وقال يمدح بدر بن عمار بن إسماعيل الأسدي الطبرستاني وهو يومئذٍ على حرب طبرية من قبل أبي بكر محمد بن رائق:
أحلمًا نرى أم زمانًا جديدا أم الخلق في شخص حيٍّ أعيدا؟!
أحلمًا: نصب بنرى. وأم زمانًا: عطف عليه بأم. وجديدا: صفة لزمان. وقوله: أم الخلق: رفع لأن أم ها هنا منقطعة، والأولى متصلة.
يقول: إن ما أرى من صفات هذا الممدوح وأفعاله عجب أنراه في المنام لبعده عن العادة، أم هذا زمان جديد، غير ما كان من قبل؛ لأننا نرى فيه ما لم يعهد في زمانٍ قبله! أم الناس قد أعيدوا في شخصٍ واحد؟!
تجلى لنا فأضانا به كأنا نجومٌ لقينا سعودا
تجلى: أي ظهر. فأضانا به: أي صرنا مضيئين به. وهو فعل لازم وأضاء يلزم ويتعدى.
يقول: ظهر لنا هذا الممدوح، فعلا نوره وشرفه حتى أنرنا به، ولما ظهر كنا كأنا النجوم لقينا سعودًا فحسن بنوره وبركته.
رأينا ببدرٍ وآبائه لبدر ولودًا، وبدرًا وليدا
أراد بالبدر الأول: الممدوح. والثاني: هو القمر. وبدرًا ولودًا ووليدًا: نصب برأينا. واللام في قوله لبدر: لام المفعول إذا قدم على الفعل كقوله تعالى: " إن كنتم للرؤيا تعبرون " أي إن كنتم تعبرون للرؤيا.
يقول: لما رأينا بدرًا وهو الممدوح وأباه، لأن أباه قد ولد بدرًا، ورأينا بدرًا قد ولد، وهذا غير معهود في العالم أن يكون البدر والد البدر. جعله بدرًا في الحقيقة ثم تعجب من كونه مولودًا!
طلبنا رضاه بترك الذي رضينا، له فتركنا السجودا
يقول: رضينا أن نسجد له؛ إعظامًا، فكره هو ذلك وأنكر منا السجود له، ولم يرضه. وطلبنا رضاه بترك السجود؛ موافقة وإيثارًا لرضاه على رضانا.
أميرٌ أميرٌ عليه الندى جوادٌ، بخيلٌ بألا يجودا
هذا كقول أبي تمام:
ألا إن الندى أضحى أميرًا على مال الأمير أبي الحسين
يقول: هو أمير على الناس، والسخاء أمير عليه؛ لأنه يطيع أمره، فهو أبدًا جواد لا يعدل عنه. وهو بخيل بألا يجود: أي بخيل. بترك الجود وهذا غاية الجود.
يحدث عن فضله مكرهًا كأن له منه قلبًا حسودًا
يقول: هو يكره أن يحدث عنه بما فيه من الفضل؛ تنزهًا عن الكبر، فمتى حدث عنه فضله حدث مكرهًا عليه من غير اختيار منه، حتى كأن نفسه تحسده فلا تحب أن تسمع ثناءه، كما لا يحب الحاسد ذلك.
ويقدم إلا على أن يفر ويقدر إلا على أن يزيدا
[ ١ / ١١٥ ]
أقدم على الأمر: إذا دخل فيه غير خائف منه.
يعني: أنه شجاع يقدم على كل أمر صعب إلا على زيادةٍ من مجده وعلو محله، فلا نهاية فوقه ولا يقدر عليه.
كأن نوالك بعض القضاء فما تعط منه نجده جدودا
يقول: إنك إذا أعطيت إنسانًا صار له بنوالك جد في الناس، وحظ من السعادة، فكأن عطاءك بعض القضاء حيث أنه يسعد كما يسعد بالقضاء.
وربتما حملةٍ في الوغى رددت بها الذبل السمر سودا
رب وربما وربت وربتما: لغات كثم وثمت وما زائدة.
يقول: رب حملة لك في الحرب، فرجعت ورماحك السمر صاروا سودًا من الدم الذي جف عليها.
وهولٍ كشفت ونصلٍ قصفت ورمح تركت مبادًا مبيدا
النصل: حديد السيف من غير قائم، وكذلك من الرمح والسهم والسكين.
يقول: ورب هول كشفته عن أوليائك في الحروب وغيرها، ورب سيف كسرته في أعدائك، ورب رمحٍ كسرته في طعنك العدو بعد أن قتلته فتركته مبادًا مبيدا: أي مكسورًا وكاسرًا لمن طعن به.
ومالٍ وهبت بلا موعدٍ وقرنٍ سبقت إليه الوعيدا
يقول: رب مال وهبت ابتداء من غير وعد يتقدمه، ورب قرن: أي عدو، سبقت الوعيد إليه: أي قتلته قبل أن أوعدته وتهددته.
بهجر سيوفك أغمادها تمني الطلى أن تكون الغمودا
الطلى: جمع طلية، وهي صفحة العنق. والباء في بهجر سيوفك أي بسبب هجر سيوفك.
يقول: إذا فارقت سيوفك الأغماد لا تعود إليها، وتنتقل من هامٍ إلى هام من رقاب أعدائك، فهي تتمنى أن تكون أغمادًا لسيوفك حتى لا تسيئها ولا تضرها، وقيل: أراد أنها تتمنى أن تكون غمودًا لسيوفك ومن جملة قتلاك؛ لعلمها أن أعداءك إذا ماتوا بسيوفك كان ذلك فخرًا لهم.
إلى الهام تصدر عن مثله ترى صدرًا عن ورود ورودا
الهاء في مثله للهام، فرده إلى اللفظ.
يقول: ترد هذه السيوف الهام بعد صدورها عن هام آخر، فيصير الصدور عن ورود الهام، فهي أبدًا صادرة واردة. وقوله: ترى فعل السيوف ويجوز أن يكون للخطاب. والورود: الإتيان: والصدور: الرجوع.
قتلت نفوس العدى بالحدي د حتى قتلت بهن الحديدا
الكناية في بهن للنفوس. يقول: قتلت العدى بالسلاح حتى كسرت السلاح في الأعداء مثل قوله:
ورمح تركت مبادًا مبيدا
وقوله:
القاتل السيف في جسم القتيل
ومثله لأبي تمام:
وما كنت إلا السيف لاقى ضريبةً فقطعها ثم انثنى فتقطعا
فأنفدت من عيشهن البقاء وأبقيت مما ملكت النفودا
طابق بين أنفدت وأبقيت.
يقول: أفنيت من نفوس العدا البقاء، حتى عدمت وفنيت، وأبقيت مما ملكت النفوذ. أي أفنيت أعداءك بالقتل ومالك بالبذل.
كأنك بالفقر تبغي الغنى وبالموت في الحرب تبغي الخلودا
يقول: كأنك تبغي البقاء والخلود. بالموت في الحرب، والغنى بالفقر! يعني: أنت تحرص على إتلاف مالك في الجود. ونفسك في الحرب، فكأنك ترى غناك في الفقر، وخلودك في الموت.
خلائق، تهدي إلى ربها وآية مجدٍ أراها العبيدا
خلائق: خبر ابتداء محذوف، أي هذه الأفعال خلائق. وربها: قيل هو الممدوح وقيل: هو الله تعالى، وأراها وفعل الله تعالى أو الممدوح يقول: هذه الأفعال خلائق غريبة تدل على صاحبها. الذي هو الممدوح. علامة مجد، أراها الممدوح الذي هو ربها، أي أعلمها العبيد، أي الذين أنفسهم أنفس العبيد، وأراد سائر الناس. وعلى الوجه الآخر: أنها تدل على الله تعالى أنه مجد، أظهرها الله تعالى لعباده لتدل على قدرته.
مهذبةٌ حلوةٌ مرةٌ حقرنا البحار بها والأسودا
يقول: هذه خلائق مهذبة. أي مخلصة من كل عيب، وهي حلوة لأحبابه، ومرةٌ لأعدائه. وقيل. حلوة: أي كل أحد يستحلها ويستحسنها. ومرةً: أي لا يمكن الوصول إليها لصعوبتها، ولما فيها من بذل المال والمخاطرة بالنفس، حتى إذا قيست البحار إليها حقرت، وكذلك الأسود حقيرة؛ لما له من السخاء والشجاعة.
بعيدٌ على قربها وصفها تغول الظنون وتنضي القصيدا
تغول: يعني تهلك، يقال: غالته غول: أي أهلكته. وتنضي: أي تهزل.
[ ١ / ١١٦ ]
يقول: هذه الخلائق قريبة منا، نشاهدها ولكن وصفها بعيد؛ لأنا لا ندرك غورها، فظنوننا تهلك قبل الإحاطة بها، وأشعارنا تعجز عن استيفائها. وهو المراد بقوله: وتنضي القصيد أي تعجزها.
فأنت وحيد بني آدمٍ ولست لفقد نظيرٍ وحيدا
يقول: أنت أوحد بني آدم؛ لفضلك وقصور الناس عن محلك، لا لأنه كان لك نظير ففقدته لأنه مات وانقضى فبقيت وحيدًا، بل أنت مع وجود الخلق كلهم بلا نظير، وضد ذلك قول الشاعر:
خلت الديار فسدت غير مدافع ومن الشقاء تفردي بالسؤدد
وقال أيضًا فيه وقد فصده الطبيب من أجل علة فغرق المبضع فوق حقه فأضر به ذلك:
أبعد نأي المليحة البخل في البعد ما لا تكلف الإبل
وروى مكان المليحة البخيلة ومكان قوله: في البعد في البخل يقول: أبعد بعد المحبوبة البخل: أي أن بخلها على محبها أشد عليه من بعدها لأنه بعدٌ لا يحتاج معه إلى تكليف الإبل مشقة السير. ومثله قول أبو تمام:
لا أظلم البين قد كانت خلائقها من قبل وشك النوى عندي نوىً قذفا
غير أن أبا الطيب ذكر هذا المعنى في المصراع الأول، وزاد مثلًا آخر في المصراع الثاني.
ملولةٌ ما يدوم ليس لها من مللٍ دائم بها ملل
الهاء في ملولة للمبالغة؛ إلحاقًا لها بالأسماء، كالمحمولة والمركوبة والمحلوبة، ولو جعله وصفًا لكان بغيرها؛ لأن فعولًا إذا كان صفةً لا يلحقها علامة التأنيث نحو: امرأة صبور وشكور. وما بمعنى الذي، موضعه نصب. أي تمل الذي يدوم. ويجوز أن تكون بمعنى شيء أي تمل كل شيء يدوم، ومللها دائم، فليس لها من مللها الدائم ملل. وكان القياس أن تمله كما تمل كل شيء يدوم.
وروى. بالتاء فما تكون للنفي ومعناه: أنها ملولة لا تدوم على حالة واحدة؛ فتكون تأكيدًا لقوله ملولة ومثل هذا البيت قول بعض المتأخرين:
إن خلف الميعاد منك طبيعةٌ فعدينا إذا تفضلت هجرا
يعني: أن من عادتك إخلاف وعدك، فتفضلي وعدينا بالهجر؛ لتجري على طبيعتك فتخلفي وعدك فتصلينا خلافًا لوعدك.
كأنما قدها إذا انفتلت سكران من خمر طرفها ثمل
انفتلت: أي تثنت، والتوت. وقيل: إذا التفتت.
يقول: كأن هذه المرأة حين تثني قدها سكران من خمر طرفها. وهذا يتضمن وصفها بالتبختر، ووصف عينيها بالملاحة.
يجذبها تحت خصرها عجزٌ كأنه من فراقها وجل
الهاء في كأنه للعجز. والوجل: الخائف. وتحت خصرها: نصب على الظرف. ويجوز أن يكون حالًا من النكرة. أي يجذبها عجز كائن تحت خصرها، فلما تقدم نصب على الحال.
يقول: خصرها دقيق، وعجزها غليظ، فإذا أرادت النهوض جذبها عجزها وأمسكها، كأنه يخاف انفصالها عنه فهو متعلق بها كما يتعلق الرجل بذيل صاحبه إذا خاف نهوضه كما قال الآخر:
فقعودها مثنى إذا قعدت وقيامها فردًا إذا نهضت
أي إنها إذا أرادت القيام جذبها ثقل ردفها مرة أخرى.
بي حر شوقٍ إلى ترشفها ينفصل الصبر حين يتصل
يتصل الفعل بحر الشوق.
يقول: بي حر شوق إلى مص ريق هذه المرأة، متى اتصل هذا الحر والشوق ينفصل عني الصبر. وقيل: إن يتصل فعل الترشف، كأنه يقول: متى اتصل الترشف ووجدت إليه سبيلًا انفصل صبري وزاد حر الشوق لاستطابة الريق والإشفاق من انقطاعه.
الثغر والنحر والمخلخل وال معصم دائي والفاحم الرجل
الثغر: السن ما دامت نابتة في الفم. والنحر: الصدر. والمخلخل: الساق وهو موضع الخلخال. والمعصم: الذراع. والفاحم: الشعر الأسود. والرجل: بين الجعد والسبط.
ومهمةٍ جبته على قدمي تعجز عنه العرامس الذلل
المهمة: المفازة. جبته: أي قطعته. وعرامس: جمع عرمس، وهي الناقة القوية الصلبة. والذلول: ضد الصعبة.
يقول: رب فلاةٍ قطعتها على قدمي، وكانت بحيث يعجز عن قطعها الإبل القوية المعودة السير والركوب. يفضل نفسه عليها.
بصارمي مرتدٍ، بمخبرتي مجتزىءٌ بالظلام مشتمل
[ ١ / ١١٧ ]
مرتدٍ: أي متقلد. ومخبرتي: بخبرتي: مشتمل أي ملتحفٌ وروى متشحٌ أي متزين. وقوله: بالظلام مشتمل أي ملتحف. وقوله: بصارمي مرتد في موضع الحال ومجتزىء، أي قطعته وأنا كذلك، وكذلك ما بعده إلى آخر البيت، ولو نصبته على الحال لجاز، ولكنه أضمر المبتدأ وجعل قوله: مرتد خبره والجملة في موضوع النصب على الحال.
يقول واصفًا نفسه بجرأة القلب، والهداية لمعرفة المفاوز: ورب مهمة سرت فيها ليلًا وقطعتها وحدي راجلًا لا يصحبني أحد غير سيفي، ولا دليل يدلني إلا معرفتي وخبرتي، وقد اشتملت الظلام وأقمته مقام اللحاف.
إذا صديقٌ نكرت جانبه لم تعيني في فراقه الحيل
نكرت وأنكرت بمعنىً واحد. وقوله: لم تعيني أي لم يتعذر علي. والحيل رفع لأنه فاعل لم تعيني.
يقول: إذا رأيت من صديقي ما كرهت لم يصعب علي الاحتيال في فراقه. أي أني أفارقه وأسير عنه. ومثله لجرير:
سريعٌ إذا لم أرض داري خياليا
في سعة الخافقين مضطربٌ وفي بلادٍ من أختها بدل
الخافقان: جانبا الأرض بين المشرق والمغرب؛ سميا بذلك لوجود الخلق بينهما، ذهابهم ومجيئهم والمضطرب: يجوز أن يكون بمعنى الاضطراب، وأن يكون اسمًا لمكان الاضطراب.
يقول: إذا ضاق بي مكان رحلت عنه إلى غيره؛ لأن في سعة الأرض مكانٌ غيره، ويقوم بدل مكان البلد الأول والهاء في أختها للبلد وروى أمثاله من الأشعار كثيرة منها:
ولله أرضٌ ذات طوالٍ عريضةٌ إذا ذل منها جانبٌ عز جانب
ومثله قول البحتري:
شرق وغرب تجد من معرضٍ فالأرض من تربة والناس من رجل
ومثله:
وفي الناس إن رثت حبالك واصلٌ وفي الأرض عن دار القلى متحول
وهذا مأخوذ من قوله تعالى: " وأرض الله واسعة " وقوله: " ألم تكن أرض الله واسعةً فتهاجروا فيها ".
وفي اعتماد الأمير بدر بن عما رٍ عن الشغل بالورى شغل
الاعتماد: يجوز أن يكون من قولك: اعتمدت فلانًا إذا استعنت به، كأنك جعلته عمادًا لك. ويجوز: افتعالًا من عمدت الشيء، إذا قصدته.
يقول: إن اعتمادي بدرًا أشغلني عن كل أحد، فلا أبالي بصديق إذا تغير عني وتقديره: في اعتماد الأمير بدر بن عمار شغلٌ لي شغلني عن الورى.
أصبح مالًا كماله لذوي ال حاجة لا يبتدي ولا يسل
يقول: أصبح مالا معدًا لذوي الحاجة يتناولونه فهو للمحتاجين، كماله له، فكما أنه إذا أراد ماله لم يحتج إلى ابتداء من معط، ولا إلى مسألة، فكذلك المحتاجون يأخذون ويتصرفون فيه متى شاءوا فهو لا يبتدىء بهم بالعطاء، لأنه لا يحزن المال دونهم ولا يسأل، لأنه لا يحتاج إلى ذلك.
وقيل: أراد أنه أصبح مالًا كماله. على معنى: كما أن ماله لا يستأذن الواردون في أخذه، فلا يكون منه ابتداء بالدفع ولا سؤال من الوارد، فكذلك نفسه مبذولة لهم.
هان على قلبه الزمان فما يبين فيه غمٌّ ولا جذل
يكاد من طاعة الحمام له يقتل من ما دنا له أجل
هان: أي سهل، من قولهم: هذا أمر هين.
يقول: إنه يحتقر الزمان، فلا يحزن لإدباره، ولا يفرح بإقباله. بل غرضه فعل الجميل، لاقتناء الثناء الجزيل.
وقوله: طاعة الحمام له. الهاء في: له الأولى للمدوح، وفي له الثانية: ترجع إلى من.
يقول: إن الموت يطيعه حتى أنه لفرط طاعته يقرب أن يقتل من لم يحن أجله.
يكاد من صحة العزيمة، ما يفعل قبل الفعال ينفعل
يقول: إنه صحيح العزم، فمن صحة عزمه إذا هم بأمر قارب أن يكون ذلك الفعل، قبل أن يفعله.
تعرف في عينه حقائقه كأنه بالذكاء مكتحل
يقول: إنك إذا نظرت إليه تعرف حقيقته المختصة به في عينه؛ لظهور أثرها عليه، فكأنه قد اكتحل بالذكاء والفطنة، وهذا من قوله تعالى: " سيماهم في وجوههم " وفي المثل: إن الجواد عينه فراره ويجوز أن تكون العين بمعنى النفس. ويجوز أن تكون العين بمعنى الرؤية.
أشفق عند اتقاد فكرته عليه منها أخاف يشتعل
الهاء في عليه: للممدوح وفي منها للفكرة.
يقول: أخاف من حدة فكرته، أن يشتعل من حرارتها، لأن الذكي والفطن يوصف بأنه متقد القلب.
أغر، أعداؤه إذا سلموا بالهرب استكرثوا الذي فعلوا
روى استكبروا واستكثروا.
[ ١ / ١١٨ ]
أغر: أي أبيض الوجه، صيغته تتعدى إلى مفعولين. أو معروف مشهور كالغرة في الفرس. ثم ابتدأ فقال: أعداؤه إذا سلموا منه بالهرب، استعظموا ذلك من أنفسهم.
يقبلهم وجه كل سابحةٍ أربعها قبل طرفها تصل
يقبلهم: من قولهم: أقبلتهم وجه الخيل، فيتعدى إلى مفعولين، ومنه:
وأقبلت أفواه العرق المكاويا
وقيل: أراد يقبل عليهم بوجه، فحذف حرف الجر ضرورة. وأربعها: قوائمها الأربع، والتأنيث للسابحة.
يقول: إنه يستقبل أعداءه بوجه كل فرس سابحة، من سرعة عدوها تصل قوائمها إليهم قبل وصول طرفها إليهم، يعني أنها إذا نظرت إليهم وصلت قوائمها قبل طرفها.
جرداء ملء الحزام مجفرةٍ تكون مثلى عسيبها الخصل
جرداء: أي قصيرة شعر الحافر. وقيل: هي المتجردة من الخيل لتقدمها. ومجفرة: أي عظيمة البطن لملء حزامها. والعسيب: العظم الذي عليه شعر الذنب، ويستحب قصره. والخصل: جمع خصلة وهي القطعة من الشعر. يعني: إن عظم ذنبه قصير، وشعره طويل.
إن أدبرت قلت: لا تليل لها أو أقبلت قلت: ما لها كفل!
التليل: العنق.
يقول: إنها مشرفة العنق ممتلئة الكفل، فإذا أقبلت عليك حال عنقها بينها وبين كفلها حتى ظننت أنه لا كفل لها، وإذا أدبرت حال ردفها بينك وبين عنقها، حتى ظننت أنه لا عنق لها. وهذا محمود فيها.
والطعن شزرٌ والأرض واجفةٌ كأنما في فؤادها وهل
روى: واجفة، وراجفة، ومعناهما واحد: وهو الاضطراب. والوهل: الخوف. والواو في والطعن. للحال والهاء في فؤادها: للأرض.
يقول: إنه يقبل على أعدائه بخيل، والطعن شزرٌ والأرض مضطربة، حتى كأن في قلبها فزع لشدة الارتعاد.
قد صبغت خدها الدماء كما يصبغ خد الخريدة الخجل
الخريدة: الحبيبة. والخجل: فتور يصيب المرأة عند الاستحياء. والهاء في خدها: راجعة إلى السابحة، وقيل إلى الأرض. ومعناه على الأول: إن الدماء قد صبغت خد السابحة، ولا تفزع ولا تنفر، كما يصبغ خد الجارية الحبيبة. الخجل؛ لأنه يولد الحمرة في الوجه. وهذا من قول امرىء القيس:
كأن دماء الهاديات بنحرها عصارة حناءٍ بشيبٍ مرجل
وعلى الثاني: أراد أن الأرض قد احمرت بالدم، مثل احمرار خد الجارية بالخجل. وقوله: خد الأرض. استعارة.
والخيل تبكي جلودها عرقًا بأدمع ما تسحها مقل
ما تسحها: أي ما تصبها. والمقلة: شحمة العين التي تجمع البياض في السواد. أراد أن الخيل تسيل عرقها من شدة عدوها، وشبه العرق بالدمع، وشبه جلود الخيل بالعيون، وهذا التشبيه حسن؛ لأن الدمع والعرق لا يكونان إلا من الشدة.
سار ولا قفر من مواكبه كأنما كل سبسبٍ جبل
روى: سار. وتقديره: وهو سار. والقفر: المكان الخالي. والسبسب: الفضاء الواسع يقول: إنه إذا سار ملأ الدنيا خيلًا ورجالًا، فلا يكون موضعٌ خالٍ من مواكبه؛ لكثرة جيشه، فتصير المفاوز بمنزلة الجبل لكثرة جيشه وكثرة سلاحهم.
يمنعها أن يصيبها مطرٌ شدة ما قد تضايق الأسل
الهاء في يمنعها ويصيبها: للمواكب. والأسل: الرماح. وفاعل يمنعها: شدة. وفاعل يصيبها: المطر.
يقول: إن الرماح تضامت وتضايقت حتى حالت بين الخيل وبين المطر فمنعها تضايقها أن يصيبها المطر.
يا بدر يا بحر يا غمامة يا ليث الشرى يا حمام يا رجل
وروى: يا همام.
يقول: مع هذه الأوصاف المذكورة أنت رجل في الحقيقة. والشرى: موضع بعينه توصف أسوده بالجرأة.
إن البنان الذي تقلبه عندك في كل موضع مثل
قوله عندك لا فائدة فيه إلا تمام البيت.
يقول: إن البنان الذي تقلبه بالسخاء هو مثلٌ مضروب في كل موضع، أي: إن الناس يضربون المثل في الجود ببنانك.
إنك من معشرٍ إذا وهبوا ما دون أعمارهم فقد بخلوا
المعشر: مفعل من المعاشرة، وهو الاجتماع والمخالطة.
يقول: إنك من قوم كرام، لا يعدون الجود إلا بذل الأعمار، فإذا وهبوا ما دون الأعمار، فقد بخلوا عند أنفسهم.
قلوبهم في مضاءٍ ما امتشقوا قاماتهم في تمام ما اعتقلوا
الامتشاق: قيل هو استلال السيف. وقيل التقلد به.
يقول: إن قلوبهم في المضاء مثل سيوفهم المستلة، وقاماتهم في الطول مثل رماحهم المعتقلة.
[ ١ / ١١٩ ]
أنت نقيض اسمه إذا اختلفت قواضب الهند والقنا الذبل
أنت لعمري البدر المنير ولكنك في حومة الوغى زحل
القواضب: القواطع. وقوله: نقيض اسمه أي أنك بدر تضيء الدنيا، ولكنك في الحرب تستحيل زحلًا على أعدائك وتصير ظلمة عليهم ونحسًا لهم مثل زحل.
كتيبةٌ لست ربها نفلٌ وبلدةٌ لست حليها عطل
النف: الغنيمة. والعطل: التي لا حلي عليها.
يقول: كل كتيبة لست صاحبها فهي غنيمة لأعدائها، وكل بلدة لست واليها، فهي عطل: أي لا عدل فيها. يعني: أن الجيوش لا تمنع إلا بك، والبلاد لا تتزين إلا بعدلك.
قصدت من شرقها ومغربها حتى اشتكتك الركاب والسبل
أي قصدت من شرق الأرض ومغربها، فأضمر الأرض وإن لم يجر لها ذكر لتقدم العلم بها كقوله تعالى: " ما ترك على ظهرها من دابة ".
يقول: كثر القصد إليك من نواحي الأرض شرقها وغربها، حتى اشتكتك الركاب والسبل؛ لكثرة سير القصاد عليها إليك، وركوبهم عليها. ومثله قول أبي العتاهية.
إن المطايا تشتكيك لأنها قطعت إليك سباسبًا ورمالا
لم تبق إلا قليل عافيةٍ قد وفدت تجتديكها العلل
تجتديكها: أي تطلبها منك، والهاء: للعافية.
يقول: إنك وهبت جميع مالك، فلم يبق لك إلا قليل عافية في بدنك؛ وعلمت العلل بسخائك فقصدتك تسأل العافية منك؛ وإنما قال: قليل العافية، لأنه أراد أنه كثير التعب في طلب المكارم وحمل المغارم، فلم يبق من العافية إلا السلامة من المرض فقط.
عذر الملومين فيك أنهما آسٍ جبانٌ ومبضعٌ بطل
كان الطبيب فصده فغرق المبضع في ذراعه، فذكر أبو الطيب عذرهما، وأراد بالملومين: الطبيب والمبضع. فقال: إن عذرهما. أنه كان جبانًا ومبضعه جريئًا؛ فلما أراد فصده دهش فلم يمكنه ضبط مبضعه فغاص في العرق فوق الواجب، وليس من واحد منهما ذنبٌ.
مددت في راحة الطبيب يدًا وما درى كيف يقطع الأمل
يعتذر عن الطبيب ويقول: إن صناعة الطبيب فصد العروق، لا قطع الآمال، ويدك معدن الآمال، وقد أمرته بقطع الآمال، ولا عهد له بذلك، فاعذره على غلطه. ومثله لابن المعتز:
يا فاصدًا ليدٍ جلت أياديها ونال منها الذي يرجوه راجيها
يد الندى هي فارفق لا ترق دمها فإن أرزاق طلاب الندى فيها
إن يكن النفع ضر باطنها فربما ضر ظهرها القبل
النفع: أراد به الفصد؛ لأن العافية تعود إليه.
يقول: إن كان الفصد ضر باطن يدك فطالما ضر ظهرها تقبيل الناس. أراد أنها لدقتها ولطافتها يؤثر فيها التقبيل. ومثله لابن الرومي:
فامدد إلي يدًا تعود بطنها بذل النوال وظهرها التقبيلا
ومثله قول أبي تمام:
تقبل الركن ركن البيت نافلةً وظهر كفك موقوفٌ على القبل
يشق في عرقها الفصاد ولا يشق في عرق جودها العذل
الفصاد: مصدر كالفصد.
يقول: إن كان الفصد يشق عرق يدك ويؤثر فيه، فإن عرق جودها لا يؤثر فيه اللوم.
خامره إذ مددتها جزعٌ كأنه من حذاقةٍ عجل
الهاء في خامره: للطبيب، وقيل للمبضع. ومعناه. خالطه. العجل: المستعجل.
يقول: لما مددت يدك إلى الطبيب، أخذته هيبة فدهش، وأخذه الجزع فأداه حذقه إلى الاستعجال، فتجاوز الحد وأفرط فيه، فكأنه من حذاقته مستعجل.
جاز حدود اجتهاده فأتى غير اجتهادٍ لأمه الهبل
الهبل: الثكل: وهو موت الولد. أي جاوز الحد فغلط. ثم دعا عليه أنه يفقد.
أبلغ ما يطلب النجاح به الطب ع وعند التعمق الزلل
النجاح: الظفر. والتعمق: التكلف وتناهي الحد.
يقول: إن الإنسان إنما يظفر بمراده إذا جرى على طبعه، فإذا تكلف أد إلى الغلط والزلل.
إرث لها إنها بما ملكت وبالذي قد أسلت تنهمل
يقول: ارحم يدك فإنها تنهمل بما تملكه من الأموال، وبالدم الذي قد أسلته منها، فلا تجمع عليها سلب الأموال وإسالة الدم فيضر ذلك بها.
مثلك يا بدر لا يكون، ولا تصلح إلا لمثلك الدول
يقول: مثلك غير موجود، ولا يوجد في المستقبل، ولا تصلح الدولة إلا لمثلك، فإن لم يكن أحد مثلك فالملك لا يستحقه أحد غيرك أبدًا.
وقال أيضًا في بدر بن عمارٍ يمدحه:
[ ١ / ١٢٠ ]
بقائي شاء ليس هم، ارتحالا وحسن الصبر زموالا الجمالا
ارتحالا: نصب بشآء، وفاعله: ضمير بقائي. وحسن الصبر: نصب بزموا. والجمال: عطف عليه، وليس: بمعنى: لا وأنه ليس له خبر.
وقيل. اسم ليس: مضمر. وهم: خبره. وقيل. اسمه: هم. غير أنه استعمل الضمير المنفصل في موضع المتصل. قوله. زموا: أي أمسكوا الجمال وحبسوها ليركبوها ويحملو عليها ومثله لأبي تمام:
قالوا الرحيل؛ فما شككت بأنه نفسي عن الدنيا تريد رحيلا
تولوا بغتةً فكأن بينًا تهيبني ففاجأني اغتيالا
البغتة، والفجاءة، والاغتيال متقاربة برحيلهم قبل وقوعه، فكأن البين كان يخاف مني أن يجاهرني بالإقدام علي، فهجم علي وأنا غافلٌ عنه. فقوله: تهيبني من ألفاظ الفخر استعمله في الغزل.
فكان مسير عيسهم ذميلًا وسير الدمع إثرهم انهمالا
الذميل: ضرب من السير السريع. وروى: عيرهم.
قال ابن جنى: معناه أن مسير إبلهم كان ذميلًا. وهو السير المتوسط. وسير دمعي انهمالا يعني: أن دمعي سبق عيسهم، فكان سيره أسرع من سير عيسهم. وقيل: إن معناه أن دمعي كان يباري إبلهم فالإبل تسرع السير، والدمع يسرع. وهو الصحيح، لأن الذميل هو السير السريع. كذا ذكره ابن السكيت.
كأن العيس كانت فوق جفني مناخاةٍ فلما ثرن سالا
وروى: فلما سرن. مناخاةٍ: أي باركات. يقال: أنخته فبرك، ولا يقال: ناخ. وثار البعير يثور: إذا نهض من مبركه. وسالا: من سال سيلًا فاعله: ضمير الدمع.
يقول: كأن العيس سائرات، كانت فوق جفني مناخة، قد سدت مجاري الدمع وحبسته من السيلان، فلما نهضت عن جفنه عند سيرهن، سال الدمع المحبوس. وهذا من بدائع ما ذكره أبو الطيب.
وحجبت النوى الظبيات عني فساعدت البراقع والحجالا
الظبيات، بتحريك الباء، جمع ظبية، نحو جفنة وجفنات. ويجوز الإسكان. والتأنيث: للنوى؛ لأنها مؤنثة. والحجال: جمع حجلة.
يقول: لما ارتحلوا حجبت النوى هذه النساء اللواتي هن كالظبيات عني ورافقت هذه النوى البراقع والحجال، فكما كانت البراقع والهوادج تسترهن، فكذلك النوى، سترتهن عني، فاتفقا من هذا الوجه.
وقيل: إن مساعدتهما هو أن البراقع والهوادج إنما يحصل لهن عند إرادتهن الارتحال، وهو وقت النوى، فكأن النوى ساعدت البراقع والحجال حيث إنهما يكونان معًا.
لبسن الوشي لا متجملاتٍ ولكن كي يصن به الجمالا
نصب متجملات على الحال. والمتجمل: من يتكلف التجمل. المعنى: أنهن لبسن ثياب الوشي والديباج، لا لاجتلاب الحسن واكتساب الجمال؛ ولكن لبسنه ليسترن حسنهن ويصن جمالهن. وقيل: أراد أنهن يلبسن ذلك صيانةً لجمالهن من العيون.
وضفرن الغدائر لا لحسنٍ ولكن خفن في الشعر الضلالا
الضفر: الفتل. والغدائر: جمع غديرة، وهي الذؤابة، وسميت غديرة؛ لأنها غودرت حتى طالت. والضلال: الضياع.
المعنى: أنهن لا يضفرن شعورهن ويضعن فيها؛ لطولها وكثافتها ووفورها.
وقيل: أراد أنهن خفن ضلال الناس في شعورهن.
وفيه وجهان: أحدهما: أن الدنيا تصير مظلمة من سواد شعورهن، فيضل الناس عن الطريق حضرًا وسفرًا، فإذا ضفرنها تظهر لهم وجوههن، فيغلب ضياء الوجوه سواد الشعور، فلا يضلون.
والثاني: أن الناس يضلون عن الدين؛ افتتانًا بهن وبحسن شعورهن، فإذا ضفرنها صار الأمر أهون؛ لأنه لا يكاد يتبين فيه الجعودة. التي هي غاية حسن الشعر.
بجسمي من برته فلو أصارت وشاحي ثقب لؤلؤةٍ لجالا
جال: فعل الجسم، والثقب. أنث قوله: من برته ردًا إلى المعنى، لأن من يقع على المذكر والمؤنث. ولو قال: براه لجاز. والهاء فيه عائدة إلى الجسم. والوشاح ها هنا النطاق.
يقول: جسمي فداء المرأة التي برت جسمي وأنحلته، حتى لو جعلت ثقب لؤلؤة وشاحي: أي لو توشحت بلؤلؤة، لجال جسمي في ثقبها؛ لدقته ونحوله. وجال: فعل الجسم، وفعل الثقب.
ولولا أنني في غير نومٍ لبت أظنني مني خيالا
يقول: ذبت حتى صرت كالخيال، الذي لا حقيقة له، لا أنام بالليل؛ لما بي من الوجد، ولو كنت ممن أنام، ثم رأيت جسمي في النوم، لقدرته خيالًا لا حقيقة له، وقيل: معناه لولا أنني متيقظ لظننت نفسي الخيال، الذي يرى في النوم.
[ ١ / ١٢١ ]
بدت قمرًا، ومالت خوط بانٍ، وفاحت عنبرًا، ورنت غزالا
رنت: نظرت. ونصب قمرًا وما بعده: على الحال، لأنه أقام اسم الجنس مقام الصفة، فإذا جاز أن يكون صفة، جاز أن يكون حالًا.
ومعناه: بدت منيرةً كالقمر. أي وجهها. ومالت لينة الأعطاف كالغصن: وأراد به القامة. وفاحت زكية كالعنبر، ورنت كحلاء الجفون كالغزال. ومثل هذا قول بعض المتأخرين وهو قوله:
سفرن بدورًا، وانتقبن أهلةً وفحن عبيرًا والتفتن جآذرا
كأن الحزن مشغوفٌ بقلبي فساعة هجرها تجد الوصالا
مشغوف: أي ممتلىء، من شغفه الحب إذا ملأه. والهاء في هجرها للمحبوبة.
يقول: إنها كلما هجرتني واصلني الحزن، فكأنه عاشقٌ لقلبي، كما أعشقها، فلا يجد الحزن سبيلًا إلى قلبي إلا عند هجرانها، فمتى هجرتني واصلني الحزن والكمد.
كذا الدنيا على من كان قبلي صروفٌ لم يدمن عليه حالا
روى: يدمن فيكون حالًا منصوبًا به. وروى: يدمن. وحالًا: نصب على التمييز. أي لم تزل الدنيا على هذه الحال مذ كانت، لا تثبت صروفها على حالٍ واحد.
يقول: كما أنها لا تدوم لي على حالة واحدة، فكذلك كان حالها مع غيري من الناس الذين قبلي.
