرى في الأمير من خصال حميدة؛ إذا نظرت إليها نظمت إلي تلك الخصال غرائب المعاني المنثورة. فكأن أقرءها من كتاب!
وجرى الحديث في وقعة ابن أبي الساج مع أبي طاهر القرمطي، فاستعظم بعض الجلساء ذلك وجزع له، فقال أبو الطيب لأبي محمد منشدًا.
أباعث كل مكرمةٍ طموح وفارس كل سلهبةٍ سبوح
المكرمة الطموح: بعيدة الصيت. والسلهبة: الفرس الطويل. والسبوح: الذي يجري جري السابح في الماء. وهي صفة يمدح بها الخيل.
يقول: يا من يفعل كل مكرمة بعيدة الصيت لا ينالها غيره، ويا فارس كل فرس كريمة عتيقة.
وطاعن كل نجلاءٍ غموس وعاصي كل عذالٍ نصيح
النجلاء: الواسعة. والغموس: العميقة القعر.
يقول: يا من يطعن كل طعنة واسعة عميقة، ويا من يعصي في القتال، والسخاء كل عذالٍ نصيحٍ في عذله! وروى: كل عذال فصيح.
سقاني الله قبل الموت يومًا دم الأعداء من جوف الجروح
يقول: سقاني الله دم الأعداء من جروحهم، وشفى قلبي من الغيظ. بقتلهم. وهذا دعاء بلفظ الخبر.
وأطلق أبو محمد الباشق على سماناتٍ: فأخذها فقال:
أمن كل شيءٍ بلغت المرادا وفي كل شأوٍ العبادا؟
فماذا تركت لمن لم يسد وماذا تركت لمن كان سادا؟
الألف: للتقرير والإثبات.
يقول: قد نلت مرادك من كل ما طلبت، وسبقت الخلايق في كل غاية أردت، فلم يبق شيء من الفضائل إلا حزته، ولم تترك لمن طلب السيادة فعلًا يسود به، ولم تبق لمن يسد فعلًا يتوصل به إلى السيادة!
[ ١ / ١٨٤ ]
كأن السماني إذا ما رأتك تصيدها، تشتهي أن تصادا
أي قد صدتها في أسرع وقت، فكأنها كانت تشتهي أن تصيدها، فمكنت الباشق من نفسها محبة لك.
واجتاز أبو محمد ببعض الجبال فأثار بعض الغلمان خشفًا فالتقفته الكلاب فقال يصف صيد كلاب ابن طغج:! وشامخٍ من الجبال أقود
فردٍ كيافوخ البعير الأصيد
شامخ: أي مرتفع. والأقود: قيل الطويل، وجمع بينهما في الوصف بالعلو. وقيل الأقود: الممتد على وجه الأرض، شبهه بيافوخ البعير الأصيد، لا عوجاجه وعلوه، ليكون متضمنًا مع الارتفاع الاعوجاج.
يسار من مضيقه والجلمد
في مثل متن المسد المعقد
شبه ضيقه وخشونته؛ لما فيه من الحجارة بحبل من ليف، عليه عقد كثيرة؛ وذلك لما فيه من الالتواء والخشونة
زرناه للأمر الذي لم يعهد
للصيد والنزهة والتمرد
النزهة: الخروج إلى الخضرة والبساتين للراحة. والتمرد: اللعب والطرب ها هنا. روى: لم يعهد أي هذا الشامخ لم يعهد.
يقول: زرنا هذا الجبل الذي لم يعهد جبل مثله، لأنه لم يصد فيه أحد؛ لعلوه، إلا هذا الأمير، وذلك الأمر هو الصيد والنزهة واللهو، وليس هذا موضعًا لهذه الأمور، فلهذا قال: لم يعهد.
وروى أبو الفتح: أي أن الأمير لم يعهد على ذلك، لأن عادته الاشتغال بالجد والتشمر دون اللهو واللعب والطرب.
بكل مسقي الدماء أسود
معاودٍ مقودٍ مقلد
يقول: زرنا هذا الجبل بكل كلب أسود، قد سقى الدماء من الصيد، وهو معود للصيد ضار، وفي عنقه مقود: أي عليه قلادة.
بكل نابٍ ذربٍ محدد
على حفافي حنكٍ كالمبرد
الذرب: المحدود. والحفافان: الجانبان يقول: له ناب حاد، وهذا الناب على جانبي حنك صلب خشن كأنه مبرد.
كطالب الثأر وإن لم يحقد
يقتل ما يقتله ولا يدري
يقول: إنه لحرصه على الصيد كأن له عنده ثأرًا، وإن لم يكن له حقد، وإنه إذا قتل صيدًا لم يخف أن يطالب بديته فلا تجب عليه ولا يبالي لذلك.
ينشد من ذا الخشف ما لم يفقد
فثار من أخضر ممطورٍ ندي
يقول: الكلب يطلب هذا الخشف كأنه قد فقده، وليس الأمر كذلك. فثار: أي ظهر الخشف لما رأى الكلب يطلبه من بين روضٍ أخضر قد أصابه المطر فهو ندي من المطر والروائج الطيبة.
كأنه بدء عذار الأمرد
فلم يكد إلا لحتفٍ يهتدي
يقول: كأن هذا الروض الأخضر ابتداء عذار الأمرد حين خروجه. ثم يقول: إن الخشف لم يكد يهتدي إلا لما فيه هلاكه؛ لأن ثورانه كان سببًا لهلاكه.
ولم يقع إلا على بطن يد
ولم يدع للشاعر المجود
وصفًا له عند الأمير الأمجد
الملك القرم أبي محمد
يقول: لم يقع هذا الخشف إلا على بطن يد. وقيل: أراد أنه لم يقع على الأرض إلا اختطفوه في الحال، فلم يقع إلا على أيديهم.
ولم يدع هذا الغزال للشاعر الجيد الشعر وصفًا له! إنه صار عاجزًا من بين الغزلان. وقيل: إن الكلب بالغ في صيده حتى فاق الوصف، وأعجز كل شاعر عن وصفه عند الأمير.
والهاء في له للغزال وللكلب. وقيل: للشاعر.
القانص الأبطال بالمهند
ذي النعم الغر البوادي العود
يقول: هو الملك السيد الذي يصيد الشجعان بالسيف المهند، وهو ذو النعم الظاهرة المشهورة، يبتدىء بها ويعيد، فهي متتابعة.
إذا أردت عدها لم أعدد
وإن ذكرت فضله لم ينفد
يقول: إذا أردت إحصاء نعمه لم أجد لها عددًا لكثرتها، وإن أردت وصف فضله لم ينفذ ولم ينقطع.
وقال وقد استحسن عين بازٍ في مجلسه فقال يصفها:
أياما أحيسنها مقلةً ولولا الملاحة لم أعجب
الأصل: ما أحسنها مقلةً! فصغر فعل التعجب لنا للتعظيم أو للتلطف.
وإنما جاز تصغيره مع أنه فعل، لأنه أشبه الأسماء فلا ينصرف فأعطى بعض الأحكام.
يقول: ما أحسن هذه المقلة! ولولا ملاحتها ما عجبت منها. ولكن ملاحتها حملتني على التعجب.
خلوقيةٌ في خلوقيها سويداء من عنب الثعلب
خلوقية: خبر ابتداء محذوف، أي هي خلوقية. وهو ضرب من الطيب أحمر يميل إلى الصفرة.
يقول: إن عينها الموصوفة بالحسن خلوقية أي تشبه لون الخلوق. لونها: حبة سوداء كأنها من عنب الثعلب. وأراد بها الحدقة.
إذا نظر الباز في عطفه كسته شعاعًا على المنكب
[ ١ / ١٨٥ ]
يقول: هذا البازي إذا نظر إلى جانبه كسته مقلته الخلوقية شعاعًا على منكبه يعني: أن عينه من صفائها وصقالها، يقع شعاعها على منكب البازي، كما يقع شعاع المرآة على الحائط.
ولما نزل أبوالطيب الرملة سنة ستٍّ وأربعين وثلاث مئة يريد مصر، دعاه أبو محمد فأكل معه وشرب، وخلع عليه وحمله على فرس جوادٍ بسرج ولجام، محليين حلية ثقيلة وقلده سيفًا محلي، وعاتبه على تركه مدحه فقال:
ترك مدحيك كالهجاء لنفسي وقليلٌ لك المديح الكثير
يقول: تركي مدحك هجاء لنفسي! لأني كنت قد كفرت نعمك وكفران النعم من أعظم الهجاء، والمديح الكثير قليل لك بالنسبة إلى قدرك.
غير أني تركت مقتضب الشع ر لأمرس مثلي به معذور
اقتضاب الشعر: ارتجاله بديهة.
يقول: إني تركت ارتجال الشعر لا روي فيه؛ لأني على ظهر السفر، وهذا عذر بين، ويجوز أن يكون ذلك لأنه لا يمكنه استيعاب مدائحه على حد الارتجال، وقيل: كان عذره واضحًا عنده، فاكتفى بما عنده من ذلك.
وسجاياك مادحاتك لا لفظي وجودٌ على كلامي يغير
روى: لا شعري، ولا لفظي.
يقول: ما فيك من خلائقك الكريمة يقوم مقام شعري، لأن جودك يغير على كلامي، فليس يمكنني أن أحيط بجودك، فكلما قلت شيئًا غلب عليه جودك فأغار عليه.
فسقى الله من أحب بكفي ك وأسقاك أيهذا الأمير
يقول: سقى الله من أحبه على يديك، فنوالهما أنفع من مطر السحاب! وسقاك الله أيها الأمير.
فلما أراد أن يرحل قال يودع الأمير ابن طغج:
ماذا الوداع وداع الوامق الكمد هذا الوداع وداع الروح للجسد
الكمد: المغموم. والكمد: الغم.
يقول: وداعي لهذا الأمير ليس يشبه وداع عاشق لحبيبه ولكنه وداع الروح للجسد. أي هو موته.
إذا السحاب زفته الريح مرتفعًا فلا عدا الرملة البيضاء من بلد
زفته: ساقته. والرملة: مدينة بالشام بقرب بيت المقدس.
يقول: إذا ساقت الريح السحاب، فلا تجاوز هذه البلدة. دعاء لها بالسقيا؛ لأن الممدوح كان فيها.
ويا فراق الأمير الرحب منزله إن أنت فارقتنا يومًا فلا تعد
أي: إن جمع الله بيننا بعد هذا الفراق، فلا فراق بعده.
قال يمدح طاهر بن الحسين العلوي وحدث أبو عمر عبد العزيز بن الحسن السلمي قال: سألت محمد بن القاسم المعروف بالصوفي: كيف كان سبب امتداح أبي الطيب لأبي القاسم طاهر بن الحسين بن طاهر العلوي؟ فحدثني أن الأمير أبا محمد لم يزل يسأل أبا الطيب في كل ليلة من شهر رمضان، إذا اجتمعنا عنده للإفطار، أن يخص أبا القاسم طاهر من شعره بقصيدة يمدحه فيها. ويذكر أنه اشتهى ذلك. ولم يزل أبو الطيب يمتنع ويقول: ما قصدت غير الأمير ولا أمتدح سواه، فقال له الأمير: قد كنت عزمت على أن أسألك في قصيدة أخرى تعملها، فاجعلها في أبي القاسم. وضمن عنه مئات دنانير، فأجابه إلى ذلك.
قال محمد بن القاسم: فمضيت أنا والمطلبي برسالة طاهر لوعد أبي الطيب، حتى دخلنا إلى بيته، فركب معنا ودخلنا على طاهر وعنده جماعة من أهل بيته، وأشراف، وكتاب فلما أقبل أبو الطيب نزل أبو القاسم طاهر عن سريره وتلقاه بعيدًا من مكانه مسلمًا عليه، ثم أخذ بيده فأجلسه في المرتبة التي كان فيها قاعدًا، وجلس بين يديه، فتحدث معه طويلًا ثم أنشده، فخلع عليه للوقت خلعة نفيسة.
قال عبد العزيز: وحدثني أبو علي بن القاسم الكاتب. قال: كنت حاضرًا لهذا المجلس، وهو كما حدثك به أبو بكر الصوفي.
ثم قال لي: اعلم أني ما رأيت ولا سمعت في خبر أن شاعرًا أجلس الممدوح بين يديه مستمعًا لمدحه غير أبي الطيب، فإني رأيت طاهرًا تلقاه، وفعل كما ذكرنا فأنشده المتنبي:
أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب وردوا رقادي فهو لحظ الحبائب
يقول: للذين ساروا بالجواري: أعيدوا علي الصبح، فقد ارتحل عني برحيلكم، أي أظلمت الدنيا علي لبعدكم! فردوا إلي النوم، فقد أخذتموه معكم. ومعناه: أعيدوا الكواعب ليرجع إلي صباحي، لأن الدنيا أظلمت على بعدهن! فهن صباحي الذي تزول به هذه الظلمة، وردوا أحبائي ليرجع إلي نومي؛ لأنه ارتحل برحيلهن.
وقيل: أراد طال ليلي فلو أعدتم إلي الكواعب والحبائب لقصر وعاد صبحي.
وقوله: لحظ الحبائب معناه: رقادي رؤية أحبائي ومشاهدتهن.
[ ١ / ١٨٦ ]
فإن نهاري ليلةٌ مدلهمةٌ على مقلةٍ من فقدكم في غياهب
مدلهمة: أي مظلمة. والغيهب: الظلمة.
يقول: إن نهاري أظلم من غيهب، منذ فقدتكم، فكأن مقلتي في ظلمات الليل.
وقيل: أراد أني قد بكيت لشدة الحزن حتى عميت عيني! فلا أبصر شيئًا، فصار نهاري، ليلًا وضيائي ظلامًا، لفقدكم وفراقكم.
بعيدة ما بين الجفون كأنما عقدتم أعالي كل هدبس بحاجب
بعيدة: جر لأنه صفة لمقلة وقيل: بدل عنها.
يقول: تباعد ما بين أجفان عيني فلا يلتقي الجفنان، فكأن أعالي أهداب الجفون معقود بشعور الحاجب فلا ينطبق. ومثله لبشار قوله:
جفت عيني عن التغميض حتى كأن جفونها عنها قصار
ومثله للتهامي:
قصرت جفوني، أم تباعد بينها؟ أم صورت عيني بلا أشفار؟
وأحسب أني لو هويت فراقكم لفارقته والدهر أخبث صاحب
أي: من عادة الدهر مخالفة هواي! فلو كنت أهوى أني أفارقكم لفارقت الفراق وواصلتموني. ثم ذم الدهر وقال: الدهر أخبث صاحبٍ للإنسان؛ لأن كل صاحب خالفك فهو خبيث. والهاء في فارقته للفراق.
فيا ليت ما بيني وبين أحبتي من البعد ما بيني وبين المصائب
يقول: ليت ما بيننا من البعد الحاصل، كان بيني وبين المصائب.
يعني: ليت الأحبة قريبة مني والمصائب قد بعدت.
أراك ظننت السلك جسمي فعقته عليك بدرٍّ عن لقاء الترائب
السلك: الخيط وعقته: منعته.
يقول: أظن أنك حسبت جسمي خيط العقد الذي عليك؛ لأنه يشبهه في الدقة، فحجبته بالدر الذي نظمته فيه عن ملاقاة نحرك كما حجبتني عنك، أبعدتني عن قربك.
ولو قلمٌ ألقيت في شق رأسه من السقم ما غيرت من خط كاتب
يقول: صرت من الدقة بحيث لو وقعت في شق قلم كاتبٍ لم يغير شيئًا من خطه!! وهذا من مبالغات أبي الطيب المتنبي.
تخوفني دون الذي أمرت به ولم تدر أن العار شر العواقب
يقول: أمرتني المحبوبة بترك المخاطرة بالنفس والمال، وخوفتني عواقب المخاطرة، ولم تعلم أن العار الذي يحصل بتحمل الضيم شرٌّ في عاقبته من الخوض في المهالك.
وقيل: معناه أنها أمرتني ألا أزورها شفقة علي وخوفًا من أن أقتل، ولم تدر أن تركي زيارتها هو العار، لأنه يؤدي إلى الجبن والجبن عار العار، وشر العواقب.
ولا بد من يومٍ أغر محجلٍ يطول استماعي بعده للنوادب
يقال: أغر محجل إذا كان مشهورًا كشهرة الفرس الأغر المحجل.
يقول: لابد من أن أوقع بيني وبين أعدائي يومًا مشهورًا أقتل فيه الملوك والسادة فأسمع بعد مدة طويلة صياح النساء النوادب يندبن عليهم.
يهون على مثلي إذا رام حاجةً وقوع العوالي دونها والقواضب
الهاء في دونها للحاجة.
يقول: إذا طلب مثلي حاجة يسهل عليه الحروب، ولا يبالي بحلول الرماح به، ووقوع السوف عليه حتى يصل إلى مراده؛ لأن الوصول إلى الأمر العظيم يكون بالمخاطرة بالنفس العظيمة.
كثير حياة المرء مثل قليلها يزول وباقي عيشه مثل ذاهب
يقول: غاية الإنسان الموت، طالت حياته أم قصرت، وعيشه الباقي إلى نفادٍ، مثل عيشه الماضي، فلم أخاف الموت وأحمل الضيم والذل؟
إليك فإني لست ممن إذا اتقى عضاض الأفاعي نام فوق العقارب
يقول للعاذلة: إليك عني، أي كفي لومك، فلست ممن إذا اتقى عظيمةً صبر على مذلة وهوان. فشبه عظيمة بالأفاعي وشبه الذل بالعقارب.