أشد الغم عندي في سرور تيقن عنه صاحبه انتقالا
وروى: أشد الغم في الدنيا سرور. والهاء في عنه: للسرور. وكذلك في صاحبه.
يقول: لا أغتر لسرور الدنيا؛ لعلمي بزوالها، فكل سرور يتيقن صاحبه زواله عنه، فهو أشد الغم عندي؛ لأن العاقل لا يفرح بما تئول عاقبته إلى الحزن والزوال.
ألفت ترحلي وجعلت أرضي قتودي والغريري الجلالا
القتود: خشب الرحل. والغريري: فحلٌ منسوب إلى غرير والجلال: مبالغة في الجليل، وهو عظيم الجسم.
يقول: ألفت الرحيل، وجعلت أرضي ظهر البعير، وخشب الرحل، لا أنقلب عنه لكثرة أسفاري وشدة ملازمتي له.
فما حاولت في أرضٍ مقامًا ولا أزمعت عن أرضٍ زوالا
أزمعت: أي عزمت.
يقول: ما أقمت في مكانٍ، لأني متنقل من أرض إلى أرض. ولا زلت عن أرض: أي عن ظهر البعير. الذي جعله كالأرض، يمسي ويصبح عليه، فإذا كان كذلك، فلم يقم عن الأرض الحقيقية، ولا زال عن الأرض المستعارة. وهي ظهر البعير.
وقيل: ليست هذه كناية عن إدامة السفر؛ لأنه إذا لم يقم في موضع، فلا يحتاج إلى الإزماع لزواله عنها ورحيله منها.
على قلقٍ كأن الريح تحتي أوجهها جنوبًا أو شمالا
روى: على قلق: أي أنا على الاضطراب، والتحرك. وروى: على قلقٍ. أي على بعير قلقٍ سريع السير. وروى: يمينًا أو شمالًا.
يقول: لم أزل أقلق في السير حتى كأني راكبٌ متن الريح، أصرفها كيف أشاء. مرة جنوبًا ومرة شمالًا، والشمال تأتي من شمالك إذا استقبلت القبلة والجنوب تقابلها.
إلى بدر بن عمار الذي لم يكن في غرة الشهر الهلالا
وروى: إلى البدر. ومثله من الأسماء، حسنٌ. والحسن والعباس. وحذف التنوين من عمار؛ لسكونها وسكون اللام الأولى من الذي. ويجوز أن يكون جعله اسمًا لقبيلةٍ فلم يصرفه.
يقول: لم أزل أتقلب في الأسفار حتى وصلت إلى بدر بن عمار، الذي لم يزل بدرًا كاملًا، ولم يكن هلالًا قط، وليس كالبدر الذي يكون ناقصًا في غرة الشهر، ثم يزيد إلى أن يكمل.
ولو يعظم لنقصٍ كان فيه ولم يزل الأمير ولن يزالا
يقول مؤكدًا للمعنى الذي ذكره في البيت الأول: أي لم يزل عظيمًا مذ كان، لا أنه كان ناقصًا ثم صار عظيمًا، ولم يزل أميرًا فيما مضى، ولا يزال أميرًا في المستقبل، ويجوز أن يكون دعاء.
بلا مثلٍ وإن أبصرت فيه لكل مغيبٍ حسنٍ مثالا
بلا مثل متعلق بقوله ولن يزالا: أي لم يزل أميرًا بلا مثل، ويجوز أن يكون خبرًا لمبتدأ محذوف، أي هو بلا مثل. يعني: أنه جمع كل فضيلة، فكل شيء حسن غائب، يوجد فيه نظيره ومثله وإن كان لا مثل ولا نظير له يجمع ما جمعه من الفضائل، فهو شبه كل شيء حسن.
حسامٌ لابن رائقٍ المرجى حسام المتقي أيام صالا
[ ١ / ١٢٢ ]
لابن رائق المرجى: في موضع الجر. ويجوز أن يكون صفة مستأنفة للممدوح في موضع الرفع، والأول أولى. وحسام المتقي: جر لأنه صفة لابن رائق وهو اسم جنس بمعنى صفة. وابن رائق: قائد كبير، كان للخليفة المتقي بالله، وكان ابن عمار من قبل ابن رائق.
والمعنى: أن ابن رائق سيف الخليفة، لما صال الخليفة على أعدائه وحارب بني اليزيد في البصرة، وكان بدر حسامًا لابن رائق: أي كان يعتمد عليه في حروبه، وكان يقتل به أعداءه.
سنانٌ في قناة بني معدٍ بني أسدٍ إذا دعوا النزالا
بني أسد: يجوز أن يكون منصوبًا بالنداء المضاف، ويجوز أن يكون بدلًا من قناة بني معد: أي في بني أسد الذين هم قناة بني معد. ويجوز أن يكون بدلًا من معد والتقدير: سنان في قناة بني أسد.
يقول: هو يقوم في الدفع عنهم مقام السنان في القناة يوم الحرب والمنازلة.
أعز مغالبٍ كفًا وسيفًا ومقدرةً ومحميةً وآلا
المغالب: الذي يغالبك وتغالبه. والمحمية والمقدرة: القبيلة والأتباع. وكفًا: نصب على التمييز، وعطف سيفًا عليه، وإن كان لا يقال: هو أعزهم سيفًا لأنه أضمر فيه قوله: وأمضاهم سيفًا. يعني: أنه أعز من كل من يغالبه فنفسه أعز، وسيفه أقطع، وحميته وقدرته أكثر وصفه بخمسة أوصاف.
وأشرف فاخرٍ نفسًا وقومًا وأكرم منتمٍ عمًا وخالا
الفاخر: صاحب الفخر، ويجوز أن يكون اسم الفاعل: من فخر يفخر. وروى: منتمٍ ومعتز ومعناهما واحد.
يقول: هو أشرف من فخر بنفسه وقومه، وأعمامه وأخواله أشرف من كل شريف. نفسًا وما عده نصب على التمييز.
يكون أحق إثناءٍ عليه على الدنيا وأهليها محالا
يقول: إن أحق ما يستحقه من الثناء، محال أن يثنى به على الدنيا، وجميع من فيها؛ لأنه أفضل من جميع أهل الأرض، فثناؤه لا يستحقه أهل الدنيا.
ويبقى ضعف ما قد قيل فيه إذا لم يترك أحدٌ مقالا
يترك ويترك: بمعنى واحد، وهو افتعل من الترك. وضعف الشيء: مثله مرتين.
يقول: إذا أثنى عليه الناس، ولم يتركوا مقالًا؛ بقي من أوصافه، ضعف ما وصفوا به.
فيابن الطاعنين بكل لدنٍ مواضع يشتكي البطل السعالا
اللدن: الرمح اللين. ومواضع: قيل إنه نصب بالطاعنين، فهو مفعول به. وقيل: نصب على الظرف. وتقديره: مواضع يشتكي فيها البطل السعال.
المعنى على الأول يقول: يابن الطاعنين صدور الشجعان. وهي المواضع التي يخرج منها السعال، فهي مواضع شكاية السعال.
وعلى الثاني: أنهم يطعنون في المواضع التي لا يقد الشجاع أن يسعل فيها؛ من ضيقها وشدتها.
ويابن الضاربين بكل عضبٍ من العرب الأسافل والقلالا
يقول: يابن الذين يضربون بكل سيف قاطع، أسافل العرب وقلالها. أراد بالأسافل: الأرجل. وبالقلال: الرءوس: وقيل: أراد بالقلال. رؤساء العرب وبالأسافل. الأتباع. وقيل: القلال: العرب الذين يسكنون الجبال. والأسافل: سكان السهول.
أرى المتشاعرين غروا بذمي ومن ذا يحمد الداء العضالا؟!
المتشاعر: الذي يتكلف قول الشعر، وغرو: أي أولعوا. والداء العضال: الذي لا دواء له.
يعني: أرى المتشبهين بالشعراء وليسوا منهم قد أولعوا بذمي، وطعنوا في، وحسدوا منزلتي عندك، وأنا أعذرهم لأني الداء الذي لا دواء له، لأني أبدًا أغيظهم، فلابد لهم من أن يذموني.
ومن يك ذا فمٍ مرٍّ مريضٍ يجد مرًا به الماء الزلالا
يقول: من يعيبني؛ إنما يعيبني للنقص الذي فيه، كما أن المريض يجد الماء العذب مرًا؛ لأنه في فيه لاقى الماء، فكذلك ليس في شعري ولا في فضائلي مطعن، فمن طعن فلنقص فيه.
وقالوا: هل يبلغك الثريا؟ فقلت: نعم، إذا شئت استفالا
الثريا: من الأسماء التي لا تجيء إلا مصغرة، مثل الحميا والحديا والكميت. والاستفال: الانحطاط. وقالوا: الضمير يرجع إلى المتشاعرين، ويجوز أن يرجع إلى الناس، ويكون البيت مستأنفًا.
يقول: إنهم يقولون: أتطمع أن يبلغك الثريا؟ فقلت لهم: قد بلغني فوق الثريا، فإذا شئت أن يحطني عن المحل الذي أنا عليه، يبلغني الثريا في الانحطاط، لا في الارتفاع.
هو المفني المذاكي والأعادي وبيض الهند والسمر الطوالا
[ ١ / ١٢٣ ]
المذاكى: جمع المذكى، وهو الفرس الذي أتي عليه بعد أن يقرح سنه. وسكن الياء من الأعادي وأصلها الفتح.
يقول: إنه يفنى الخيل بالركض في حروب الأعداء بالقتل، والسيوف والرماح بضرب وطعن. يصفه بغاية الشجاعة.
وقائدها مسومةً خفافًا على حيٍّ تصبحه ثقالا
قائدها: أي قائد المذاكى. والمسومة. المعلمة: من السمة. ومسومة وخفافًا وثقالًا: نصب على الحال. والتاء في تصبحه: للمذاكى.
يقول: هو يغير على أعدائه بخيل توافيهم صباحًا، وهي وإن كانت خفافًا في أنفسها سريعة السير فإنها ثقالًا على أعدائه؛ لأنها تهلكهم وتغير عليهم.
جوائل بالقنى مثقفاتٍ كأن على عواملهما الذبالا
الجوائل: جمع جائلة، ونصبها على الحال من المذاكى. والقنى: جمع القناة ومثقفات: نصب على الحال من القنى.
وعامل الرمح: قدر ذراعين من أعلاه. والذبال: جمع ذبالة، وهي الفتيلة، شبه أسنة الرماح بقناديل وسرج مشعلة لصفائها وبريقها.
إذا وطئت بأيديها صخورًا بقين لوطء أرجلها، رمالا
يصف شدة وطء الخيل، وأنها إذا وطئت بأيديها الصخور الصلبة سحقتها، حتى تصير رملًا، فلا تصل أرجلها إلى موضع الأيدي، إلا وقد صارت رمالا.
جواب مسائلي: أله نظيرٌ؟ ولا لك في سؤالك لا، ألا، لا
يقول: من سألني قائلًا: هل لهذا الرجل نظير؟ فجوابي له: لا، ولا لك نظير في سؤالك هذا؛ لأن كل أحد يعلم أنه لا نظير له. ثم افتتح الكلام بقوله: ألا وكرر لا تأكيدًا للرد. فكأنه قال: لا لا، كقولك وقد سألك إنسان هل زيد قائم؟ فتقول: لا لا. وفيه تقديم المعطوف على المعطوف عليه وذلك لا يجوز إلا عند الضرورة كقول القائل:
ألا يا نخلة من ذات عرقٍ عليك ورحمة الله السلام
لقد أمنت بك الإعدام نفسٌ تعد رجاءها إياك مالا
وقد وجلت قلوبٌ منك حتى غدت أوجالها فيها وجالا
يقول: كل نفسٍ جعلت مالها رجاءها إياك، فقد أمنت من الفقر؛ لأنك تحقق رجاءها، فكأنه مال له حاصل والأوجال: جمع وجل، وهو الخوف. والوجال: جمع الوجل، وهو الخائف. والهاء في أوجالها وفيها للقلوب.
يقول: قد خافت قلوب الأعداء منك، حتى صار الخوف الذي في قلوبهم خائفًا منك، فتعدى الخوف من قلوبهم إلى نفس الخوف! وقيل: الوجال: جمع الوجل الذي هو الخوف، وهو للتكثير. والأوجال للتقليل. يعني صار قليل وجلهم كثيرًا.
سرورك أن تسر الناس طرًا تعلمهم عليك به الدلالا
الدلال والدل: الشكل والغنج.
يقول: إنك لا تسر إلا بأن توصل السرور إلى الناس كلهم، لتعلمهم كيف يتدللون عليك؛ لأنهم إذا علموا أنك تسر بالإحسان إليهم تدللوا عليك بقبول هباتك وسألوك ما لا يستحقونه منك.
إذا سألوا شكرتهم عليه وإن سكتوا سألتهم السؤالا
يقول: إذا سألوك شكرتهم على سؤالهم إياك؛ لحبك العطاء. وإن سكتوا عن سؤال سألتهم أن يسألوك؛ لأنك تلتذ بنغمات سؤالهم، وتحب أن تشكرهم على سؤالهم، فتشتهي أن تكون أبدًا شاكرًا للسؤال.
وأسعد من رأينا مستميحٌ ينيل المستماح بأن ينالا
المستميح: طالب العطاء. والمستماح: المطلوب منه العطاء. والإنالة: الإعطاء. والنيل. الأخذ.
يقول: أسعد من رأينا من الناس، هو الطالب يعطي المطلوب منه؛ بأن يأخذ منه العطاء، وليس كذلك إلا سؤالك؛ لأنهم يأخذون من مالك ما يريدون، ويمنون عليك بما يأخذونه منك.
يفارق سهمك الرجل الملاقي فراق القوس ما لاقى الرجالا
يقول: إن سهمك إذا لقي رجلًا نفذ منه وفارقه، كما يخرج من القوس من شدة قوته، ولا يزال يمضي كذلك ما دام يلقى الرجال، واحدًا بعد واحد. فقوله: مالاقى الرجالا في موضع النصب على الظرف: أي مدة ملاقاة الرجال وقيل: إن ما للنفي ومعناه. أن سهمه يفارق ما لاقاه فراقه القوس، كما لم يلق شيئًا، ولم يصب أحدًا، فيكون أبلغ في القوة.
فما تقف السهام على قرارٍ كأن الريش يطلب النصالا
يقول: إن السهام تتجاوز المرمى إلى غيره، فلا تقف على قرار، فكأن الريش يطلب النصل ويطردها وهي تفر منه وهو يطلبها
سبقت السابقين فما تجاري وجاوزت العلو فما تعالي
المجاراة: المغالبة في الجري. والمعالاة: من العلو.
[ ١ / ١٢٤ ]
يقول: سبقت بالفضل كل سابق، فما يجاريك أحد؛ لعلمه بالقصور عنك. وجاوزت في العلو والقدر غاية لا يمكن لأحد أن يباريك في العلو والارتفاع، ويغلبك فيه.
وأقسم لو صلحت يمين شيءٍ لما صلح العباد له شمالا
وروى: الأنام بدل العباد.
يقول: إنك تقوم مقام الخلق كلهم وتزيد عليهم، وهم لا يقدرون على الاستقلال بما تقدر عليه وحدك؛ فضرب اليمين مثلًا للقوة والأمر العظيم الذي يحتاج فيه إلى فضل القوة، وضرب الشمال مثلًا للضعف وما لا يحتاج فيه إلى فضل القوة.
أقلب منك طرفي في سماءٍ وإن طلعت كواكبها خصالا
خصالا: نصب على الحال. شبهه بالسماء، وخصاله بالكواكب.
يقول: أنا أنظر منك إلى سماء من المجد، ونجوم: الخصال الجميلة.
وأعجب منك كيف قدرت تنشا وقد أعطيت في المهد الكمالا!
يقول: أعجب منك! كيف قدرت على أن تزيد وتنشأ شيئًا بعد شيىء، وأنت قد حويت الكمال في المهد! وهو من قوله تعالى: " وآتيناه الحكم صبيًا " " قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا ".
وقال فيه ارتجالًا يمدحه. وهو على الشراب وقد صفت الفاكهة والنرجس.
إنما بدر ابن عمارٍ سحابٌ هطلٌ فيه ثوابٌ وعقاب
هطل: أي كثير المطر.
يقول: إن الممدوح كالسحاب الهطل، فيه شرٌّ لأعدائه وخير لأوليائه، كالسحاب الذي يرجي مطره وتخشى صواعقه.
إنما بدرٌ رزايا وعطايا ومنايا وطعانٌ وضراب
معناه: أنه ذو رزايا إلى آخره. وصفه بهذه الأشياء مبالغة، من حيث أن هذه الأوصاف لما كثرت منه كأنه خلق منها، كما تقول لمن كثر منه الأكل والشرب: أنت أكلٌ وشربٌ فلما كثر منه ما ذكر صار كأنه خلق منها.
ما يجيل الطرف إلا حمدته جهدها الأيدي وذمته الرقاب
نصب جهدها، لأنه مصدر أقيم مقام الحال: أي حمدته جاهدة جهدها. ويروى: الطرف بكسر الطاء: وهو الفرس الكريم. يعني: ما يجيل فرسه في الحرب إلا حمدته الأيدي أي أيدي جيشه ورجاله؛ لأنه يكفيها ألم الطعن والضرب والرمي، وتولى هو بنفسه ضراب أعدائه.
وقيل: أراد حمدته الأيدي في تلك الحال على بذله الأموال ونشره النوال. وتذمه الرقاب: أي تذمه رقاب أعدائه، لأنه يقطها. ومعناه أنه لا يتغير. وأراد بذلك: أن الحرب لا يشغله عن الجود. ومثله قوله:
فواهبٌ والرماح تشجره وطاعنٌ والهبات متصله
وقد يروى: ما يجيل الطرف بفتح الطاء: أي أنه في كل لمحة يجيل طرفه فينعم على قوم ويضرب رقاب قوم، فالأيدي تحمده على العطاء والرقاب تذمه على قطعها.
ما به قتل أعاديه ولكن يتقي إخلاف ما ترجو الذئاب
يقول: إنه ليس يقتل أعداءه خوفًا منهم، وما به حاجة إلى قتلهم؛ لأنهم عجزوا عنه، ولكنه عود إنالة جوده وعطائه كل شيء، حتى الذئاب، فإن عز إطعام لحوم القتلى، فيكره إخلاف ما عوده؛ لألأ يخيب رجاء الذئاب ومثله قوله:
سفك الدماء بجوده لا بأسه كرمًا لأن الطير بعض عياله
فله هيبة من لا يترجى وله جود مرجىً لا يهاب
لا يترجى: أي لا يرجى.
يقول: إنه عظيم الهيبة واسع الجود، فمن يهابه لا يرجو عفوه، لشدة سطوته وعظم هيبته، ومن يرجوه لا يخاف سطوته لسبق جوده وعظم كرمه؛ لأنه يضع كلًا موضعه، فالمسيء لا يرجو رضاه والمحسن لا يخاف سخطه.
طاعن الفرسان في الأحداق شزرًا وعجاج الحرب للشمس نقاب
شزرًا: أي يمينًا وشمالًا، وقيل: هو الذي أريد به أعلى الصدر.
يقول: هو يطعن الفرسان في أحداقهم حين تشتد الحرب ويرتفع الغبار، وتصير الشمس من كثرة الغبار مستترة، فكأن الغبار نقاب للشمس.
وتخصيص الأحداق بالطعن؛ بيان لحذقه بالطعن، وثبات قلبه، وأنه يهتدي في مثل هذا الخوف والظلمة إلى الأحداق، أو إشارة إلى أن سائر الأبدان مغطاة بالسلاح، سوى الأحداق.
باعث النفس على الهول الذي ما لنفسٍ وقعت فيه إياب
الهاء في فيه: للهول.
يقول: إنه يطرح نفسه ويحملها على أمر مهول، بحيث أن من وقع فيه لم يسلم منه، ولا ترجع نفس وقعت في ل الأمر المهول. يصفه بالشجاعة والإقدام ومثله قوله:
وأورد نفسي والمهند في يدي موارد لا يصدرن من لا يجالد
بأبي ريحك لا نرجسًا ذا وأحاديثك لا هذا الشراب
[ ١ / ١٢٥ ]
يقول: أفدي بأبي ريحك، لا هذا النرجس، لأن ريحك أطيب من ريحه، وأفدي بأبي أحاديثك لا هذا الشراب؛ لأن حديثك ألذ من الشراب فهما أحب إلينا من هذا النرجس وهذا الشراب أيضًا.
ليس بالمنكر أن برزت سبقًا غير مدفوعٍ عن السبق العراب
أن برزت: في موضع الرفع؛ لأنه اسم ليس، ومعناه: أن سبقت. وقوله: سبقًا نصب على التمييز، ويجوز أن يكون نصبًا على المصدر، ومعناه: أن سبقت سبقًا.
يقول: ليس من العجب أن تسبق الكرام وتبرز عليهم في مجدك، كما أنه ليس بمنكر أن تسبق الخيل العراب غيرها، وإنما لم يقل: غير مدفوعة مع تأنيث الخيل؛ لأنه في معنى يدفع، والفعل إذا قدم على جماعة المؤنث يجوز فيه التذكير والتأنيث، فهذا وإن كان اسمًا فهو حمله على الفعل وشبهه به، وقيل: أراد بالعراب: الجنس كأنه قال: جنس غير مدفوع.
وهذه الأبيات من بحر الرمل وأصله فاعلاتن ست مرات، وهو قد جاء بها على الأصل، ولم يسمع من العرب إلا محذوف العروض: وهو أن يحذف من الجزء الثالث سبب وهو تن فيبقى فاعلًا ويحول إلى مثل وزنه فيصير فاعلن.
وعذره أنه صرع الأبيات من غير إعادة القافية، وأيضًا فإنه اعتبر الأصل، لأنه أصل دائرة الرمل، فأتى بها على الأصل؛ ليعلم أن أصلها ذلك. وأما البيت الأول فلا إشكال فيه لأنه مصرع مقفى.
يصف الأسد وقتال بدر إباه وخرج بدر بن عمارٍ إلى أسدٍ، فهرب الأسد منه! وكان خرج قبله إلى أسد آخر فهاجه عن بقرةٍ افترسها، بعد أن شبع وثقل، فوثب على كفل فرسه، فأعجله عن استلال سيفه، فضربه بسوطه، ودار الجيش به فقتل. فقال أبو الطيب:
في الخد أن عزم الخليط رحيلا مطرٌ تزيد به الخدود محولا
أن في قوله: أن عزم الخليط مفتوحة الألف، ويكون الفعل بعدها مصدرًا. ومعناه: لأن عزم. أو لأجل أن عزم ومثله: " أن كان ذا مالٍ " ويجوز كسرها، فتكون شرطًا وجوابه محذوف. أو إن عزم الخليط رحيلا: أي عزم على الرحيل، فحذف الجار كقول عنترة.
ولقد أبيت على الطوى وأظله
أي أظل عليه. ومحولا: يجوز أن يكون مصدرًا، ويجوز أن يكون جمع محل مثل كعب وكعوب. والخليط: المخالط، ويقع على الواحد والجمع.
والمعنى: إن في خدي من أجل فراق أحبائي، دمعًا متقاطرًا كالمطر في التقاطر والسيلان، ولكنه يخالف المطر في الفعل؛ لأن المطر يخصب المحول وينبت البقول، ودمعي يجري على خدي الناضر، فيبطل نضرته ويغير حسنه ويزيد ذبوله. وهو المراد بالمحول.
يا نظرةً نفت الرقاد وغادرت في حد قلبي ما حييت فلولا
نصب نظرةً؛ لأنها منادى نكرة. ومعناه: التعجب كقوله تعالى: " يا حسرةً على العباد " وفلول: جمع فل، وهو الأثر في الحد، من السكين وغيره.
يقول: يا نظرة عند الوداع ما أعظمها! فإنها نفت الرقاد عني، وغادرت في قلبي أثرًا لا يندمل ما دمت حيا.
كانت من الكحلاء سؤلي إنما أجلي تمثل في فؤادي سولا
كانت: راجعة إلى النظرة. والكحلاء: يجوز أن يكون من التكحل، ويجوز أن يكون من الكحل: الذي هو خلقة.
يقول: كانت تلك النظرة من هذه الجارية الكحلاء سؤلي وأمنيتي، فلما نظرت إليها كانت تلك النظرة أجلًا لي في الحقيقة لا سؤلا! وترك الهمزة من سولًا، لأن الواو ردف فلا يجوز غير ذلك.
أجد الجفاء على سواك مروءةً والصبر إلا في نواك جميلا
المصراع الأول له معنيان: أحدهما: أن من المروءة ترك جفائك، إلا على غيرك. فقد أمنت جفاءك لأنني لا أراه مروءة وليس ترك المروءة من عادتي، فلا أجفوك أبدًا.
والثاني: أن جفاء الناس إياي، على سواك لا أحتمله لأن احتماله ليس من المروءة، فإذا كان احتماله من المروءة لأجلك، فاحتمال الصبر في كل حادثة جميل، إلا في بعدك وهجرك، فإنه قبيح.
فأول البيت مأخوذ من قول أبي عبادة البحتري:
ألام على هواك، وليس عدلًا إذا أحببت مثلك أن ألاما
وآخره من قول الآخر:
والصبر يحسن في المواطن كلها إلا عليك فإنه مذموم
وأرى تدللك الكثر محببًا وأرى قليل تدلل مملولا
التدلل: الدلال والغنج.
يقول: إن الدلال الكثير منك محبب، وأنا أمل القليل من غيرك ومثله:
ويقبح من سواك الفعل عندي فتفعله فيحسن منك ذاكا
[ ١ / ١٢٦ ]
تشكو روادفك المطية فوقها شكوى التي وجدت هواك دخيلا
الروادف: جمع ردف، وأقامه مقام الواحد، كأنه جعل ناحية من عجزها ردفًا؛ لأنه أراد المبالغة في الثقل، أو أراد: الردف والأفخاذ.
يقول: تشكو المطية التي ركبتها ثقل ردفها وعجزها عن حملها، كما تشكو النفس التي يدخلها عشقك. والتأنيث: للنفس المضمرة، ويجوز أن يكون أتبع التأنيث المطية.
ويغيرني جذب الذمام لقلبها فمها إليك كطالبٍ تقبيلا
يغيرني: أي يحملن على الغيرة. والهاء في قلبها وفمها: للمطية وروى: لعطفها. والقلب: مصدر قلبت. وفمها: نصب بالمصدر. قيل: بالجذب. وقيل: بالقلب.
يقول: متى جذبت هذه المطية زمامها وقلبت رأسها مع الزمام: حملني ذلك على الغيرة؛ لأنها تتصور بصورة من يطلب تقبيلك.
حدق الحسان من الغواني هجن لي يوم الفراق صبابةً وغليلا
يقول: لما نظرت يوم الفراق إلى الجواري الحسان، وتأملت حسن عيونهن هيجت لي أحداقهن رقة الشوق وحرارة القلب.
حدقٌ يذم من القواتل غيرها بدر بن عمار بن إسماعيلا
يذم: أي يحفظ. كأنه يدخله في ذمته وجواره، وفاعله: بدر.
يقول: إن بدرًا يمنع كل من استجار به من كل من يريد قتله، سوى من هذه الحدق، فإنه لا يقدر على منعها ومثله قوله:
وقي الأمير هوى العيون؛ فإنه ما لا يزول ببأسه وسخائه
الفارج الكرب العظام بمثلها والتارك الملك العزيز ذليلا
يقول: هو يكشف الأمور العظام، ويدفعها بمثلها من الأمور العظام؛ لأنه لا يزيل الكربة عن الصديق إلا بإلحاق كربةٍ مثلها بعدوه، وكذلك يترك الملك العزيز ذليلًا، لا يمكنه دفع ذلك عن نفسه ومثله قوله:
وكم ذدت عنهم ردىً بالردى وكشفت من كربٍ بالكرب
محكٌ إذا مطل الغريم بدينه جعل الحسام بما أراد كفيلا
محكٌ: أي لجوج في الخصومة. وأراد بالغريم: قرنه وبالدين: روحه.
يقول: إنه لجوج، فإذا أنال قرنًا، أو طالب بدم، أو طلب ما يريد طلبه، جعل سيفه ضامنًا لها حتى يؤديه إليه. أي أنه لا يحتاج لأخذه إلى الكفيل، بل يأخذه بسيفه؛ لقدرته وتمكنه.
نطقٌ إذا حط الكلام لثامه أعطى بمنطقه القلوب عقولا
نطقٌ: أي جيد النطق. واللثام: ما يديره الرجل من طرف عمامته على الفم، فإذا رفعه إلى الأنف لئام. وقوله: إذا حط الكلام لثامه. أي حطه ليتكلم؛ فأسند الفعل إلى سببه.
يقول: هو فصيح بليغ، فإذا حدر لثامه ليتلكم، أفاد الناس عقولًا بما ينطق من الحكم والمواعظ والأمثال.
أعدى الزمان سخاؤه فسخا به ولقد يكون به الزمان بخيلا
العدوى: تعدي الداء إلى ما يقاربه. والمعنى أن سخاءه أعدى إلى الزمان السخاء، فسخا به الزمان علي، وجمع بينه وبيني، وقد كان الزمان يبخل به علي فيما مضى، فلولا سخاؤه لكان لا يسخو الزمان به علي.
وقال ابن جنى: معناه أن الزمان تعلم من سخائه، فسخا بهذا الممدوح وأخرجه من القدم إلى الوجود، ولولا سخاؤه لبخل هذا الزمان به على الناس، فاستخلصه لنفسه، فهو إن كان في حال العدم لم يكن سخيًا، حتى يعدى الناس سخاؤه على الزمان. ويجوز أن يوصف بذلك على معنى: أن الزمان لما علم ما يكون فيه من السخاء إذا وجد، استفاد منه ما تصور كونه بعد وجوده، ولولا علمه به لبقي بخيلًا. والشيء إذا تحقق كونه أجري عليه من أوصاف الموجود كقوله تعالى: " ونادى أصحاب الجنة ".
وكأن برقًا في متون غمامةٍ هنديه في كفه مسلولا
هندية: رفع لأنه خبر كأن. ومسلولًا: نصب على الحال. والهاء في هنديه: للممدوح. شبه سيفه بالبرق للمعه، وكفه بالغمامة لجودها وكرمها.
ومحل قائمه يسيل مواهبًا لو كن سيلًا ما وجدن مسيلا
الهاء في قائمه: للهندي. ومحله: كفه. ومواهبًا: نصب على التمييز. وكن: يرجع إلى المواهب.
يقول: إن المحل قائم سيفه. وهو كفه. تسيل مواهبًا، ولو كانت تلك المواهب سيلًا لعمت الأرض فلم تجد مكانًا تسيل فيه، وجعل الكف تسيل بالمواهب لكونها آلة العطاء في الغالب.
رقت مضاربه فهن كأنما يبدين من عشق الرقاب نحولا
يقول: إن مضارب سيفه رقت، فكأنها عشقت الرقاب فنحل جسمها، ولهذا كان العشق يورث النحول. والمضارب: جمع المضرب، وهو حد السيف.
[ ١ / ١٢٧ ]
أمعفر الليث الهزبر بسوطه لمن ادخرت الصارم المصقولا
المعفر: من عفرته، إذا ألقيته على العفر: وهو التراب. والهزبر. من أسماء الأسد. فكأنه وصفه بشدة الصوت.
يقول: يا من يعفر الأسد بشديد صوته! لمن ادخرت سيفك المصقول! أي لا تدخره؛ فإنك لا تحتاج إليه، لأن السوط إذا كفاك معركة الأسد مع أنه لا يقاومه أحد واستغنيت عن السيف، فإنك لا تحتاج إليه، ولا إلى أحد، لأن كل شجاع دون الأسد.
وقعت على الأردن منه بليةٌ نضدت بها هام الرفاق تلولا
يروى: وقعت، ووقفت: والأردن: نهر بأرض الشام، وتنسب إليه تلك البلد. ونضدت: أي جعلت بعضها فوق بعض. والرفاق: جمع رفقة، وهم قوم يجتمعون للسفر. والكناية في نضدت: للبلية. والهاء في منه: لليث. وفي بها: للأردن، وأراد بها البقعة.
يقول: حصلت من هذا الأسد بلية من البلايا، نضدت في هذه البلدة هامات أهل الرفقة تلولا، من كثرة ما افترسم ن الناس.
وردٌ إذا ورد البحيرة شاربًا ورد الفرات زئيره والنيلا
وردٌ: اسم للأسد، إذا كان يضرب لونه إلى الحمرة. والبحيرة: بحيرة طبرية، وهي من الأردن، وبينها وبين الفرات أكث من عشرة أيام، وكذلك بينها وبين النيل. وشاربًا: نصب على الحال. والزئير: صوت الأسد. والفرات: نهر يجري من بلاد الروم، ويمر في حدود الشام من قبل المشرق.
يقول: إنه إذا ورد البحيرة ليشرب منها سمع زئيره من الفرات إلى النيل مع بعد المسافة.
متخضبٌ بدم الفوارس لابسٌ في غيله من لبدتيه غيلا
الغيل: الأجمة. ولبدة الأسد: ما تلبد على كتفه ومنكبيه من وبره.
يقول: إنه مختضب من دماء الفوارس، لكثرة ما افترسهم. وخصهم بالذكر؛ لأنهم أمنع من غيرهم، وأنه من كثرة وبره، كأنه كان لابس أجمةٍ، فهو من وبره في أجمة.
ما قوبلت عيناه إلا ظنتا تحت الدجى نار الفريق حلولا
الفريق: الجماعة من الناس. وحلولا: أي حالين، وهو نصب على الحال من الفريق، وإن شئت على القطع.
يقول: إذا قابل إنسانٌ عينه في الظلمة، ظن أنها نار قوم نازلين في مفازة، وهذه النار يكون ضوءها أضوأ وأظهر من السراج. شبه بريق عينه بهذه النار.
في وحدة الرهبان إلا أنه لا يعرف التحريم والتحليلا
يقول: إن هذا الأسد منفرد في أجمة عن الناس، كالرهبان الذين ينفردون عن الناس، غير أنه لا يعرف التحريم والتحليل وهم يعرفون ذلك.
يطأ الثرى مترفقًا من تيهه فكأنه آسٍ يجس عليلا
الثرى، والبرى: مرويان، وهما التراب. والتيه: الكبر.
يقول: إنه يمشي على التراب، بالرفق لا بالكبر، فكأنه طبيب يجس عليلًا؛ لأنه إذا جس العليل ترفق.
ويرد عفرته إلى يافوخه حتى تصير لرأسه إكليلا
عفرة الأسد: الشعر المستدير على رقبته. واليافوخ: قحف الرأس. يعني: أنه ينفش وبره حتى يصير شعر رقبته على رأسه، مثل الإكليل؛ لكثرته واستدارته.
وتظنه مما يزمجر نفسه عنها بشدة غيظة مشغولا
الزمجرة: ترديد الصوت في الصدر. والهاء في عنها: للنفس. وتقديره مشغولًا عنها. وتظنه: يتعدى إلى مفعولين: أحدهما: الهاء في تظنه، ونفسه بدل عنها. والثاني: مشغولا.
يقول: تظن هذا الأسد مشغولًا عن نفسه بشدة غيظه، من كثرة ما يزمجر. أي تدل كثرة زمجرته على اشتغاله عن نفسه بغيظه. وروى: تزمجر بالتاء. ونفسه: بالرفع، على أن تكون نفسه فاعلة تزمجر.
قصرت مخافته الخطى فكأنما ركب الكمي جواده مشكولا
قصرت: أي جعلت الخطى قصيرة. والفاعل: المخافة، والمفعول: الخطي. والكمي: الشجاع المتكمي بالسلاح. والمشكول: المشدود بالشكال.
يقول: لما خاف الكمي منه، ركب فرسه، فهو يهيجه للإقدام جرأة، والفرس يحجم عنه خوفًا منه، فكأنه ركب فرسه مشكولًا. فشبه تقارب خطوه بالقيد. وقيل: أراد من خوف هذا السبع، لا يجسر الفرس أن يجري، فكأن خوفه صار قيدًا.
ألقى فريسته وبربر دونها وقربت قربًا خاله تطفيلا
البربرة: ترجيع الصوت. والتطفيل: الدخول على القوم وهم يأكلون من غير دعوة.
يقول: ظن الأسد حين علم أنك أسد مثله، أنك أردت التطفيل عليه في فريسته، فألقاها وبربر دونها، ذبًا عنها، فوثب عليك.
فتشابه الخلقان في إقدامه وتخالفا في بذلك المأكولا
[ ١ / ١٢٨ ]
يقول: تشابه الخلقان؛ منك ومن الأسد في الإقدام، واختلفا في بذل المطاعم، فإنك تبذل مأكولك، وهو يضن به ويذب عنه.
أسدٌ يرى عضويه فيك كليهما متنًا أزل وساعدًا مفتولا
المتن: الصلب. والأزل: الأرسخ الممسوح العجز. والمفتول: القوي المكلم.
يقول: رأى الأسد فيك متنه الأزل، وساعده المفتول، وذلك من علم الشجاع البطل.