يعني: إن نام فوق العقارب يؤده لسعها إلى الموت، كما لو نهشت الأفاعي، فكذلك العار يؤدي الإنسان إلى الهلاك، بل هو أشد منه؛ فإن ذلك يتكرر، والهلاك دفعة واحدة فهو أسهل، كما أن الهلاك بنهش الأفعى أطيب من تكرار لدغ العقرب.
وقيل: معناه إني لا أهرب من مكروه القتل والموت إلى مكروه العار وقبول الضيم، وإن كان أيسر من الموت، كما أن ضرب العقارب أسهل من ضرب الأفاعي، ومع ذلك فإن أحدًا لا يختار ذلك إلا أنا وحدي.
أتاني وعيد الأدعياء وأنهم أعدوا لي السودان في كفر عاقب
كفر عاقب: قرية بالشام أو مدينة. وكل قرية يقال لها: كفر. والسودان: قيل أراد به جمع أسود سالح، وهو الحية السوداء.
يقول: إنهم أوعدوني وإنهم أعدوا لي في هذه القرية السودان: أي الدواهي. وقيل: أراد قومًا من الزنج أرصدهم هؤلاء لقتله.
[ ١ / ١٨٧ ]
ولو صدقوا في جدهم لحذرتهم فهل في وحدي قولهم غير كاذب؟!
يقول: لو كانوا صادقين في انتسابهم إلى جدهم، لكنت أحذرهم لمكان وعيدهم، وأعلم أنهم كذبوا في وعيدهم، وأعلم أنهم يقدرون على ما توعدوا لي به، من إلحاق المكروه بي؛ لأن تلك عادة الأشراف، ولكنهم أدعياء، فأعلم أنهم كذبوا في وعيدهم إياي، كما كذبوا في نسبهم.
وقيل: أراد أنهم يكذبون علي في سعايتهم كما يكذبون في انتسابهم إلى غير أبيهم، فلا أخاف مهم، لأن كل أحد يعلم أن سعايتهم في زور وبهتان كنسبهم.
إلي لعمري قصد كل عجيبةٍ كأني عجيبٌ في عيون العجائب
يقول: كل عجيبة من حوادث الدهر تقصدني، وكأني عجيب في عيونها، فتقصدني لترى في عجبًا!
بأي بلادٍ لم أجر ذوائبي وأي مكانٍ لم تطأه ركائبي
يقول: أي مكان لم أسحب فيه ذوائبي عرصاته؟! ولم أجر فيه ذيول الصبا والعز، وأي موضع لم تطأه إبلي؟ إما غزوًا للأعداء، أو مدحًا للملوك. ومثله للنميري:
وفي كل أرضٍ للنميري منزلٌ وفي كل أرضٍ للنميري صاحب
كأن رحيلي كان من كف طاهرٍ فأثبت كوري في ظهور المواهب
يقول: لم يبق في الدنيا موضع إلا قصدته، حتى كأن خروجي من ظهر كف طاهر، وكأن رحلي مشدودة في ظهور مواهبه! فهي تسيرني شرقًا وغربًا.
يعني: أن مواهبه تصل إلى كل أحد، كما بلغت أنا كل موضع، فكأني راكب على ظهر مواهبه، ملتمسًا من كفه.
فلم يبق خلقٌ لم يردن فناءه وهن له شربٌ ورود المشارب
الشرب: النصيب من الماء. والمشارب: موارد الماء. والكناية في يردن: للمواهب. وفي له: للخلق. وتقديره: فلم يبق خلق لم يردن فناءه ورود المشارب، وهن له شرب.
يقول: لم يبق أحد من الناس إلا والمواهب وردت فناءه، كما يرد الناس المشارب، وهذه المواهب شرب للخلق، ومع ذلك ترد أفنيته الناس، والعادة أن الناس يردون المشارب فيسقون، ولكن مواهبه شربٌ لكل أحد يرد عليه، لا يحوجه إلى أن يقصده المستسقي، وقيل: الهاء في له: للممدوح. يعني: أن المواهب شرب له ينتفع به، كما ينتفع بالماء وارده. وانتفاعه به وهو الدعاء له والثناء عليه.
فتى علمته نفسه وجدوده قراع الأعادي وابتذال الرغائب
الرغائب: جمع رغيبة وهو المال المرغوب فيه.
يقول: إن نفسه علمته مضاربة الأعداء والأبطال، وابتذال الأموال، وعلمه هاتين الخصلتين أيضًا آباؤه الكرام، وأجداده العظام وإن مجده وشرفه وسخاءه وشجاعته، ليست بطارئة عليه بل موروثة له.
فقد غيب الشهاد عن كل موطنٍ وردًا إلى أوطانه كل غائب
يقول: إن سخاءه انتشر في الناس، فدعا المقيم في وطنه إلى تركه وقصده، وأغنا كل وارد إليه، فرده إلى وطنه برفده. وقابل الشهاد، وهو جمع الشاهد، وأراد به الحاضرين. بقوله: كل غائب وهو واحد، لأنه في معنى الجمع وأراد به الغائبين.
كذا الفاطميون الندى في بناتهم أعز امحاءً من خطوط الرواجب
الرواجب: بطون مفاصل الأصابع. الواحد رجبة. وقيل: هي عصبة الأصابع. وروى: أشد امحاءً وأعز امحاءً أي أشد امتناعًا.
يقول: كل من كان من ولد فاطمة مجبول على الجود فلا ينمحي عز أصابعهم، كما تنمحي الرواجب عن الأصابع، بل هي أشد وأمنع.
أناسٌ إذا لاقوا عدىً فكأنما سلاح الذي لاقوا غبار السلاهب
يقول: هم أناس إذا لاقوا أعداءهم في الحرب، كان سلاح أعدائهم ودرعهم غبار خيلهم التي ركبوها، فسلاحهم ودروعهم لا ترد عنهم ولا تمنعهم، كما لا يمنعهم الغبار.
وقيل: معناه إنهم إذا لقوا أعداءهم كان أمضى سلاحهم، إثارة الغبار في الهزيمة والهرب يعني أنهم إذا هربوا منعوا أنفسهم من الهلاك كما يمنعوها بالسلاح.
رموا بنواصيها القسي فجئنها دوامي الهوادي سالمات الجوانب
الهوادي: الأعناق. والهاء في نواصيها: للسلاهب. وفي جئنها: للقسي.
يقول: رموا بنواصي خيلهم القسي فوصلن إلى القسي داميات الأعناق بالسهام التي وقعت عليها قبل وصلوهن إلى القسي، وأصحابها لم يستدبرن، ولم يعرضن بل مضين قدمًا إليهم، وسلمت جوانبهن وأعطافهن. وروى: سائلات الجوانب أي بالعرق.
أولئك أحلى من حياةٍ معادةٍ وأكثر ذكرًا من دهور الشبائب
[ ١ / ١٨٨ ]
يقول: إنهم في قلوب الناس أحلى من الحياة التي عادت بعد ذهابها، وإن ذكرهم عند الناس، أكثر من ذكرهم لأيام الشباب.
نصرت عليًا يا ابنه ببواترٍ من الفعل لا فلٌّ لها في مضارب
يقول: قد فعلت من المكارم ما دل على كرم أبيك، فكأن ذلك كالنصرة له، وهذه السيوف البواتر من الفعل ليس في مضاربها فل. وقيل: أراد بذلك أنك ملت إليه بشبهك له. يقال: نصرت له بني فلان أي أتيتها وقصدتها.
وأبهر آيات التهامى أنه أبوك وإحدى مالكم من مناقب
يقول: أعظم آيات التهامى كونه أباك، ولكم مناقب كثيرة، وكون النبي ﷺ جدك وأباك إحدى تلك المناقب.
وهذا في الظاهر يوجب تفضيله على سيد الخلق ﷺ.
وذكر ابن جنى أن أبا الطيب: كان يتعسف في الاحتجاج له والاعتذار بما لست أراه مقنعًا، وأعرضت عن ذكره.
إذا لم تكن نفس النسيب كأصله فماذا الذي يغني كرام المناصب؟
النسيب: ذو النسب الكريم. والمناصب جمع منصب والمنصب: الأصل.
يقول: إذا لم يكن الرجل كريمًا في نفسه وفعله، لم ينفعه كرم أصله.
وما قربت أشباه قومٍ أباعدٍ ولا بعدت أشباه قومٍ أقارب
يقول: لا يغني تشابه الخلق إذا تباعدت الأفعال، ولا يضر فقد التشابه في الخلق، إذا وجد التشابه في الأفعال الشريفة الكاملة.
إذا علويٌّ لم يكن مثل طاهرٍ فما هو إلا حجةٌ للنواصب
النواصب: معادون لأمير المؤمنين علي ﵁.
يقول: كل علويٍّ لا يشبهه من أولاده، فهو حجة للنواصب؛ لأنهم يتمسكون به.
يقولون: تأثير الكواكب في الورى فما باله تأثيره في الكواكب
يقول: إن الناس يزعمون أن الكواكب تؤثر في الخلق، فتسعد قومًا وتنحس آخرين! وهذا الممدوح يؤثر في الكواكب ويصرفها على مراده، ولا تقدر الكواكب على منعه منه، ولأنه علاها فجعلها معلوة بعد أن كانت عالية على كل شيء.
وقيل: إن تأثيره في الكواكب هو إثارة الغبار بخيله في غزواته حتى لا تظهر النجوم ويزول ضوء الشمس فتطلع الكواكب بالنهار.
علا كتد الدنيا إلى كل غايةٍ تسير به سير الذلول براكب
الكتد والكتد: أعلى الكتف. وقيل: العنق.
يقول: علا كتد الدنيا فهي تسير به إلى كل غاية، كما يسير الجمل الذلول، والفرس.
وحق له أن يسبق الناس جالسًا ويدرك ما لم يدركوا غير طالب
جالسًا: حال من الضمير في يسبق. غير: حال من الضمير في يدرك.
يقول: حق للممدوح أن يسبق الناس جالسًا، بما قد اجتمع فيه من الفضائل والمناقب، وأن يدرك من غير سعي ما لا يدركه أحد.
ويحذى عرانين الملوك وإنها لمن قدميه في أجل المراتب عرانين نصب لأنه مفعول ثان ليحذى. والمفعول الأول ضمير الممدوح.
يقول: حق له أن يجعل أنوف الملوك نعلًا لقدميه! وكأن ذلك أجل مرتبة لها، وأعز مكانًا؛ لأنها تتشرف بشرفه.
يدٌ للزمان: الجمع بيني وبينه لتفريقه بيني وبين النوائب
الجمع: مبتدأ، ويدٌ خبره. وهي النعمة.
يقول: جمع الزمان بيني وبينه أي الممدوح، فهذه نعمة للزمان علي، لأنه فرق بيني وبين نوائب الدهر.
هو ابن رسول الله وابن وصيه وشبههما شبهت بعد التجارب
يقول: هو يشبه رسول الله، وعليًا، فعلًا وفضلًا، ولم أقل ذلك من جهل، ولكن عن تجربة وعلم.
يرى أن ما ما بان منك لضاربٍ بأقتل مما بان منك لعائب
ما: الأولى نافية. والثانية: بمعنى الذي، واسم أن: محذوف. والتقدير: أنه ليس الذي بان منك لضارب، بأقتل مما بان منك لعائب.
يقول: هو يرى أنه ليس ما ظهر منه لحد السيف، بأقرب إلى القتل مما ظهر منه للعائب أن يعيبه. أي أن القتل أسهل عنده من العيب! والعيب أشد من القتل ومثله:
فتىً يتقي أن يخدش الذم عرضه ولا يتقي حد السيوف البواتر
ألا أيها المال الذي قد أباده تعز فهذا فعله في الكتائب
روى: أباره وأباده: أي أهلكه.
يقول لماله الذي قد فرقه في العطاء: تعز على إهلاكه إياك؛ فهكذا يفعل في الكتائب ويبرزها.
لعلك في وقتٍ شغلت فؤاده عن الجود أو كثرت جيش محارب
[ ١ / ١٨٩ ]
يقول: إنما أبادك يا مال؛ لأنك ربما حسنت عنده الإمساك، وشغلته بالعدو عن الجود، وأكثرت جيش عدوه بالاستعانة بك.
حملت إليه من لساني حديقةً سقاها الحجي سقى الرياض السحائب
شبه قصيدته بالحديقة، لأنها تجمع بديع المعاني، وغرائب الألفاظ، كما تجمع الحديقة من الأثمار والأنوار.
وتقدير البيت: سقى السحائب الرياض حر السحائب، بإضافة السقي إليها، وفصل بين المضاف والمضاف إليه.
يقول: حملت إليه حديقةً من المدح، سقاها العقل، كما يسقي السحاب الروض؛ وذلك لأنه بالعقل يرتب مثل هذا الترتيب وبه يستخرج مثل هذه المعاني.
فحييت خير ابنٍ لخير أبٍ بها لأشرف بيتٍ من لؤي بن غالب
خير: نصب على المنادى المضاف، أو على الحال، وروى: فحييت أي حييت أنا خير ابن. فنصبه على المفعول به. والضمير في بها: قيل: للحديقة التي هي القصيدة، أي حييت بهذه القصيدة خير ابن، وقيل: الضمير للأرض، وإن لم يجر لها ذكر: أي خير ابن لخير أب بهذه الأرض.
يقول: حييت بهذه القصيدة خير ابنٍ، أبوه خير أبٍ، وبيته لي لؤي بن غالبٍ، أشرف بيت؛ لأنه من ولد رسول الله ﷺ ولا أحد أفضل منه، فكأنه قال: هو أشرف الناس.
وكانت لأبي الطيب حجرة تسمى الحمامة، ولها مهر يسمى الطخرور. فأقام الثلج على الأرض بأنطاكية، وتعذر الرعي على المهر فقال يصف تأخر الكلأ عنه:
ما للمروج الخضر والحدائق
يشكو خلاها كثرة العوائق
المروج: جمع مرج، وهو كل موضع لا ينقطع عنه العشب والماء. والحدائق: جمع حديقة، وهي البستان ذو الحائط. والخلا: النبات الرطب، وهو فاعل يشكو ومفعوله كثرة. والعوائق: جمع عائق وهي الموانع.
يقول: أي شيء للمراعي والبساتين؟! فإن نباتها يشكو الموانع.
أقام فيها الثلج كالمرافق
يعقد فوق السن ريق الباصق
يقول: قد لازم هذه المروج والحدائق الثلج ملازمة المرافق لرفيقه، فاشتد البرد وعقد الثلج ببرودته ريق الباصق فوق سنه يجمده. يعني: لو أراد الإنسان أن يبصق ما أمكنه! بل وجد بصاقه معقودًا فوق سنه.
ثم مضى لا عاد من مفارق
بقائدس من ذوبه وسائق
يقول: أقام الثلج فيها مدة ثم مضى، فلا رده الله من مفارق، وجعل لذوبانه قائدًا وسائقًا. على سبيل الاستعارة.
يعني: من سرعة ذهابه بعد إقامته مدة كأن قائدًا يقوده وسائقًا يسوقه؛ لأن السائق والقائد إذا اجتمعا كان أبلغ في ذهابه، وجعل ابتداء الذوب قائدًا وانتهاءه سائقًا وقيل القائد المطر، والسائق الريح.
كأنما الطخرور باغي آبق
يأكل من نبتٍ قصيرٍ لاصق
الطخرور: اسم مهر لأبي الطيب، كان ينتقل من مكان إلى مكان في طلب العشب، فهو يأكل من نبت قصير لاصق بالأرض.
كقشرك الحبر من المهارق
أروده منه بكالسوذانق
المهارق: جمع المهرق، وهو الصحيفة المصقولة، وهو فارسي معرب. أصله: مهرة كردة. والسوذانق: الشاهين. وقيل: الصقر. وقوله أروده: أي أطلبه. وقيل: أراد أرود فيه: أي أذهب وأجيء في طلبه، والهاء: للنبت وفي منه للمهر. والكاف: اسم. أي بمثل السوذانق يقول: كأن المهر حين يرعى يقشر حبرًا من قرطاس، وأنا أطلب هذا النبت من هذا المهر بمهر يشبه السوذانق في حدته وذكائه وفطنته ومضائه.
بمطلق اليمنى طويل الفائق
عبل الشوى مقارب المرافق
مطلق اليمنى: أي ليس في يده اليمنى بياض. وقيل: يمناه بيضاء. والفائق: موصل الرأس والعنق، وإذا طال ذلك الموضع طالت عنقه. والعبل: الضخم. والشوى: القوائم. وقوله: مقارب المرافق: أي مرافقة متقاربة. وقيل: إحدى المرفقين تداني الأخرى. وقيل تشبه إحداهما الأخرى.
رخو اللبان نائه الطرائق
ذي منخرٍ رحبٍ وإطلٍ لاحق
اللبان: الصدر.
يقول: إن جلد صدره قد استرخى على صدره، وهو محمود في الخيل. ونائه: روى بالهمزة وهو العالي، من ناه نوها، ونوهته أنا: أي رفعته. وروى بالباء: وهو الشريف من قولهم: نبيه. والطرائق: الأخلاق. ويستحب في المنخر السعة؛ لئلا يحتبس النفس. والإطل: الخاصرة. ولاحق: أي ضامر.