في سرج ظامئة الفصوص طمرةٍ يأبى تفردها لها التمثيلا
الظامئة: قليلة اللحم. والفصوص: المفاصل، واحدها فص. والطمرة: الوثابة، وقيل: المرتفعة الشاخصة.
يقول: نظر إليك الأسد وأنت على فرس لطيفة الأوصال، يأبى تفرد هذا الفرس بالكمال، أن يكون له مثل، وقيل: أراد لا يحتاج صاحبه معه إلى فرس آخر.
نيالة الطلبات لولا أنها تعطي مكان لجامها ما نيلا
يقول: إنها تدرك كل ما تطلبه وهي طويلة العنق، فلولا أنها تمكن ملجمها من رأسها ما وصل إليها، وقيل: إنه وصف صعوبتها. أي لولا أنها تحط رأسها للجام، لما كان ينال رأسها أحد، لكنها مكنت من نفسها ملجمها فأمكن إلجامها لذلك.
تندى سوالفها إذا استحضرتها وتظن عقد عنانها محلولا
السوالف: صفحات العنق. وتندى: أي تبتل من العرق، وذلك من أمارات العنق. والاستحضار: طلب الحضر.
يقول: من ازدياد جريها؛ عرقت سوالفها. وقوله: وتظن عقد عنانها محلولا: أي أنها تدخل في العنان وتدني صدرها، فيتسع العنان في يد فارسها، فكأنه محلول.
ما زال يجمع نفسه في زوره حتى حسبت العرض منه الطولا
الزور: أعلى الصدر، عاد إلى وصف الأسد.
يقول: ما زال يجمع نفسه في صدره للوثبة، حتى حسبت عرضه، طولًا. وقيل: أراد أن الفرس إذا أراد الوثوب ضم نفسه إلى صدره.
ويدق بالصدر الحجار كأنه يبغي إلى ما في الحضيض سبيلا
الحجار: كالحجارة، وأراد بالحضيض: هاهنا أسفل الأرض.
يقول: إن المذكور قبله ما زال يدق الحجارة بصدره عند وثوبه، حتى كأنه يريد أن يشقها ويغوص فيها.
وكأنه غرته عينٌ فادني لا يبصر الخطب الجليل جليلا
ادنى: افتعل من الدنو: أي دنا.
يقول: كأن الأسد غرته عينه حين رآك إنسانًا كسائر الناس فدنا إليك، ولم يعلم أنك أسد، ولو علم بأسك لم يجرء عليك، فلما لم يعلم ذلك، رأى الإقدام عليك خطبًا حقيرًا.
أنف الكريم من الدنية تاركٌ في عينه العدد الكثير قليلا
الأنف والأنفة: بمعنىً. والدنية: النقيصة. وهذا مثل. وأراد: أن الأسد أنف من الفرار فأقدم عليك، كما أن الكريم يطرح نفسه على العدد الكثير ويرى ذلك الكثير قليلًا لعلو همته. فكذلك الأسد أقدم عليك مخافة الأنفة.
والعار مضاضٌ، وليس بخائفٍ من حتفه من خاف مما قيلا
مضاض: أي مؤلم، وهذا أيضًا مثل.
يقول: من أنف من العار لم يخف حتفه؛ لأنه يرى حتفه أسهل عليه من مقال الناس فيه.
سبق التقاءكه بوثبة هاجم لو لم تصادمه لجازك ميلا
عدى الالتقاء إلى الكاف وهو لا يتعدى إلا بالواو أو مع.
يقول: لما رآك تقرب منه سبقك بوثبة هاجم، فلولا أنك صادمته لجازك ميلًا؛ لشدة وثبه. فضله على الأسد.
خذلته قوته وقد كافحته فاستنصر التسليم والتجديلا
المكافحة: المواجهة. والتجديل. السقوط على الجدالة: وهي الأرض.
يقول: لولا قوته لما قتلته؛ لأنه لقوته أقدم عليك، فلما واجهته بقوتك خذلته وخذلت قوته، حتى استنصر التسليم، فانقاد لك واختار السقوط على الأرض.
قبضت منيته يديه وعنقه فكأنما صادفته مغلولا
يقول: إن أجله قبض يديه وعنقه لك، فكأنه كان مغلولًا قبل أن تلحقه، فصادفته مغلولًا لما لم يمكنه المدافعة.
سمع ابن عمته به وبحاله فنجا يهرول منك أمس مهولا
نجا: أسرع المشي. والهرولة: اضطراب العدو. والمهول: الذي قد هاله أمر.
يقول: إن ابن عمة هذا الأسد وهو أسدٌ مثله سمع بحال الأول، وقتلك إياه، فلما ركبت إليه فر منك مسرعًا، خوفًا أن تقتله كما قتلت الأول.
وأمر مما فر منه فراره وكقتله ألا يموت قتيلا
أمر: أي أشد مرارة.
[ ١ / ١٢٩ ]
يقول: فراره أشد مرارة من القتل الذي فر منه. وسلامته من القتل بالهرب. يقوم له مقام القتل؛ لأنه يعيش ذليلًا مهينًا والموت في العز خيرٌ من العيش في الذل وقيل: أراد أن قتله للأسد أكرم له، فكأن الموت أولى له لأنه كان معززًا.
تلف الذي اتخذ الجراءة خلةً وعظ الذي اتخذ الفرار خليلا
الجرأة، والجراءة، والجسارة: الإقدام على الشيء. والخلة: الصداقة، وهو ها هنا يحتمل المصدر.
يقول: إن هلاك الأسد الذي اختار الجرأة والإقدام عليك، وعظ الأسد الآخر الذي فر منك، فخاف إن ثبت لك أن تقتله كما قتلت الأول. وقد روى: وعظ على المصدر، وهو خبر الابتداء.
لو كان علمك بالإله مقسمًا في الناس ما بعث الإله رسولا
يقول: لو كانت معرفتك بالإله وصفاته وعدله مقسومة بين الناس، لكانوا كلهم عارفين بالله، وما احتاجوا إلى رسول يدعوهم إلى أمور دينهم.
لو كان لفظك فيهم ما أنزل ال فرقان والتوراة والإنجيلا
يقول: إن كلامك كله حكمٌ ومواعظ، ومختص بغاية الفصاحة، فلو كان موجودًا من قبل ما أنزل الله الكتب المذكورة لقام كلامك مقامها.
لو كان ما تعطيهم من قبل أن تعطيهم لم يعرفوا التأميلا
أي لو كانت الأموال التي تعطيهم الآن، كانت لهم قبل عطائك لكانوا أغنياء لم يعرفوا التأميل ولم يوملوا أحدًا. وقيل: أراد لولا عطاؤك لما عرف الناس التأميل، ولكن لما أعطيتهم أطمعتهم بعطاياك فعرفوا التأميل. والأول أولى.
فلقد عرفت وما عرفت حقيقةً ولقد جهلت، وما جهلت خمولا
يقول: كل أحد عرفك لشهرتك وشهرة ذكرك وبعد صيتك، ولكن لا يعرف حقيقة أمرك، فأنت معروف من حيث يعرفك كل أحد لشهرة ذكرك، وأنت مجهول لبعد غايتك، ولطف مكانك، لا لأنك خامل الذكر بين الناس.
نطقت بسوددك الحمام تغنيًا وبما تجشمها الجياد صهيلا
تغنيًا وصهيلا: مصدران، في موضع الحال. والحمام: رفع بنظفت، وكذلك الجياد لأن نطقت مكررة.
يقول: كل شيء يثني عليك حتى أن الحمام إذا غنت وصفت سؤددك، والخيل إذا صهلت وصفت ما تكلفها من المشقة والسير والحرب.
وقيل: أراد بالحمام. العجم من حيث كساهم من نعمه مثل أطواق الحمام قال ابن جنى: أشهد بالله أنه لو خرس بعد هذين البيتين لكان أشعر الناسز
وما كل من طلب المعالي نافذًا فيها، ولا كل الرجال فحولا
يقول: ليس كل من طلب المعالي يدرك منها ما أدركت، وينفذ فيها كما نفذت، ولا كل من هو على خلقة الرجال فحلا جامعًا لغايات الرجولية.
وورد كتابٌ من ابن رائق على بدرٍ بإضافة الساحل إلى عمله فقال يهنىء بدرًا بذلك:
تهنى بصورٍ أم نهنئها بكا وقل الذي صورٌ وأنت له لكا
روى تهنى ونهنى: من التهنئة، والدعاء لصاحب النعمة بدوامها، وتسويغها، فأصلها هنأ الطعام. وصور: مدينة من ساحل الشام.
يقول: نهنئك بهذه المدينة، أم نهني هذه المدينة بك؛ حيث وليتها فإن هذه الولاية، ومن ولاك عليها، لو كانا لك لما استكثرنا لك ذلك؛ وهو معنى قوله: وقل الذي صور وأنت له لكا أي وقل لك الرجل الذي هذه المدينة وأنت له. أي أنك من جملة أصحابه في الظاهر، فكنت له كصور.
وما صغر الأردن والساحل الذي حبيت به إلا إلى جنب قدركا
الأردن: ديار فلسطين وما والاها. والساحل: ساحل الشام.
يقول: إن الأردن والساحل الذي أعطيته عظيم وملك جليل، وإنما صغر بالقياس إلى قدرك وعلو محلك، فهو ليس بصغير إلا إلى جنب مقدارك، فإنك تستحق أكثر من هذا.
تحاسدت البلدان حتى لوانها نفوسٌ لسار الشرق والغرب نحوكا
يقول: حسدت البلدان البلاد التي تليها، حتى أنها لو كانت من الأحياء لسار المشرق منها والمغرب إليك، ليكونا في ولايتك. ومثله قول أبي تمام:
تغاير الشعر فيه إذ سهرت له حتى ظننت قوافيه ستقتتل
ومثله للبحتري:
فلو أن مشتاقًا تكلف فوق ما في وسعه لسعى إليك المنبر
وأصبح مصرٌ لا تكون أميره ولو أنه ذو مقلةٍ وفم بكى
يقول: كل بلد لا تكون واليًا عليه، لو كان له عينٌ وفمٌ لبكى من الحزن عليك، لكونك في غيره، واشتياقًا إلى توليتك عليه.
[ ١ / ١٣٠ ]
ونظر أبو الطيب ثيابًا مطويةً إلى جانبه فسأل عنها. فقيل له: هي خلع الولاية. وكان أبو الطيب ذلك اليوم عليلًا فقال ارتجالًا:
أرى حللًا مطواةً حسانًا عداني أن أراك بها اعتلالي
الحلة: ثوبان، إزار ورادء، ومطواة: أي مطوية وعداني. أي صرفني، وفاعله: اعتلالي.
يقول: أرى حللًا على جنبك حسنة مطوية، وإنما منعني أن أراك وهي عليك مرضى.
وهبك طويتها وخرجت عنها أتطوي ما عليك من الجمال؟
يقول: إنك وإن نزعتها وطويتها، فإنك في حلل من جمالك وحسنك، لا تقدر أن تخرج منه ولا أن تطويه.
لقد ظلت أواخرها الأعالي مع الأولى بجسمك في قتال
الأواخر: جمع آخر. والأعالي: جمع أعلى.
جعل الأعالي منها أواخر، لأنها تلبس بعد الشعار، فهي متأخرة عنها في البشرة. والأولى ما ولي الجسم وقرب منه، وقيل: الأعالي. ما يكون أعلى محلًا؛ وأشرف الثياب. يلبس آخرًا.
يقول: إن الحلل التي لبستها تقاتل أعاليها التي هي أواخرها، مع التي تلي جسدك، وحسدتها وطلبت كل واحدة منهما أن تكون هي التي تلي جسدك وتقرب مك.
تلاحظك العيون وأنت فيها كأن عليك أفئدة الرجال
يقول: إن الناس كانوا ينظرون إليك، وهي عليك نظر محبة واستحسان، حتى كأن التي عليك ولبستها قلوب الناس، لتعلق القلوب بها واستحسانهم إياها عليك، ومثله قوله:
كأن عليه من حدق نطاقا
ومثله الآخر
لمقلتيها عظم الملك في المقل
متى أحصيت فضلك في كلام فقد أحصيت حبات الرمال
روى في مديح وفي كلام يقول: لك فضائل عدد الرمل، فإن قدرت على عدها فقد أحصيت مديحك وهذا غير ممكن، فكذلك عد فضائلك.
وسار بعد ذلك إلى الساحل ولم يسر معه أبو الطيب فبلغه أن الأعور بن كروس كتب إلى بدر يقول له: إنما تخلف عنك أبو الطيب رغبةً عنك، ورفعًا لنفسه على المسير معك. ثم عاد بدرٌ إلى طبرية فضربت له قبابٌ عليها أمثلةٌ من تصاوير. فقال أبو الطيب في ذلك يمدحه ويعتذر عن تخلفه عنه.
الحب ما منع الكلام الألسنا وألذ شكوى عاشقٍ ما أعلنا
ما يجوز أن تكون بمعنى الذي، ويجوز أن تكون للنفي. ومنع: يتعدى إلى مفعولين: أحدهما الكلام، والثاني الألسن، وهي جمع اللسان. وروى: الألسنا: وهو الأفصح وما في قوله: ما أعلنا بمعنى الذي، وأصله ما أعلنه، فحذف الهاء.
يقول على الأول: الحب هو الذي يمنع الكلام من أن يعلن بالنطق ما في قلبه، وإذا لم يكن كذلك فليس بالحب الحقيقي. وتم الكلام ها هنا، وهذا مثل قول الآخر:
وما هو إلا أن أراها فجاءةً فأبهت حتى لا أكاد أجيب
ثم قال: وألذ شكوى عاشق ما أعلنا أي ألذ الشكوى للعاشق ما باح بها لكل أحد كقول أبي نواس:
فبح باسم من تهوى ودعني من الكنى فلا خير في اللذات من دونهاستر
وقيل: إن أحد المصراعين متعلق بالآخر. ومعناه: الحب الحقيقي ما منع الألسن أن تبوح، في حالٍ يلتذ العاشق فيها بالشكوى، فيدرك الإبقاء على حبيبه والخوف من إغراء العذال به، فيدع ما يشتهيه، مراعاةً للحبيب كما قال الشاعر:
ولست بواصفٍ أبدًا حبيبًا أعرضه لأهواء الرجال
وقوله: وألذ شكوى، على هذا. في موضع الحال. ويجوز: أن يكون ما في قوله: ما أعلنا. بمعنى المصدر، فلا يحتاج إلى الهاء العائدة إليه، أي ألذ شكوى عاشق إعلانه.
وعلى الثاني: الحب لم يمنع الألسن من الكلام، كأنه يحسن عند نفسه الشكوى؛ لأن في ذلك راحته وقوله: وألذ شكوى. تأكيد للمعنى الأول، وتعليل له.
ليت الحبيب الهاجري هجر الكرى من غير جرم واصلي صلة الضنى
نصب هجر الكرى وصلة الضنى على المصدر. أي الذي هجرني مثل هجر الكرى.
يقول: ليت الحبيب الذي هجرني من غير ذنب مني، هجر النوم عينين بهجره، وواصلني مثل مواصلتي السقم، حتى واصلني النوم وهجرني السقم.
بنا: أي تباعدنا. وقوله: فلو حليتنا. أي وصفت واكتسيت حليتنا. امتقع لونه وابتقع وانتقع: إذا تغير.
يقول لصاحبه: إنا لما تفرقنا تغيرت ألواننا من خوف الفراق وحزن التباعد وطول الضنى، فلو أردت وصفنا لم تقدر عليه، ولم تدر بأي شيء تصفنا؛ لكثرة ما ننتقل من لون إلى لون. وقوله: تلونا، نصب على التمييز.
[ ١ / ١٣١ ]
وتوقدت أنفاسنا حتى لقد أشفقت تحترق العواذل بيننا
الإشفاق: الخوف مع الرحمة.
يقول: ألهبت أنفاسنا حرارة الشوق، حتى خفت أن تحترق العواذل اللائي كن بيننا. ووجه إشفاقه عليهن، مع أن العواذل يكن مبغضات للعشاق، لأن العاذل لا يكون في الأغلب إلا من يكون قريبًا، أو ناصحًا شفيقًا. وقيل: إنه خاف أن تنم أنفاسه على حالهما، من حرارة الشوق. ويجوز أن يكون خوفه من احتراق نفسه واحتراق حبيبه، ثم يتعدى الاحتراق إلى العواذل، لأنهن لا يحترقن بحرارة أنفاسهما إلا بعد احتراقهما. ومثله قول بعض المتأخرين:
والبين يقدح من أنفاسنا شررا أشفقت تحرقنا يوم الوداع معا
أفدي المودعة التي أتبعتها نظرًا فرادى بين زفراتٍ ثنا
سكن الفاء من زفرات ضرورة وأصلها الفتح. وثنا: أصله المد فقصره ضرورة أيضًا وفرادى: صفة لنظر؛ لأنه مصدر يقع على الواحد والجمع.
يقول: أفدى التي ودعتني وودعتها، فبقيت أنظر في أثرها لا أطرق ولا ألتفت إلى سواها، وكانت زفراتي تتصاعد اثنين اثنين؛ لشدة الجزع. يعني كلما نظر في أثرها مرةً زفر مرتين.
أنكرت طارقة الحوادث مرةً ثم اعترفت بها فصارت ديدنا
اعترفت بها: أي عرفتها وتعودتها. وقيل: معناه. صبرت لها حتى صارت لي عادة.
يقول: كنت في أمن من حوادث الدهر، فلما حدثت مرة أنكرتها وجزعت منها، ثم تكررت علي حتى صارت عادة لي، فلا أنكرها الآن. وهو من قول أبي العتاهية:
تعودت مس الضر حتى ألفته وأسلمني حسن العزاء إلى الصبر
ومثله لآخر:
روعت حتى ما أراع من النوى وإن بان جيران علي كرام
ومثله لآخر:
روعت بالبين حتى ما أراع به وبالمصائب في أهلي وجيراني
وقطعت في الدنيا الفلا وركائبي فيها ووقتي: الضحى والموهنا
الفلا: نصب بقطعت. وركائبي، ووقتي: معطوفان عليها. والضحى، والموهنا بدا في وقتي. والوهن والموهن: قطعة من الليل، وقيل: صدر الليل قدر ساعتين منه؛ والضحى: صدر النهار.
يقول: استفدت لكثرة أسفاري في الفلوات، وأنضيت الركاب، وأفنيت ساعات نهاري وليلي. فعبر بالضحى، عن جملة النهار، وبالموهن: عن جميع الليل.
فوقفت منها حيث أوقفني الندى وبلغت من بدر بن عمار المنى
وقفته وأوقفته: أي حبسته، وبغير الألف أفصح. والهاء في قوله: منها راجعة إلى الدنيا.
يقول: لم أزل أطوف في الدنيا حتى وصلت إلى بدر، فحبسني جوده ونداه عنده، وبلغت عنده كل ما أتمناه: من نيل الغنى وإدراك العلا ومثله قوله من أخرى:
وقيدت نفسي في ذراك محبةً ومن وجد الإحسان قيدًا تقيدا
لأبي الحسين جدًا يضيق وعاؤه عنه ولو كان الوعاء الأزمنا
جدًا: أي عطاء.
يقول: إن عطاءه قد بلغ إلى حدٍّ يضيق الوعاء عنه، حتى لو كان الزمان وعاءه، لضاق عنه.
وشجاعةٌ أغناه عنها ذكرها ونهى الجبان حديثها أن يجبنا
وشجاعةٌ: معطوفة على قوله جدًا، وموضعه رفع بالابتداء.
يقول: إن شجاعته قد اشتهر ذكرها وشاع في الناس حديثها. فانقاد أعداؤه لحكمه، فاستغنى عن استعمال شجاعته لدخولهم في طاعته. وهو المراد بقوله: أغناه عنها ذكرها أي عن إظهارها واستعمالها، وقوي قلب الجبان من كثرة ذكرها، حتى اضطر إلى ترك جبنه.
نيطت حمائله بعاتق محربٍ ما كر قط وهل يكر وما انثنى؟!
نيطت حمائله: أي علقت، ونياط: عرق القلب معلق. والعاتق: رأس الكتف، وهو الكاهل أيضًا. وحمالة السيف: قلادته. والمحرب: كثير الجراءة والهاء في حمائله: للممدوح ومحرب: أراد به الممدوح أيضًا.
يقول: إن حمائل سيفه منوطة بعاتقه، وهو كثير الحرب، وإنه إذا حمل على عدوه لم ينثن عنه، فيحتاج إلى الرجوع إليها، لأن الكر يكون بعد الفر.
فكأنه والطعن من قدامه متخوفٌ من خلفه أن يطعنا
يقول: إنه يتقدم في المعركة، ويلقي الطعن قدامه ولا يتأخر، حتى كأنه يخاف أن يطعن من خلفه، فهو يتحرز بالتقدم كأنه يطعن من خلفه
نفت التوهم عنه حدة ذهنه فقضى على غيب الأمور تيقنا
فاعل نفت: هو حدة.
[ ١ / ١٣٢ ]
يقول: إنه من حدة فطنته وشدة ذكائه، صار توهمه علمًا، فيقضي على الأمور الغائبة باليقين، لا بالتوهم والظن. وقيل: أراد أن إقدامه في الحرب، لعلمه بعواقب أمره في أنه يتلقى السلامة.
يتفزع الجبار من بغتاته فيظل في خلواته متكفنا
يقول: إن كل جبار يفزع من أن يهجم عليه بغتةً فيقتله، ويظل لابسًا أكفانه إذا خلا بنفسه.
أمضى إرادته فسوف له قدٌ واستقرب الأقصى فثم له هنا
سوف: للاستقبال، وقدٌ: للمضي وتقريب العهد، فلما جعله اسمًا أعربه، وثم: للمكان البعيد. وهنا: إشارة إلى المكان القريب.
يقول: إن مراده طوع أمره فما يريد فعله في المستقبل، بمنزلة ماضي المفعول، والبعيد عنك بمنزلة القريب
يجد الحديد على بضاضة جلده ثوبًا أخف من الحرير وألينا
روى جلده بدل جسمه. والبضاضة: الطراوة والنعومة.
يقول: إنه مع نعومة جسمه ولين جلده، يجد الحديد والسلاح على بدنه أخف من الحرير وألين، وإن كان الحرير هو النهاية في الخفة واللين؛ وذلك لتعوده لبس السلاح وألفه له.
وأمر من فقد الأحبة عنده فقد السيوف الفاقدات الأجفنا
يقول: فقد السيوف المجردة من الأغماد، أشد عليه وأمر عنده من فقد الأحبة وبعدهم عنه.
لا يستكنٌّ الرعب بين ضلوعه يومًا ولا الإحسان ألا يحسنا
الإحسان: قيل إنه بمعنى العلم، ومعناه أن الخوف لا يستكن بين ضلوعه: أي لا يدخل ولا يستقر في قلبه وكذلك لا يستقر في قلبه العلم بألا يحسن إلى الناس. أي أنه جواد لا يعلم ترك الإحسان.
وقيل الإحسان: هو ترك الإساءة، وهو الإنعام ومعناه: لا يثبت الإحسان حتى يحسن هو إلى الناس، إذ ليس في الدنيا من يحسن إلى الناس غيره.
مستنبطٌ من علمه ما في غدٍ فكأن ما سيكون فيه دونا
مستنبط في يومه ما في غده دون جمع والهاء في فيه يجوز أن تكون للممدوح، ويجوز أن تكون راجعة إلى علمه يقول: إنه عالم بعواقب الأمور يعرف في يومه ما يحدث في غدٍ، فكأن ما سيكون مكتوب عنده، مجموع الصورة لديه.
تتقاصر الأفهام عن إدراكه مثل الذي الأفلاك فيه والدنا
تنقاصر: خبر الأفهام. مثل: نصب؛ لأنه صفة لمصدر محذوف. أي تتقاصر مثل تقاصرها عن الإدراك. الذي هو علم الله تعالى. الذيي الأفلاك فيه. والدنا: جمع الدنيا. فعلى هذا جعل كل أفق منها دنيا، فجاء الجمع لهذا.
يقول: إن الأفهام تعجز عن إدراك حقيقته، ويقصر الإدراك عن علم معانيه، كما تعجز عن إدراك حقيقة ما وراء العالم. وهو المراد بقوله: الأفلاك فيه والدنا؛ لأن الناس اختلفوا فيما هو خارج العالم.
فقال: كلما لم يعرفوا حقيقته ما ظرف له كذلك لا يعرفون حقيقة صفاتك.
وعن ابن جنى: إن المراد بقوله: الأفلاك فيه والدنا، هو الله ﵎.
من ليس من قتلاه من طلقائه من ليس ممن دان ممن حينا
الطلقاء: جمع الطلائق. ودان: أطاع. وحين: دنا حينه، أي هلاكه. ومن ليس مبتدأ، ومن طلقائه خبره. أي من ليس من قتلاه، فهو من طلقائه. وكذلك الثاني.
يقول: إنه أفنى العباد ببأسه وسطوته، وملكهم بعفوه، فمن لم يقتله فهو طليق عفوه، ومن لم يطعه فهو ممن دنا حتفه وهلاكه.
لما قفلت من السواحل نحونا قفلت إليه وحشةٌ من عندنا
يقول: إنك لما رحلت عنا استوحشنا لبعدك، فلما رجعت إلينا زالت عنا الوحشة، ورجعت إلى السواحل التي غبت عنها.
وكان بدر الممدوح قد خرج إلى الساحل الذي رد إليه عمله، فلما عاد مدحه بهذه القصيدة.
أرج الطريق فما مررت بموضع إلا أقام به الشذا مستوطنا
أرج: أي فاحت منه رائحة الطيب. والشذا: المسك، وقيل: هو حدة ريحه.
يقول: إن الطريق الذي سلكته عبق من طيب ريحك، فكل موضع مررت به أقام به الريح طيبًا لا يفارقه، حتى كأنه وطنه. أخذه من قول النميري:
تضوع مسكًا بطن نعمان إن مشت به زينبٌ في نسوةٍ عطرات
إلا أن المتنبي زاد ذكر الاستيطان
لو تعقل الشجر التي قابلتها مدت محييةً إليك الأغصنا
يقول: لو كانت الشجر التي مررت عليها عاقلة عارفة بمحلك، لكانت تمد أغصانها نحوك محييةً ومشيرة بالسلام عليك.
سلكت تماثيل القباب الجن من شوق بها، فأدرن فيك الأعينا
[ ١ / ١٣٣ ]
وروى: من شغف بها. والجن، فاعل سلكت.
يقول: تداخلت الجن في التماثيل التي على القباب المضروبة لتنظر إليك؛ شوقًا لرؤيتك، فأدرن فيك أعينها.
طربت مراكبنا فخلنا أنها لولا حياءٌ عاقها رقصت بنا
يقول: مراكبنا التي ركبناها إلى الممدوح استخفها السرور بقدومك، والمسير إليك، فلولا أن الحياء منعها من الرقص، لكادت ترقص بنا رقصا.
أقبلت تبسم والجياد عوابسٌ يخببن بالحلق المضاعف والقنا
روى: يخببن من الخبب: وهو السير السريع، وروى يجنبن من الجنيبة وتبسم: في موضع نصب على الحال، وكذلك الجياد عوابس ويخببن: حال من الجياد، ويجوز أن يكون خبرًا ثانيًا فيكون في موضع رفع.
يقول: أقبلت إلينا ضاحكًا مبتسمًا وخيلك عابسة؛ لما لحقها من التعب فيسر عن المسير بالدروع المضاعف نسجها وبالرماح.
عقدت سنابكها عليها عثيرًا لو تبتغي عنقًا عليه أمكنا
العثير: الغبار. والعنق: ضرب من السير؛ ترفع فيه الدابة عنقها.
يقول: إن الغبار الساطع من حافرها قد يعقد، لكثافته حتى كأنه أرض صلبه، فلو أرادت الجياد أن تسير على هذا الغبار لأمكنها السير.
والأمر أمرك والقلوب خوافقٌ في موقفٍ بين المنية والمنى
قيل: الأمر هنا بمعنى الحال، أي أقبلت وحالك في طلاقة وجهك، مثل حالك إذا كنت في الحرب، حين تخفق القلوب من الرعب، فتكون القلوب واقفة بين الموت والبقاء.
يعني: أنه في الحرب ضاحك السن، مثل حاله القديمة. وقيل: أراد به أن أمرك نافذ في الأولياء والأعداء. وقلوب أعدائك خائفة واقفة بين الخوف من الموت وبين الرجاء.
فعجبت حتى ما عجبت من الظبى ورأيت حتى ما رأيت، من السنى
الظبى: جمع الظبية، وهي حد السيف. والسنى مقصور: هو الضوء. تقديره: فعجبت من الظبى حتى ما عجبت، ورأيت من السنى حتى ما رأيت.
يقول: رأيت السيوف حولك متجردة فعجبت من كثرتها، وزاد الأمر حتى زال تعجبي مما رأيت من لمعان السيوف وبريقها، فبقيت متحيرًا كمن لا حس له، وغلب لمعانها على بصري حتى ما رأيت؛ لأن لمعانها غشى عيني.
وقيل: أراد فعجبت من انهزامهم، حتى زال تعجبي، من أجل السيوف التي لمعت بأيديهم، فقلت حق لهذه السيوف أن تعمل هذا، فأزال تعجبي؛ لأني لم أستكره أن يكون ذلك الانهزام فعل ما رأيت.
وقيل: أراد أني عجبت من السيوف لكثرتها ولمعانها حتى التهيت بالعجب! فزال تعجبي كما قال أبو تمام:
على أنها الأيام قد صرن كلها عجائب حتى ليس فيها عجائب
وكذلك بريق السيوف؛ لشدة بريقه ولمعانه كف ضوءها بصري.
إني أراك من المكارم عسكرًا في عسكر، ومن المعالي معدنا
قيل: معناه إنك في نفسك عسكر، وحولك من مكارمك عسكر؛ فلهذا أراك عسكرًا في عسكر من المكارم.
وقيل: معناه إني أراك عسكرًا من المكارم، في عسكر من الخيل والرجال، وأنك معدن: أي أصل لكل خير وشرف. ومثل المصراع الأول لأبي تمام:
لو لم يقد جحفلًا يوم الوغى لغدا من نفسه وحدها في جحفل لجب
فطن الفؤاد لما أتيت على النوى ولما تركت مخافةً أن تفطنا
يقول: أنت عالم بما فعلت بعدك من شكرك والثناء عليك وغير ذلك، وعالم بما لم أفعله مخافة أن تفطنه. يعني: إني لو لم أتركه إلا مخافة أن تقف عليه تركته.
وقيل: أراد أنك تدرك غرضي فيما فعلته، لما بعدت عنك. وهو الاستزادة، ثم تركت البعد خوفًا من أن تقف على قصدي ومرادي. وقيل: أراد فعلت ذلك لأتجدد بالنوى عندك.
أضحى فراقك لي عليه عقوبةً ليس الذي قاسيت منه هينا
الهاء في عليه: راجعة إلى ما في قوله: لما أتيت أي صار فراقك عقوبة لي على ما أتيته من التأخر عنك وقد قاسيت منه وحشة عظيمة وأسفًا شديدًا.
فاغفر، فدىً لك، واحبني من بعدها لتخصني بعطيةٍ منها أنا
يقول: اغفر ذنبي بعفوك عن التخلف عنك، وعلى التقصير الذي كان مني في حال البعد عنك، ثم صلني بعد المغفرة بصلة، لأكون مخصوصًا بها، واحبني في جملة من تحبه.
وانه المشير عليك في بضلةٍ فالحر ممتحنٌ بأولاد الزنا
[ ١ / ١٣٤ ]
يقول: ازجر من يشير عليك في بما لا يليق بكرمك، فإنه ضلة، وإن أطعته في ذلك تكون غير سالك طريق الرشد، فإنه ولد زنا والحر مبتلٍ بأمثاله: أي بأولاد الزنا.
وإذا الفتى طرح الكلام معرضًا في مجلسٍ أخذ الكلام اللذ عنا
اللذ: بسكون الذال، لغةٌ في الذي.
يقول: إذا عرض الفتى بكلامه رجلًا، فإن المعنى يأخذ ما عرض به من الكلام.
ومكايد السفهاء واقعةٌ بهم وعداوة الشعراء بئس المقتنى
المقتنى: مصدر من اقتنيت الشيء، إذا اكتسبته، ويجوز أن يكون اسم المفعول.
يقول: إن السفيه لضعف رأيه إذا كان عدوًا، رجع ضرر كيده عليه، ومن عادى شاعرًا فقد اكتسب شرًا طويلًا وهجوًا كثيرًا، وذلك بئس المدخر.
لعنت مقارنة اللئيم فإنها ضيفٌ يجر من الندامة ضيفنا
الضيفن: الذي يجيء مع الضيف من غير دعوة. روى: من الندامة ومن العداوة.
يقول: لعن الله صحبة اللئام؛ فإنها تعقب الندامة.
غضب الحسود إذا لقيتك راضيا زرءٌ أخف علي من أن يوزنا
الرزء: المصيبة.
يقول: إذا رضيت علي يحخف علي عضب من يحسدني. ومثله لأبي فراس:
فليتك تحلو والحياة مريرةٌ وليتك ترضى والأنام غضاب
ومثله لآخر:
إذا رضيت عني كرام عشيرتي فلا زال غضبانًا علي لئامها
أمسى الذي أمسى بربك كافرًا من غيرنا، معنا بفضلك مؤمنا
يقول: أمسى من يكفر بالله، مقرًا بفضلك؛ لأنه يدرك بالأبصار، ومعرفة الله تعالى تستنبط بالنظر والاعتبار والمشاهدة.
خلت البلاد من الغزالة ليلها فأعاضهاك الله كي لا تحزنا
الغزالة: الشمس في وقت الضحى. وقدم ضمير الغائب في قوله: فأعاضهاك. وأخر ضمير المخاطب، وذلك ليس بالاختيار إلا في ضرورة الشعر، والهاء: للبلاد. والكاف: للخطاب. وليلها: نصب على الظرف. وتحزن للبلاد.
يقول: لما غابت الشمس عن الأرض ليلًا، فخلت من الشمس جعلك الله لها عوضًا من الشمس؛ لئلا تحزن البلاد لفراقها. يعني: أنه يقوم للبلاد مقام الشمس.
ودخل عليه فوجده خاليًا للشراب، وقد أمر الغلمان بحجاب الناس عنه. فارتجل:
أصبحت تأمر بالحجاب لخلوةٍ هيهات لست على الحجاب بقادر
تأمر: خبر أصبح.
يقول: أمرت بالحجاب لخلوةٍ بنفسك، وما أبعد ما أردت! لأنك لا تقدر على الاحتجاب؛ للعلة التي ذكرها وهي قوله:
من كان ضوء جبينه ونواله لم يحجبا لم يحتجب عن ناظر
يقول: من كان نور وجهه ظاهرًا، ونواله مبذولا، غير محجوبين، لم يحتجب هو عن عين، وإن أرخيت دونه الحجب.
فإذا احتجبت فأنت غير محجبٍ وإذا بطنت فأنت عين الظاهر
يقول: إذا احتجبت فأنت غير محتجب في الحقيقة، وإذا استترت فأنت نفس الظاهر، وأنت الظاهر في الحقيقة.
وسقاه يومًا ولم يكن له رغبةٌ فقال يذكر وده لبدر:
لم نر من نادمت إلاكا لا لسوي ودك لي ذاكا
قال ابن جنى: من في قوله: من نادمت نكرة موصوفة بمنزلة رجل. وقوله: نادمت صفة له. لا صلة؛ كأنه قال: لم نر إنسانًا نادمته غيرك. فحذف الهاء؛ وذلك لأنه استثنى منه الكاف، ومن إذا كانت نكرة تقع موقع الجماعة، فيصح الاستثناء منه.
وقد يجوز أن يكون بمعنى المعرفة، واقع موقع الجماعة. وقوله: إلاك قبيح لا يجوز إلا في ضرورة الشعر، لأنه وصل الضمير في موضع الفصل.
يقول: لم نر أحدًا نادمته سواك، وليس ذلك مني لسوى محبتك وودك لي. يعني: إني لا أحب الشراب وإنما نادمتك وشربته محبة مني إليك.
ولا لحبيها ولكنني أمسيت أرجوك وأخشاكا
الهاء في قوله: لحييها للخمر. ويجوز أن تكون للمنادمة.
يقول: ما شربت الخمر حبًا لها؛ ولكن شربتها لأني رجوتك أن تقضي حاجتي، وخشيت إن لم أشربها ألا تقضي حاجتي.
وقال أيضًا يفخر بمنادمته الأمير ويمدحه:
عذلت منادمة الأمير عواذلي في شربها وكفت جواب السائل
يقول: إن منادمته شرفٌ لي ومجد، فمن عذلني عليها كان بالعذل أولى، ومن سألني عنها لم احتج إلى إجابته؛ لأن المنادمة جواب له بما فيها من الشرف. ومثله للطائي:
عذلت سواكب دمعه عذاله بمدامع فندن كل مفند
مطرت سحاب يديك ري جوانحي وحملت شكرك واصطناعك حاملي
[ ١ / ١٣٥ ]
يقول: أمطرتني حتى رويت وشكرتك على ذلك، ونعمك بلغتني المنزلة الرفيعة.