محجلٍ نهدٍ كميتٍ زاهقٍ
شادخةٍ غرته كالشارق
[ ١ / ١٩٠ ]
محجل: أي في قوائمه بياض. ونهد: أي عالٍ مرتفع الشخص. كميت: أي أحمر اللون أسود القوائم والفرق. زاهق: أي سمين، وقيل هو المتوسط بين السمين والهزيل. والغرة الشادخة: التي تغشى الوجه من الناصية إلى الأنف. والشارق: الشمس. شبه بياض وجهه بالشمس حسنًا وضياء.
كأنها من لون في بارق
باقٍ على البوغاء والشقائق
وروى: كأنه إلى المهر، وكأنها إلى الغرة. والبارق: السحاب ذو البرق.
شبه غرته بالشمس، ثم شبه لون المهر بالسحاب الذي فيه ضوء البرق وهو يكون مائلًا إلى الكميت. والبوغاء: التراب الدقيق. والشقائق: جمع شقيقة وهي أرض تنشق بين الرمال، تنبت الشجر والعشب. وقيل: أرض فيها حصًا ورمل. يعني أن لونه باقٍ سواء سرت في السهل أو في الجبل، وفي الحر أو في البرد. وقيل: معناه أنه صبور على الشدائد؛ لأنه معود مدرب.
والأبردين والهجير الماحق
للفارس الراكض منه الواثق
الأبردين: الغداة والعشي. والهجير: الحر الشديد، عند انتصاف النهار. والماحق: الذي يمحق كل شيء؛ لشدة الحر. أي يذيبه ويهلكه.
يعني: أنه صبور على الكد، لا يتعبه السير في الجبل والسهل، ولا يضره معاقبة الحر والبرد. ثم بين أن الفارس الواثق بنفسه في الفروسية، إذا ركضه خاف منه.
خوف الجبان في فؤاد العاشق
كأنه في ريد طودٍ شاهق
ثم إن الفارس الواثق بفروسيته، إذا ركبه وركض به، يحصل له خوف العاشق؛ وذلك لأن العاشق قلبه مضطرب، فإذا حله خوف الجبان مع اضطرابه يكون خوفًا على خوف.
وقيل: معناه أنه يخاف منه وهو يعشقه ويشتهي ركوبه. ريد الجبل: حرفه الثاني منه. والطود: الجبل. الشاهق: العالي.
يشأى إلى المسمع صوت الناطق
لو سابق الشمس من المشارق
يشأى: أي يسبق، والمسمع: الأذن وفي في قوله: في ريد طود بمعنى: على.
يقول: كأن الفارس على حرف جبل عالٍ؛ لخوفه منه.
شبه المهر بالجبل، ثم قال: إنه لو سابق صوت ناطق لوصل إلى أذن السامع قبل وصول صوت الناطق إليه. وقيل: أراد: أن الناطق إذا دعا هذا المهر أسرع كالصدى، حتى كأنه يسبق نطق الناطق في جبل عالٍ.
وقيل: معناه أنه يسبق إلى أذن الصيد صوت الفارس الذي ينطق على ظهره أي يلحقه قبل بلوغه هذا الصوت، ثم قال: لو سابق هذا المهر الشمس من شرقها لسبقها إلى الغرب.
جاء إلى الغرب مجيء السابق
يترك في حجارة الأبارق
آثار قلع الحلى في المناطق
مشيًا وإن يعد فكالخنادق
الأبارق: جمع أبرق، وهو أرض يخالطها حجارة، وقيل: أكمة فيها طين وحجارة، وقيل: جبل فيه حجارة سود وبيض.
شبه آثار حوافره في الأرض الصلبة إذا مشى بآثار قلع الحلى من المنطقة؛ لأنه يكون مدورًا، شبه حافر المهر به لتدويره، وبين أنه إنما يؤثر في الأرض مثل هذه الآثار إذا كان ماشيًا، فأما إذا عدا عدوًا فإنه يشقها شقًا كالخنادق! وقوله مشيًا مصدر واقع موقع الحال أي ماشيًا.
لو أوردت غب سحابٍ صادق
لأحسبت خوامس الأيانق
قوله: غب سحاب. أي بعد سحاب صادق بالمطر. وقوله: أحسبت أي كفت. وخوامس الأيانق: هي الإبل العطاش التي لم ترد الماء خمسة أيام.
يقول: لو أوردت هذه الخنادق التي حصلت من حوافره، بعد سحاب صادق بالمطر لكفت هذه الخنادق الإبل التي لم تشرب الماء خمسة أيام. أي أن الماء الذي يحصل في هذه الخنادق يرويها على عطشها!.
إذا اللجام جاءه لطارق
شحا له شحو الغراب الناعق
قوله لطارق: أي لأمر طارق، أي جاء ليلًا.
يقول: إذا جئته باللجام ليلًا لأمر حادث من إغرة أو إغاثة، فتح فمه كما يفتح الغراب فمه حين ينعق.
كأنما الجلد لعرى الناهق
منحدرٌ على سيتي جلاهق
لكل ذي حافر ناهقان: وهما عظمان أو عرقان يكتنفان قصبة الأنف ويستحب ألا يكون عليه لحم. والجلاهق: قوس البنادق. والناهق: قيل هو العظم الشاخص في حنك الفرس عند مجرى الشدق.
شبه جلده على ناهقه، وقد عري من اللحم بمتن قوس البندق لصلابته وزوال رخاوته.
بذ المذاكي وهو في العقائق
وزاد في الساق على النقانق
بذ: أي غلب، وسبق الخيل القرح، التي تمت أسنانها. والعميقة: الشعر للمولود، الذي ولد وهو عليه. والنقانق: جمع نقنق وهو الظليم
[ ١ / ١٩١ ]
يقول: إنه سبق الخيل القرح! وهو بعد في شعره الذي ولد فيه، وهو في العقيقة: في بطن أمه لم ينفصل بعد وهذا كقول الشاعر:
قد سبق الأبلق وهو رابض
فكيف لا يسبق وهو راكض؟!
ثم قال: إنه زاد في طول الساق على الظليم. وهو محمود في الخيل وتوصف به.
وزاد في الوقع على الصواعق
وزاد في الحذر على العقاعق
يقول: إن الصوت من وقع حوافره يزيد على وقع الصاعقة النازلة عند صوت الرعد! وقيل: أراد أن صوت وقع حوافره أشد من صوت الرعد، وإن زاد في الحذر على العقعق الذي ليس في الطير أحذر منه!
وزاد في الأذن على الخرانق
يميز الهزل من الحقائق
الخرانق: جمع خرنق، وهو الأنثى من ولد الأرنب. ولا شيء أسمع منها، وقيل إن أذنه زائد الطول.
ثم بين أنه يميز الهزل من الجد بحدة سمعه وذكاء فؤاده إذا ركبه.
وينذر الركب بكل سارق
يريك خرقًا وهو عين الحاذق
يريد: أنه لا ينام الليل، فمتى جاء السارق أصحابه صهل حتى ينبههم! كأنه حارس، ويريك من نشاطه وعدوه ما يوهم أنه أخرق وهو حاذق.
يحك أنى شاء حك الباشق
قوبل من آفقةٍ وآفق
الباشق: يكسر ويفتح، وها هنا لا يجوز إلا بالكسر.
يقول: إنه للين مفاصله وطول عنقه، يحك من جسده أي موضع شاء، كالباشق. والآفق: الفاصل الشريف من كل شيء. والآفقة: مؤنثة.
يعني أنه كريم من قبل أبيه وأمه وهو كريم الطرفين، قد قابلت أباؤه أمهاته في الكرم.
بين عتاق الخيل والعتائق
فعنقه يربي على البواسق
العتاق: جمع عتيق. والعتائق: جمع العتيقة. يعني: أنه كريم الآباء والأمهات.
ثم يقول: إن عنقه يزيد على النخل الطوال.
وحلقه يمكن فتر الخانق
أعده للطعن في الفيالق
يقول: إن حلقه لرقته يمكن فتر الخانق منه، فيمكنه أن يقبض عليه بفتره، ثم قال: هو عده لي، للطعن في الفيلق: وهو العسكر العظيم.
والضرب في الأوجه والمفارق
والسير في ظل اللواء الخافق
يقول: هو عدة لي أقاتل عليه أعدائي، وأسير عليه تحت اللواء الخافق: وهو المتحرك المضطرب.
يحملني والنصل ذو السفاسق
يقطر في كمي إلى البنائق
السفاسق: الطرائق في متن السيف كالسراب، وبنائق القميص: الخرق التي تلف البدن من جانبيه، وهي الدخرصة.
يقول: يحملني هذا المهر والسيف يقطر من دماء أعدائي فيختضب كمي وبنائقي.
وقيل: أراد أنه يحملني وأنا متقلد بسيفي، فهو يتحرك بين كمي وبنائقي
لا ألحظ الدنيا بعيني وامق
ولا أبالي قلة المرافق
يقول: يحملني وأنا على هذه الحالة، إذا ركبته في الحرب لم أرغب في الحياة، فأطرح نفسي على الموت ولا أبالي بقلة الأرفاق.