فمتى أقوم بشكر ما أوليتني والقول فيك علو قدر القائل؟!
يقول: متى يمكنني أن أقوم بشكر ما أوليتني من النعم؟ فأنا إذا شكرتك ومدحتك، فإن مدحي فيك يرفع قدري ويشرفني، فيكون ذلك نعمة منك علي، يجب القيام بشكرها، وذلك الشكر نعمةٌ، فإذا كان الحال هذا، كيف يمكن القيام بشكرك؟ أخذه من قول محمود الوراق:
إذا كان شكري نعمة الله نعمةً علي له في مثلها يجب الشكر
فكيف أداء الشكر إلا بعونه؟ وإن دنت الأيام واتصل العمر
وكان بدرٌ قد تاب من الشراب مرةً بعد أخرى، فرآه أبو الطيب يومًا يشرب فقال له:
يا أيها الملك الذي ندماؤه شركاؤه في ملكه لا ملكه
يقول: إن ندماءه شركاؤه في ملكه أي ماله مبذول لندمائه، وأما ملكه ورئاسته فمختصة به، لا يشركه فيها غيره؛ لأن بذله غير جائز ومثله:
ولو جاز أن يحووا علاك وهبتها ولكن من الأشياء ما ليس يوهب
في كل يوم بيننا دم كرمةٍ لك توبةٌ من توبةٍ من سفكه
يقول: كل يوم بيننا خمر، وكل يوم توبةٌ من توبةٍ من سفكه. أي سفك هذا الدم أي أنك تتوب من التوبة التي هي توبة من سفكه.
والصدق من شيم الكرام فنبنا أمن الشراب تتوب أم من تركه؟
أصله: فنبئنا. فأبدل الهمزة ياء، ثم حذفها. وروى أيضًا: فنبئًا، وأصله: فنبئن وهي نون تأكيد ساكنة، فأبدلها ألفًا فقال: نبئًا.
يقول: أخبرنا أنك تائب من الشراب، أم من ترك الشراب؟ فقال بدر: بل من تركه يا أبا الطيب.
وقال فيه أيضًا يمدحه:
بدرٌ فتىً لو كان من سؤاله يومًا توفر حظه من ماله
يقول: إنك كثير العطاء. يعني من يأتيه فلو كان مثلًا يومًا واحدًا من جملة سائليه، لكان له نصيب وافر من ماله.
تتحير الأفعال في أفعاله ويقل ما يأتيه في إقباله
روى: الأفعال في أفعاله. وروى: الأقوال في أقواله.
يقول: إنه يأتي بأفعال بديعة عظيمة، بحيث تتحير أفعال الناس فيها، وإن ما يأتيه من الأفعال العجيبة في جنب إقباله قليلة، وإقباله أعظم من أفعاله.
قمرًا نرى وسحابتين بموضع من وجهه ويمينه وشماله
يقول: إن يديك كالسحابتين، تهطلان بالعطاء، وفي الحرب بالدماء، ووجهك كالقمر، ومن شأن السحاب أن يستر القمر وسحابتاه لا تستران ضياء نوره.
وقال ابن جنى: معناه أن يمينه تسح بالعطاء، وشماله تسح الدماء.
وهذا غير جيد، لأن أكثر الأعمال إنما تكون باليمين، وكذلك المحاربة. إلا إذا كان الرجل أعسر أيسر، أو يكون دون أعسر. والباء في قوله: بموضع بمعنى في: أي في موضع وإن شئت علقتها بالفعل، فيكون إذ ذاك فارغة لا ضمير لها، وإن شئت جعلتها صفةً لنكرة محذوفة: أي نرى قمرًا وسحابتين كائنتين بموضع. وكذلك من إن شئت علقتها بالفعل، وإن شئت بمحذوف.
سفك الدماء بجوده لا بأسه كرمًا لأن الطير بعض عياله
اللام في لأن بدل من اللام المقدرة في كرمًا.
يقول: إنه تكفل بأرزاق الطير، وجعلها من جملة عياله، فهو يقتل أعداءه ليطعم الطير لحوم القتلى؛ لكرمه واعتياده إطعام الطير دائمًا.
إن يفن ما يحوي فقد أبقى به ذكرًا يزول الدهر قبل زواله
يقول: إن كان قد أفنى ماله بسخائه، فقد اكتسب ذكرًا يبقى إلى آخر الزمان. وقوله: يزول الدهر إلى آخره. أي لا يزول ذكره أبدًا، ما دام الدهر؛ لأنه أراد أنه يبقى بعد الدهر، وإنما قصد به تأكيد بقاء الذكر. وهو من قول الآخر:
تمر به الأيام تسحب ذيله وتبلى به الأيام وهو جديد
وسأله حاجةً فقضاها، فنهض وهو يقول شكرًا له على قضاء حاجته:
قد أبت بالحاجة مقضيةً وعفت في الجلسة تطويلها
عفت الشيء: إذا كرهته.
وروى: في الجلسة بفتح الجيم وكسرها.
يقول: رجعت بقضاء حاجتي، وكرهت تطويل الجلوس بعد قضاء الحاجة.
أنت الذي طول بقاءٍ له خيرٌ لنفسي من بقائي لها
وروى: طول بقاء به.
يقول: بقاءك خيرٌ لي، من حياتي لنفسي؛ لأني منك في راحة، وأنا من نفسي في عناء فزاد الله في حياتك من حياتي: دعاء له.
فسأله بدرٌ الجلوس فقال يذكر علو منزلة الأمير بدرٍ لما سأله أن يجلس:
[ ١ / ١٣٦ ]
يا بدر إنك، والحديث شجون من لم يكن لمثاله تكوين
شجون: أي ضروب. وهو مأخوذ من شجون الوادي: وهي شعبه. وهو مثلٌ قديم، وأصله: الحديث ذو شجون فحذف المضاف. والتكوين: الإيجاد. ومن بمعنى: الذي. وهو خبر إن، واسمها: الكاف. من إنك وقوله: والحديث شجون. اعتراض بين اسم إن وخبرها؛ وإنما جاز ذلك لأن فيه ضربًا من التوكيد. ويجوز أن يكون من نكرة موصوفة. أي إنك رجل ليس له نظير.
وتقدير البيت: يا بدر إنك من لم يكن لمثاله تكوين. أي لم يخلق له نظير.
لعظمت حتى لو تكون أمانةً ما كان مؤتمنًا بها جبرين
اللام في لعظمت: جواب لقسم محذوف: أي والله لقد عظمت. ولا يجوز أن تكون لام الابتداء؛ لأنه مختص بالاسم. وجبرين لغة: أي جبريل. وقيل: إن النون بدل من اللام.
يقول: إنك عظيم القدر فلو كنت من جملة الأمانات لكان جبريل غير مؤتمن بها على الوحي، وهذا إفراط.
بعض البرية فوق بعض خاليا فإذا حضرت فكل فوق دون
خاليًا: نصب على الحال.
يقول: إذا خلا الناس منك تفاضلوا في الشرف، فإذا حضرت استووا في التقصير، وصاروا كلهم دونك. أخذه من قول بشار:
وكانت نساء الحي ما دمت فيهم قباحًا، فلما غبت صرن ملاحا
غير أن المتنبي قلبه.
وقال يمدح بدر بن عمار:
فدتك الخيل وهي مسوماتٌ وبيض الهند وهي مجردات
مسومات: يجوز أن يكون أراد به معلمات. ويجوز أن يريد به مرسلات. والواو في قوله: وهي في الموضعين: واو الحال. المعنى يدعو له ويقول: الخيل المسومة والسيوف المجردة من الأغماد فداءٌ لك؛ وإنما فداه بها لأنها لو فقدته لم يعملها أحد إعماله.
وصفتك في قوافٍ سائراتٍ وقد بقيت وإن كثرت صفات
التاء في كثرت: ضمير القوافي: وصفات: رفع بقوله: بقيت.
يقول: قد وصفتك بقصائد يرويها كل واحد، وتسير بها الركبان، وقد بقيت صفات كثيرة، وإن كثرت القوافي.
أفاعيل الورى من قبل دهمٌ وفعلك في فعالهم شيات
أفاعيل: جمع أفعال. والدهم: السود. والشيات: جمع الشية في الفرس. وهو لون يخالف لون الجملة.
يقول: إن أفعالك مشهورة بين أفعال الخلق، فإن أفعالهم تشبه بعضها بعضًا، وأفعالك مباينة لها، مشهورة فيما بينها.
وقال أيضًا يذكر نعم بدرٍ عليه حين انصرافه من عنده ليلًا وقد سمر معه الليل كله:
مضى الليل والفضل الذي لك لا يمضي ورؤياك أحلى في العيون من الغمض
الرؤيا: هي ما يرى في النوم. واستعمل ها هنا بمعنى رؤية البصر.
يقول: إن الليل قد مضى، وفضلك باق، وخصالك المحمودة غير منقطعة ولا مبتذلة باختلاف الليل والنهار، ورؤيتك أحلى في العيون من النوم.
على أنني طوقت منك بنعمةٍ شهيدٌ بها بعضي لغيري على بعضي
بعضي: في موضع رفع؛ لأنه فاعل شهيد، وعلى: متعلق بفعل محذوف، أي أمدحك على ما طوقتنيه، أو أثني عليك أو نحوه من الأفعال.
يعني: أنك أنعمت علي نعمًا نبت بها لحمي وحسن بها حالي، فظهر أثرها علي، فلو جحدها لساني أقر بها جلدي وحسن حالي.
سلام الذي فوق السماوات عرشه تخص به يا خير ماشٍ على الأرض
يستأذنه في الانصراف عن مجلسه إلى منزله.
يقول: سلام الله عليك، وصار مختصًا بك، يا خير من مشى على الأرض.
وأقبل يلعب بالشطرنج فقال له يمدحه قبل انصرافه من عنده والمطر يهطل:
ألم تر أيها الملك المرجى عجائب ما رأيت من السحاب؟
روى: مارأيت، وما رأيت. وهو أجود.
يقول: أيها الملك الذي يرجى خيره، هل ترى ما رأيت من عجائب هذا السحاب؟ وهي كثرة الأمطار المتواترة.
تشكي الأرض غيبته إليه وترشف ماءه رشف الرضاب
أراد: تتشكى، والهاء في غيبته وما بعده: للسحاب. وترشف: أصله تترشف. أي تمص. والرضاب: قطع الريق.
يقول: تظلمت الأرض إلى السحاب من غيبته عنها، فجاء المطر لتظلمها، فتمص الأرض شهوةً كما يمص العاشق ريق حبيبته. وقيل الهاء في إليه: للممدوح. أي تشكي الأرض إليه غيبته إلى السحاب.
وأوهم أن في الشطرنج همي وفيك تأملي ولك انتصابي
همي: أي قصدي. والانتصاب: التصدي للأمر، والقيام به.
[ ١ / ١٣٧ ]
يقول: أنا أظهر لك أني أنظر إلى الشطرنج وليس كذلك، فإني أنا أتأمل فيك، وأتمتع برؤيتك، وأنظر في أفعالك، وقيامي بين يديك خدمةً لك؛ لتأمرني بشيء فأمتثل أمرك.
سأمضي والسلام عليك مني مغيبي ليلتي، وغدًا إيابي
روى: وعدي إيابي. يستأذنه في الانصراف.
يقول أغيب ليلتي هذه لا غير، وغدًا أعود إليك.
قال ابن جنى: أنا اتهم هذه القطعة، ولم أقرأها عليه وكلامه عندي أجود من هذا.
وأخذ الشراب من أبي الطيب، وأراد الانصراف، فلم يقدر على الكلام. فقال هذين البيتين وهو لا يدري أنه قالهما، فلما أصبح أنشده إياهما ابن الخراساني وهما قوله:
نال الذي نلت منه مني لله ما تصنع الخمور
وذا انصرافي إلى محلي اآذنٌ لي أيها الأمير؟
تقديره: نال مني الذي نلت منه.
يقول: شربت الخمر من عقلي ما شربت أنا منها. وقوله: لله ما تصنع الخمور عجبًا من صنيع الخمور بالنا.
ثم قال: إأذن لي أيها الأمير في الانصراف إلى منزلي، فإني رأيت الخمر تغلب الإنسان.
وعرض عليه من غده الصحبة فقال ارتجالًا يعتذر عن الصبوح من غدٍ:
وجدت المدامة غلابةً تهيج للمرء أشواقه
تسيء من المرء تأديبه ولكن تحسن أخلاقه
قوله: تهيج للمرء أشواقه. أي تهيج ما سكن من أشواقه. وقوله: تسيء إلى آخره المراد به: من حيث تحمله على الجهل، وطرح الحشمة وإظهار الوقاحة، ولكن تحسن أخلاقه من حيث تورث الفرح وتحمل الإنسان على السخاء. ومع ذلك لا يفي خيرها بشرها.
وأنفس ما للفتى لبه وذو اللب يكره إنفاقه
روى: مال الفتى وما للفتى.
يقول: أعز شيء في الإنسان عقله، والخمر تفسده والعاقل يكره تضييع عقله وإنفاقه.
وقد مت أمس بها موتةً وما يشتهي الموت من ذاقه
يقول: لما شربتها أمس فقدت حسي وصرت إلى حال الموت! ومن ذاق الموت لا يشتهيه مرة أخرى.
ذكر هذه الأبيات استعفاءً من شرب الشراب.
وقال يصف لعبةً وكان لبدرٍ جليسٌ أعورٌ يعرف بابن كروس، يحسد أبا الطيب لما كان يشاهده من سرعة خاطره؛ لأنه لم يكن يجري في المجلس شيءٌ إلا ارتجل فيه شعرًا، فقال لبدر: أظنه يعمل هذا قبل حضوره ويعده معه، ومثل هذا لا يجوز أن يكون، وأنا أمتحنه بشيءٍ أحضره للوقت، فلما كمل المجلس ودارت الكئوس استخرج لعبةً قد استعدها، لها شعرٌ في طولها، تدور على لولب، إحدى رجليها مرفوعةٌ، وفي يدها طاقةٌ ريحانٍ، تدار فإذا وقفت حذاء إنسانٍ شرب ووضعها من يده، ونقرها فدارت فقال المتنبي:
وجاريةٍ شعرها شطرها محكمةٍ نافدٍ أمرها
قوله: محكمة أي جعل الحكم لها. وشطر الشيء: نصفه.
يقول: إن شعرها على مقدار نصفها، وهي مقبولة الحكم، وأمرها نافذ؛ لأنها كانت إذا وقفت عند إنسان شرب قدحًا، فكأنها حكمت عليه بأن يشرب.
تدور وفي يدها طاقةٌ تضمنها مكرهًا شبرها
أراد بالشبر: اليد. يعني أن في يدها ريحان، وأن يدها تضمنته مكرهة؛ لأنها لا اختيار لها.
فإن أسكرتنا ففي جهلها بما فعلته بنا عذرها
تقديره: ففي جهلها عذرها بما فعلته بنا.
يقول: إن كانت حكمت علينا بالشرب حتى سكرنا، فإن جهلها بما فعلته بنا، عذرها لنا.
وأديرت فوقفت حذاء أبي الطيب فارتجل يصف اللعبة نفسها:
جاريةٌ ما لجسمها روح بالقلب من حبها تباريح
التباريح: جمع التبريح، وهو شدة الشوق. وجارية: رفع؛ لأنها خبر ابتداء محذوف. أي هذه جارية.
يقول: إنها وإن كانت غير ذات روح، فإن حبها قد برح بقلبي.
في يدها طاقةٌ تشير بها لكل طيبٍ من طيبها ريح
سأشرب الكأس من إشارتها ودمع عيني في الخد مسفوح
الواو في قوله: ودمع عيني واو الحال.
يقول: إن رائحة كل طيب مكتسبٌ من هذه الطاقة التي في يدها، ثم قال: أشرب الخمر بإشارتها، ودمع عيني في تلك الحال مصبوب؛ لأن كل من شرب الخمر تذكر حبيبه فيهيج له من ذلك الذكر الحزن، فيؤدي إلى البكاء.
وأدارها فوقفت حذاء بدرٍ فقال:
يا ذا المعالي ومعدن الأدب سيدنا وابن سيد العرب
أنت عليمٌ بكل معجزةٍ ولو سألنا سواك لم يجب
أهذه قابلتك راقصةً أم رفعت رجلها من التعب؟!
[ ١ / ١٣٨ ]
قوله: سيدنا أراد يا سيدنا، فحذف حرف النداء. وراقصة: نصب على الحال.
يقول: أنت تعلم بكل شيء خفي يعجز الناس عن إدراكه، ولو سألنا غيرك لم يجب، فأخبرنا عن هذه الجارية، هل قابلتك وهي ترقص، أو تعبت فرفعت رجلها من التعب؟ لأنها كانت قائمة على رجل واحدة.
وأديرت فسقطت فقال في الحال:
ما نقلت في مشيئةٍ قدما ولا اشتكت من دوارها ألما
روى: مشيئة ومشيةٍ بالتصغير.
على الأول: ما نقلت قدمًا بإرادة منها ولا اشتكت من دوارها، حين سقطت من الألم؛ لأنها ليست مما يحس.
وعلى الأخرى: ما نقلت قدمًا في مشيةٍ، لأنها وإن كانت ماشية، فلم تنقل قدمًا.
لم أر شخصًا من قبل رؤيتها يفعل أفعالها وما عزما
يقول: لم أر شخصًا سواها يفعل مثل أفعالها، من غير عزم وقصد.
فلا تلمها على تواقعها أطربها أن رأتك مبتسما
تواقعها: أي رقصها.
يقول: لا تلمها على رقصها، لأنها تداخلها الطرب، فرقصت سرورًا لما رأتك مبتسمًا.
وقيل: تواقعها: سقوطها. يعني. لا تلمها على سقوطها؛ لأنها لما رأتك ضاحكًا طربت فسقطت.
وقال أيضًا فيها أي اللعبة نفسها:
إن الأمير أدام الله دولته لفاخرٌ كسيت فخرًا به مضر
مضر: اسم قبيلة، فلهذا أنثه، وتقديره: كسيت مضر به فخرًا، يعني ذو فخرٍ متناهٍ، حتى أن مضرًا اكتست من فخره. وقيل تقديره: لفاخرٌ مضر به كسيت فخرًا، يعني: أن مضر تفتخر به بما كساها من الفخر والشرف الزائد.
في الشرب جاريةٌ من تحتها خشبٌ ما كان والدها جنٌّ ولا بشر
الشرب: جمع شارب، يعني: فيما بين الشرب، جارية هذه صفتها.
قامت على فرد رجلٍ من مهابته وليس تعقل ما تأتي وما تذ
يقول: إنها قامت على فرد رجل؛ هيبةً من الأمير وخدمةً، مع أنها لا تعقل ما تفعل وما تترك.
ووصفها بشعر كثير وهجاها بمثله لكنه لم يحفظ فخجل ابن كروس وأمر بدرٌ برفعها فرفعت فقال:
وذات غدائرٍ لا عيب فيها سوى أن ليس تصلح للعناق
إذا هجرت فعن غير اجتنابٍ وإن زارت فعن غير اشتياق
العناق: المعانقة والاجتناب: المباعدة.
يقول: إنه لا عيب فيها، إلا أنها من خشب لا تصلح للمعانقة، وقربها وبعدها عن غير قصد منها.
أمرت بأن تشال ففارقتنا وما ألمت لحادثة الفراق
يقول: إنك لما أمرت برفعها، فارقتنا ولم تتألم لفراقنا، كما يتألم المحب لفراق حبيبه.
ثم قال لبدر ما حملك على ما فعلت؟ فقال له بدرٌ: أردت نفي الظنة عن أدبك، فقال المتنبي معتزًا بأدبه:
زعمت أنك تنفي الظن عن أدبي وأنت أعظم أهل العصر مقدارا
إني أنا الذهب المعروف مخبره يزيد في السبك للدينار دينارا
السبك: الصوغ.
يقول: إن كنت أردت إزالة القهر عني فقد زدت أنا على التجربة، مثل الذهب الذي إذا سبك زاد للدينار دينارًا، وليس كل ذهبٍ كذلك.
قال له بدرٌ: والله للدينار قنطارًا! فقال المتنبي يمدح بدرًا وقد أطرى أدبه:
برجاء جودك يطرد الفقر وبأن تعادي ينفد العمر
فخر الزجاج بأن شربت به وزرت على من عافها الخمر
يقول: من يرجوك يغنى، ومن يعاديك يفنى وإن الزجاج فخر على سائر الجواهر من الذهب والفضة، لما شربت به، وعابت الخمر من عافها ولم يشربها، حين تشربها أنت.
وسلمت منها وهي تسكرنا حتى كأنك هابك السكر
أي شربنا الخمر معك فأسكرتنا ولم تسكرك! فكأنها خافتك ولم تقدر عليك.
ما يرتجى أحدٌ لمكرمةٍ إلا الإله وأنت يا بدر
يقول: ليس أحد يرتجى خيره، إلا الله ﷿، ثم أنت.
وخرج أبو الطيب إلى جبل جرش: وهي مدينةٌ عظيمةٌ نسب إليها الجبل. فنزل بعلي بن أحمد المري الخراساني وكانت بينهما مودة بطبرية فقال يمدحه:
لا افتخارٌ إلا لمن لا يضام مدركٍ أو محاربٍ لا ينام
روى: مدركٍ أو محاربٍ، جرًا. فيكونان صفتين لمن. ومن تكون نكرة.
وروى. مدركٌ أو محاربٌ بالرفع، فيكونان خبرين لمبتدأ محذوف. أي هو مدرك. ومن تكون معرفة بمعنى الذي. ويجوز: أن يكون الجر فيهما على البدل من من ويكون بمعنى الذي.
[ ١ / ١٣٩ ]
يقول: لا ينبغي أن يفتخر إلا من لم يلحقه ضيم وذل من قبل أحد، ولن يكون أحد بهذه الصفة إلا أنت، ومن يكون مدركًا لما رامه، لا ينام عن أعدائه ومحاربتهم.
ليس عزمًا ما مرض المرء فيه ليس همًا ما عاق عنه الظلام
نصب عزمًا وهمًا، لأنهما خبرا ليس، واسمه ما وصلته مرض: أي فرط. والهم: الهمة ها هنا.
يقول: كل عزم يمرض فيه المرء ويفتر دون إمضائه، فليس بعزم على الحقيقة، وكل هم يمنع دون إمضائه ظلام الليل، فليس ذلك بهم على الحقيقة.
واحتمال الأذى ورؤية جاني هـ غذاءٌ تضوي به الأجسام
وروى: تتوي به الأجسام. أي تهلك. وتضوي: أي تهزل.
يقول: إن تحمل الأذى ورؤية من يؤذيك ويجني عليك غذاء تبلى به الأجسام وتهزل.
ذل من يغبط الذليل بعيش رب عيش أخف منه الحمام
وروى: ألذ منه الحمام.
يقول: من يغبط الذليل على عيشه فهو ذليل: ورب عيش يكون الموت خيرًا منه، إذا لم تنل المنية، ومثله قول بشار بن برد:
وللموت خيرٌ من حياة على أذى يضيمك فيها صاحبٌ وتراقبه
كل حلمٍ أتى بغير اقتدار حجةٌ لاجىءٌ إليها اللئام
يقول: إنما يحسن الحلم مع القدرة. فمن لا يقدر على الانتصار إذا اعتصم بالحلم، فهو حجة يلتجىء إليها اللئام. ومثله قول الآخر:
إن من الحلم ذلًا أنت عارفه والحلم عن قدرةٍ فضلٌ من الكرم
من يهن يسهل الهوان عليه ما لجرح بميتٍ إيلام
يقول: من كان مهينًا في نفسه سهل عليه إهانة غيره ولا يؤلمه ما يطوى عليه من الذل، فهو كالميت الذي لا يتألم من الجراحة وغيرها.
ضاق ذرعًا بأن أضيق به ذر عًا زماني واستكرمتني الكرام
الذرع: القلب، وأصله من الذراع، وكان الفصيل إذا مشى مع الإبل وكل عن سيرها، قالوا: ضاق ذرعه أي قصر خطوه، ثم قيل لكل من عجز عن شيء: ضاق قلبه به ذرعًا، وهو نصب على التمييز. وضاق: فاعله زماني. واستكرمتني: أي وجدتني كريمًا.
يقول: إن الزمان ضاق قلبه بسبب ضيق قلبي، وذلك إشارة إلى عظم حال نفسه. وقيل: أراد أن الزمان قصدني بأحداثه، فلما لم يمكنه أن يؤثر في، وأن يضيق قلبي بسبه، ضاق قلبه عند ذلك؛ لعجزه عن التأثير في، ووجدني الكرام كريمًا في جميع أحوالي.
واقفًا تحت أخمصي قدر نفسي واقفًا تحت أخمصي الأنام
الأخمص: تحت باطن القدم. ويجوز في واقف الأول: الرفع على إضمار المبتدأ أي أنا واقف والنصب على الحال من الضمير في استكرمتني: أي وجدتني الكرام كريمًا في تلك الحال. وأما الثاني: فبالنصب على الحال لا غير. أي أنا دون قدري في حال علوي عن الخلق.
يقول: أنا واقف دون قدر نفسي وما بلغت المنزلة التي أستحقها بفضلي، وإن كان الخلق كلهم تحت قدمي. وهذا مثل.
أقرارًا ألذ فوق شرارٍ! ومرامًا أبغى وظلمي يرام!
يقال: لذ الطعام يلذه. إذا استلذه. والشرار: جمع شرارة.
يقول: كيف أستلذ القرار في موضع أكون فيه معذبًا؟! كالواقف فوق شرار النار! وكيف أطلب حاجة أصل إليها! مع أن الأعداء يرومون ظلمي، فلا أستقر حتى أدفع هذا الظلم عني بحبس ضيقته.
دون أن يشرق الحجاز ونجدٌ والعراقان بالقنا والشام
دون قيل إنها بمعنى: قبل، وقيل بمعنى: سوى. وتشرق: أي تغص وتمتلىء.
يقول: لا أستقر دون أن تمتلىء هذه النوحي بالرماح فأنتصف منهم.
شرق الجو بالغبار إذا سا ر علي بن أحمد القمقام
روى: شرق الجو وهو فعل ماض. ومشرق الجو وهو اسم الفاعل. وشرق الجو وهو مصدر. فيكون تقديره دون أن يشرق العراقان شرقًا مثل شرق الجو بالغبار؛ إذا سار الممدوح لمحاربة أعدائه. والقمقام: السيد. شبه امتلاء المواضع المذكورة بالجيش، بامتلاء الجو بالغبار، عند مسير هذا الممدوح.
الأديب المهذب الأصيد الضر ب الذكي الجعد السري الهمام
الأصيد: قيل هو المتكبر، وهو من صفة الملوك. والضرب: الخفيف الجسم. والعرب تتمدح به. والجعد مطلقًا: السخي. وقيل: هو الذي لا يضام لعزه. والذكي: التام العقل. والمهذب: المصفى من العيوب. والسري: الرفيع القدرز والهمام: العظيم الهمة.
والذي ريب دهره من أسارا هـ ومن حاسدي يديه الغمام
ريب الدهر: صروفه، وحوادثه.
[ ١ / ١٤٠ ]
يقول: إن صروف الدهر لا يمتنع أحد من ضيمه، والدهر قد صار من أساراه يصرفه كيف شاء، ويمنع ضرره عن الناس، ومن جملة حاسدي يديه: الغمام المضروب به المثل في السخاء، فيحسد يديه على جوده.
يتداوى من كثرةٍ المال بالإق لال جودًا كأن مالًا سقام
نصب جودا. لأنه مفعول له. وقيل: نصب على المصدر؛ لأن ما ظهر من الكلام يدل عليه: أي يجود جودًا.
يقول: كأن الغنى عنده مرض يريد إزالته، فيتداوى منه بالإقلال والإنفاق، وكأن الإقلال عافية، فهو يريد بجوده إزالة السقم عنه وطلب العافية.
حسنٌ في عيون أعدائه أق بح من ضيفه رأته السوام
السوام: المال الراعي. وحسنٌ: خبر ابتداء محذوف. وتم الكلام عند قوله. حسن.
يقول: إنه حسنٌ على الحقيقة، غير أنه عند أعدائه وفي عيونهم لعلمهم أنه يهلكهم ويقتلهم أقبح منظرًا من ضيف في عيون سوائمه؛ لأنها إذا رأت الضيف علمت أنها منحورة مذبوحة، لما جرت به عادته بنحر الإبل للضيف.
قال ابن جنى: على هذا استقر الكلام بيني وبين المتنبي. ومثله لبعض الأعراب:
حبيبٌ إلى كلب الكريم مناخه بغيضٌ إلى الكوماء والكلب أبصر
وقيل: معناه حسن في عيون أعدائه؛ من حيث أن حسنه قد بهر؛ فيستحسنه عدوه وصديقه، وهو مع ذلك أقبح في السوام من ضيفه، واستغنى بذكره في صدر البيت عن أعدائه في آخره، وإنما استعجبوا لهيبتهم منه وخوفهم من سطوته فيحذرون إيقاعه بهم، كما تخاف الماشية النحر عند رؤية الأضياف.
لو حمى سيدًا من الموت حامٍ لحماك الإجلال والإعظام
الإجلال والإعظام: هو التبجيل والتعظيم.
يقول: لو منع سيدًا من الموت مانعٌ، لكان إجلال الناس وإعظامهم إياك يمنعاك الموت، ولكان الموت يهابك ويخشاك.
وعوار لوامعٌ دينها الح ل ولكن زيها الإحرام
قوله عوار: أي سيوف مجردة من الأغماد.
يقول: وحماه أيضًا السيوف العواري من أغمادها، التي تلمع وتبرق. ودينها الحل؛ لأنها لا تتحرج من الدماء. وزيها الإحرام: لأنها مجردة عن أغمادها، كالمحرم العاري عن ثيابه المتجرد منها.
كتبت في صحائف المجد: بسمٌ ثم قيسٌ وبعد قيس السلام
يجوز في قوله: بعد قيس الفتح على ترك الصرف، حملًا على القبيلة، ويجوز الجر بلا تنوين، فيكون قد حذف التنوين لالتقاء الساكنين. وقوله بسمٌ: أراد " بسم الله الرحمن الرحيم " فجعل الباء من نفس الكلمة ورفع، الرواية الصحيحة: كتبت أي السيوف العواري كتبت: " بسم الله الرحمن الرحيم " في صحائف المجد أي لما أرادت إثبات أسماء المجد كتبت بعده: قيسٌ. أي أن المجد لهم، ثم لما لم ير أحدًا يستحق المجد، كتبت في آخر الصحيفة، ما يختم به الكلام: وهو السلام. أي أن المجد مقصور على قيس.
ورفع بسم وقيس على سبيل الحكاية كقولك: قرأت الحمد لله، وكقول ذي الرمة:
سمعت: الناس ينتجعون غيثًا
وروى: كتبت: على ما لم يسم فاعله. فيكون بسم وقيس مرفوعين، ويكون نائب الفاعل محمولًا على أنه أراد الكلمة بقوله: بسم.
إنما مرة بن عوف بن سعدٍ جمراتٌ لا تشتهيها النعام
أراد بالجمرات جمرات العرب وهم: قيس وضب ونمير. وسميت جمرات؛ لقوتها وكثرة حروبها، فشبهها بالجمرة في الإحراق. يعني: أنهم جمرات في الحرب والغارة، وليسوا كالجمرة التي تشتهيها النعام، لأن النعامة تبتلع الجمرة فتسيغها.
وقال ابن جنى: أراد أنهم جمرات النار؛ لشدتهم على أعدائهم، وإحراقهم إياهم، كالجمرات، وليسوا كالجمرات التي تأكلها النعام، بل هم أشد منها.
ليلها صبحها من النار والإص باح ليلٌ من الدخان تمام
تمام: صفة الليل، وهو أطول ليلة في السنة. والهاء في ليلها: القيس، أو لمرة بن عوف.
يقول: ليلهم كالصباح من كثرة اشتعال النيران؛ ليهتدي بها إليهم الأضياف والضلال، أو لإحراقهم دور أعدائهم. وصباحهم كالليل المظلم؛ من كثرة الدخان، لإحراقهم بيوت أعدائهم.
هممٌ بلغتكم رتباتٍ قصرت عن بلوغها الأوهام
يقول: لهم همم قد بلغتهم منازل من المجد، بحيث تقصر الأوهام عن بلوغ تلك المنازل. ولا تبلغها أوهام الناس.
ونفوسٌ إذا انبرت لقتالٍ نفدت قبل ينفد الإقدام
[ ١ / ١٤١ ]
روى نفدت قبل ينفد: أي فنيت. وروى فقدت قبل ينفذ الإقدام. ونفوس: رفع عطفًا على هممٌ، وانبرت: أي اندفعت وعرضت. أما بالذال: فمعناه إذا انبرت نفوسهم للقتال سبقت إلى الأعداء قبل سبق إقدام أعدائهم، وبالدال: معناه أن نفوسهم إذا انبرت لقتال فنيت بالقتال قبل أن يفنى الإقدام: أي يقتلون في الحال، وليس لهم إحجام.
وكفتك الصفائح الناس حتى قد كفتك الصفائح الأقلام
يقول: استغنيت بسيوفك عن نصرة الناس، ثم استغنيت بأقلامك عن سيوفك، بما حصل في قلوب الناس من هيبتك.
وقلوبٌ موطناتٌ على الرو ع كأن اقتحامها استسلام
الاقتحام: طرح النفس على الأمر من غير تأمل.
يقول: لهم قلوب قد وطنوها على الحرب، فكأن اقتحامهم استسلام. أي أنهم يسلمون أنفسهم للموت.
قائدو كل شطبةٍ وحصانٍ قد براها الإسراج والإلجام
الشطبة: الفرس الطويلة، وهي الأنثى. والحصان: الفرس الكريم. الذكر فقط، وقد أفرد الضمير في قوله: قد براها وحقه أن يقول: براهما اكتفاء بأحد الوصفين. وتقديره: قائدو كل شطبة قد براها، وكل حصان قد براه. الإسراج والإلجام. يعني أن هذه الأفراس قد أنحفها الإسراج والإلجام.
يتعثرن بالرءوس كما مر بتاآت نطقه التمتام
يتعثرن: أي الخيل، وموضعه النصب على الحال. والتمتام: الذي يتردد لسانه في التاء والفأفاء: الذي يتردد لسانه في الفاء والألثغ: الذي يبدل الحروف، وهو الأرت أيضًا. والألكن: الذي يصب كلامه في قوالب الفارسية. وقبل التمتام: هو الذي يعجل في الكلام ولا يكاد يفهمك.
يقول: إنهم يقطعون رءوس الأعداء في الحرب، فتعثر خيلهم بالرءوس كما يعثر لسان التمتام عند نطقه بالتاء.
طال غشيانك الكرائه حتى قال فيك الذي أقول الحسام
الغشيان: الملابسة. والكرائه: جمع كريهةٍ، وهي الحرب.
يقول: طال ملازمتك الحروب وملابساتها، حتى أن السيف يقول مثل ما أقوله: أي لو كان له نطق لقال كذلك.
وكفتك التجارب الفكر حتى قد كفاك التجارب الإلهام
الإلهام: حصول العلم في القلب من غير استدلال.
يقول: إن التجارب أغنتك عن الفكر، ثم استمررت على فعل الصواب، حتى أغناك الإلهام عن التجارب.
فارسٌ يشتري برازك للفخ ر بقتل معتل معجل لا يلام
أي من يبارزك، يختار القتل للفخر، فلا يلام عليه ولا يعزل؛ لما يحصل له من نشر الذكر.
نائلٌ منك نظرةٌ ساقه الفق ر عليه لفقره إنعام
يقول: من ساقه الفقر إليك حتى ينال منك نظرة واحدة، فإن لفقره إنعام عليه! لأنك تجبر فقره لامحالة؛ فيكون فقره سببًا إلى حسن حاله وانتظام أحواله.
خير أعضائنا الرءوس ولكن فضلتها بقصدك الأقدام
يقول: إن الرءوس أفضل الأعضاء فينا؛ لما فيها من أنواع الحواس، غير أن الأقدام صارت أفضل منها؛ لقصدها إياك، وتقريب المسافة بيننا.
قد لعمري أقصرت عنك وللوف د ازدحامٌ وللعطايا ازدحام
خفت إن صرت ف يمينك أن تأ خذني في هباتك الأقوام
روى: ولعمري. يقول: أمسكت عن قصدك، والوفود مزدحمة؛ لأني خفت أن تهبني لبعضهم في جملة هباتك التي تهبها.
ومن الرشد لم أزرك على القر ب على البعد يعرف الإلمام
تم الكلام عند قوله: على القرب.
يقول: كان من الرشد ترك زيارتك على القرب؛ لأن الزيارة إذا كانت من بعدٍ كانت أوقع.