وقيل: هذا منقطع. أي لا أبالي بالدنيا! لعلمي أنها غدارة، ولا أبالي بقلة الأصحاب لعلمي بنفاقهم.
أي كبت كل حاسدٍ منافقٍ
أنت لنا وكلنا للخالق
يقول: يا مهري الذي يكبت كل حاسد كمدًا، أنا أملكك والله يملك جميع الخلق.
وقيل: أراد الممدوح أي أنت ملجأنا وكلنا نفتقر إلى الله تعالى.
وكبست أنطاكية، فقتل المهر والحجرة فقال يندب مهره وفرسه:
إذا غامرت في شرفٍ مرومٍ فلا تقنع بما دون النجوم
غامرت: أي طرحت نفسك في غمرة الحرب.
يقول: إذا غررت بنفسك في شرف طالبًا له، فلا تطلب إلا أعظمه، وحدث نفسك بأنك تنال النجوم بعزمك.
فطعم الموت في أمرٍ حقيرٍ كطعم الموت في أمرٍ عظيم
يقول: إن طعم الموت في الحالين لا يختلف، فاختر لنفسك أشرف الأمور وأحسنها.
ستبكي شجوها فرسي ومهري صفائح دمعها ماء الجسوم
شجوها: نصب على المصدر، ويكون من الشجو، وقيل: نصب على المفعول له. كأنه جعل الشجو علة للبكاء، وفاعل تبكي: الصفائح ومفعوله فرسي.
يقول: سأشفي نفسي بقتل من قتلهما، فتجري دماء سيوفي كأنها دمع باكٍ على فرسي ومهري.
قربن النار ثم نشأن فيها كما نشأ العذارى في النعيم
يقول: إن هذه السيوف قد جعلت النار غذاء لها، وأراد أنها نشأت في النار واكتسبت منها جوهرًا وصفاءً، كالعذارى إذا ربين في النعيم.
وفارقن الصياقل مخلصاتٍ وأيديها كثيرات الكلوم
[ ١ / ١٩٢ ]
يقول: إن الصياقل قد أخلصوها صقالًا، وإنها بحدة شفارها قطعت أيدي صياقلها عند صقلها، وتجربة حدها، فكيف يكون حالها مع غيرهم؟!
يرى الجبناء أن العجز عقلٌ وتلك خديعة الطبع اللئيم
يقول: إن الجبان يخدعه لؤم طبعه، ويصور له أن الاحتراز من الحرب رأي وعقل، وليس كما ظن، وإنما خدعه لؤم طبعه عما في الشجاعة من العز بالفخر بها.
وكل شجاعةٍ في المرء تغني ولا مثل الشجاعة في الحكيم
يقول: الشجاعة محمودة، وتغني صاحبها وتنفعه، خاصة إذا كان صاحبها حكيمًا عاقلًا مدبرًا؛ لأنه يستعملها في وقتها ومحلها.
وكم من عائبٍ قولًا صحيحًا وآفته من الفهم السقيم
يقول: إن الشجاعة من الأخلاق الكريمة، وإنما يعيبها الجبان؛ لضعف قلبه، كما أن كثيرًا من الناس يعيب الأشياء التي لا يلحقها عيب، لجهله بها. وقيل: إنه منقطع، أي كم إنسانٍ يعيب قولًا صحيحًا لا آفة فيه، وإنما يكون من فهم سقيم، حيث لا يتصور جودة الكلام وصحته.
ولكن تأخذ الآذان منه على قدر القرائح والعلوم
يقول: إن الآذان تدرك الكلام فيعلمه الإنسان، ويأخذ منه بقدر خاطره وعلمه، ويتصوره على حسب قريحته.
وقال يهجو ابن كيغلغ وسار أبو الطيب من الرملة يريد أنطاكية سنة ستٍّ وثلاثين وثلاث مئة، فنزل بطرابلس، وبها إسحاق بن إبراهيم بن كيغلغ، وكان رجلًا جاهلًا، وكان يجالسه ثلاثة من بني حيدرة، وكان بين أبي الطيب وبين أبيهم عداوة قديمة. فقالوا له: ما يجب أن يتجاوزك ولم يمتدحك، وإنما يترك مدحك استصغارًا لك، وجعلوا يغرونه به، فراسله إسحاق وسأله أن يمدحه، فاحتج أبو الطيب بيمينٍ عليه: أنه لا يمتدح أحدًا إلى مدة حدها، فعاقه عن سفره. ينتظر انقضاء تلك المدة، وأخذ عليه الطرق وصبطها، ومات الثلاثة الذين كانوا يغرونه به في مدة أربعين يومًان فقال أبو الطيب يهجوه وهو بطرابلس.
قال: ولو فارقته قبل قولها لم أقلها أنفة من اللفظ بما فيها قال: وأملاها على من يثق به، فلما ذاب الثلج وخف عن لبنان، خرج كأنه يسير فرسه، وسار إلى دمشق فأتبعه ابن كيغلغ خيلًا ورجلًا، فأعجزهم وظهرت القصيدة واشتهرت وهي:
لهوى القلوب سريرةٌ لا تعلم عرضًا نظرت وخلت أني أسلم
قوله: عرضًا أي من غير قصد. يقول: للهوى سر لا يعرف لطفه ودقته، فلا يوقف عليه إلا بعد ابتلاء به. ونظرت من غير قصد وما ظننت أن الظن يوقعني في حبائل الهوى، بل قدرت أني أسلم ولا أهلك فخاب الظن الذي ظننته.
يا أخت معتنق الفوارس في الوغى لأخوك ثم أرق منك وأرحم
هذا فيه وجهان: أحدهما: أنه شبب بامرأة، ومدح أخاها بالشجاعة. إشارة إلى أنها ممتنعة لا يقدر على الوصول إليها. يقول: يا أخت الأخ الذي يخالط الأقران في الحرب بشجاعته، إن أخاك في الحرب إذا لقي عدوًا أرحم منك وأرق على قربه منك علي، فأنت قد فعلت بالمحب بقلة رحمتك له، ما لا يفعله أخوك في الحرب حرب الأقران.
والوجه الثاني: أنه يهجو أخا المرأة المشبب بها وفيه قولان: أحدهما: أنه يتهمه بإتيان أخته! ومعناه: أن أخاك أرق منك، ثم إن عند خلوته بك، أرحم منك على العاشق.
والقول الثاني: أنه يرمي أخاها بالجبن وضعف القلب؛ لأنه مع وصفه بأنه معتنق الفوارس في الوغى، فإنه أرق قلبًا من هذه المرأة مع رقة قلوب النساء، فمن زادت رقته على رقة قلوبهن فهو في نهاية الضعف وقوله: ثم إشارة إلى موضع الحرب، أي أنه أرق قلبًا من النساء في الضعف.
يرنو إليك مع العفاف وعنده أن المجوس تصيب فيما تحكم
يقول: إن أاك ينظر إليك مع العفاف لأنه يرى رأي المجوس! وهذا قول ابن جنى.
وقوله: مع العفاف يمنع من ذلك، فإنه ذكر ما لا يصح، ويمكن أن يقال: إنه صحيح ومعناه: أنه على رأي المجوس، لأن المجوسي يرى إتيان أخته من العفاف، لأنه يستبيحه! فهو صحيح من هذا الوجه هذا على الوجه الثاني.
وأما على الوجه الأول: فمعناه أنك قد فتنت أخاك بحسنك فهو ينظر إليك ويتمنى أن يكون دينه دين المجوس، وأنك محللة له، فكأنه يرى رأى المجوس في نكاح الأخوات ومثله لأبي تمام:
بأبي من إذا رآها أبوها شغفًا قال: ليت أنا مجوس
راعتك رائعة البياض بعارضي ولو أنها الأولى لراع الأسحم
[ ١ / ١٩٣ ]
راعتك: أي أفزعتك وروى: راعية الشيب، وجمعها رواعٍ. وروى: رائعة، وهي الفاعل من راعت. وقيل: هي منتشرة كانتشار الغنم في المرعى. والأسحم: الأسود.
يقول: راعتك الشعرات البيض التي انتشرت في عارضي، ولوكان الشعر يبدو أبيض ثم يسود، لخفت من السواد خوفك من البياض، والذي راعك إنما هو علو سني، لا البياض.
لو كان يمكنني سفرت عن الصبا فالشيب من قبل الأوان تلثم
يقول: لو قدرت لكشفت البياض عن شعري، حتى أريك صباي، وتعلمين أنت أني شبت قبل الأوان، والشيب قبل أوانه بمنزلة أن يتلثم الإنسان بعمامة بيضاء؛ لأنه لا يورث ضعفًا ولا يوهن قوة، فإنه يكره الشيب لهذا المعنى.
ولقد رأيت الحادثات فلا أرى يققًا يميت ولا سوادًا يعصم
يقول: جربت حوادث الدهر، فرأيت سواد الشعر لا يمنع من الموت، وبياضه لا يقرب منه، وقد يموت الشاب ويعيش الشيخ.
والهم يحترم الجسيم نحافةً ويشيب ناصية الصبي ويهرم
يقول: إن الهم يذيب الجسم، وينقصه حتى يموت الجسم نحافة، وتبيض ناصية الصبي، ويهرم قواه ومعناه: أن الشيب حصل لي من الهم.
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم
يقول: العاقل وإن كان في النعيم، فإنه لا يتهنأ به؛ لعلمه بزواله، والجاهل وإن كان في الشقاوة، فهو يتلذذ؛ لجهله بعواقبه.
والناس قد نبذوا الحفاظ فمطلقٌ ينسى الذي يولي وعافٍ يندم
يولي: أي يعطي.
يقول: إن الناس تنكر مراعاة الحقوق والذمم، فالمنعم عليه بإطلاقٍ من الأسر، ينسى يد المنعم عليه فلا يشكر نعمه، والعافي من الإساءة والمنعم على الغير، يندم على ما فعله من النعم.
لا تخدعنك من عدوٍّ دمعةٌ وارحم شبابك من عدوٍّ ترحم
أراد: ترحمه، فحذف الهاء.
يقول: إذا قدرت على عدوك فاقتله ولا يخدعنك بكاؤه: وارحم شبابك بذل عدوٍّ ترحمه!
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى حتى يراق على جوانبه الدم
يقول: لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى حتى تحميه بالسيف.
قال ابن جنى أشهد بالله لو لم يقل إلا هذا البيت لوجب تقدمه:
يؤذي القليل من اللئام بطبعه من لا يقل كما يقل ويلؤم
من في موضع النصب؛ لأنه مفعول يؤذي.
يقول: إن القليل الحقير اللئيم يؤذي بطبعه، من لا يقل كقلته ولا يلؤم كلؤمه.
والظم في خلق النفوس فإن تجد ذا عفةٍ فلعلةٍ لا يظلم
روى: في خلق، وهي جمع خلقة، ويريد الطبيعة. وروى في خلق، وهو واحد الأخلاق.
يقول: إن الإنسان طبع على الظلم ومن لا يظلم فلعلةٍ تمنعه من ذلك: إما عجز أو خوف، فلو خلي وطبعه لاستعلى على من هو دونه.
يحمى ابن كيغلغ الطريق وعرسه ما بين رجليها الطريق الأعظم
أقم المسالح فوق شفر سكينةٍ إن المنى بحلقتيها خضرم
الخضرم معناه ظاهر. والمسالح: أصحابه الذين يحفظون الطريق.
يقول: أقم المراصدين فوق امرأتك التي سار الناس للفجور بها، حتى اجتمع هناك من المنى بحر غزير.
وارفق بنفسك إن خلقك ناقصٌ واستر أباك فإن أصلك مظلم
يقول: لا تتعرض لمناوأتي فإنك ناقص الخلق، ولا تظهر أباك، فإنك مدخول النسب لا يوقف عليه.
واحذر مناوأة الرجال فإنما تقوى على كمر العبيد وتقدم
يقول: احذر معاداة الرجال، فإنما تقوى على استدخال كمر العبيد والإقدام عليها، وهذا رمى له بالأبنة.
وغناك مسألةٌ، وطيشك نفخةٌ ورضاك فيشلةٌ، وربك درهم
يقول: إن مالك مكتسب بالسؤال، وإن طيشك: أي خفتك. نفخة: أي لو نفخ عليه لطار، لضعف قلبه.
وقيل: أراد أن خفتك في المورد فلا تأثير له، وأنه إذا غضب ينكح فيرضى وأنه بخيل يعبد الدرهم ويعظمه كأنه ربه.
ومن البلية عذل من لا يرعوي عن جهله وخطاب من لا يفهم
يقول: من البلية عذل من لا ينصرف عن الجهل، ومخاطبة الجاهل الذي لا يفهم ما يفهم.
في ذكر أمك للزناة دلالةٌ فأحب من ذكر ابنها من يشتم
يقول: إن ذكرت أمك استدل الزناة بذكرها عليها، وأحب الناس إليها من يشتم ابنها ويقول: يابن الزانية؛ ليدل الزناة عليها.
يمشي بأربعةٍ على أعقابه تحت العلوج ومن وراءٍ يلجم
[ ١ / ١٩٤ ]
العلج: القوي البنية المعالج للتعب. وقوله: بأربعة أراد العضو. وينبغي أن يقول: إنه يمشي تحت العلوج إلى خلفه؛ حرصًا على استيفاء ما يدخل فيه! ولكن لجامه في خلفه: أي في إسته.
وجفونه ما تستقر كأنها مطروفةٌ أو فت فيها حصرم
مطروفة من قولهم: طرفته، أي ضربت طرفه.
يقول: إن جفونه لا تستقر، فكأنه أصيب بشيء من رمد ونحوه، أو عصر فيها حصرمٌ أشار بهذا إلى أن في عينه آفة.
وقيل: أراد أنه يحرك أجفانه لاستدعاء العلوج للمعنى الذي رماه به أولًا.
وإذا أشار محدثًا فكأنه قردٌ يقهقه أو عجوزٌ تلطم
يقول: إذا نطق ازداد حقارة، فكأنه قرد حين يضحك، أو عجوز لطمت في مناحة وبكت. ولا يضحك شيء من الحيوانات إلا الإنسان والقرد.
يقلي مفارقة الأكف قذاله حتى يكاد على يدٍ يتعمم
قوله: يقلى. أي يبغض، وفاعله: قذاله. ومفارقة الأكف: مفعوله.
يقول: إنه تعود أن يصفع، فقذاله: يكره مفارقة الأكف، حتى كأن الأيدي عمائم، لإحاطتها به.
وقيل: معناه لا يميل إلى مفارقتها. والقذال: مؤخر الرأس.
وتراه أصغر ما تراه ناطقًا ويكون أكذب ما يكون ويقسم
يقول: هو حقير المنطق، فإذا تكلم زاد حقارة لعيه، ولكنه أكثر ما يكون كذلك في قوله: إذا وكد كلامه بقسم وأيمان.
والذل يظهر في الذليل مودةً وأود منه لمن يود الأرقم
الأرقم: ضرب من الحيات.
يقول: إن الذليل يظهر المودة لمن أذله؛ ليتقي شره، ولكن الأرقم أشد حبًا منه لمن يحبه، إذا قدر عليه.
ومن العداوة ما ينالك نفعه ومن الصداقة ما يضر ويؤلم
يقول: إن عداوة الساقط تدل على مباينة طبعه لطبعك فينفعك ومودته تدل على المناسبة فيضرك! وقيل: أراد أن عداوة العاقل خير من صداقة الجاهل، فتلك العداوة ربما تتضمن منفعة وهذه الصداقة ربما تتضمن مضرة وشرًا.
أرسلت تسألني المديح سفاهةً صفراء أضيق منك، ماذا أزعم؟!
صفراء: اسم أم المهجو، أو اسم امرأته. يعني: إنك تسألني المديح وما عسى أن أقول لك؟ وأنت أوسع منها!
أترى القيادة في سواك تكسبا يابن الأعير وهي فيك تكرم؟!
الأعير: تصغير الأعور.
يقول: إن غيرك يتكسب بالقيادة، وأنت تقود على أهلك وتعده تكرما! ومثله قول الآخر:
تراه من جوده ومن كرمه يحمل أضيافه إلى حرمه
فلشد ما جاوزت قدرك صاعدًا ولشد ما قربت عليك الأنجم
شدما كقولك: نعما، وبئسما.
يقول: ما اشد ما جاوزت قدرك حتى سألتني أن أمدحك، وهو أبعد من النجوم، صاعدًا نصب على الحال.
وأرغت ما لأبي العشائر خالصًا إن الثناء لمن يزار فينعم
قوله: أرغت. أي طلبت، وقيل: أملت إلى نفسك، وخالصًا نصب على الحال.
يقول: طلبت المديح الذي هو لأبي العشائر خالصًا، لأنه لا يستحقه إلا من ينعم على زائره، وهو أبو العشائر.
ولمن أقمت على الهوان ببابه تدنو فيوجأ أخدعاك وتنهم
الأخدعان: عرقان في العنق معروفان. وتنهم: أي تزجر.
يقول: إن الثناء لمن تقيم على بابه مهينا، كلما دنوت منه تزجر وتصفع، فكيف أمدحك وهذه حالك؟!
ولمن يهين المال وهو مكرمٌ ولمن يجر الجيش وهو عرمرم
العرمرم: الجيش الكثير. يمدح أبا العشائر. يعني: أنه يكرم نفسه بإهانة المال وهو يقود الجيش الكثير، يصفه بالكرم والشجاعة.