وعن ابن جنى قال: سألت المتنبي عن هذا؟ فقال. كنت بالقرب من الممدوح فلم أزره، فلما بعدت عنه زرته.
ومن الخير بطء سيبك عني أسرع السحب في المسير الجهام
الجهام: السحاب الذي أراق ماءه.
يقول: إن تأخر عطاياك عني كان خيرًا لي وأنفع؛ لأنه إذا تأخر كان أكثر، ولو كان سريعًا لكان قليلًا؛ لأن السحاب الجهام يكون أسرع سيرًا، ومع ذلك لا خير فيه، وإنما يكون المطر فيما يتثاقل في السير.
قل فكم من جواهر بنظام ودها أنها بفيك كلام
الود والوداد: المحبة والإرادة.
يقول: تكلم وأسمعنا حسن كلامك، فكم جواهر منظومة منيتها أن تكون في فمك كلامًا.
هابك الليل والنهار، فلو تن هاهما لم تجز بك الأيام
[ ١ / ١٤٢ ]
يقول: إن الأيام والليالي تخافك وتطيعك، فلو نهيتها عن المرور عليك والاجتياز بك، لما اجتازت بك، أي لو أمرت الدهر أن يقف لوقف!!
حسبك الله؛ ما تضل عن الح ق وما يهتدي إليك أثام
الأثام: هو الإثم. وقد يكون بمعنى العقوبة.
يقول: دعاء له. الله كافيك، فإنك لا تزول عن الحق، ولا يهتدي إليك الإثم.
لم لا تحذر العواقب في غي ر الدنايا؟ أو ما عليك حرام!
الدنايا: جمع دنية، وهي كل فعل مذموم. قوله: أو ما قيل: بمعنى الذي: يعني أنك لا تحذر عاقبة شيء إلا عاقبة الأفعال الدنية، وعاقبة الذي عليك حرام. فلم لا تحذر عواقب غير هذين من الجود والإقدام، كا تحذر عاقبة الدنية والحرام. وقيل: إن ما نفى ومعناه: ليس عليك شيء حرام في الدنيا ممنوع عنك، فإنك تقدر على كل شيء، إلا على الدنايا.
كم حبيبٍ لا عذر للوم فيه لك فيه من التقى لوام
يقول: كم حبيب لك، لو واصلته لما لامك أحد فيه، فلم يمنعك عن مواصلته إلا التقى. وقيل: معناه كم فعل محبوب، لو فعلته فلا سبيل للوم عليك فيه، لكونه مباحًا، غير أنك تجتنبه للتقى، فكأن لك من التقى لائم.
رفعت قدرك النزاهة عنه وثنت قلبك المساعي الجسام
يقول: رفعت النزاهة والعفة قدرك عن هذا الحبيب، وصرفت قلبك مساعيك العظام واشتغالك بها.
إن بعضًا من القريض هذاءٌ ليس شيئًا، وبعضه أحكام
روى هراء وهذاء.
يقول: إن الشعر بعضه هذيان، وكلام لا معنى له، وبعضه حكمة وصواب. وهذا مأخوذ من قوله ﷺ: " إن من الشعر لحكما " أي يحكم على الإنسان، ويسمه سمة الخير والشر منه.
منه ما يجلب البراعة، والفضل ومنه ما يجلب البرسام
البراعة: الفصاحة. والبرسام: بالسريانية، ورم الصدر؛ لأن البر: الصدر، والسام: الورم. وهو داء يكثر فيه الهذيان. وهذا تأكيد للمعنى الذي ذكر في البيت الأول. أي بعض الشعر يكون من الفصاحة وبعضه من البرسام.
فحمله على فرسٍ وسأله المقام عنده فقال يعتذر عن تعجله في الرحيل:
لا تنكرن رحيلي عنك في عجلٍ فإنني لرحيلي غير مختار
وربما فارق الإنسان مهجته يوم الوغى غير قالٍ خشية العار
يقول: لا تنكرن رحيلي عنك، فإنني غير مختار لذلك، ومفارقتي إياك بمنزلة مفارقة الإنسان نفسه يوم الحرب؛ فإنه لا يكون مبغضًا لنفسه، وإنما يفعل ذلك لخوف العار، كذلك مفارقتي إياك، ليس لبغضي لك، وإنما هو بمعنىً آخر.
وقد منيت بحسادٍ أحاربهم فاجعل نداك عليهم بعض أنصاري
منيت: أي بليت. وقد روى ذلك، وروى: أحاربهم وأحاذرهم أيضًا.
يقول: إني بليت بقوم حساد، أحاربهم وأنازعهم وأطلب قهرهم، فاجعل عطاءك بعض أنصاري عليهم. هذا عذر لمفارقته. وقيل: أراد أن لي حساد يحسدونني عليك، ويحاولون إفساد حالي عندك، فانصرني عليهم بجودك وإحسانك. ونظيره قوله:
أزل حسد الحاد عني بكبتهم فأنت الذي صيرتهم لي حسدا
وقال يصف سيره في البوادي وما لقي في أسفاره، ويذم الأعور بن كروس بعد أن رجع من جبل جرش:
عذيري من عذاري من أمور سكن جوانحي بدل الخدور
العذير: الذي يقبل العذر، وهو أيضًا كل ما يعذر الرجل على فعله، ومعناه: من يعذرني. والعذارى: جمع عذراء، وهي البكر من النساء وأراد هنا بالعذارى الأمور العظام وجعل الأمور أبكارًا، لأنها لم تهجم على أحد قبله، ولم يحدث في مستقبل الأيام مثلها، ولم يطلبها أحد لصعوبتها. ولما جعلها أبكارًا جعل جوانح صدره لها خدورًا.
يقول: من يعذرني من أمور أبكارٍ هجمت علي وحلت قلبي بدل حلولها في الخدور، ولم تهجم على أحد قبلي؟!
ومبتسمات هيجاوات عصر عن الأسياف ليس عن الثغور
هيجاوات: جمع هيجاء، وهي الحرب. وأضاف مبتسمات إليها وهي إضافة الشيىء إلى نفسه.
يقول: من عذيري من حروب تبتسم عن أسياف مجردة مصقوله لا كالنساء اللاتي يتبسمن عن الثغور. شبه صفاء السيوف بصفاء الثغور.
ركبت مشمرًا قدمي إليها وكل عذافر قلق الضفور
[ ١ / ١٤٣ ]
العذافر: الجمل الشديد. والضفور: جمع الضفر، وهو حزام الرحل. ونصب مشمرا على الحال من التآء من ركبت والهاء في إليها للأمور، والهيجاوات. وأراد بالقلق الضفور: أي أن الحزام كان قد قلق للجهد، وطول السير. وقيل: يقال للجمل الصعب إنه قلق الضفور.
المعنى: طلبت هذه الصعبة الشديدة، مرة راجلًا، ومرة راكبًا، لبعير قد جهده السفر حتى قلق ضفوره.
أوانًا في بيوت البدو رحلي وآونةً على قتد البعير
آونة: جمع أوان.
يقول: أكون مره في بيوت البدو، ورحلي محطوط هناك. وأزمنة على قتد البعير. وجعل سيره أكثر من استقراره.
وقيل: معناه أن رحله يكون في بيوت البدو مرة أي يترك رحله فيها ويسير راجلًا، ومرة. يحمل على البعير. وهو مثل البيت الذي قبله وأراد بالرحل: آلة السفر. والقتد والقتب والقتب رويا. وهو خشب الرحل.
أعرض للرماح الصم نحري وأنصب حر وجهي للهجير
أعرض: أي ألقى الرماح بنحري. وحر كل شيء: خالصه. والهجير: الوقت الذي يشتد فيه الحر.
معناه: أحارب مرة فألقى الرماح بنحري، ومرة أسير مقابلًا شدة الحر بوجهي وقت الهاجرة؛ رجاء أن أدرك معالي الأمور.
وأول البيت من قول الآخر:
تعرض للطعان إذا التقينا وجوهًا لا تعرض في السباب
وأسرى في ظلام الليل وحدي كأني منه في قمرٍ منير
الهاء في منه للظلام. وقيل: للوجه في قوله: حر وجهي.
يقول: أنا أمضي في ظلمة الليل وحدي، لا أخاف أحدًا فكأن سيري في ضوء القمر، وكأني من نور وجهي في ليلة قمراء.
فقل في حاجةٍ لم أقض منها على تعبي بها شروى نقير
روى تعبي وشغفي والشروى بمعنى: الشدائد التي قاسيتها لم أقض منها، حاجتي قدر نقير. وإذا كانت الحاجة في الشدة على ما وصفتها، فقل فيها ما شئت فإنك لا تبلغ وصف شدتها.
ونفسٍ لا تجيب إلى خسيسٍ وعينٍ لا تدار على نظير
وقل في نفسٍ لا تجيب إلى خسيس أي إذا دعيت إليه لم تجب، ولا تمدح من كان خسيسًا. قوله: وعين لا تدار على نظير. أي إني وحيد في فضلي لا أرى في الناس مثلي! يعني: أن عيني لا ترى نظيرًا لي وروى: لا تدور، ولا تدار جميعًا
وكفٍّ لا تنازع من أتاني ينازعني سوى شرفي وخيري
المنازعة: المجادلة.
يقول: إني لا أنازع من ينازعني في شيء من خيري، إلا من أتى ينازعني شرفي وكرمي، فأنا أنازعه
وقلة ناصرٍ؛ جوزيت عني بشرٍّ منك ياشر الدهور!
أي وقل في قلة ناصر ما شئت أن تقول فيها، إذ ليس أحد ينصرني. ثم صرف الخطاب إلى الدهر. فقال: جزاك عني على فعلك بي يا دهر شرٌّ منك. ويعاملك مثل ما عملت معي، فإنك شر الدهور، وكل ما ألاقي منك.
عدوي كل شيءٍ فيك حتى لحلت الأكم موغرة الصدور
الأكمة: الجبل الصغير، والجمع: آكام وأكم، والموغرة: هي المحماة من الغيظ.
يقول: إن كل شيء فيك يا دهر يعاديني!! حتى خيل لي أن الأرض تعاديني! وأن أكماتها تغلي صدورها بعداوتي! وإن كانت هي شخص بلا عقل. كما يقول الخائف: أخاف الجدار أن يذيع سري.
وذكر ابن جنى فيه وجهين: أحدهما: أن الأكم تنبو به ولا يستقر فيها، فكأن ذلك لعداوةٍ بينهما.
والثاني: أنه أراد بذلك شدة ما تقاسي منها من الحر، فكأنها موغرة الصدور من قوة حرارتها ويؤكد ذلك قوله أولًا: وأنصب حر وجهي للهجير.
فلو أني حسدت على نفيسٍ لجدت به لذي الجد العثور
روى: على نفيس وعلى خطير. ومعناه على شيء نفيس، وروى لذي الجد ولذا الجد، وعلى الجد وعلى الدهر.
يقول: لو حسدوني على شيء نفيس ومال خطير، لوهبته لمن له جد. أي بخت. عثور: أي منحوس. غير أني حسدت على حياتي.
ولكني حدست على حياتي وما خير الحياة بلا سرور؟
وما استفهام. يقول: ولكنهم حسدوني على حياتي وهي مشوبة بالحزن! وأي خير في حياة بلا سرور؟! فأنا لا أرضاها لنفسي، فكيف لغيري. وقيل: أراد أنهم يرومون قتلي. فهم يحسدوني على بقاء حياتي.
فيابن كروسٍ يا نصف أعمى وإن تفخر فيا نصف البصير
تعادينا لأنا غير لكنٍ وتبغضنا لأنا غير عور؟!
الكروس في اللغة: الكبير الرأس.
[ ١ / ١٤٤ ]
يقول: إن هجيت كنت نصف أعمى، وإن مدحت كنت نصف بصير، فأنت ناقص في الحالين. وأنت تعاديني؛ لأني فصيح، ولست بألكن مثلك، وتبغضني؛ لأني بصير غير أعور. وروى وتمقتنا.
فلو كنت امرءًا يهجى هجونا ولكن ضاق فترٌ عن مسير
الهجاء لا مجال لك فيه، كما أن الإنسان لا يمكنه أن يسير في فتر من الأرض وقال يمدح أبا عبد الله محمد بن عبد الله الخصيبي، وهو حينئذٍ يتقلد القضاء بأنطاكية:
أفاضل الناس أغراضٌ لذا الزمن يخلو من الهم أخلاهم من الفطن
أفاضل الناس: جمع أفضل. والأغراض: جمع الغرض، وهوا ما ينصب للرمي، كالهدف. والفطن: جمع فطنةٌ يقول: إن الفضلاء في هذا الزمان مقصودون بالشر والحوادث، كالأهداف، فمن هو أخلى من العقل والفطنة، فهو أخلاهم من الهم. ومثله لابن المعتز:
وحلاوة الدنيا لجاهلها ومرارة الدنيا لمن عقلا
وإنما نحن في جيلٍ سواسيةٍ شرٍّ على الحر من سقمٍ على بدن
الجيل: الأمة من الناس. وسواسية: جمع سواء على غير قياس. ولا يستعمل إلا في الشر.
يقول: نحن فيما بين أمة سواءٌ في الشر، ليس فيهم شريف ولا كريم، منهم أشرار، أضر على الحر من السقم على البدن.
حولي بكل مكانٍ منهم خلقٌ تخطي إذا جئت في استفهامها بمن
روى: خلقٌ، وهي جمع خلقة، وهي الصورة، وروى: حلقٌ: وهي جمع حلقةٌ من الناس، وروى حزق: وهي جمع حزقة، وهي الجماعة.
يقول: حولي خلق منهم في صورة الناس، وهم من جهلهم أنعام، فمن استفهم عنهم بمن فقد أخطأ؛ لأنه للناس، وينبغي أن يقول ما
لا أقتري بلدًا إلا على غرر ولا أمر بخلق غير مضطغن
اقتريت البلاد: إذا سريت فيها وتتبعتها بلدًا بلدًا. والغرر: الخطر، وهو ما لا يوثق منه بالسلامة. ومضطغن: أي ذو ضغينة.
يقول: لا أمر على بلد إلا وأنا مخاطرٌ بنفسي، ولا أمر بأحد إلا وهو محتقد علي وكل أحد عدوي؛ لفضلي.
ولا أعاشر من أملاكهم أحدًا إلا أحق بضرب الرأس من وثن
الوثن: الصنم، وهو ما عبد من الحجارة. وليس بمصور. ونصب أحق بدلًا من أحد.
يقول: ما عاشرت ملكًا من ملوك الناس إلا وجدته لا خير عنده ولا شر، فكأنه وثن، بل هو أحق وأولى بضرب الرأس من الوثن.
إني لأعذرهم مما أعنفهم حتى أعنف نفسي فيهم وأني
العنف: أشد اللوم. وأني: أي أفتر.
يقول: إني لا أزال ألومهم على ما فيهم من اللوم، فلما وجدتهم جهلة لا يفهمون قبلت عذرهم وصرت أعنف نفسي في لومهم.
وأراد: الملوك الذين تقدم ذكرهم سابقًا.
فقر الجهول بلا قلبٍ إلى أدب فقر الحمار بلا رأسٍ إلى رسن
يقول: إنهم جهال، مفتقرون إلى الأدب، وليس لهم عقول، فافتقارهم إلى الأدب بلا قلب وعقل، كافتقار الحمار من غير رأس إلى رسن يقاد به
ومدقعين بسبروتٍ صحبتهم عارين من حللٍ كاسين من درن
المدقع: الفقر اللاصق بالدقعاء، وهي التراب. والسبروت: الأرض التي لا نبات فيها. والدرن: الوسخ.
يقول: رب قوم صعاليك من أهالي البادية مدقعين، بفلاة قد صحبتهم، فكانوا عارين من الثياب قد علاهم الوسخ.
خراب باديةٍ غرثى بطونهم مكن الضباب لهم زادٌ بلا ثمن
الخراب: جمع خارب، وهو سارق الإبل خاصة، ومكن الضباب، بيضها قال الشاعر:
ومكن الضباب طعام العريب ولا تشتهيه نفوس العجم
وهذه صفات أهل البادية، وقوله: لهم زادٌ بلا ثمن إشارة إلى كونهم لصوصًا. وقيل إشارة إلى أنهم ليس لهم زاد إلا بيض الضب؛ لأنه لا يحتاج إلى ثمن.
يستخبرون فلا أعطيهم خبري وما يطيش لهم سهمٌ من الظنن
طاش السهم: إذا لم يصب الغرض. والظنن: جمع الظنة، وهي التهمة.
يقول: كنت أستر عنهم أمري، وما كانوا يظنون بي، يطلعهم على حقيقة حالي كقول الآخر:
وخبرا عن صاحبٍ لويت وقلت لا أدري وقد دريت
وخلةٍ في جليسٍ أتقيه بها كيما يرى أننا مثلان في الوهن
الخلة: الخصلة. والوهن: الضعف. أي ورب جليس أظهرت له مثل ما هو عليه من نفسي، لئلا يعلم هو من حالي، وليظن أني مثله في الضعف والجهل. ومثله لآخر:
وأنزلني ذل النوى دار غربة إذا شئت لاقيت امرأً لا أشاكله
[ ١ / ١٤٥ ]
أحامقه حتى يقال سجيةٌ ولو كان ذا عقلٍ لكنت أعاقله
وكلمةٍ في طريقٍ خفت أعربها فيهتدي لي فلم أقدر على اللحن
اللحن بالسكون: العدول بالكلام عن ظاهره. كقوله تعالى: " ولتعرفنهم في لحن القول " أي بتعريضهم في القول. واللحن بالتحريك: الخطأ في الإعراب.
يقول: رب كلمة خفت في إظهارها، فلم أقدر على أن ألحن فيها؛ لأني مطبوع على الصواب في الإعراب.
قد هون الصبر عندي كل نازلةٍ ولين العزم حد المركب الخشن
يقول: قد جعل الصبر كل بلية تنزل بي خفيفة هنية، وأمضيت عزمي فيما أردت، فلين لي كل صعب خشن.
كم مخلص وعلًا في خوض مهلكةٍ وقتلةٍ قرنت بالذم في الجبن
القتلة بالفتح: المرة الواحدة. وبالكسر: اسم للحالة. والفتح الوجه الوجيه ها هنا.
يقول: كم شجاع خاض الهلاك فتخلص منه، واكتسب علًا وذكرًا حسنًا، وكم جبان في الحرب لم ينفعه حذره، فقتل واكتسب به مع قتله ذمًا.
لا يعجبن مضيمًا حسن بزته فهل يروق دفينًا جودة الكفن
المضيم: الذي أصابه الضيم. والبزة: اللباس.
يقول: إن الذليل لا يعجبه حسن لباسه، مع كونه ذليلًا، فإنه بمنزلة الميت المكفن في ثياب جيدة، كما أنه لا ينفع الميت جودة الكفن وحسنه، فكذلك لا ينفعه حسن بزته.
لله! حالٌ أرجيها وتخلفني وأقتضي كونها دهري ويمطلني
رجوت الأمر ورجيته بمعنىً. ولله!: تعجب. ودهري: مفعول أقتضى.
يقول: ما أعجب حالًا لا أزال أرجوها، فلا أصل إليها، وهي تخلفني وأنا أقتضي أبدًا بكونها، وأطالب بحصولها، والدهر يدافعني بها ويمنعني عنها.
مدحت قومًا وإن عشنا نظمت لهم قصائدًا من إناث الخيل والحصن
الحصن: جمع حصان، وهو الكريم من الفرس الذكر. وروى: من حجور الخيل: وهي الفرس الأنثى الكريمة.
يقول: مدحت قومًا رجاءً في العطاء، فلو عشت نظمت لهم قصائد من الخيل. وأراد به جمع الجيوش، ولما جعلها قصائد قال: نظمت.
تحت العجاج قوافيها مضمرةٌ إذا تنوشدن لم يدخلن في أذن
المضمرة: الخيل الخفيفة اللحم. وأراد بالقوافي: الخيل؛ فلذلك قال: مضمرة وبين أنها تخالف سائر القوافي، لأنها لا تدخل في الأذن.
فلا أحارب مدفوعًا إلى جدر ولا أصالح مغرورًا على دخن
الدخن: الدخان، وأراد به الغش. ومدفوعًا ومغرورًا: نصب على الحال من أحارب، وأصالح.
يقول: لا أحارب منهم، وأنا مدفوع إلى حصن، وملتجىء بدار، بل أحاربه في الفضاء، وإن صالحت أحدًا منهم لا أصالحه إلا بعد الثقة، فلا أصالحه وأنا مغرور بظاهره حتى أعلم حقيقة أمره، وأن باطنه كظاهره.
والأصل فيه قول النبي ﷺ " هدنةٌ على دخن " وقيل: أراد لا أترك شيئًا في صدري ولا أقعد عن ثأري، ولا أبقى غاية من التشفي إلا بلغتها.
مخيم الجمع بالبيداء يصهره حر الهواجر في صمٍّ من الفتن
خيم بالمكان: إذا ضرب خيامه فيه. وصهرته الشمس وصهدته وصفرته: إذا أذابت دماغه. وقيل: إذا أحرقته. والهاجرة: عند انتصاف النهار في الصيف ومخيم: نصب على الحال. أي أفعل ذلك في هذه الحالة. والصم: جمع أصم، وهو الصلب، وأراد بالفتن: الحروب.
يقول: إني أحارب من أحارب في فضاء، وأضرب خيمي بها، وأقاسي حر الشمس، وأثير الفتن الشدائد. والضمير في يصهره: للجمع.
ألقى الكرام الأولى بادوا مكارمهم على الخصيبي عند الفرض والسنن
الأولى: بمعنى الذين.
يقول: إن الكرام الذين ماتوا تركوا مكارمهم على الممدوح، فمكارمهم موجودة فيه وهو يتصرف فيها كما يشاء.
فهن في الحجر منه كلما عرضت له اليتامى بدا بالمجد والمنن
يقول: إن المكارم صارت في حجره، لما مات عنها الكرام فتكفل هو بحفظها، فكلما عرضت له اليتامى، وهي التي في حجره لينظر فيها، بدأ بالمجد: وهو الكرم والمنن، فقدم النظر في مصالح اليتامى التي مات عنها الكرام، وألقوها عليه.
قاضٍ إذا التبس الأمران عن له رأيٌ يخلص بين الماء واللبن
قاضٍ: في موضع رفع، أي هو قاض. وعن: أي ظهر.
يقول: إذا التبس الأمر واختلط، ظهر له رأي نافذ، بحيث يمكن أن يفصل بين الماء واللبن.
غض الشباب بعيدٌ فجر ليلته مجانب العين للفحشاء والوسن
[ ١ / ١٤٦ ]
يقول: هو شاب. وقوله: بعيدٌ فجر ليلته. قيل: إنه يسهر في ليله للصلاة والتفكر فيها؛ ليكسب الفخر والشرف، فيطول عليه ليله لذلك.
وقيل: معناه أن الشيب بعيد عنه، فضرب الفجر: مثلًا للشيب، والليل: مثلًا للشباب. وأنه لا ينظر إلى فاحشة، ولا ينام الليل.
شرابه النشح لا للري يطلبه وطعمه لقوام الجسم لا السمن
النشح بالحاء والجيم: القليل من الشراب دون الري.
يعني أنه لا ينال من دنياه إلا كدر نفسه.
القائل الصدق فيه ما يضر به والواحد الحالتين: السر والعلن
نصب الصدق بالقائل وما رفع بالابتداء وفيه خبره.
يقول: إنه يقول الحق وإن كان عليه، وسره مثل علانيته ولا يضمر رياءً ولا خيانة أبدًا.
الفاصل الحكم عي الأولون به ومظهر الحق للساهي على الذهن
الذهن: الذكي الفطن. والذهن والذهن: الفهم يقول: إنه يفصل الأحكام التي عي بها المتقدمون من الحكام ويظهر الحق للأبله الغافل، على المخاصم الجيد الذهن، الكثير الفطنة.
وعلى الثاني: يظهر الحق الذي ذهب عن أذهان الناس وخفي عنهم.
أفعاله نسبٌ لو لم يقل معها جدي الخصيب، عرفنا العرق بالغصن
يقول: إن أفعاله تشبه أفعال جده، فلو لم ينتسب لعرفنا أنه من ولده، كما تعرف عرق الشجرة بغصنها، ويستدل به عليها.
العارض الهتن ابن العارض الهتن اب ن العارض الهتن ابن العارض الهتن
العارض: السحاب. والهتن: الغزير الكثير الصب، وهو وصف للسحاب.
يقول: إن الممدوح وأجداده أسخياء كالعارض الهتن.
قد صيرت أول الدنيا أواخرها آباؤه من مغار العلم في قرن
يقال: حبل مغار: أي جيد الفتل، واستعاره ها هنا في إحكام العلم.
يقول: إن آباءه عالمون بالسير والأخبار وضابطون للأيام، فقد جمعوا بين ما مضى من أحوال الدنيا، وما يأتي من بعد في علمهم، كما يجمع البعران في مغار واحد: وهو الحبل الذي يشد به البعير إلى الآخر.
كأنهم ولدوا من قبل أن ولدوا أو كان فهمهم أيام لم يكن
روى: لم يكن بالياء ردًا إلى الفهم، وبالتاء ردًا إلى الدنيا.
يقول: كأنهم ولدوا في الزمن الأول وشاهدوا أحواله وأحوال أهله.
الخاطرين على أعدائهم أبدًا من المحامد في أوقى من الجنن
الجنة ما يتقى به كالترس ونحوه.
يقول: إن محامدهم تقي أعراضهم فإذا خطروا على أعدائهم لم يقدروا على ذمهم، لكثرة من يمدحهم.
وقيل: إنه يصف شجاعتهم فيقول: إنهم إذا خطروا برماحهم على أعدائهم لا يظفرون بهم لقصورهم عنهم، وإن محامدهم وهي الخصال التي فيهم من الشجاعة وغيرها تقي أعراضهم، فكأنهم منها في سلاح أوقى من سائر الأسلحة.
للناظرين إلى إقباله فرحٌ يزيل ما بجباه القوم من غضن
الغضن: تكسر الجلد وتثنيه. القوم: الناظرين.
يقول: من نظر إليه فرح بلقائه. وبإقباله إليهم تنبسط وجوههم ويزول التكسر عن جباههم
كأن مال ابن عبد الله مغترفٌ من راحتيه بأرض الروم واليمن
يقول: إن معروفه يسافر فيصل إلى من نأى عنه، فكأنه يوصله إليهم من راحتيه. وإنما خص أرض الروم واليمن لأنها معروفة بسعة المال، فيشير إلى نهاية الجود، لأن أمواله إذا كانت مغترفةً إليها، دل على كثرة عطائه.
لم نفتقد بك من مزنٍ سوى لثقٍ ولا من البحر غير الريح والسفن
اللثق: الندى، والوحل.
يقول: أنت كالسحاب المغيث، إلا أن الوحل غير موجود فيك، لأنه أذى. وكذلك أنت البحر في السخاء: فلا يفقد فيك من البحر إلا ريحه وسفنه، التي لا تعلق لها بالجود، فأنت أفضل منهما بكثير.
ولا من الليث إلا قبح منظره ومن سواه سوى ما ليس بالحسن
يقول: أنت أسد، لا يفقد فيك إلا قبح منظره، ولا يفقد فيك من سوى الأسد إلا ما هو قبيح غير مستحسن، فهو غير موجود فيك.
منذ احتبيت بأنطاكية اعتدلت حتى كأن ذوي الأوتار في هدن
الاحتباء: جلسة مخصوصة ويكنى بها عن السيادة.
يعني: منذ وليت وسدت بأنطاكية سكن أهلها وزالت أحقادهم فكأنهم مصالحون.
ومذ مررت على أطوادها قرعت من السجود فلا نبتٌ على القنن
الطود: الجبل. والقرع: ذهاب الشعر عن الرأس. والقنن: جمع قنة وهي أعلى الجبل.
[ ١ / ١٤٧ ]
يقول: لما مررت على جبال أنطاكية سجدت لك، وأطالت السجود تعظيمًا لك، فانحسر النبات عن رأسها، فصارت قرع.
وقيل: إنه من قولهم قرع الإناء عما كان فيه: أي خلا عنه. يعني: أنك لما مررت عليها وجاوزتها ولم تقم بها، خلت عن السجود بعد ما لم تكن خالية منه، لأنك وأصحابك شغلتها بالسجود حين نزلت فيها. وروى: قرعت: أي قرعت إلى السجود. إعظامًا لك، فانحسر عنها النبات.
أخلت مواهبك الأسواق من صنع أغنى نداك عن الأعمال والمهن
الصنع: الحاذق بالصناعة. والمهن: جمع المهنة، وهي الخدمة والتبذل.
يقول: إنك أغنيت جميع الناس حتى خلت الأسواق من الصناع، وأغنيت الناس عن الصنائع والخدمة، لأن إحسانك قد كفل حاجاتهم وسد خلاتهم.
ذا جود من ليس من دهرٍ على ثقةٍ وزهد من ليس من دنياه في وطن
يقول: جودك بالأموال، جود من يعلم أنها زائلة عنه، وزهدك في الدنيا. زهد من يعلم أنه راحل عنها، فليس يرى دنياه من جملة وطنه، فلا يغتر بها ولا يثق بكونه فيها!
وهذه هيبةٌ لم يؤتها بشرٌ وذا اقتدار لسانٍ ليس في المنن
يقول: لم يؤت أحدٌ من البشر مثل هيبتك، وقدرة اللسان التي لك ليست في قوة أحد، والمنة: القوة.
وقيل: أراد بالثاني نفسه.
يعني: أن مدحي إياك وإنشادك القصيدة، ليس في مقدور أحد مثل ذلك، ولا لأحد من القوة مثل قوتي في المدح.
فمر وأوم تطع قدست من جبلٍ تبارك الله مجري الروح في حضن
حضن: اسم جبل بنجد. وفي الأمثال: أنجد من رأى حضنًا.
يقول: مر الناس إن شئت، وأوم: أي أشر من الإشارة إن شئت، فإنهم يطيعونك. قدست: أي طهرت من جبل. شبهة بالجبل لعظم هيبته وهمته وثبات عزه فتبارك الله الذي أجرى الروح في جبل.
وورد على أبي الطيب كتابٌ من جدته لأمه من الكوفة تستجفيه فيه! وتشكو شوقها إليه، وطول غيبته عنها، فتوجه نحو العراق ولم يمكنه دخول الكوفة على حاله تلك، فانحدر إلى بغدد، وقد كانت جدته يئست منه، فكتب إليها كتابًا يسألها المسير إليه، فقبلت كتابه وحمت لوقتها سرورًا به! وغلب الفرح على قلبها فقتلها! فقال يرثيها ويتحسر على وفاتها في غيبته ويفتخر بنفسه:
ألا لا أرى الأحداث حمدًا ولا ذمًا فما بطشها جهلًا ولا كفها حلما
يقول: إني لا أظهر للحوادث ولا أريها حمدًا ولا ذمًا، لأنها لا تستحق ذلك، لأنها تأتي من غير قصد، وذلك فعل الله تعالى، فلا أحمدها إذا أمسكت ولا أذمها إذا أصابتني؛ لأن بطشها ليس بفعل منها فأعده جهلًا منها، ولا كفها حلمًا، فلا معنى للمدح ولا للذم لها.
إلى مثل ما كان الفتى مرجع الفتى يعود كما أبدى ويكرى كما أرمى
أبدى: أصله بدأ. ويكرى: ينقص. وأرمى: زاد.
يقول: إن الإنسان إذا بلغ الغاية من عمره، أخذ في النقصان إلى أن يعود إلى ما كان عليه، ابتداء من العدم وإلى في قوله: إلى مثل متعلق بقوله: مرجع الفتى.
لك الله من مفجوعة بحبيبها قتيلة شوقٍ غير ملحقها وصما
المفجوعة: المتألمة للمصيبة. وقوله: لك الله دعاء لها. أي كان الله لك حافظًا. وقيل: إنه تعظيم لحالها في شدة فجيعتها، والوصم: العيب، أي أنها ماتت شوقًا إليه!! وهذا الشوق الذي قتلها لا يلحق بها عارًا؛ لأنه شوق لولدها.
أحن إلى الكأس التي شربت بها وأهوي لمثواها التراب وما ضما
الكأس: هو الموت. ومثواها: إقامتها.
يقول: أشتاق إلى الموت بعدها؛ لألحق بها، وأحب التراب، وما ضمها من القبر لأجل إقامتها فيه.
بكيت عليها خيفةً في حياتها وذاق كلانا ثكل صاحبه قدما
الثكل: موت الولد الحميم. وقدما: نصب على الظرف. أي في زمان وروى: خيفة وحقبة أي مدة من الدهر.
يقول: بكيت عليها قبل موتها خوفًا من ألا ألقاها، وذاق كل واحد منا ثكل صاحبه قديمًا؛ بما كان بيننا من طول الفرقة وبعد المشقة.
ولو قتل الهجر المحبين كلهم مضى بلدٌ باق أجدت له صرما
أجدت: أي جددت. وفاعله: المرثية.
يقول: إن أهل بلدها كانوا يحبونها؛ لسترها ودينها، فلو كان الهجر يقتل جميع المحبين لما كان أهل بلدها والذين يحبونها باقين بعدها، بل كانوا يمضون بمضيها ولا يبقوا بعدها. وقد جددت هذه المرأة لهم قطيعة.
[ ١ / ١٤٨ ]
منافعها ما ضر في نفع غيرها تغذى وتروي أن تجوع وأن تظما
تقدير البيت: منافعها ما ضرها في نفعها، غير محذوف العائد إلى ما وأضاف المصدر إلى المفعول. وحذف الفاعل كقوله تعالى: " لا يسأم الإنسان من دعاء الخير ". أي من دعائه الخير، وقوله: " بسؤال نعجتك ". أي سؤاله نعجتك.
يقول: إن منافع هذه المرأة فيما يضرها عند نفع غيرها. يعني: أنها كانت تضر بنفسها لتنفع غيرها، وإن ذكل كان نفعًا لها، لأنها كانت تؤثر غيرها على نفسها فتجوع وتظمأ، فكأن جوعها إذا أشبعت غيرها يقوم لها مقام غذائها، وكذلك عطشها إذا أروت غيرها يقوم مقام ارتوائها. والمصراع الثاني تفسير الأول.
وقال ابن جنى: إن الهاء في منافعها للأحداث أي منافع الأحداث فيما يضر غيرها وبأن تجوع وتظمأ، وهذا ضارٌّ لغيرها. يعني: أنها تريد أن تهلك الناس فتخلوا منهم الدنيا. كما قال:
كالموت ليس له ريٌّ ولا شبع
وقيل: إن في بمعنى اللام، أو بمعنى مع.
عرفت الليالي قبل ما صنعت بنا فلما دهتني لم تزدني بها علما
ما بمعنى المصدر: أي قبل صنعها بنا. وقيل: بمعنى الذي.
يقول: كنت عرفت الليالي وسوء صنيعها قبل وقوع ما أوقعت، فلما أوقعت ما أوقعت، وابتلتنا بموت الجدة، لم تصبني الليالي بشيء لم أعرفه من أحوالها، ولم تزدنا علمًا بسوء تصرفها.
أتاها كتابي بعد يأسٍ وترحةٍ فماتت سرورًا بي، فمت بها غما
نصب سرورًا وغمًا على المفعول له.
يقول: إن كتابي أتاها بعد ما يئست مني، وحزنت على فراقي، فماتت سرورًا بي ومت من الغم الذي حصل لي بموتها.
حرامٌ على قلبي السرور فإنني أعد الذي ماتت به بعدها سما
يقول: إن السرور حرام على قلبي؛ لأن موتها كان بالسرور! وذلك عندي كالسم. لما كان سبب موتها هو السرور، ولا ينبغي لأحد أن يقرب السم من قلبه.
تعجب من خطي ولفظي كأنها ترى بحروف السطر أغربةً عصما
العصم: جمع أعصم، وهو الذي في أحد جناحيه ريشة بيضاء. وقيل: هو الذي إحدى رجليه بيضاء، وذلك لا يكاد يوجد.
يقول: إنها تعجبت من كتابي! وكانت تنظر إليه وتكرر النظر اشتياقًا إلي واستعجابًا؛ لأن عندها أني قد مت، فكأنها ترى غرابًا أعصم؛ لفرط التعجب.
وتلثمه حتى أصار مداده محاجر عينيها وأنيابها سحما
السحم: السود. والمحاجر: ما حول العينين.
يعني: أنها لم تزل تقبله وتمسح به على وجهها وعينيها وهي تبكي، حتى اسودت أنيابها ومحاجرها.
رقا دمعها الجاري وجفت جفونها وفارق حبي قلبها بعد ما أدمى
رقا: أي انقطع.
يعني: أنها كانت تبكي علي وتحزن بسببي، فأراحها الموت من البكاء علي والوجد بي، فجفت دموعها وفارق حبي قلبها بموتها بعد ما كان جرحه وأسال دمه.