ولمن إذا التقت الكماة بمأزقٍ فنصيبه منها الكمي المعلم
المأزق: مضيق الحرب.
يقول: إن المدح يكون لمن يكون في مضيق الحرب، ويقتل كل شجاع معلم: أي له علامة.
ولربما أطر القناة بفارسٍ وثنى فقومها بآخر منهم
يقول: ربما طعن فارسًا، فانعطفت قناته، فطعن بها آخر فقومها فيه كما تقوم الثقاف.
والوجه أزهر، والفؤاد مشيعٌ والرمح أسمر والحسام مصمم
يقول: يفعل ذلك بوجه أزهر وله رمح أسمر، وسيف مصمم قاطع يمضي في العظام.
أفعال من تلد الكرام كريمةٌ وفعال من تلد الأعاجم أعجم
يقول: فعل كل أحدٍ على قدر أصله، وهو من قوله تعالى: " قل كلٌّ يعمل على شاكلته ".
ولقي أبا الطيب بعض الغزاة بدمشق، فعرفه أن ابن كيغلغ لم يزل يذكره في بلد الروم، فقال أبو الطيب يهجو ابن كيغلغ:
[ ١ / ١٩٥ ]
أتاني كلام الجاهل ابن كيغلغٍ يجوب حزونًا بيننا وسهولا
يقول: أتاني كلام هذا الجاهل، وتهدده لي من مكان بعيد، يقطع الجبال والمفاوز الذي بينه وبيني.
وقيل معناه: إن كلامه قد أتاني، وهو حينما تكلم كان يجوب حزون أرض الروم وسهولها. ويجوب: أي يقطع.
ولو لم يكن بين ابن صفراء حائلٌ وبيني سوى رمحي لكان طويلًا
صفراء: اسم أمه، ومعناه: يهددني ابن صفراء بوعيده! وأنا منه على بعد، فلو لقيته ولم يحل بيني وبينه إلا رمحي وحده، الذي أعتمد عليه وأدفعه به، لطال عليه الوصول إلي. فكيف وقد انضم إليه سائر أسباب القوة.
وقيل: معناه لو كان بيني وبينه من البعد مقدار رمحي لكان طويلًا عليه، فلا يمكنه أن ينالني. وقيل: إن صفراء كناية عن الأست والعرب تقول: ولد من أسته. فعلى هذا يكون رميًا له بالأبنة.
وإسحاق مأمونٌ على من أهانه ولكن تسلي بالبكاء قليلا
يقول: إن من أهانه وأساء إليه لم يخف غائلته؛ لأنه لا يقدر على شيء من النكير عند بلوغه إساءة من أساء إليه سوى التسلي بالبكاء.
وقد ذكره بالقبيح وكنى عنه بالبكاء وهذا غاية الحسن ومثله:
زعم الفرزدق أن سيقتل مربعًا أبشر بطول سلامةٍ يا مربع
ولولا الذي في وجهه من سماجةٍ لنمت عليه بكرةً وأصيلا
وليس جميلًا عرضه فيصونه وليس جميلًا أن يكون جميلا
ويكذب، ما أذللته بهجائه لقد كان من قبل الهجاء ذليلا
يقول: نفسه لا جمال لها فيصونه عن الهجاء، ولا يستحق أن يكون جميلا، ثم يقول: زعم هذا الجاهل أني أذللته بهجائي فقد كذب في دعواه؛ لأني لم أنقص شيئًا من قدره بالهجاء، فإنه ذليل خامل لا قدر له.
وورد الخبر إلى مصر بأن غلمان ابن كيغلغ قتلوه بجبلة من ساحل الشام، فقال أبو الطيب يشمت به ويهجوه:
قالوا لنا: مات إسحاق. فقلت لهم: هذا الدواء الذي يشفي من الحمق
يقول: بلغني موته، فقلت: قد أصاب دواء حمقه؛ فإن الأحمق ليس له دواء إلا الموت.
إن مات مات بلا فقدٍ ولا أسف أو عاش عاش بلا خلقٍ ولا خلق
يقول: إن حياته وموته سواء، فإن مات لا يحزن عليه أحد، ولم يشعر بموته لخموله، وإن عاش فلا نفع فيه، لأنه دميم الخلق سيىء الخلق، فليس له رواءٌ يملأ العيون، ولا خلقٌ يعطف عليه القلوب.
منه تعلم عبدٌ شق هامته خون الصديق ودس الغدر في الملق
قوله: دس الغدر في الملق أي يستر غدره في كلامه باللطف؛ ليتوصل به إلى الإيقاع بالغير.
يقول: إن عبده الذي قتله، منه تعلم الخيانة والغدر بالصديق، فحين رآه يخون أصدقاءه ويغدر بهم، اقتدى، به فقتله غدرًا.
وحلف ألف يمينٍ غير صادقةٍ مطرودةٍ ككعوب الرمح في نسق
حلف: نصب عطفًا على قوله: دس الغدر وهو منصوب بتعلم ومطردة: أي متتابعة.
يقول: تعلم منه ألف يمين متتابعة، مثل كعوب الرمح على طريقة واحدة، فكان ذلك باعثًا له على قتله، فقتله ودفع عن نفسه قتله بالأيمان الكاذبة كما كان هو يفعل.
ما زلت أعرفه قردًا بلا ذنبٍ صفرًا من البأس مملوءًا من النزق
النزق: الخفة والطيش.
يقول: في كونه قردًا ناقصًا؛ ليكون أعجب، وإنه مملوء من الخفة، وصفرًا من الحلم والعقل والأدب.
كريشةٍ بمهب اليح ساقطةٍ ما تستقر على حالٍ من القلق
شبهه في خفته وقلقه بريشة ساقطة تهب عليها الريح.
تستغرق الكف فوديه ومنكبه وتكتسى منه ريح الجورب العرق
الفودان: جانبا الرأس.
يقول: إنه يكثر الصفع على جوانب رأسه ومنكبه، ويد من يصفعه تكتسب منه ريحًا منتنًا مثل ريحة الجورب العرق! وفيه أنواع من الهجاء منها: قبح الخلقة، وصغر الجثة، وخبث الريح، ونتن الجسد، ومهانة النفس؛ حتى يصفعه كل أحد.
فسائلوا قاتليه: كيف مات لهم موتًا من الضرب أم موتًا من الفرق؟
وأين موقع حد السيف من شبحٍ بغير رأسٍ ولا جسمٍ ولا عنق؟!
موتًا نصب على المصدر.
[ ١ / ١٩٦ ]
يقول: سائلوا قاتليه. هل مات من ضربهم، أو خوفًا من الضرب؟! والشبح: الشخص. يقول: سائلوا الناس أي موضع أصاب السيف منه؟ فإنه ليس له جسم، لقصره وصغره، ولا رأس له، ولا عنق، حتى لا يجد السيف شخصه، ولكن الخوف قتله قبل أن يضرب منه السيف موضعًا!
لولا اللئام وشيءٌ من مشابهةٍ لكان ألأم طفلٍ لف في خرق
يقول: لولا أن في الناس المشابهة في اللؤم والخسة، لكان ألأم طفل لف في قماطٍ؛ لعجزه وصغر قامته.
والمشابهة: جمع الشبه على غير قياس.
كلام أكثر من تلقى ومنظره مما يشق على الآذان والحدق
يقول: إن أكثر الناس كلامه تمجه الآذان لثقله. وكذلك رؤيته مما تنكرها العين ويشق عليها. فله نظائر في الناس.
واجتاز ببعلبك فنزل على علي بن عسكر، وهو يومئذٍ صاحب حربها، فخلع عليه وحمل إليه وأمسكه عنده، اغتنامًا لمشاهدته. وأراد أبو الطيب الخروج إلى أنطاكية فقال يعتذر من مفارقته:
روينا يا ابن عسكرٍ الهماما ولم يترك نداك بنا هياما
يقول: روينا أيها الممدوح بسحائب جودك، ولم يترك بنا هيامًا: أي عطشًا.
وصار أحب ما تهدى إلينا لغير قلىً وداعك والسلاما
يقول: قد أفضت علي من برك ما كفاني، فليس شيء أحب إلي إلا الارتحال وتوديعك والسلام، وليس ذلك عن بغض ولا كراهة فيك، ولكن عن عذر اقتضى ذلك.
ولم نملل تفقدك الموالي ولم نذمم أياديك الجساما
التفقد: التعهد. والموالي: المتتابع.
يقول: ولا أني أمللت إكرامك وتعهدك لأحوالي، ولا ذممت أياديك العظام، ولكن لعذر آخر أوجب طلب الإجازة.
ولكن الغيوث إذا توالت بأرض مسافرٍ كره الغماما
يقول: إني في سؤال الإذن منك، كالمسافر الذي يكره المطر، وإن كانت فيه حياة البلاد والعباد، فلهذا كرهت المقام عندك.