ولم يسلها إلا المنايا، وإنما أشد من السقم الذي أذهب السقما
يقول: لم يصبرها عني إلا الموت، الذي هو أشد من السقم الذي كان بها؛ لأن السقم يزيل الصحة، والموت يزيل الحياة ويبطلها.
طلبت لها حظًا، ففاتت وفاتني وقد رضيت بي لو رضيت لها قسما
يقول: طلبت لها حظًا بالعود إلى العراق، واستدعائها إلي حيث كنت.
وقيل: طلبت لها بالمفارقة والغربة حظًا من الدنيا، فقد ماتت هي وفاتني ذلك الحظ المطلوب! الذي هو لقاؤها أو غيره. وقد كانت راضية من الدنيا كلها بمقامي عندها، لو كنت أرضى لها بذلك القسم، لكن لم أرض لها بما رضيت لنفسها.
وقد روى: لو رضيت بضم الراء: ومعناه أنها كانت راضية بي لو رضي الله تعالى بي لها، وأن أكون عندها، ولكنه لم يرض بذلك.
فأصبحت أستسقيي الغمام لقبرها وقد كنت أستسقي الوغى والقنا الصما
يقول: كنت قبل موتها أطلب لها الحظ بالقنا والحرب، وأدفع بالقتال والقوة والشجاعة، وكنت أدعو القنا لصب الدماء، فلما ماتت! عدت أدعو لقبرها وأستسقي الغمام له. على ما جرت به عادة العرب.
وكنت قبيل الموت أستعظم النوى فقد صارت الصغرى التي كانت العظمى
يقول: كنت أستعظم النوى. أي فراقها، وهي سالمة، فالآن صار النوى الذي كنت أستعظمه صغرى، من حيث الموت.
هبيني أخذت الثأر فيك من العدى فكيف بأخذ الثأر فيك من الحمى؟
[ ١ / ١٤٩ ]
يقول: لو كان موتك على يد عدو، لكنت آخذ الثأر منه، ولكنني لا أقدر على أخذ الثأر من الحمى التي قتلتك.
وما انسدت الدنيا علي لضيقها ولكن طرفًا لا أراك به أعمى
يقول: ما انسدت الدنيا علي لضيقها، ولكن بسبب فقدك، والعين التي لا أراك بها عمياء، فلذلك انسدت علي الدنيا وضاقت
فوا أسفًا ألا أكب مقبلًا لرأسك والصدر اللذي ملئا حزما
أراد باللذي: اللذين، فحذف النون لطول الاسم. وهو مثل قول الأخطل:
أبني كليبٍ إن عمي اللذا قتلا الملوك وفككا الأغلالا
وأكب: إذا أقبل على الشيء.
يتأسف على فوته الانكباب على رأسها وصدرها مقبلًا ووصفها بأنها كانت ذات حزم ورأى، والحزم: جودة الرأي.
وألا ألاقي روحك الطيب الذي كأن ذكي المسك كان له جسما
أصله: أن لا ألاقي، فسكن ضرورة. والروح: يذكر في الأغلب وقد يؤنث. والذكي: الذي رائحته حادة.
يتأسف على فوته الملاقاة بها ليلقى روحها، ثم وصف الحب الذي هو قالب الروح بأنه كان من ذكي المسك.
وقيل: تأسف أنه لم يمت فيلقى روحها في الأرواح.
ولو لم تكوني بنت أكرم والدٍِ لكان أباك الضخم كونك لي أما
الضخم: هو الشريف العظيم القدر.
يقول: لو لم يكن لك أبٌ شريفٌ، لكان كونك لي أمًا يشرفك، ويغنيك عن شرف الآباء.
لئن لذ يوم الشامتين بموتها فقد ولدت مني لآنفهم رغما
يقول: لئن سرت الأعداء بموتها. أي يوم موتها فإن لقائي سيفهم، لأنها ولدت رجلًا يرغم أنفهم ويذلهم.
تغرب لا مستعظمًا غير نفسه ولا قابلًا إلا لخالقه حكما
يذكر نفسه ويقول: إنه تغرب، لا يستعظم أحدًا إلا نفسه!! ولا يرى أحدًا فوقه! ولا يرضى بحكم أحد إلا بحكم الله تعالى.
ولا سالكًا إلا فؤاد عجاجةٍ ولا واجدًا إلا لمكرمةٍ طعما
يقول: لم يزل في تغربه سالكًا، وسط غبار الحرب، ولا يلتذ بطعم شيء إلا طعم المكرمة، وليس تغريه لجمع المال مع الذي والهوان!!
يقولون لي: ما أنت؟ في كل بلدةٍ وما تبتغي؟ ما أبتغي جل أن يسمى
ما الأولى: استفهام. أي: على أي صفة أنت؟ وكذلك الثانية. والثالثة: بمعنى الذي.
يقول: كل بلدة دخلتها فأهلها يستعظمون حالي، ويسألون عن مرامي، وأنا لا أخبرهم بحالي، فإنها أعظم من أن تسمى.
وقيل: أراد أنهم إذا سألوني: ما الذي تبتغي؟ فجوابي: ما أبتغيه جل أن يسمى! كأنه أراد: الملك، أو النبوة، أو الإمامة.
كأن بنيهم عالمون بأنني جلوبٌ إليهم من معادنه اليتما
الكناية في بنيهم: للشامتين. والهاء في معادنه: لليتم، غير أنه قدمه في اللفظ، وهو مؤخر في المعنى.
يقول: إن أبناء أعدائي يفرون مني! فكأنهم يعلمون أني أجلب إليهم اليتم من معادنه، بأن أقتل أباءهم فأؤتمهم! وكثرة سؤالهم تدل على ذلك.
وما الجمع بين الماء والنار في يدي بأصعب من أن أجمع الجد والفهما
يقول: إن الجمع بين الماء والنار في موضع واحد، ليس بأصعب من الجمع بين البخت والعلم!! فهما منزلان في الاستحالة منزلة واحدة.
ولكنني مستنصرٌ بذبابه ومرتكبٌ في كل حالٍ به الغشما
أراد بالذباب: السيف، فأضمره، وذبابه: حده. والغشم: الظلم. يقول: إني وإن لم تساعدني الأيام، أطلب النصر بالسيف، وأرتكب الظلم، حتى أنال به ما أريد أخذه. من قول عمرو بن معد يكرب.
وخيلٍ قد دلفت لها بخيلٍ تحية بينهم ضربٌ وجيع
وجاعله يوم اللقاء تحيتي وإلا فلست السيد البطل القرما
القرم: السيد الرئيس.
يقول: أعدائي يوم الحرب، ضربت وجوههم بالسيف، وأقمته مقام التحية وإن لم أفعل فلست بسيد شجاع، ولا كريم مطاع.
إذا فل عزمي عن مدىً خوف بعده فأبعد شيءٍ ممكنٌ لم يجد عزما
قوله: خوف: فاعل فل. وعزمي: فاعله.
يقول: إذا كسر عزمي؛ مخافة بعد المدى. يعني: كلما رمت أمرًا بعيدًا فأكسر عزمي خزفًا من بعده، فلم أظفر بمطلوب أبدًا، فإنه إنما يدرك بصحة العزم، وأقرب الأشياء تناولًا إذا لم يكن عزم على تناوله فهو أبعد الأشياء.
[ ١ / ١٥٠ ]
وقيل: أراد أني إذا تركت أمرًا بعيدًا خوفًا من بعده؛ لانفلال عزمي دونه، فإني أركب ما هو أبعد منه، حيث لم يتقدمه عزم، من تعريض نفسي للقتل وطلب الموت.
قلت: يجوز أن يكون مراده بذلك الدعاء على نفسه. يقول: إذا تركت الأمر لبعد تناوله وعسر مرامه، فأبعد الأشياء إمكانًا لم يجد عزمي. فكأنه يقول: ما وصلت أبدًا إلى مرام أصعب، على جهة الدعاء.
وإني لمن قومٍ كأن نفوسنا بها أنفٌ أن تسكن اللحم والعظما
كان القياس أن يقول: كأن نفوسهم، غير أنه يختار رد الكناية إلى الإخبار عن النفس؛ لما فيها من مبالغة المدح.
يقول: إنا نختار الموت ونلتذه؛ فكأن نفوسنا تأنف أن تسكن العظم واللحم، فتحب مفارقتهما وتحرص على التخلص منهما.
كذا أنا يا دنيا إذا شئت فاذهبي ويا نفس زيدي في كرائهها قدما
يقول: كذا أنا. أي: هكذا مذهبي. وقيل: أراد أنا مثل قومي، لا أرغب في الدنيا، فمتى شئت أيها الدنيا فاذهبي، ويا نفسي ازدادي في كراهة الدنيا وشدائدها، فإني لا أبالي بالدنيا وحياتها، وخيالاتها.
فلا عبرت بي ساعةٌ لا تغرني ولا صحبتني مهجةٌ تقبل الظلما
روى: غبرت وعبرت. أي مضت. يعني إنما أريد الحياة للعز، فكل ساعة لا أكسب فيها عزًا أماتني الله قبلها، ولا صاحبت نفسي محتملةً للظلم، وفرق الله بيني وبينها.
وجعل قومٌ يستعظمون ما قال في آخر هذه القصيدة فقال
يستكثرون أبياتًا نأمت بها لا تحسدن على أن ينئم الأسدا
نأم ينأم: أي صوت. والنئيم: الصوت والأبيات: تصغير الأبيات. وأراد بتصغيرها أنها صغيرة إلى جنب فعله. ونصب الأسد بتحسدن أي لا تحسدون الأسد. وأن مع الفعل: بمعنى المصدر. أي على نئيمه.
يقول: إنهم استعظموا هذه الأبيات، وفعالي أعظم منها، فأنا الأسد، والأسد لا يحسد على زئيره؛ لأن فعله أعظم من صوته، فلا ينبغي أن تحسدوني على ذلك.
لو أن ثم قلوبًا يعقلون بها أنساهم الذعر مما تحتها الحسدا
الهاء في تحتها: للأبيات، وفي بها: للقلوب.
يعني: لو كان لهم قلوب فيها عقول لأنساهم ما تضمنته أبياتي من الذعر والحسد الذي هم عليه.
وقال يمدح القاضي أبا الفضل أحمد بن عبد الله بن الحسن الأنطاكي
لك يا منازل في القلوب منازل أقفرت أنت وهن منك أواهل
أواهل: جمع آهلة، أي عامرة.
يقول: يا منازل أحبائي، لك منازل في قلبي، أنت نازلة فيها. أي: إني أذكرك وأذكر أهلك، وقد أقفرت أنت عن أهلك النازلين بك. وقوله هن أي المنازل التي في قلبي عامرة بذكرك وذكر أهلك.
يعلمن ذاك وما علمت، وإنما أولاكما يبكي عليه العاقل
يعلمن: أي المنازل التي في القلب. والهاء في عليه للأولى.
يقول: منازلك في قلبي عالمةٌ بأنك قد أقفرت، وأنت لا تعلمين ذلك، فلما علمت أنك قد أقفرت، وتألمت، وحزنت، وهي عاقلة. فكانت هي أولى بأن يبكى عليه منك؛ لأنك غير عاقلة.
وقيل: أراد أنها تعلم ما يصيبها من ألم الشوق وأنواع الهم، وأنت الجاهلة بذلك فهي أولى بالبكاء.
وقيل: معناه أنها عالمة بنزولك فيها، وأنت جماد لا تعلمين من نزل فيك، فالعاقل منكما وهو قلبي أولى بأن يبكى عليه؛ لنزولك فيه.
وأنا الذي اجتلب المنية طرفه فمن المطالب والقتيل القاتل؟!
يقول: طرفي جلب إلي هلاكي! فمن أطالب بدمي؟ والمقتول هو القاتل! لأن بعضي قتل بعضي. ومثله قول الآخر:
أذت نارًا بيدي أشعلتها في كبدي
وأحسن من ذلك قول ابن المعتز:
كنت صباحي قرير عيني فصرت أمسي صريع بيني
تخلو الديار من الظباء وعنده من كل تابعةٍ خيالٌ خاذل
التابعة: الغزالة التي تتبع أمها. والخاذل: المتأخرة عن القطيع في المرعى، والمختشية على خشفها. والهاء في قوله: وعنده راجع إلى الذي في قوله: وأنا الذي اجتلب وأراد نفسه.
يقول: تخلو الديار من أهلها الذين هم كالظباء وعند نفسي من كل كالغزالة التابعة للظبية، خيال متأخر عنهن، كالظبية الخاذل.
وقال ابن جنى: أراد بقوله: من كل تابع أي من كل جارية تابعة لأقاربها؛ لصغر سنها كما تتبع الغزال أمها.
اللائي أفتكها الجبان، بمهجتي وأحبها قربًا إلي الباخل
[ ١ / ١٥١ ]
اللائي جمع: التي. وأفتكها: أي أكثرها فتكًا، ورجل فاتك: أي شجاع. والباء: متعلق بفعل مضمر تقديره: اللائي أفتكها الجبان، فتكت بمهجتي. فلما دل عليه أفتكها حذفه.
والمعنى: أن تلك الظباء من كان منها أجبن. كان أقدر على قتلي وفتك مهجتي. وذلك إشارة إلى نفارها، ومن كان منهن أبخل، فهو أحب إلي قربًا؛ لأن الوصل من الممتنع ألذ. ومنه قول جرير
يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به وهن أضعف خلق الله أركانا
الراميات لنا وهن نوافرٌ والخاتلات لنا وهن غوافل
يقول: إنهن يرميننا بسهام عيونهن، وينفرن منا والعادة أن ينفر المرمي من الرامي. ويخدعننا بمواعيدهن وهن غريرات لا يعرفن مكرًا ولا خديعة، والعادة أن الخادع يكون ذا مكر وخديعة.
وقيل: أراد أنهن يصطدننا بعيونهن من غير قصد منهن، ويفسدن قلوبنا من غير إرادتهن؛ لأننا ننظر إليهن وهن غوافل والمصراع الثاني تأكيد كذلك.
كافأننا عن شبههن من المها فلهن في غير التراب حبائل
المها: بقر الوحش. شبه النساء بهن لسواد أحداقهن والحبائل: جمع حباله، وهي شرك الصائد.
يقول: إن هذه النساء جازيننا عن بقر الوحش التي أشبهتها هذه النساء، فاصطدننا كما صدناهن بالحبائل، غير أن حبائلهن بخلاف الحبائل التي يصطاد بها الوحش؛ لأنها نبت في التراب، وهذه الحبائل هي: العيون، والقدود، والوجوه، وما أشبهها.
من طاعني ثغر الرجال جآذرٌ ومن الرماح دمالجٌ وخلاخل
الثغر: جمع ثغرة، وهي النقرة بين بين. والجآذر: أولاد بقر الوحش.
يقول: إن هذه الجآذر يطعن في صدور الرجال كما يطعن الفرسان، ورماحهن الدمالج والخلاخيل فهن لهن بمنزلة الرماح للرجال، لأنهن يعملن بالقلوب مثل عمل الرماح.
ولذا اسم أغطية العيون جفونها من أنها عمل السيوف عوامل
يقول: إنما سميت أغطية العيون. جفونًا؛ لأن ما فيها من الأحداق تعمل عمل السيوف، ولولا أنها سيف لما سميت أغطيتها جفونًا.
كم وقفةٍ سحرتك شوقًا بعد ما غرى الرقيب بنا ولج العاذل
روى: سحرتك بالحاء أي أدهشتك. وبالجيم: أي: أوقدت فيك نارًا. وروى: شجرتك: أي طلبتك. وقوله غرى: أي ولع يقول: كم وقفة للوداع، ملأت هذه العيون قلبك شوقًا أو ملأته نارًا، وألهبت في قلبك نار من الشوق، وقد لج العاذل في العذل، ولازمك الرقيب في الحفظ.
دون التعانق ناحلين كشكلتي نصبٍ أدقهما وضم الشاكل
نصب ناحلين: على الحال، والعامل فيه: وقفة. ودون: نصب على الظرف، والعامل ما تقدم.
يقول: كم وقفة وقفنا للوداع، وكنا ناحلين، وبقينا دون المعانقة من خوف الرقيب، وكنا قريبين، كتقارب شكلتي نصبٍ دقيقتين قريبتين بعضها من بعض، أدقهما الشاكل، وضم إحديهما إلى الأخرى. أي قارب بينهما. وقد احترز في ذلك عن البناء لأن الشكلتين إذا اجتمعا في النصب كانتا تنوينًا، والتنوين يختص بالنصب؛ لأن الفتح لا يكون تنوينًا.
إنعم ولذ فللأمور أواخرٌ أبدًا إذا كانت لهن أوائل
لذ: أمر من لذ يلذ.
يقول: اغتنم الشباب وتنعم وتلذذ فإن للشباب آخر، كماله أوله فإن الأوائل لها أواخر.
ما دمت من أرب الحسان فإنما روق الشباب عليك ظلٌّ زائل
روق الشباب: أوله. والأرب: الحاجة.
يقول: تنعم ما دمت على حالة متعلق حاجات الحسان البكر. وهي حالة الشباب؛ فإن الشباب لا يبقى عليك، كالظل الذي لا يبقى بل يزول. وهو من قول امرىء القيس:
تمتع من اللذات إنك فاني
ومثله ليزيد بن معاوية:
خذوا بنصيبٍ من نعيمٍ ولذةٍ فكلٌّ وإن طال المدى يتصرم
للهو آونةٌ تمر كأنها قبلٌ يزودها حبيبٌ راحل
آونة: جمع أوان. واللهو: السرور. وروى: يزودها ويزورها. فإن أردت بالحبيب. المحبوب، فالأجود كسر الواو وإن أردت به المحب فالفتح أولى.
يعني أن أوقات السرور سريعة المرور، كأنها قبل أحباءٍ في وقت الارتحال، في اللذة وسرعة الزوال.
جمح الزمان فما لذيذٌ خالصٌ مما يشوب ولا سرورٌ كامل
جمح: أي عصى.
يقول: إن الزمان جموح يكدر اللذات، فكل لذيذ مشوب بالتنغيص، وكل سرور فيه، ناقص غير كامل.
حتى أبو الفضل بن عبد الله رؤ يته المنى وهي المقام الهائل
[ ١ / ١٥٢ ]
يقول: كل لذة منغصة، حتى رؤية أبي الفضل، فإنها منية كل نفس، ولكنها مشوبة بالهول والهيبة؛ فهي منغصة من هذا الوجه. وصفة بالهيبة.
قال ابن جنى: هذا مخلص إلى المدح غريب ظريف، لا أعرفه لغيره.
ممطورةٌ طرقي إليها دونها من جوده في كل فجٍّ وابل
الهاء في إليها ودونها: للرؤية. والفج: الطريق الواسع.
يقول: إن الطرق التي سلكها إلى رؤيته، كانت غير خالية من عطاياه، التي هي كالمطر الوابل، فكأن الطريق أصابه المطر.
محجوبةٌ بسرادقٍ من هيبةٍ تثنى الأزمة، والمطي ذوامل
السرادق: خيمة تضرب على أبواب الملوك لقعود الناس فيها إلى وقت الإذن.
وقيل: هو ما يحاط حول الخيمة مثل السور. وتثنى: أي تصرف. وفاعله: ضمير الهيبة. وذوامل: جمع ذاملة، وهي السريعة السير. ومحجوبة: قيل أراد بها الطرق، أي أن الطريق التي مررت بها إليه، كانت عليها سرادق من هيبته، تمنع الناس من العدول عنه إلى غيره، ومطايا الناس إليه سريعة.
وقيل: إن رؤيته محجوبة مهيبة، تصرف الأزمة، حتى لو أن المطايا ذوامل في سيرها، واعترضتها هذه الهيبة لصرفتها، وعدلت المطية عنها. خوفًا من الإقدام واستعظامًا لهيبته.
للشمس فيه وللرياح وللسحا ب وللبحار وللأسود شمائل
الشمائل: الأخلاق.
يقول: للشمس فيه إضاءتها ومنفعتها وشهرتها وارتفاع محلها، وشبه الريح بدوام عطائه وقوته وكثرة تقلبه في الحروب وشبه السحاب بجوده، والبحار بهوله وسعة صدره وغزارته في العلم، والأسد في إقدامه وشجاعته.
ولديه ملعقيان والأدب المفا د وملحياة وملممات مناهل
أراد. من العقيان: الذهب. والمناهل: المشارب.
يقول: عند موارده هذه أرى أشياء. فالذهب لسائله، والأدب لطالبه، والحياة لأوليائه؛ بالعفو عن الجاني، والممات لأعدائه.
لو لم يهب لجب الوفود حواله لسرى إليه قطا الفلاة الناهل
لو لم يهب: أي لم يخف. واللجب: اختلاط الأصوات وحواله: أي حوله: والناهل: العطشان. وهو نعت للقطا وهو مرفوع.
فإن شئت رفعته بالفعل الأول: وهو لم يهب. وأسندت الفعل الثاني: وهو لسرى إلى ضمير القطا. أي لو لم يهب قطاة الفلاة الناهل لجب الوفود لسرى إليه. وهذا اختيار أهل الكوفة.
فإن شئت رفعته بالفعل الثاني، وأضمرت للفعل الأول الفاعل، وهو اختيار أهل البصرة.
يقول: لولا أن القطا تخاف أصوات الوفود على بابه وحوله، لكانت تسري إليه لتشرب من مناهله وتفد مع جملة الوفود إليه.
يدري بما بك قبل تظهره له من ذهنه ويجيب قبل تسائل
الهاء في تظهره لما وفي له، وذهنه وغيره من الضمائر: للممدوح.
يقول لنفسه أو لصاحبه: إنه إذا رآك علم ما في نفسك قبل إظهارك له وأجابك عن سؤالك.
وتراه معترضًا لها وموليا أحداقنا وتحار حين تقابل
أحداقنا: رفع لأنه فاعل تراه والهاء في لها للأحداق. ونصب موليا ومعترضا على الحال. والاعتراض: هو المفاجأة. وقيل: هو أن يلي جنبه.
يقول: إن أحداقنا إنما يمكن أن تراه إذا ولي عنا ظهره، أو يظهر مفاجأة أو موليًا جنبه، فإذا قابلته لوجهه تحيرت من هيبته ونور غرته، فلا يمكنك أن تنظر إليه.
كلماته قضبٌ، وهن فواصلٌ كل الضرائب تحتهن مفاصل
القضب: السيوف. وفواصل: أي قواطع، أي تفصل الأمور. والضرائب: جمع الضريبة، وهي محل الضرب.
يقول: إن كلماته قواضب كالسيوف تفصل بين الحق والباطل وكل الضرائب: أي المشكلات عند هذه الكلمات كالمفاصل.
هزمت مكارمه المكارم كلها حتى كأن المكرمات قبائل
وروى قنابل: وهي جماعات الخيل.
يقول: إن مكارمه هزمت جميع المكارم وأبطلتها، فكأنها العساكر تقابل بعضها بعضًا.
وقتلن دفرًا والدهيم فما ترى أم الدهيم وأم دفرٍ هابل
دفر: اسم الدنيا. ودهيم: اسم الداهية. والهابل: الثاكل. وأفرد الضمير في ترى، وكان حقه أن يقول: تريان فاكتفى بالواحدة، كذلك في هابل. وعلى هذا أم زائدة.
وقيل: أم الدفر: اسم الدنيا. وأم الدهيم: اسم الداهية على وجه الكنية.
ومعناه: أن مكارمه قتلت بنت الدنيا وبنت الداهية، فالدنيا والداهية قد ثكلتا ابنيهما، يعني: أن مكارمه كفت الناس حوادث الدهر.
[ ١ / ١٥٣ ]
علامة العلماء واللج الذي لا ينتهي، ولكل لجٍّ ساحل
علامة: كثير العلم، والهاء: للمبالغة. وجعله علامة العلماء زيادة للمبالغة: يصفه بكثرة العلم. وشبهه بالبحر في علمه وجوده، وفضله على البحر.
لو طاب مولد كل حيٍّ مثله ولد النساء وما لهن قوابل
يقول: لو طاب مولد كل حيٍّ، مثل طيب مولده، لما احتاج النساء إلى القوابل، حتى لا يشاهدن المستور من أحوالهن. كأنه نزه أمه عن وقوع بصر القوابل على عورتها عند الولادة.
وهذا ليس فيه فائدة؛ لأن طيب المولد: أي علاقة له بسهولة الولادة. وأي مدح في ذلك وفي الاستغناء عن القوابل؟! وإن أراد به سعة الرحم بانحلال الرباط، لكان السكوت عنه أولى.
لو بان بالكرم الجنين بيانه لدرت به ذكرٌ أم أنثى الحامل
يقول: لو تبين الجنين بالكرم الذي له، لكان بان هو في بطن أمه، وكانت الحوامل تعلم أنه ذكر أم أنثى. وهذا لا طائل فيه ولا فائدة.
ليزد بنو الحسن الشراف تواضعًا هيهات تكتم في الظلام مشاعل
يقول: ليزدد هؤلاء الأشراف تواضعًا؛ لأنهم في الشرف مشهورون، فتواضعهم لا يضع قدرهم؛ لأن شرفهم لا ينكتم بالتواضع، كما لا ينكتم ضوء المشاعل في الظلام، بل الظلام يزيدها ضوءًا، كذلك تواضعهم.
ستروا الندى ستر الغراب سفاده فبدا، وهل يخفى الرباب الهاطل؟!
السفاد للطير: كجماع الإنسان. والرباب: السحاب الأبيض، وقيل: هو الذي فوقه سحاب آخر. والهاطل: المتتابع القطر.
يقول: إنهم اجتهدوا في إخفاء عطائهم فظهر ولم ينكتم، بل انتشر كالمطر الهاطل من السحاب.
جخفت وهم لا يجخفون بها بهم شيمٌ على الحسب الأغر دلائل
جخف وجمخ: إذ افخر والشيم الأخلاق. وقيل: هي الدلائل. وفاعل جخفت: شيم تقديره. جخفت بهم شيم وهم لا يجخفون بها.
يقول: إن شيمهم تفتخر بهم؛ لحلولها فيهم، وهم لا يفتخرون بها؛ لأن أخطارهم أعظم. مع أن تلك الشيم هي أشرف الشيم، من حيث أنها دلائل على حسبهم الأغر الكريم.
متشابهي ورع النفوس: كبيرهم وصغيرهم عف الإزار حلاحل
متشابهي: نصب على الحال. عفٌّ وعفيف: واحد. والحلاحل: السيد.
يقول: كلهم متشابهون في الورع: صغيرهم وكبيرهم، وكلهم سادة كرام، عفف الإزار، لا يقربون الفاحشة ولا يسعون إلى زنا، ولا ريبة.
يا افخر فإن الناس فيك ثلاثةٌ: مستعظمٌ، أو حاسد، أو جاهل
أي: يا هذا افخر فحق لك الفخر، ويجوز أن يكون بمعنى: التنبيه.
يقول: إن الناس فيك ثلاثة أقسام: إما مستعظم لقدرك، وإما حاسد لفضلك، وإما جاهل بك لا يعرف حقيقة حالك. ومثله قول ذي الرمة:
وما زلت تعطي النفس حتى تجاوزت مناها فأعط الآن إن شئت أو دع
ولقد علوت فما تبالي بعدما عرفوا: أيحمد أم يذم القائل
يقول: أنت علوت حتى استقر عند كل أحدٍ علو قدرك، فما تبالي بعد ذلك بحمد حامد ولا بذم ذام، وصارا عندك سواء.
أثني عليك ولو تشاء لقلت لي قصرت فالإمساك عني نائل
يقول: أثني عليك وأنا مقصر في وصفك، فلو شئت لقلت لي: إنك قصرت، فإذا أمسكت عني وقبلت مدحي مع تقصيري، فكأنك قد أعطيتني سوى ما أعطيت.
وقيل: أراد إن لم تعطني على مدحي فقد أحسنت لما في مدحي من التقصير.
لا تجسر الفصحاء تنشد ها هنا بيتًا ولكني الهزبر الباسل
وروى: لا تحسن. الهزبر: الأسد. والباسل: الشجاع.
يقول: لا يقدر أحدٌ من الفصحاء أن ينشد في مجلسك بيتًا واحدًا؛ هيبةً منك. لكني خالفت سائر الفصحاء جسارةً وقوة قلب، فأنا كالأسد الشجاع، فلهذا تجاسرت عليك.
ما نال أهل الجاهلية كلهم شعري، ولا سمعت بسحري بابل
أرض العراق كلها: بابل وهي على ما يقال: قرية من العراق، وخصصت بالسحر؛ من أجل هاروت وماروت يقول: إن أهل الجاهلية ما نالو مثل شعري، وكذلك أهل بابل ما سمعوا بمثل سحري؛ لرقة ما أستنبط من المعاني. وأراد: أن شعري أجود الأشعار وأرق من السحر؛ لأن البليغ يمكنه أن يذم الممدوح، ويمدح المذموم! ولهذا قال ﷺ: " إن من البيان لسحرا ".
وإذا أتتك مذمتي من ناقصٍ فهي الشهادة لي بأني فاضل
[ ١ / ١٥٤ ]
يقول: إذا رأيت الجاهل والناقص يذمني، فذلك دليل على فضلي؛ لأنه إنما يذمني لأنه ضدي كما قيل:
والجاهلون لأهل العلم أعداء
ومثله قول الشاعر:
وذو النقص في الدنيا بذي الفضل مولع
ومثله قول الطرماح
وإني شقيٌّ باللئام ولن ترى شقيًا بهم إلا كريم الشمائل
من لي بفهم أهيل عصرٍ يدعي أن يحسب الهندي فيهم باقل
أهيل: تصغير أهل. وباقل: هو المضروب به المثل في العي، وهو من بني مازن، وقيل: من بني قيس بن ثعلبة.
يقول: كيف أفهم أهل زمانٍ يدعى عندهم باقل، أن يحسب حساب الهند، وقد كان من عيه ما ضرب به المثل.
قال ابن جنى: هذا غير جيد، لأن باقلًا، لم يؤت من الحساب، وإنما أتي من النطق. فلو قال: أن ينظم الأشعار فيهم باقل. أو قال: أن يفحم الخطباء فيهم باقل. لكان أشبه بالقصة.
والجواب: أنه أراد إيراد لفظ الحساب للعجز عنه.
وأما وحقك فهو غاية مقسمٍ للحق أنت وما سواك الباطل
المقسم: الحالف. وبالفتح: هو القسم، وهو الأولى.
يقول: أحلف بحقك، وهو نهاية القسم، أنك ذو الحق، وما سواك ذو الباطل. وقيل: أراد أنك السيد حقًا، وكل سيد سواك فهو الباطل، ولا حقيقة له. كقوله:
كأنك مستقيمٌ في محال
الطيب أنت إذا أصابك طيبه والماء أنت إذا اغتسلت الغاسل
وروى: إذا اغتسلت الغاسل، تقديره: إذا أصابك الطيب، فأنت طيبة، والماء الغاسل أنت: إذا اغتسلت.
يجوز نصبه بفعل مضمر يدل عليه الغاسل: أي تغسل الماء إذا اغتسلت. ثم صار الغاسل بك لامنه ودالًا عليه.
ويجوز رفعه فيكون مبتدأ، والغاسل، صفته، وأنت خبره.
يقول: إن الطيب إذا أصابك يطيب بك! والماء إذا اغتسلت به، اكتسب منك الطهارة.
ما دار في الحنك اللسان وقلبت قلمًا بأحسن من ثناك أنامل
الثنا: مقصور يستعمل في المدح والذم. والثناء: ممدود، في الحسن خاصة. والنثا: بتقديم النون، روى أيضًا.
يقول: ما دار في الفم اللسان، ولا قلبت الأنامل قلما بأحسن من ثناك: أي ما قيل، ولا كتب، أحسن من أخبارك، ومدحك.
وقيل: ما أنشد أحدٌ ولا كتب أحسن من شعري في مدحك وثنائي عليك.
وقال يمدح أخاه أبا سهل سعيد بن عبد الله الأنطاكي:
قد علم البين منا البين أجفانا تدمى، وألف في ذا القلب أحزانا
تقديره: قد علم البين أجفانًا منا البين، وتدمى الأجفان، وهي حال لها.
يقول: قد علم البين بيننا أجفاننا البين فلا تلتقي بكاءً وسهرًا، وتدمى يدل عليها، لأن البكاء وطول السهر يؤديان إلى الإدمان، وكذلك جمع البين في قلبي هذا أحزانًا، فليس فيه سرورًا، كما لا نوم في العين.
أملت ساعة ساروا كشف معصمها ليلبث الحي دون السير حيرانا
المعصم: موضع السوار من اليد.
يقول: رجوت وقت سير قومها أن تكشف هي معصمها ليقف قومها متحيرين عند رؤيته؛ لنوره وحسنه ويتعجبوا من ضوئه، فأتمتع أنا بالنظر إليها، والوقوف معها ساعة.
ولو بدت لأتاهتهم فحجبها صونٌ عقولهم من لحظها صانا
أتاهتهم: أي حيرتهم. وصون: رفع؛ لأنه فاعل حجبها. وعقولهم: نصب؛ لأنه مفعول صان، وفاعله: ضمير صون.
يقول: لو بدت هذه المرأة بأجمعها؛ لحيرتهم وأذهبت عقولهم؛ فحجبوها صيانة لعقولهم من لحظها. وتقديره: فحجبها صونٌ صان من لحظها.
بالواخدات وحاديها وبي قمرٌ يظل من وخدها في الخدر حشيانا
الواخدات: الإبل السراع. والحشيان: الذي علاه البهر من التعب، وروى: بالخاء من الخشية.
يقول: أفدي بالإبل وحاديها وبنفسي قمرًا، صفتها أنها يأخذها. البهر عند إسراع الإبل في السير، لنعومتها.
وبالخاء: أنها تخشى عند شدة سيرها من شدة إقلاقها إياه. أراد: أن هذا القمر الكافل بالإبل وحاديها وبنفسي، وأمرنا إليه وسرورنا بوصاله، وحزننا لفراقه، فهو المتصرف فينا كما يشاء.
أما الثياب فتعرى من محاسنه إذا نضاها ويكسى الحسن عريانا
التذكير: للقمر. والتأنيث: للثياب. وعريانًا: نصب على الحال، المعنى: أن الثياب تحسن به، لا أنه يحسن بها، فإذا أخلاها عريت من محاسنه التي اكتسبتها منه. وإذا عري هو من الثياب اكتسى حسنًا أكثر وأزيد من لبسه الثياب.
[ ١ / ١٥٥ ]
يضمه المسك ضم المستهام به حتى يصير على الأعكان أعكانا
الأعكان: جمع العكن، وهو ما يتكسر في أسفل البطن من الشحم والسمن.
يقول: إن المسك يعبق بجسمها، ويضمه كأنه عاشق له، ويلصق به. كما ينضم العاشق إلى المعشوق، حتى يصير المسك أعكانًا فوق أعكانها.
قد كنت أشفق من دمعي على بصري فاليوم كل عزيزٍ بعدكم هانا
يقول: كنت قبل الفراق أمسك عن البكاء؛ خوفًا على بصري أن يصبه دمعي، فاليوم لما نأيتم طال بكائي وهان علي كل عزيز!
تهدي البوارق أخلاف المياه لكم وللمحب من التذكار نيرانا
البوارق: السحائب ذات البرق. وعنى بالمحب نفسه.
يقول: إن السحائب ذوت البروق، تهدي إليكم فروع المياه، وأهدت إلي نار الشوق، عند تذكري إياكم.
يعني: أني إذا رأيتها تذكرت عهدي معكم، فألهبت في أحشائي نار الشوق إليكم، فجعلت السحائب المطر لكم والبرق لي. والأخلاف: جمع خلف، وهو للناقة بمنزلة الثدي للمرأة.
إذا قدمت على الأهوال شيعني قلبٌ إذا شئت أن يسلاكم خانا
السلو، والسلوة، والسلوان: طيب النفس عن المفقود.
يقول: إذا أردت الإقدام على الأمور الهائلة، فإن قلبي يشيعني على كل هول، إلا الصبر عنكم، فإن قلبي لا يشيعني على ذلك، بل يخونني ويخالفني؛ لأن ذلك أعظم من كل هول.
أبدو فسيجد من بالسوء يذكرني ولا أعاتبه صفحًا وإهوانا
إهوانًا: جاء به على الأصل في الصحيح للضرورة. والاستعمال في القياس: إهانة. ونصبه: صفحًا على المفعول له، وقيل: على المصدر، بفعل مضمر. أي: أصفح عنه صفحًا، وأهينه إهوانًا، ولا أعاتبه. دليل على المحذوف.
يقول: إذا ظهرت فإن من يذكرني بسوءٍ في حال الغيبة يسجد لي هيبةً مني، ولا أعاتبه على ما يذكرني به من السوء صفحًا. وإهانة. ومثله لجميل:
إذا أبصروني طالعًا من ثنية يقولون: من هذا؟ وقد عرفوني
وهكذا كنت في أهلي وفي وطني إن النفيس غريبٌ حيثما كانا
يقول: هكذا كنت بين أهلي ووطني، لم أخل من حاسد يحسدني على فضلي، ويذكرني بسوءٍ من ورائين، فإذا ما ظهرت له يسجد لي والشريف حيثما كان غريب، لا يخلو من حاسدٍ ولا عاتب، فكنت أبدًا غريبًا بهذا الوجه؛ لأني لم أجد من يشاكلني ويوافقني.
محسد الفضل، مكذوبٌ على أثري ألقى الكمي ويلقاني إذا حانا
يقول: لم أزل محسودًا ومكذوبًا على أثري؛ لأنه لم يمكن لأحد أن يواجهني بالسوء، ولم أزل شجاعًا ويلقاني الشجاع، إذا دنا هلاكه.
لا أشرئب إلى ما لم يفت طمعًا ولا أبيت على ما فات حسرانا
طمعًا: نصب على المفعول له، أو على المصدر، كما في قوله: صفحًا يقول: لا أمد عنقي فيما لا يصل إلي طمعًا فيه، وإن فاتني شيء لم أتحسر عليه، وكأنه أخذ هذا المعنى من قوله تعالى: " لكيلا تأسوا على ما فاتكم ".
ولا أسر بما غيري الحميد به ولو حملت إلي الدهر ملآنا
أي لا أسر بما آخذه من عطاء الناس؛ لأن المعطي هو المحمود به، ولو حملت أيها الإنسان إلى الدهر ملآنًا من العطاء، فإني لا أفرح به، بل إنما أسر بما أعطى غيري بما فيه من الثناء والحمد. يعني: أن رغبتي في الحمد منه في الصلة.
لا يجذبن ركابي نحوه أحدٌ ما دمت حيًا وما قلقلن كيرانا
قلقلن: أي حركن. والكيران: الرحل. واحده كور، وهو الرحل بأداته. والهاء في نحوه لأحد. أي لا يجذبن أحد ركابي. وما في قوله: ما دمت وما قلقلن نصب على الظرف.
يقول: لا يجذب إبلي أحد من الملوك نحوه ما دمت حيًا، ودامت الإبل تحرك رحالها. أي ما دامت تسير الإبل، أي لا أقصد أحدًا أبدًا. وروى: بعده أحد. أي لا أقصد بعد هذا الممدوح أحدًا.
لو استطعت ركبت الناس كلهم إلى سعيد بن عبد الله بعرانا
يقول: لو قدرت ركبت الناس كلهم، كما يركب البعير.
وقصدت عليهم هذا الممدوح، وأراد بذلك أكثر الناس؛ لأنه يقال: إن أمة من الناس يقتضي ركوبها، وقد بين أنه أراد البعض فيما يليه. والبعران: جمع بعير، ونصبه يجوز من أوجه: أحدها: المصدر الواقع موقع الحال، أي ركبتهم مثل البعران، ثم حذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه.
والثاني: بإضمار فعل دل عليه ركبت، أي صيرتهم بعرانًا.
[ ١ / ١٥٦ ]
والثالث: على التمييز؛ لأن قوله: ركبت الناس احتمل الركوب والاستيلاء والقهر، ففسره بالمعنى المقصود، ونصبه على التمييز كقولهم: امتلأ الإناء ماءً.
فالعيس أعقل من قوم رأيتهم عما يراه من الإحسان عميانا
تقديره: فالعيس أعقل من قوم رأيتهم عميانًا، عما يراه الممدوح من الإحسان، وما يأتيه من الكرم والشرف، وذلك مأخوذ من قوله تعالى: " إن هم إلا كالأنعام، بل هم أضل سبيلًا ".
ذاك الجواد وإن قل الجواد له ذاك الشجاع وإن لم يرض أقرانا
يقول: نحن نصفه بالجود، وذلك أقل أوصافه، ونصفه بالشجاعة، وهو لا يرضى قرينًا ينازله؛ لأن الشجعان دونه ولا يستطيعونه.
ذاك المعد الذي تقنو يداه لنا فلو أصيب بشيءٍ منه عزانا
المعد: المدخر. أعد واستعد: بمعنى. وروى: المعد، وهو الذي أعد لريب الزمان. وقنوت الشيء أقنوه: إذا اكتسبته.
يقول: إنه يجمع الأموال ليفرقها علينا، فنحن أحق بها منه، فإذا أصيب بشيء من ماله عزانا عليه؛ لأنه لنا دونه، وإن كان في يده.
خف الزمان على أطراف أنمله حتى توهمن للأزمان أزمانا
يقول: هان الزمان على أنامله، فيصرفه كيف شاء، كما يصرف الزمان أهله، فكانت أنامله أزمنة للأزمنة. ومثله قول الآخر:
أنت الذي تنزل الأيام منزلها وتنقل الدهر من حالٍ إلى حال
يلقى الوغى والقنا والنازلات به والسيف والضيف رحب الباع جذلانا
النازلات: مصائب الدهر. ورحب الباع: واسع القلب. الجذلان: المسرور.
يعني: أنه لا يضيق صدره بحوادث الدهر النازلة.
تخاله من ذكاء القلب محتميًا ومن تكرمه والبشر نشوانا
قوله: محتميًا، من الاحتماء، وهو قلة الأكل ومعناه: من فرط ذكائه. كأنه محتم من الطعام؛ لأن قلة الأكل تحد الفهم، وتقوى الحواس، كما أن كثرة الأكل تعمي القلب. وقيل: ملتهبًا أي من الحمى، والحرارة، ومعناه: أنه من حدة ذكائه كأنه متوقد، ومن كثرة كرمه وبشره وسهولة خلقه كأنه سكران.
وتسحب الحبر القينات رافلةً في جوده وتجر الخيل أرسانا
الحبر: جمع حبرة وهي ضرب من ثياب بدوية وقينات: جمع قينة وهي الجارية مقنية. ورافلة! متبخرة.
يقول: إنه يحب القينات يجليهن حللهن فهن يسحبن ذيولهن وآلاتهن والخيل يسحبن أرسانهن.
يعطي المبشر بالقصاد قبلهم كمن يبشره بالماء عطشانا
يقول: إنه يعطي من يبشره بالقاصدين، قبل إعطائه القاصدين، وقبل وصولهم إليه، وأنه يفرح بهذه البشارة كما يفرح العطشان إذا بشر بالماء. وتقديره: كمن يبشره المبشر بالماء وهو عطشان. وذلك حال.
جزت بني الحسن الحسنى فإنهم في قومهم مثلهم في العز عدنانا
فاعل جزت: الحسنى. وعدنان: في موضع جر بدل من العز. وقيل: العز صفة متقدمة بعدنان. وأراد: بني عدنان، وهو أبو العرب، من ولد إسماعيل. والضمير في إنهم لقومهم.
يقول: جزت الحسنى بني الحسن، فإنهم في قومهم في الشرف، مثل قومهم في عدنان. أي: هم أشراف قومهم، كما أن قومهم أشراف عدنان. وروى: في الغر عدنانا.
ما شيد الله من مجدٍ لسالفهم إلا ونحن نراه فيهم الآنا
يقول: ما رفع الله لآبائهم السابقة، من المجد والعز، إلا ونحن نرى مثله في هؤلاء الآن.
إن كوتبوا أو لقوا أو حوربوا وجدوا في الخط واللفظ والهيجاء فرسانا
يقال: فلان فارس هذا الأمر. أي حاذق فيه.
يقول: إنهم متقدمون في هذه الأمور كلها، ولقوا: أي في مشهد حدثهم فرسانا.
كأنهم يردون الموت من ظمأ أو ينشقون من الخطى ريحانا
الخطى: الرماح المنسوبة إلى الخط، وهي قرية بساحل البحر يعمل فيها الرماح.
يقول: كأن الموت ماء وهم إليه ظماء فهم يردون الموت كما يرد الظمآن الماء، وكأن الرماح ريحانهم، فهم يتلذون بهم، كما يلتذ باستنشاق رائحة الريحان.
كأن ألسنهم في النطق قد جعلت على رماحهم في الطعن خرصانا
الخرصان: جمع خرص، وهو السنان. شبه مضاء أسنتهم في الطعن، بمضاء ألسنتهم في النطق. والناس يشبهون الألنة بالأسنة، وهو قد عكس ذلك وجعله مضاءً ثابتًا في اللسان، ثم شبه به السنان.
الكائنين لمن أبغي عداوته أعدى العدى، ولمن آخيت إخوانا
[ ١ / ١٥٧ ]
الكائنين: نصب على الصفة لبني الحسن مجاز.
يقول: إنهم أعداء أعدائي، وأولياء أوليائي.
خلائقٌ لو حواها الزنج لانقلبوا ظمى الشفاه، جعاد الشعر غرانا
الظمى: جمع أظمى وظمياء، وهو اسم الشفة. وقيل: دقيق الشفة. ويروى: لمن الشفاه والغران: جمع أغر، وهو الأبيض.
يقول: لهم خلائق حسنة، لو كانت في الزنج لتحولوا عن سوادهم وصاروا بيض الوجوه، سمر الشفاه، جعاد الشعور.
وإنما قال ذلك لأن شفاهم بيض، وشعورهم قطط.
والجعد: هو الذي دون القطط. وفوق الرجل. والرجل: فوق السبط.
وأنفسٌ يلمعياتٌ تحبهم لها اضطرارًا ولو أقصوك شنآنا
يقال: رجل يلمعي وألمعي: إذا كان ذكيًا فطنًا.
يقول: أنفس كريمة فطنة، تحبهم لأجلها اضطرارًا، وإن أبغضوك وأبعدوك. وشنآنا: نصب على التمييز.
الواضحين أبواتٍ وأجبنةٍ ووالداتٍ وألبابًا وأذهانا
الواضحين: نصب على التمييز. أو هو نعت لبني الحسن. وأجبنة: جمع الجبين. وروى: أخبية: وهي جمع خباء، ووضوحه؛ لغشيان القصاد. والأبوة: مصدر الأب.
يقول: إن غرتهم واضحة، أي صريحة، وكذلك جباههم واضحة، أي حسان المنظر، وهم أشراف من قبل الأمهات، وعقولهم وخواطرهم واضحة. يعني: يعرف ذلك كل أحد.
يا صائد الجحفل المرهوب جانبه إن الليوث تصيد الناس أحدانا
أحدان: جمع واحد والأصل وحدان، فأبدل. والمرهوب: إن جررته فهو صفة للحجفل. والهاء في جانبه تعود إليه. وجانبه: فهو صفة للصائد والهاء عائد إليه.
يقول: لك فضلٌ على الأسد؛ لأنك تصيد الجيش كله، والأسد يصيد الناس واحدًا واحدًا.
وواهيًا كل وقتٍ وقت نائله وإنما يهب الوهاب أحيانا
واهبًا: نصب؛ لأنه منادى نكرة، ونكره للتعظيم. وكل وقت: مبتدأ، ووقت نائله: خبره.
يقول: أنت تهب دائمًا، والأجواد يهبون في وقت دون وقت.
أنت الذي سبك الأموال مكرمةً ثم اتخذت لها السؤال خزانا
سبك الذهب: إذا أذابه وجعله قطعة واحدة.
يقول: فكأنك سبكتها وجعلتها مكرمة، ثم جعلت السائلين خزانًا لها. قوله: سبك الأموال مكرمة. بمعنى صاغها كما يقول سبكت الذهب خلخالًا.
عليك منك إذا أخليت مرتقبٌ لم تأت في السر ما لم تأت إعلانا
أخليت: صادفت مكانًا خاليًا.
يقول: إنك إذا خلوت، كان عليك رقيب من نفسك، فأنت لا تفعل سرًا ما لا تفعله جهرًا.
لا أستزيدك في ما فيك من كرمٍ أنا الذي نام إن نبهت يقظانا
واليقظان لا ينبه.
يقول: إنك قد بلغت الغاية في الكرم، فإن أردت منك زيادة، كنت كمن يجيء إلى اليقظان فينبهه، يحسب أنه نائم وتقديره: أنا النائم إن نبهت يقظانا.
فإن مثلك باهيت الكرام به ورد سخطًا على الأيام رضوانا
باهيت: أي فاخرت. والهاء في به للمثل، ويجوز أن يكون للكرم.
يقول: باهيت الكرام بمكانك، وعلمت أنك قد بلغت، فلا مزيد على ما أنت عليه من الكرم، وكنت ساخطًا على الزمان؛ لفقد الكرام فيه، فجعلت سخطي عليه رضًا؛ لأن كرمك أزال عن الزمان سخطي؛ حيث إني رضيت بك عنه.
وأنت أبعدهم ذكرًا، وأكبرهم قدرًا، وأرفعهم في المجد بنيانا
قد شرف الله أرضًا أنت ساكنها وشرف الناس إذ سواك إنسانا
المنصوبات في البيت الأول: على التمييز. أي أنت أكرم الكرام، فذكرك أشهر وقدرك أشرف ومجدك أعلى وأرفع، وسواك: أي خلقك على استواءٍ. وفي القرآن: " خلقك فسواك " أي: أنت شرف الأرض، وزينة الناس. ومثله:
أرضٌ لها شرفٌ سواها مثلها لو كان مثلك في سواها يوجد
وإنسانا: نصب؛ لأنه مفعول ثان من سواك.
وقال يمدح أبا أيوب أحمد بن عمران ويذكر مرضًا ألم بأبي أيوب:
سربٌ محاسنه حرمت ذواتها داني الصفات بعيد موصوفاتها
السرب: جماعة النساء، ورفع؛ لأنه خبر ابتداء محذوف. أي: هذا سرب، أو: مرادي سرب. ومحاسنه: مبتدأ ثان، وقوله: حرمت ذواتها خبره. وقيل سرب رفع بالابتداء، ومحاسنه مبتدأ ثان، صفة له. وداني الصفات إن شئت جعلته: بدلًا من قوله: محاسنه وإن شئت جعلته: صفة له أخرى. وإن شئت جعلته خبر السرب.
[ ١ / ١٥٨ ]
وجاز أن يكون سرب مبتدأ، وإن كان نكرة؛ لأنه لما وصفه قربه من المعرفة، والهاء في ذواتها لمحاسنه وفي محاسنه لسرب وذوات محاسن السرب هي: السرب بعينه. والهاء في موصوفاتها للصفات.
يقول: هذا سرب حرمت ذوات محاسنه. الحسان منه. وهذا السرب صفاته دانية قريبة هي مني؛ لأنها ألفاظ أنا قادر عليها، فمتى شئت وصفتها. فأما الموصوف بالحسن، فبعيد عني، وهن: النساء المعبر عنهن بالسرب.
وإضافة ذوات إلى المضمر في قوله: ذواتها غير جائزة عند البصريين. وأبو العباس المبرد: يجيز ذلك.
أوفى فكنت إذا رميت بمقلتي بشرًا رأيت أرق من عبراتها
أوفى: أي أشرف، يعني السرب. والبشر: جمع بشرة، وهي ظاهر الجلد. والهاء في عبراتها للمقلة.
يقول: إن هذا السرب لما أشرف علي وهي كناية عن علوهن في هوادجهن للمسير، رميت ببصري بشرات هذا السرب، فرأيت بشراته أرق وأصفى من عبرات عيني عند الارتحال. وإنما قال ذلك، لأن الدمع يضرب به المثل في الصفاء والرقة.
يستاق عيسهم أنيني خلفها تتوهم الزفرات زجر حداتها
يقول: كان أنيني على إثر الإبل التي كانت عليها الهوادج سابقًا، فكانت الإبل تظن زفراتي وراءها أنها زجر حداتها، فكانت تجد في السير. وروى: تشتاق عيسهم أنيني خلفها فلشدة شوقها إذا سمعت أنيني جدت في السير لزيادة أنيني.
وكأنها شجرٌ بدت لكنها شجرٌ جنيت الموت من تمراتها
روى: الموت والمر.
يقول: كأن هذه العيس، وعليها الهوادج شجرٌ، لعلوها وارتفاعها. إلا أني جنيت من هذه الشجر، الثمر الذي ليس بمعتاد! وهو الموت، أو المر، من الثمر.
لا سرت من إبل لواني فوقها لمحت حرارة مدمعي سماتها
السمة: العلامة التي تكون على الإبل بالنار، والمدمع: مجرى الدمع، وأراد به الدمع هاهنا، ووصفه بالحرارة؛ لأن ماء العين إذا كان من الحزن يكون حارًا، وإذا كان من السرور فهو بارد.
يدعو على الإبل فيقول لها: لا سرت أبدًا، ولا قدرت على السير! ولو كنت فوق هذه الإبل راكبًا. كانت دموعي تسيل عليها وتمحوا بحرارتها أثر سماتها، وتذهب شعرها كما تمحوه النار.
وحملت ما حملت من هذي المها وحملت ما حملت من حسراتها
المها: بقر الوحش.
يقول دعاء لنفسه، وعلى الإبل: ليتني حملت ما عليك من النساء، وحملت أنت ما حملت من حسرات فراقهن.
وقيل أراد: لو كنت فوقك لحملت ما عليك من هذه النساء وحملت أنت حسراتي التي أتحملها؛ لأني إذا حملتهن فرقت بينك وبينهن حسراتي لتبعدهن عنك.
إني على شغفي بما في خمرها لأعف عما في سراويلاتها
الشغف: شدة الحب.
يقول: إني على شدة كلفي بما في خمر هذه النساء، وهي الوجوه. أكف نفسي عن مواقعتهن. ومثله: قول العباس بن الأحنف:
عف الضمير ولكن فاسق النظر
وترى المروة والفتوة والأبو ة في كل مليحةٍ ضراتها
كل مليحة: فاعل ترى والمروة وما يتبعها: مفعوله. وضراتها: المفعول الثاني. والهاء: للمليحة.
يقول: ترى التقاء الملاح. مروتي وفتوتي وأبوتي. مانعة لي عنهن، فكأن هذه الثلاثة ضرات للملاح؛ لما فيهن من المنع عنها.
هن الثلاث المانعاتي لذتي في خلوتي لا الخوف من تبعاتها
يقول: هذه الثلاثة منعتني عن لذتي بالنساء في حال الخلوة؛ لأني لا أخاف تبعات ذلك: أي الخوف من الوشاة، أو عشائرهن أو غير ذلك؛ لأني كنت لا أخاف أحدًا. وقيل: أراد خوف الألم والعقاب، لكن الأول أولى.
ومطالبٍ فيها الهلاك أتيتها ثبت الجنان كأنني لم آتها
المطالب: جمع المطلب.
يقول: كم من مطالبٍ عظيمة الخطر، فيها الهلاك إذا أتيتها، فآتيتها وأوقعت نفسي فيها وقضيت منها حاجتي، وأنا ثابت القلب حتى كنت لثبات قلبي كأنني غير ملابس لها.
ومقانبٍ بمقانبٍ غادرتها أقوات وحش كن من أقواتها
المقانب: جمع المقنب، وهو ما بين الثلاثين إلى الأربعين من الخيل. وكن. للوحش.
يقول: رب جيش تركته بجيش آخر أقواتًا للوحوش، أي قتلته فأكلته الوحوش، بعد ما كانت الوحوش قوتًا له. يعني: أنهم صعاليك لا قوت لهم إلا ما يصيدون من الوحوش والسباع.
أقبلتها غرر الجياد كأنما أيدي بني عمران في جبهاتها
[ ١ / ١٥٩ ]
أقبلتها: أي صرفت وجوه الخيل إليها. ثم شبه غرر الجياد وما في جبهاتها من البياض، ببياض أيدي بني عمران: أي نعمهم. وهذا مما جرت عادته به في تمكين التشبيه؛ لأنه جعل حقيقة البياض أولًا للنعم، ثم شبه غرر الجياد بذلك البياض. والأيدي: استعمل ها هنا بمعنى النعم.
الثابتين فروسةً كجلودها في ظهرها والطعن في لباتها
الثابتين: في موضع جر، صفة لبني عمران.
يقول: هم أثبت في ظهور الخيل، من جلودها على ظهورها في أصعب الحالات. وهي تواتر الطعن في صدور الخيل. والواو في قوله: والطعن واو الحال.
العارفين بها كما عرفتهم والراكبين جدودهم أماتها
الأمات: جمع الأم. يقال: إن الهاء في الأمهات زائدة. وقيل: أمهات في الآدميين خاصة، والأمات مشتركة.
يقول: يعرفون الخيل وهي تعرفهم؛ لأنها نتجت عندهم، وتناسلت في بيوتهم، وأجدادهم كانوا يركبون أمهات هذه الخيل.
وقيل: أراد أنهم عارفون بالخيل لكثرة فراستهم لها، وكذلك آباؤهم وأجدادهم كانوا من الفرسان العارفين بالخيل والفروسية.
فكأنها نتجت قيامًا تحتهم وكأنهم ولدوا على صهواتها
صهوة الفرس: مقعد الفارس منه.
يقول: كأن الخيل ولدت وهي تحتهم، وكأنهم ولدوا على ظهور الخيل؛ لاعتيادهم ركوب الخيل مذ كانوا أطفالًان وكانت خيلهم مهارًا.
وقيل: أراد كأنها خلقت لهم، وكأنهم خلقوا لها. وقيل: كأنه أعضاء لهم، وكأنهم أعضاء لها. وقيل: كأنهم خلقوا معًا.
إن الكرام بلا كرامٍ منهم مثل القلوب بلا سويداواتها
سويداء القلب وسوداؤه: الدم الذي في وسطه. وقيل: هو حبة فيه، مثل العنبة السوداء.
يقول: هم في الكرام كالسويداء في القلب، التي بها قوام القلب، فمتى ذهبت، بطل القلب، فكذلك الكرام، إذا خلوا منهم، بطل كرمهم واستووا مع غيرهم.
تلك النفوس الغالبات على العلا فالمجد يغلبها على شهواتها
المعنى: أنهم يغلبون الناس على المعالي، فيجوزونها دونهم، والمجد يغلبهم على شهواتهم، فيحول بينهم وبينها فلا يأتون ما يلحقهم فيه عار وشين؛ ويصرفون شهواتهم إلى اكتساب المجد والرفعة والعلا
سقيت منابتها التي سقت الورى بيدي أبى أيوب خير نباتها
يدعو لأبي الممدوح وأجداده بالسقيا. والياء في قوله: بيدي أبي أيوب، متعلقة بقوله: سقت.
فيقول: سقى الله منابت هذه النفوس. وهي آباؤها، بيد أبي أيوب: الذي هو الممدوح، وهو خير نبات تلك المنابت؛ لأن جوده أكثر من وبل السحاب. وخير نباتها: صفة لأبي أيوب. وجعله خير ما نبت على تلك الأصول. يعني: أنه خير قومه. قيل: الباء متعلقة بقوله: سقت الورى، وهو غير داخل في الدعاء، فكأنه يقول: إن منابتها سقت الورى بيديه.
ليس التعجب من مواهب ماله بل من سلامتها إلى أوقاتها
الهاء في سلامتها وأوقاتها: للمواهب.
المعنى: ليس التعجب من كثرة هباته، وإنما العجب من سلامة ماله إلى وقت الهبة؛ إذ ليس من عادته حبس المال.
عجبًا له حفظ العنان بأنملٍ ما حفظها الأشياء من عاداتها
عجبًا: نصب على المصدر. وما حفظها الأشياء: في موضع الجر، لأنه صفة لأنمل. والأشياء: نصب بحفظها.
يقول: عجبت من كيفية حفظه للعنان! إذ ليس من عادته أن يحفظ شيئًا ويمسكه. ومثله لأبي تمام:
تعود بسط الكف حتى لوانه دعاها لقبضٍ لم تجبه أنامله
لو مر يركض في سطور كتابه أحصى بحافر مهره ميماتها
روى: كتابه وكتابةٍ على الاسم، والمصدر.
يقول: لو ركض مهره في سطور كتاب له، لأمكنه أن يضع حافره على كل ميم في سطوره، ويعدها به، لفروسيته وحذقه. وخص الميمات؛ لأنها مدورة تشبه الحافر. وقيل: لأنها أصغر أشكال المعجم. وخص المهر؛ لأنه إذا قدر على أن يحصي ذلك بحافر المهر مع صعوبتها كان ذلك أمكن، وقد بالغ في قوله: لو مر يركض؛ لأنه إذا فعل ذلك وهو يركض كان في حال الترفق وعدم الركض أمكن عليه.
يضع السنان بحيث شاء مجاولًا حتى من الآذان في أخراتها
مجاولًا: أي في حال الجولان مع الأقران. والأخرات: جمع الخرت، وأراد هاهنا ثقب الأذن.
[ ١ / ١٦٠ ]
يقول: وضع السنان في حال مجاولته الأقران حيث أراد، حتى لو أراد أن يضعه في خرت الأذن لأمكنه! وبالغ في وصفه بقوله: مجاولًا؛ لأنه إذا فعل ذلك بالفرسان في حال المجاولة في الحرب، ففي غير ذلك الحال أقدر، لأن الرجل قد يكون حاذقًا بالطعن في أوقات اللعب، فإذا حضر في الحرب تحير، ولهذا قال: في موضع الطعن في الهيجاء، لا الطعن في الميدان.
تكبو وراءك يا بن أحمد قرحٌ ليست قوائمهن من آلاتها
كبا الفرس يكبوا: إذا عثر، وفي المثل: لكل جوادٍ كبوة، ولكل صارمٍ نبوة، ولكل عالم هفوة والقرح: جمع قارح، وهو الفرس إذا دخل في السادسة، وطلعت قوارحه، وهي أنيابه.
وقال ابن جنى: الهاء في آلاتها تعود إلى وراءك؛ لأنها مؤنثة. أي ليست قوائم تجاريك. من آلات جرى خلفك شبه الممدوح بفرس سابق، وجعل من يباريه في المجد خيلًا قرحًا تجري وراءه.
يقول: من جاراك كبا خلفك، وخانته قوائمه؛ لأنها ليست من آلات الجري خلفك. أي من باراك في مجدك عجز عن سعيك؛ لأنه ليس له آلة كآلتك.
وقيل: إن الهاء في آلاتها ترجع إلى القرح. يعني: أن القرح إذا اتبعتك وطلبت لحاقك كبت، فكأن قوائمها ليست من آلاتها؛ لأنها تنصرف عن إرادتها، ولكنها آلة لتلك، من حيث دلت على سبقك، وأظهرت قصورها عن لحاقك، فكأنك استعنت بها على إظهار عجز من يسابقك.
رعد الفوارس منك في أبدانها أجرى من العسلان في قنواتها
الرعد: جمع رعدة. والعسلان: الاضطراب. والقنوات: جمع قناة.
يقول: إن الفرسان إذا رأوك أو سمعوا بذكرك اضطربوا وارتعدوا؛ خوفًا منك. فكأن ذلك أجرى في بدنهم من اضطراب رماحهم واهتزازها، ومعنى اللفظ: أجرى من التحرك في قنواتها.
لا خلق أسمح منك إلا عارفٌ بك راء نفسك لم يقل لك هاتها
راء: مقلوب رأى.
يقول: ليس أحد أسمح منك إلا رجل يعلم حال جودك. فرأى نفسك ولم يستوهبها منك، فجوده في ترك ذلك يزيد على جودك.
غلت الذي حسب العشور بآيةٍ ترتيلك السورات من آياتها
غلت: في الحساب. وغلط: في الكلام. والعشور: جمع عشر وهي عشور القرآن. وحسن ترتيلك: آية من آيات القرآن. فمن عد العشور في القرآن آيات السور، ولم يعد تلاوتك منها فقد غلط.
يعني: أن تلاوتك معجزة لا يقدر أحد أن يأتي بمثلها! كما لا يقدر أن يأتي بمثل آية من القرآن. والهاء في آياتها للسور أو للعشور.
كرمٌ تبين في كلامك ماثلًا ويبين عتق الخيل في أصواتها
ماثلًا: أي قائمًا ظاهرًا. والعتق: الكرم.
يقول: إن حسن صوتك وكلامك يدل على كرمك، كما أن صهيل الفرس يدل على كرمه.
أعيا زوالك عن محلٍّ نلته لا تخرج الأقمار من هالاتها
الهالة: الدائرة التي حول القمر.
يقول: لا يقدر أحد أن يزيلك عن محلك وشرفك، كما لا يخرج القمر عن هالته.
لا تعذل المرض الذي بك، شائقٌ أنت الرجال وشائقٌ علاتها
وروى: لاتعذل. وشائق: اسم الفاعل، من شقته أشوقه شوقًا. إذا حملته على الاشتياق. وشائق: خبر مبتدأ. وأنت: مبتدأ. والرجال: نصب بشائق الأول. وعلاتها: بالتاء والهاء: للرجال.
يقول: لا تعذل المرض الذي بك، أو لا تلوم المرض الذي بك؛ لأنه قصدك زائرًا، كما تزورك القصاد، وأنت تشوق الأمراض إلى زيارتك، كما تشوق الرجال.
فإذا نوت سفرًا إليك سبقنها فأضفت قبل مضافها حالاتها
ومن روى: بالتاء، أي سبقتها قد صحف. ونوت: فعل الرجال. وسبقن: للعلات. والهاء: للرجال، وكذلك في مضافها وحالاتها والمضاف: مصدر، من قولك أضفت الرجل إضافةً ومضافًا: إذا قمت بضيافته.
يقول: إن الرجال إذا نوت سفرًا إلى لقائك، سبقتها العلات إليك، فأنزلتها في جسمك وأضفتها قبل أن تضيف الرجال. وتقديره: فأضفت حالاتها. أي علات الرجال.
ومنازل الحمى الجسوم فقل لنا ما عذرها في تركها خيراتها؟
الهاء في عذرها للحمى وفي خيراتها للجسوم.
يقول: إن منازل الحمى الجسوم، فإذا وجدت خير الجسوم فما عذرها في تركها لها، وعدولها إلى ما هو دونها؟! فأنت لما كان جسمك خير الجسوم قصدته رغبة فيه من غيره، كما أن من له منازل كثيرة فإنه ينزل فيما كان منها خير وأحسن.
أعجبتها شرفًا فطال وقوفها لتأمل الأعضاء لا لأذاتها
[ ١ / ١٦١ ]
الأذاة، والأذى: بمعنىً. والهاء فيها: للأعضاء.
يقول: إنك أعجبتها لشرفك وفضلك؛ فطال وقوفها؛ لتأمل الأعضاء لا لتؤذيها.
وبذلت ما عشقته نفسك كله حتى بذلت لهذه صحاتها
الهاء في عشقته وكله: لما. والهاء في صحاتها: للنفس.
يقول: قد بذلت كل ما عشقته نفسك، حتى بذلك لحماك صحة نفسك!!
حق الكواكب أن تعودك من علو وتعودك الآساد من غاباتها
علو: لغة في علا وروى: تعودك وتزورك.
يقول: على الكواكب أن تعودك من السماء، ويجب على الأسود أن تعودك من أماكنها؛ لأنك تشبه الكواكب بضيائها. والأسود بشجاعتها. والجنس يميل إلى الجنس.
والجن من ستراتها، والوحش من فلواتها والطير من وكناتها
الوكنات: جمع وكنة، وهي مواقع الطير، حيثما وقعت. وروى: وكراتها.
المعنى: أنه يجب على كل ما في العالم أن يعودك.
ذكر الأنام لنا فكان قصيدةً كنت البديع الفرد من أبياتها
يقول: الناس بمنزلة القصيدة. والممدوح بمنزلة البيت البديع الفرد من أبيات تلك القصيدة.
قال أبو الفتح بن جنى: هذا البيت هو البديع الفرد من هذه القصيدة.
في الناس أمثلةٌ تكون حياتها كمماتها ومماتها كحياتها
روى: تدور حياتها. وأمثلة: أي أشباه.
يعني: أن أشباه الناس. وقيل: أراد أن الناس أمور لا خير عندها ولا شر، فموتها وحياتها سواء.
هبت النكاح حذار نسلٍ مثلها حتى وفرت على النساء بناتها
يقول: إن التزوج ربما ينتج ولدًا لا خير فيه! مثل هذه الأمثلة، فتركت بنات النساء عليهن، لم أتزوج منهن واحدة.
فاليوم صرت إلى الذي لو أنه ملك البرية لاستقل هباتها
يقول: فاليوم رأيت أفضل الناس وأكرمهم، فلو ملك الخلق كلهم ثم وهبهم لسائل لاستقلهم.
مسترخصٌ نظرٌ إليه بما به نظرت وعثرة رجله بدياتها
نظرت: فعل البرية.
يقول: لو اشترت البرية نظرةً إليه، بعيونها التي تنظر بها، لكانت رخيصة! ولوفدت البرية عثرة رجله بداياتها: أي ديات البرية، لكانت رخيصة.
ونظرٌ وعثرةٌ مرفوعان بمسترخص والهاء في دياتها قيل: للبرية. وقيل: للرجل. والأول أولى.
وقال يمدح علي بن أحمد بن عامر الأنطاكي وفيها يفتخر ويصف ما لاقاه في طريقه:
أطاعن خيلًا من فوارسها الدهر وحيدًا، وما قولي كذا ومعي الصبر!
يقول: أطاعن خيلًا، والدهر واحدًا من فرسانها! وأنا وحيد ليس لي من يعينني، ثم رجع وقال: ليس قولي كذلك، بل معي صبري يعاونني على دفع هذه الخيل، التي هي الدهر، وحوادثه منها، وأراد أني أقاسي خطوب الدهر.
وأشجع مني كل يومٍ سلامتي وما ثبتت إلا وفي نفسها أمر
يقول: إن سلامتي أشجع مني؛ لأنها ثبتت على حالها في كل أمرٍ عظيم وهولٍ جسيم، وما ثبتت سلامتي في هذه الأخطار العظيمة، إلا وفي نفس السلامة أمر. يعني: أن بقاء سلامتي يدل على أمر عظيم يظهر مني.
تمرست بالآفات حتى تركتها تقول: أمات الموت أم ذعر الذعر؟!
تمرست: أي تعودت إلقاء نفسي في الآفات والشدائد، حتى تركت الآفاق متعجبة مني ومن سلامتي! يقول: لعل الموت قد مات، والخوف خاف أن يخالط قلبي!
وأقدمت إقدام الأتي كأن لي سوى مهجتي أو كان لي عندها وتر
الأتي: السيل الذي يأتي من بلد إلى بلد فلم يصبك مطره.
يقول: إن إقدامي على الشدائد كإقدام السيل الذي لا يرد في شيء، فكأن لي نفسًا غير نفسي هذه، حيث لا أبالي بهلاكها، وكأن لي عند نفسي ذخلًا، أريد أن أتلف نفسي لأجلها!.
ذر النفس تأخذ وسعها قبل بينها فمفترقٌ جاران دارهما العمر
أراد بالنفس: الروح.
يقول: دع نفسك تأخذ من الدنيا ما قدرت عليه من العلو والشرف، قبل أن تفارق الجسد، فإنهما جاران فلابد من افتراقهما، والعمر دارهما، ولابد من نفاذ العمر فإذا نفذ افترقا.
ولا تحسبن المجد زقًا وقينةً فما المجد إلا السيف والفتكة البكر
يقول: لا تشغل نفسك باللهو والشراب، فإنه ليس بمجدٍ، وإنما المجد يحصل بالسيف والإقدام على الحرب.
وتضريب أعناق الملوك وأن ترى لك الهبوات السود والعسكر المجر
الهبوة: الغبار الكثير.
[ ١ / ١٦٢ ]
يقول: ليس المجد إلا السيف، وليس البكر إلا الفتك بالأعداء، وقتل الملوك، وزعامة الجيش، فيرى لك الغبار: السواد. والهبوة: غبار العسكر العظيم، فتكون زعيمًا لهم تقودهم حيث شئت. وفسر بهذين البيتين ما أراد بقوله: تأخذ وسعها.
وتركك في الدنيا دويًا كأنما تداول سمع المرء أنمله العشر
أنمله العشر: فاعل تداول. والهاء: للمرء. وتداولها للسمع: أنها تذهب عليه وتجيء.
شبه الصوت الذي يكون في الحرب بصوت البحار الذي يسمعه الإنسان، إذا سد بأنامله أذنيه أراد أن المجد ما تقدم ذكره، وأن تترك في الدنيا أصوات العساكر على هذا الوصف.
إذا الفضل لم يرفعك عن شكر ناقصٍ على هبةٍ فالفضل فيمن له الشكر
يقول: إذا كان فضلك لا يرفعك عن قبول صلة ناقصٍ، حتى تحتاج إلى أن تشكره على هبته! فالفضل له لا لك؛ لأن اليد العليا خير من اليد السفلى.
قال أبو الفتح: أراد بذلك أنه إذا اضطرتك شدة الزمان إلى شكر الناقص من الناس لأجل ما تتبلغ به إلى مكان الفرصة، فالفضل فيك ولك لا للممدوح المشكور.
وأراد الأول وهو الظاهر.
ومن ينفق الساعات في جمع ماله مخافة فقرٍ فالذي فعل الفقر
يقول: من يفن عمره في جمع المال؛ خوفًا من الفقر، فما يفعله هو الفقر!! لأنه أبدًا في غم الفقر، ويشقى بما يجمع ولا ينتفع به.
علي لأهل الجور كل طمرةٍ عليها غلامٌ ملء حيزومه غمر
الطمرة: قيل إنها الفرس العالية المشرفة. والحيزوم: الصدر. والغمر: الحقد.
يقول: واجب علي أن أقصد كل ملك جائر بكل فرس طمرة، عليها كل غلام قد امتلأ صدره بالحقد ومحبة الحرب.
يدير بأطراف الرماح عليهم كئوس المنايا حيث لا يشتهى الخمر
يقول: كل غلام يدير على أهل الجور، بأطراف الرماح كئوس المنايا في مضايق الحرب، التي لا يشتهى فيها شرب الخمر.
وكم من جبالٍ جبت تشهد أنني ال جبال وبحرٍ شاهدٍ أنني البحر
يقول: كم من جبال قطعتها، فلو نطقت لشهدت أنني مثلها؛ لثباتي على الحالات، ولوقاري، وكم من بحر قطعته، لو نطق لشهد أنني بحر مثله؛ لسخائي وبعد غوري.
وقيل: أراد أن الجبال تشهد أني مثلها؛ من حيث أنها تندق تحت حوافر خيلي، فتصير أرضًا لها! والبحر يصير مغمورًا بخيلي، فتكون به الخيل بحرًا، والبحر قطرًا.
وخرقٍ مكان العيس منه مكاننا من العيس فيه: واسط الكور والظهر
وخرق: عطف على جبال ومكان: ابتداء. ومكاننا: خبره. أي: مثل مكاننا، ثم حذف المضاف. وفيه: مع ما يتعلق به حال من العيس. أي من العيس الكائنة فيه. والضمير: لخرق. وواسط: بدل من مكاننا. ويجوز أن يكون تفسيرًا له. والظهر: معطوف على واسط.
يقول: كم من أرض واسعة جئتها، وكانت الإبل تسير فيها أبدًا، فكأنها واقفة في وسطها لا تبرح عن ظهورها.
والكور: الرحل. وواسط: وسط، الذي يركب فيه الراكب.
يخدن بنا في جوزه وكأننا على كرةٍ أو أرضه معنا سفر
الوخد: السير السريع. وجوزه: وسطه. والهاء في جوزه: للخرق. والسفر: المسافرون. وهذا البيت يتعلق بما قبله.
ومعناه: أن الإبل تسير بنا وسط هذا الخرق، ولا تبرح منه، حتى كأننا على كرةٍ؛ لأن من شأن الكرة أن تقطع الأرض سيرًا، وليس لها حالة الاستقرار، حتى كأن الأرض مسافرة معنا. هذا بيان لقوله: كأننا على كرة.
قلت: ويحتمل أنه أراد كأننا على الفلك الذي يدوم سيره ولا ينقطع، وكأن الأرض مسافرة معنا، ولقد أخذ هذا المعنى السري الكندي فقال:
وخرقٍ طال فيه السير حتى حسبناه يسير مع الركاب
ويومٍ وصلناه بليلٍ كأنما على أفقه من برقه حللٌ حمر
الهاء في أفقه وبرقه: لليوم.
يقول: وكم من يوم وصلنا سيره بسير الليل، فكأن برق ذلك اليوم المطير، على أفق هذا اليوم حلل حمر.
وليلٍ وصلناه بيومٍ كأنما على متنه من دجنه حللٌ خضر
الدجن: السحاب الدائم المنن، وأراد بالخضر: السود.
يقول: رب ليل وصلنا سراه بسير النهار، فكأنما على متن هذا الليل من العتمة، حلل خضر: أي سود. وروى: من صحوه، فيكون أراد بالخضرة: لون السماء.
وغيثٍ ظننا تحته أن عامرًا علا لم يمت، أو في السحاب له قبر
عامر: جد الممدوح.
[ ١ / ١٦٣ ]
يصف في هذه الأبيات أنه كان يواصل سيره بسراه، في المطر والغيم والبرق، حتى وصل إلى الممدوح، ثم شبه كثرة الغيث، بجود عامر.
فيقول: من كثرة الغيث ظننت أنه رفع إلى السماء، أو قبره في السحاب، فهو يجود به فينهمل هذا المطر من جوده. وهو من قول أبي تمام:
كأن السحاب الغر غيبن تحته حبيبًا فلا يرقا لهن مدامع
أو ابن ابنه الباقي علي بن أحمدٍ يجود به لو لم أجز ويدي صفر
الأولى في ابن ابنه: النصب؛ عطفًا على عامر. ويجوز رفعه على الابتداء.
يقول: لولا أني مررت بهذا الغيث، ويدي خالية منه، لظننت أنه من جهة الممدوح.
وإن سحابًا جوده مثل جوده سحابٌ على كل السحاب له فخر
يقول: كل سحابٍ يكون مطره في الغزارة مثل جود الممدوح، فله على كل السحائب فخر. كما للممدوح على جميع الأسخياء من الناس، الفخر التام.
فتىً لا يضم القلب همات قلبه ولو ضمها قلبٌ لما ضمها صدر
الهاء في قلبه: للممدوح. وفي ضمها: للقلب. وفي ضمها الثانية: للهمات.
يقول: إن همته عظيمة لا يسعها قلب أحد، ولو ضمه همة قلب أحد، لكان شيء من الصدور لا يضم ذلك القلب؛ لأن ذلك القلب لعظمه لا يسعه صدر، بل ينشق.
وقيل: أراد أن همته لا يسعها قلبه؛ للطافته. وإن كان منه منشؤها.
ولا ينفع الإمكان لولا سخاؤه وهل نافعٌ لولا الأكف القنا السمر
الإمكان: الغنى.
يقول: لا ينفعك ماله، الذي يمكنه أن يصلك به، لولا سماحته التي توصله إليك.
وقيل: أراد لولا سخاء نفسه وجوده، لكان لا ينفعك كثرة ماله، كما أن القناة لا تنفع للطعن، لولا الأكف.
قرانٌ تلاقي الصلت فيه وعامرٌ كما يتلاقى الهندواني والنصر
الصلت: جد الممدوح لأمه وعامر: جده لأبيه. وفيه حذف: أي أتى به قران.
يقول: لما اقترن في نسبه هذا، الشريفان. اللذان كل منهما سيدًا شريفًا. فكان في ذلك كالمشتري وزحل. إذا اقترنا؛ فإنه يدل على ملكٍ عظيم. ثم شبه اقترانهما باجتماع السيف والنصر.
فجاءا به صلت الجبين معظمًا ترى الناس قلًا حوله وهم كثر
صلت الجبين: أي واضحة.
يقول: إن جديه أتيا به وولداه، وهو صلت الجبين، شريف كبير، ويرى الناس حوله قليلين في المعنى، وإن كانوا كثيرين في العدد.
مفدى بآباء الرجال سميدعًا هو الكرم المد الذي ماله جزر
السميدع: السيد. والمد: الزيادة. والجزر: النقصان.
يقول: إن الناس يفدونه بآبائهم؛ لجلالته وكثرة نفعه لهم، وهذا هو الكرم الذي يزيد ولا ينقص، فهو مدٌّ بلا جز. بخلاف الأنهار، فإنه لا مد لها ولا جزر، وأما كرمه فمد بلا جزر.
وما زلت حتى قادني الشوق نحوه يسايرني في كل ركبٍ له ذكر
يقول: ما زلت يسايرني ذكره، حتى قادني الشوق نحوه. أي ما زلت أسمع بخبره وكرمه، حتى اشتقت إلى لقائه فقصدته.
وأستكبر الأخبار قبل لقائه فلما التقينا صغر الخبر الخبر
الخبر: الإخبار بالشيء. والخبر: الاختبار.
يقول: كنت أستعظم ما أسمعه من ذكره، فلما رأيته، زاد الاختبار على الخبر.
إليك طعنًا في مدى كل صفصفٍ بكل وآةٍ كل ما لقيت نحر
المدى: الغاية في البعد. والصفصف: الأرض الملساء الواسعة. والوآة: الناقة الصلبة. وأراد بقوله: طعنا: أي قطعنا. وكل ما لقيت: مبتدأ، وأراد: كل ما لقيته. ونحر: خبره.
يقول: قطعنا إليك بعد كل أرض ملساء، بكل ناقة صلبة، فكل موضع لقيته هذه الناقة، هو نحرٌ يلاقيه الطعن، وقيل: أراد به مصدر نحرت: أي الناقة لمشقة السير، كأنها لقيت نحرها.
إذا ورمت من لسعةٍ مرحت لها كأن نوالًا صر في جلدها النبر
النبر: دويبة تلسع الإبل فيرم موضع لسعته.
يقول: إذا لسعها النبر ورم جلدها، فرقصت واضطربت لشدة لسعته، فكأن النبر صر في جلدها نوالا: أي عطية، فهي ترقص فرحًا؛ لأجله. فشبه ورم اللسعة بصرة.
فجئناك دون الشمس والبدر في النوى ودونك في أحوالك الشمس والبدر
يقول: أنت دون الشم والبدر في البعد، وهما دونك في أفعالك؛ لشرفك وعلوك، وأنت أنفع في المخاوف منهما.
كأنك برد الماء لا عيش دونه ولو كنت برد الماء لم يكن العشر
العشر: أبعد أظماء الإبل.
[ ١ / ١٦٤ ]
يقول: إن كل أحد يحتاج إليك، ولا عيش له مع فقدك، كما لا عيش له مع فقد الماء، بل الحاجة إليك أشد؛ لأن الماء قد يصبر عنه عشرة أيام، إلا أنت فلا يمكن الصبر عنك ساعة.
وقيل: أراد لو كان برد الماء مثلك، لكانت الإبل تتجاوز العشر؛ لاستقائها بعذوبتك وبرد قطرك.
وقيل: أراد أن جودك كثير، فلو كنت برد الماء لكنت موجودًا في كل موضع. فكان لا يحتاج الإبل إلى طول الظمأ وإلى الصبر على العطش عشرة أيام.
دعاني إليك العلم والحلم والحجا وهذا الكلام النظم والنائل النثر
يقول: دعاني إليك ما فيك من العلم والحلم والعقل. وقد روى: والنهى والمعنى واحد. ونائلك الذي نثره بين يدي سؤالك، وتفرقه على الناس. وهذا الكلام، والنظم للشعر الذي تقوله. لأنه روى: أن الممدوح كان شاعرًا حسن الشعر. وقيل: أراد به كلامه الذي نظمه في مدحه، وذكر أوصافه.
وما قلت من شعرٍ تكاد بيوته إذا كتبت يبيض من نورها الحبر
روى: قلت على الخطاب. وقلت على الإخبار عن النفس. وهو أولى.
يقول: دعاني إليك شعري الذي يكاد نوره يبيض الحبر المكتوب به.
كأن المعاني في فصاحة لفظها نجوم الثريا أو خلائقك الزهر
وروى: خلائفك يقول: كأن معاني هذا الشعر، في فصاحة لفظها وجودة نظمها، نجوم الثريا، وكأنها في حسنها، أخلاقك الحسنة الطاهرة.
وخص الثريا؛ لأنها ظاهرة يعرفها كل أحد، ولأنها منظومة مجتمعة، والشعر كذلك.
وجنبني قرب السلاطين مقتها وما يقتضي من جماجمها النسر
يقول: أبعدني من قرب السلاطين، بغضي لهم وحقدي عليهم، وكذلك أبعدني عنهم مقاضاة النسر بجماجمهم.
وإني رأيت الضر أحسن منظرًا وأهون من مرأى صغيرٍ به كبر
يقول: إنما باعدتهم؛ لأني رأيت احتمال الضر أحسن وأسهل من رؤية رجل صغير الهمة متكبر، وروى: من مرءٍ صغيرٍ على أن يكون صغير صفة للمرء. وروى: من مرأى صغير على الإضافة. وهو مصدر رأيت. وروى: من لقيا صغير.
لساني وعيني والفؤاد وهمتي أود اللواتي ذا اسمها منك والشطر
أود: جمع ود. ويقال: رجل ود، وودود، ووديد. وأراد بالفؤاد: فؤادي.
يقول: هذه الأعضاء التي سميتها مني تود الأعضاء منك مثلها، فلساني: وديد لسانك، وعيني: تود عينك، وفؤادي: وديد فؤادك، وهمتي: تود همتك، والشطر: عطف على هذه الأعضاء. أي وهي الشطر منك.
يعني: أن الجسم جسمٌ واحد، فنصفه أنت ونصفه أنا. وغرضه بذلك شدة محبته له.
وما أنا وحدي قلت ذا الشعر كله ولكن لشعري فيك من نفسه شعر
يقول: ما تفردت أنا بقول الشعر، ولكنه شعري أعانني على قوله.
يعني: لما أردت نظمه فيك كان يعين على مدحك فينظم نفسه افتخارًا بك، وقيل: أراد أن حسن شعري يقوم مقام شعرٍ آخر، فكأن ذلك الحسن شعرٌ في شعري فيك.
وماذا الذي فيه من الحسن رونقًا ولكن بدا في وجهه نحوك البشر
يقول: الذي فيه من الحسن، ليس برونق له، ولكنه لما رآك وصار منتظمًا فيك، ظهر له سرور وبشر في وجهه.
وإني ولو نلت السماء لعالمٌ بأنك ما نلت الذي يوجب القدر
يقول: إني أعلم أنك وإن نلت السماء، فذلك دون ما يوجبه قدرك؛ لأن قدرك أعلى محلًا، أجل من السماء!
أزالت بك الأيام عتبي كأنما بنوها لها ذنبٌ، وأنت لها عذر
يقول: كنت أعاتب الأيام، فلما جئت رضيت عنها، فكأنها أذنبت بلوم أبنائها، فاعتذرت أنت إلي بكرمك، فكنت عذرًا لذنبها، وأبناؤها ذنبٌ لها.
وقال يمدح علي بن محمدٍ بن سيار بن مكرم التميمي وكان يحب الرمي ويتعاطاه، وله وكيلٌ يتعرض للشعر، فمدح أبا الطيب فأنفذه إليه فصار إليه أبو الطيب فتلقاه وأجلسه في مرتبته وجلس بين يديه، فأنشده أبو الطيب:
ضروب الناس عشاقٌ ضروبا فأعذرهم أشفهم حبيبا
الضروب: هي الأنواع. وأشفهم: أي أفضلهم. وضروبا: نصب بعشاق. وحبيبًا نصب: على التمييز.
يقول: أنواع الناس على اختلافهم يعشقون أنواعًا من المعشوقات، ولكن أحقهم بالعذر من بينهم، من يكون حبيبه أفضل وأعدل وأنبل.
وما سكنى سوى قتل الأعادي فهل من زورةٍ تشفي القلوبا
السكن: من تسكن إليه، من أهل أو حبيب.
[ ١ / ١٦٥ ]
يقول: إن الذي أعشقه ويسكن قلبي إليه. قتل الأعادي، فهل لي سبيل إلى يارة حبيبي: الذي هو قتلهم؟ لأنه يشفي قلبي وقلب أحبائي.
وأراد به: هل أمكن من قتل الأعادي فأشفى به؟
تظل الطير منها في حديثٍ ترد به الصراصر والنعيبا
الصرصرة: صوت النسر والبازي. والنعيب: صوت الغراب. وتظل: في موضع الجر، صفة لترد.
يقول: هل من سبيل إلى وقعة بأعدائي يكثر فيها القتلى؛ فيجتمع عليها الطير، فينعب الغراب وتصرصر النسور والبازي، كأنهما في حديث.
وإنما ذكر البازي بصرصرة؛ لأنه لا يأكل الجيف.
لأنه لم يقل: إن هذه الطيور تأكل الجيف.
فكأنه قال: تجتمع على هذه القتلى ما تأكل الجيف. فمنها ما تأكل ومنها ما لا تأكل، فتساعد أكالة الجيف بالأصوات فتنشط بنشاطها، وإن كانت لا تأكل؛ لأن الطير جنس واحد، والجنس يفرح بفرح الجنس ويغم بغمه.
وقد لبست دماؤهم عليهم حدادًا لم تشق لها جيوبا
يروى: دماؤهم بالرفع؛ فتكون لبست فعلها. ومعناه: أن دماءهم لما يبست اسودت، فكأنها لبست الحداد؛ حزنًا على القتلى، ولكنها لم تشق جيوبها، كما يفعله المصاب. وروى: دماءهم فلبست على هذا. فعل الطير. أي قد لبست الطيور دماء هؤلاء القتلى حدادًا؛ لأنها اختصت بها، فجفت عليها واسودت، غير أنها لم تشق بها جيوبًا، أي للقتلى، وقيل للحداد.
أدمنا طعنهم والقتل حتى خلطنا في عظامهم الكعوبا
أدمنا: من الإدامة. وقيل: من الجمع والخلط من قولهم للمتزوجين في الدعاء: أدام الله بينهما. والكعوب: جمع كعب، وهو عقب الرمح.
يقول: ما زلنا نطعنهم حتى كسرنا الرماح فيهم، وخلطنا كعوبها في عظامهم؛ لكثرة طعنهم بها. وخص الكعوب؛ لأنها إذا انكسرت أشبهت العظام المتكسرة.
وقيل: أراد بالكعوب: كعب الإنسان. أي قطعنا الأرجل والأذرع والأسوق حتى صارت الكعوب مختلطة بكسير العظام المكسرة.
كأن خيولنا كانت قديمًا تسقى في قحوفهم الحليبا
القحوف: جمع قحف، وهو عظم الرأس الذي على الدماغ. والحليب: اللبن المحلوب من ساعته. وقديمًا: نصب على الظرف.
يقول: إن خيلنا تمر بنا على القتلى فتطأ رءوسهم وصدورهم، غير نافرة منهم، حتى كأنها كانت قد شربت اللبن فيما مضى من الأيام في عظام رءوسهم.
فمرت غير نافرةٍ، عليهم تدوس بنا الجماجم والتريبا
الجماجم: العظم الذي فيها الدماغ. والتريب: جمع التريبة وهي مجال القلادة.
يقول: هذه الخيل مرت بنا على جماجم الأعداء وترائبهم، ولم تكن نافرة عنهم؛ وذلك لإلفها هذه الأشياء وأمثالها.
يقدمها وقد خضبت شواها فتىً ترمي الحروب به الحروبا
يقدمها: أي يتقدم عليها، وهو في موضع النصب على الحال من قوله: فمرت والشوى: الأطراف والقوائم يقول: مرت الخيل بنا وقد خضبت قوائمها بالدم، يتقدمها فتىً متعود الحرب متى يخرج من الحرب يدخل في حرب أخرى. وهو المراد بقوله: فتى ترمي الحروب به الحروبا. وأراد بالفتى نفسه.
شديد الخنزوانة لا يبالي أصاب إذا تنمر أم أصيبا
وروى: إذا تيمم أي قصد الحرب. والخنزوانة: الكبرياء وأصاب: يجوز أن يكون الألف للاستفهام؛ لأن أم يدل على الاستفهام فتكون أصاب: بمعنى صاب. ويجوز أن يكون ألف الاستفهام محذوفًا لدلالة أم عليها؛ لأن صاب وأصاب بمعنىً. وتنمر: أي غضب. وشديد الخنزاونة: صفة للفتى.
يقول: هو شديد الكبرياء؛ لفضله وشجاعته، فإذا غضب في الحرب لا يبالي أيقتل أعداءه أم يقتلونه.
أعزمي، طال هذا الليل فانظر أمنك الصبح يفرق أن يئوبا؟
الهمزة في أعزمي للنداء.
يقول: يا عزمي، طال هذا الليل حتى كأن الصبح قد علم ما عزمت عليه من القتل والحرب، فهو يخاف منك يا عزمي أن يعود.
كأن الفجر حبٌّ مستزارٌ يراعى في دجنته رقيبا
الحب: الحبيب. والدجنة: الظلمة.
يقول: كأن الفجر طلب أن يزوره فجاءه لزيارته، ولكنه يراعي الرقيب حتى يغفل عنه، ويزوره حينئذ. فشبه الفجر بالحبيب. والظلام بالرقيب. حتى إذا زال الظلام، طلع الفجر، وإذا غاب الرقيب، وصل الحبيب.
كأن نجومه حليٌ عليه وقد حذيت قوائمه الجبوبا
[ ١ / ١٦٦ ]
الجبوب. وجه الأرض. وحذيت: أي جعلت له حذاء، وهو النعل. والكناية في نجومه وقوائمه وعليه لليل فكأنه أراد أن يشبه الليل بفرس أدهم مثل ما بين السماء والأرض، فجعل النجوم عليه مركبة، والأرض نعلًا لرجله.
فيقول: كأن نجوم هذا الليل حلى عليه، وكأن الليل قد جعل أنعال قوائمه الأرض؛ لطول امتلائه بين السماء والأرض. وقد سرق قوله: كأن نجومه حلىٌ عليه من قوله تعالى: " ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح " والبيت من قول امرىء القيس حيث يقول:
كأن الثريا علقت في مصامها بأمراس كتانٍ إلى صم جندل
كأن الجو قاسى ما أقاسي فصار سواده فيه شحوبا
الهاء في سواده لليل. وفي فيه للجو.
يقول: كأن الهوى لقي من العناء ما لقيته أنا في الحرب والأسفار، فتغير لونه كما تغير لوني، فهذا السواد تغيرٌ في لونه.
كأن دجاه يجذبها سهادي فليس تغيب إلا أن يغيبا
الهاء في دجاه لليل، أو للجو، وفي يجذبها: للدجى، وهي الظلم.
يقول: كأن ظلم هذا الليل يجذبها سهري، فهي متعلقة بسهري، فليست تغيب هذه الظلمة إلا إذا غاب السهر، وكما أن سهادي لا يغيب، كذلك دجى الليل، لا يزول ولا يغيب.
أقلب فيه أجفاني كأني أعد بها على الدهر الذنوبا
الهاء في فيه: للجو، أو لليل. وفي بها: للأجفان.
يقول: إني أقلب أجفاني في هذا الليل والجو، يمينًا وشمالًا، وأكثر من تقليبها، فكأني أعد بأجفاني عيوب الدهر، يعني: كما أن ذنوب الدهر كثيرة، لا تعداد لها، كذلك أجفاني لا انقطاع لتقليبها، ولا نوم لي هناك.
وما ليلٌ بأطول من نهارٍ يظل بلحظ حسادي مشوبا
أراد: بلحظي حسادي. فحذف الفاعل وأضاف المصدر إلى المفعول.
يقول: هذا الليل مع تناهيه في الطول، وسهري فيه، ليس بأطول من نهارٍ ألاحظ فيه أعدائي، فيكون النهار مشوبًا برؤيتي حسادي. فيشكو الليل والنهار جميعًا.
وما موتٌ بأبغض من حياةٍ أرى لهم معي فيها نصيبا
أبغض: الوجه فيه أن يقول: اشد إبغاضًا، لكنه جاء به على حذف الزوائد.
يقول: كما أكره الموت أكره الحياة التي شاركني فيها الحساد، فليست الحياة أحب من الموت، ولا الموت أكره من الحياة، إذا كان لحسادي نصيب في تلك الحياة.
يعني: أني أحب الحياة إذا أفنيت حسادي.
عرفت نوائب الحدثان حتى لو انتسبت لكنت لها نقيبا
النوائب: حوادث الدهر. والنقيب: العارف بالأشياء.
يقول: إني عرفت حوادث الدهر، حتى لو كانت الحوادث من الأحياء المنتسبين إلى الآباء لكنت العارف بها وبأنسابها، ومن أين تولد، وإلى من تنسب، كما يعرف النقيب الأنساب.
ولماقلت الإبل امتطينا إلى ابن أبي سليمان الخطوبا
امتطينا: ركبنا مطاها وظهورها. والخطوب: شدائد الأمور.
يقول: لما لم نجد الإبل وقل ما نركبه، ركبنا إليه ما أصابنا من الشدائد، فجعلناها مطايانا، لا سبب قصدنا إياه وهو الشدائد.
وقيل: لما حقرت الإبل في جنب قدره مشينا إليه بأقدامنا إعظامًا له وإجلالا.
مطايا لا تذل لمن عليها ولا يبغي لها أحدٌ ركوبا
يقول: إن الخطوب مطايا لا تطاوع راكبها؛ لشدتها وصعوبتها، ولا تنقاد لأحد، ولا يطلب أحد ركوبها؛ لصعوبتها لأنها غير ذلول.
وترتع دون نبت الأرض فينا فما فارقتها إلا جديبا
الجديب: المجدب. لما جعل الخطوب مطايا، جعلها ترعى في نفسه، فيقول: إنها تأكل من أبدانا، بدلًا من رعي الأرض، فما فارقت هذه المطايا جديبًا، من السقم والهزال كالأرض الجدبة.
إلى ذي شيمةٍ شغفت فؤادي فلولاه لقلت بها النسيبا
الشيمة: الخلق. وشغفت: أي ملأت فؤادي حبًا. والنسيب ذكر محاسن المرأة في الشعر.
يقول: امتطيت الخطوب، حتى وصلت إلى ذي شيمة كريمة، فلولا مراقبته وجلالة قدره، لنسبت بهذه الشيمة، كما ينسب الشاعر بالمرأة المحاسن.
تنازعني هواها كل نفسٍ وإن لم تشبه الرشأ الربيبا
الرشأ: الذكر من أولاد الظباء. والربيب: المربى في البيوت. والهاء في هواها: للشيمة.
يقول: ليس أحد يعشق هذه الشيمة كعشقي لها، وإن لم تشبه هذه الشيمة الغزال المربى في البيوت. أي الجواري الحسان، وإنما هي خلق وطبع، لا شخص وجسم.
[ ١ / ١٦٧ ]
عجيبٌ في الزمان وما عجيبٌ أتى من آل سيارٍ عجيبا
عجيبًا: نصيب، لأنه خبر ما.
يقول: هو عجيب في زمانه، لعدم نظيره، ولكن كونه عجيبًا ليس بعجب إذا كان من آل سيار؛ لأنهم معادن المجد والكرم.
وشيخٌ في الشباب وليس شيخًا يسمى كل من بلغ المشيبا
شيخًا: نصب؛ لأنه خبر. مفعول يسمى، وكل اسمه.
يقول: هو شيخ في شبابه؛ لحلمه وحكمته، وليس يسمى الشيخ كل من شاب، إذ من الشيب من لا يستحق اسم الشيخ.
قسا فالأسد تفزع من يديه ورق فنحن نفزع أن يذوبا
رق: أي لان. وقد روى: ولان.
يقول: إنه قاسي القلب في الحروب على أعدائه، بحيث تخشى الأسود منه ومن صولته، ورق طبعه لأوليائه، بحيث نخاف نحن لرقته ولطافته أن يذوب، وروى: فالأسد تفزع من قواه وهي جمع القوة.
أشد من الرياح الهوج بطشًا وأسرع في الندى منها هبوبا
الهوج: أي الشديدة، التي لا تستقيم على سنن واحد. والبطش: الأخذ بالقوة.
يقول: هو أشد من الرياح الهوج بطشًا، فكل من يبطش به أهلكه وهو أسرع من هذه الرياح في العطاء: أي لا يرد سائلًا. وبطشًا وهبوبًا: نصبا على التمييز.
وقالو: ذاك أرمى من رأينا فقلت: رأيتم الغرض القريبا
يقول: عجب الناس من إصابة رميه، قلت: إنما رأيتموه يرمي الهدف القريب ولم تروه يرمي الهدف البعيد، فأخفى عليكم من رميه أكثر.
وقيل معناه: أنكم رأيتم منه الغرض القريب، وأنا رأيت منه الغرض البعيد، فإنه يظن الظنون ويرى الآراء، فيكون كما رآه وظنه.
وهل يخطي بأسهمه الرمايا وما يخطي بما ظن الغيوبا
الأصل: يخطىء، بالهمزة فأبدلها ياء.
يقول: كيف تعجبون من إصابته الغرض يرميه؟! وهو يرمي الغيب بظنه فيصيبه! فإذا كان يصيب بظنه الغيب الذي لا يصيبه أحد، فكيف لا يصيب المرمى المشاهد!
إذا نكبت كنانته استبنا بأنصلها لأنصلها ندوبا
نكبت: أي قلبت على رءوسها. ويروى نكتت بالتاءين. وهو في معنى الأول. والكنانة: الجعبة. واستبنا: أي تبينا وعلمنا. والندوب: جمع ندب، وهو أثر الجرح والهاء في بأنصلها: للأسهم.
يقول: إذا قلبت كنانته يوم الرمي رأينا في أنصلها الآثار الحاصلة من أنصلها؛ لأن أنصلها تقاتلت في الكنانة، لما أبطأت الرمي إلى الأعداء، لتعودها القتال والرمي، فجرح بعضها بعضا.
وقيل: معناه أن سهامه تنفذ في سمة واحدة فيصيب النصل النصل ويؤثر فيه.
يصيب ببعضها أفواق بعضٍ فلولا الكسر لاتصلت قضيبا
الأفواق: جمع فوق، وهو الحز الذي يجرى في وتر القوس.
يقول: إذا رمى سهمًا، ثم رمى سهمًا آخر، أصاب به فوق الأول، فلولا انكسار الأول لاتصل الأول بالثاني، وبالثاني الثالث فصار من ذلك قضيبًا.
بكل مقومٍ لم يعص أمرًا له حتى ظنناه لبيبًا
يقول: يصيب بكل سهم مقوم حتى استقام له، فلا يعصي له أمرًا، حتى كأنه عاقل يمتثل أمره.
يريك النزع بين القوس منه وبين رميه الهدف اللهيبا
روى: رمية الهدف على الإضافة. وروى رمية الهدف فيكون الهدف بدلًا من رميه.
يقول: يريك جذبه السهم بين القوس وبين المرمى، وهو الهدف اللهيب. وقيل: أراد وصفه بالسرعة، فشبهه بلهيب النار.
وقيل: أراد به حقيقة اللهيب للنار ويكون المراد به النار التي تتولد منه عند القدح.
ألست ابن الألى سعدوا وسادوا ولم يلدوا امرأً إلا نجيبا!
ألست: تقديره ليس للنفي. والألى: بمعنى الذين. فكأنه قال: أنت ابن الآباء الكرام، ذوي السعادة والمجد والسيادة، وهم لا يلدون إلا من هو نجيب مثلك
ونالوا ما اشتهوا بالحزم هونًا وصاد الوحش نملهم دبيبا
هونا: في موضع الحال. ودبيبا: حال من نملهم.
يقول: إن آباءك نالوا ما تمنوا من المجد والعلا بأهون سعي؛ بفرط حزمهم ونملهم يصيد الوحش.
ومعناه: أنهم ينالون الأمور الصعبة بأهون سعي منهم.
وما ريح الرياض لها ولكن كساها دفنهم في الترب طيبا
الريح: الرائحة. والهاء في لها وكساها: عبث؟ يقول: إن الرائحة التي تشم من الرياض ليست للرياض! ولكن كسا هذه الرياض دفن آبائه في التراب طيبًا وعطرًا، فما يفوح إنما هو ريحهم وأراد به الثناء وحسن الذكر الجميل.
[ ١ / ١٦٨ ]
أيا من عاد روح المجد فيه وعاد زمانه البالي قشيبا
القشيب: الجديد والهاء في فيه تعود إلى من وفي زمانه إلى المجد وقيل: إلى من.
يعني: أن المجد مات منذ قديم وذهب زمانه، ثم انتقلت رفعته فيك، فعاد حيًا وصار زمانه جديدًا بعد البلى.
وقيل: أراد أن روح المجد بعد آبائه وأجداده انتقلت أيضًا إليه فصار هو المجد. على طريقة المبالغة، وعاد زمانه الذي هو فيه كثير الخير والخصب بعد ما كان قد بلي وأجدب بموته آبائه.
تيممني وكيلك مادحًا لي وأنشدني من الشعر الغريبا
فآجرك الإله على عليلٍ بعثت إلى المسيح به طبيبا
تيممني: يعني قصدني. والباقي ظاهر. وطبيبًا: حال من ضمير عليل، أو من المسيح. ومثله:
فإنك واستبضاعك الشعر نحونا كمستبضعٍ تمرًا إلى أهل خيبرا
يعني أن مثلك في إرساله إلي بمدحي؛ مثل من أرسل عليلًا ليداوي السيد المسيح. الذي كان يحيي الموتى ويصنع المعجزات
ولست بمنكرٍ منك الهدايا ولكن زدتني فيها أديبا
يقول: لا أنكر منك الهدايا، ولكنك زدتني في جملتها أديبًا يمدحني وحكى أن الوكيل افتخر بذلك وقال: قد شهد لي بالأدب.
فلا زالت ديارك مشرقاتٍ ولا دانيت يا شمس الغروبا
يقول: لا زالت ديارك تشبه الشمس، وجعله شمسًا لعلو محله وشهرة ذكره، وكنى بالغروب عن الموت، وذلك دعاء له بالبقاء.
لأصبح آمنًا فيك الرزايا كما أنا آمنٌ فيك العيوبا
اللام في لأصبح متعلق بقوله: ولا دانيت أي إنما دعوت لك بالسلامة والبقاء لتأمن نفسي أن تنالك مصيبة كما آمنت أن يلحقك عيب.
وقال أيضًا يمدحه ويذكر مهارته في الرماية وفيها يفتخر ويذم الزمان:
أقل فعالي بله أكثره مجد وذا الجد فيه نلت أم لم أنل جد
بله: أي دع، وقيل: كف، هو وضع لذلك. مثل: صه اسم فعل كقولك اسكت. وصهٍ: بمعنى كف. وفي أكثره: يجوز النصب، والجر، والرفع، أما النصب: فلأن بله اسم للفعل فينصب به كما ينصب بالفعل: ومعناه: دع أكثره.
والجر: فلأنه مصدر أضيف إلى مابعده.
وأما الرفع: فإن قطربًا أجازه على معنى: كيف أكثره؟ أو على معنى: بل أكثره. والجد: الاجتهاد والجد: الحظ. وأقل فعالي: مبتدأ. ومجد: خبره.
وتقدير البيت: أقل فعالي مجد وذا الجد فيه جد. أم لم أنل، والهاء في فيه: للمجد.
يقول: إن قليل فعالي مجد. أي لكنني مجدًا وشرفًا حتى أكلي وشربي واضطجاعي وجلوسي، كل ذلك منسوب إلى المجد، لأن غرضي في جميع أفعالي اكتساب المجد.
فدع عنك أكثر أفعالي من المساعي الجسام، والأخطار بالنفس والمال. وقوله: ذا الجد أي هذا جدي في الأمور، واجتهادي فيها حظ وبخت سواء نلت أو لم أنل لأن الجد معدود في السعادة، كما أن التواني معدود في الشقاء؛ لأنه إذا ينل حظه كان قد أبلى عذره.
سأطلب حقي بالقنا ومشايخٍ كأنهم من طول ما التثموا مرد
يقول: سأطلب ملكي الذي هو حقي برماح وبمشايخ كأنهم مرد لكثرة التثامهم.
يعني: أنهم عرب معودون التلثم حتى سقطت شعور عوارضهم فصاروا كالمرد.
وخص المشايخ لتجربتهم وثبات بصائرهم كما قيل في المثل: زاحم بعودٍ أو دع. العود: الجمل المسن. وهذا من قول البحتري:
حص التريك رءوسهم فأصابها في مثل لألاء التريك المذهب
والأصل فيه قول ابن الأسلت:
قد حصت البيضة رأسي فما أطعم يومًا غير هجاع
ومعناه: أنها من طول ما استعملت تساقط ريشه الذي به قوة التهام. والأول أولى.
ثقالٍ إذا لاقوا خفافٍ إذا دعوا كثيرٍ إذا شدوا قليلٍ إذا عدوا
يقول: هؤلاء المشايخ إذا لقوا أعداءهم ثبتوا ولم يتزعزعوا، وإذا دعاهم صارخ أسرعوا إليه، ولم يتباطئوا، وإذا حملوا في الحرب قاموا مقام الجيش الكثير وإذا عدوا كانوا قليل العدد. يعني فيهم قلة من العدد وكثرة من حيث الجلد.
وطعنٍ كأن الطعن لا طعن عنده وضربٍ كأن النار من حره برد
هذا عطف على ما تقدم. أي سأطلب حقي بالقنا وبمشايخ صفتهم ما تقدم.
يقول: وطعن كأن طعن الناس إذا قيس إليه ليس بطعن، أو بضرب بالسيف، كأن النار إذا قيست إليه فحرها برد، والهاء في عنده للطعن الأول والطعن: اسم كأن، والجملة بعده خبر، والعائد عليه محذوف.
[ ١ / ١٦٩ ]
إذا شئت حفت بي على كل سابحٍ رجالٌ كأن الموت في فمها شهد
حفت: أي أحدقت بي، وفاعله: رجال. والهاء في فمها للرجال والشهد: العسل مع ما فيه من الشمع.
يقول: متى شئت أحدقت بي رجال راكبون على فرس سابحٍ، وكانوا أبطالًا يجدون الموت في الحرب حلوًا كالعسل. وروى حفت بي أي: أسرعت.
أذم إلى هذا الزمان أهيله فأعلمهم فدمٌ وأحزمهم وغد
صغر أهل الزمان على جهة التحقير. والفدم: هو الغبي. والوغد: العبد، وقيل من لا خير عنده.
يقول: أذم إلى أهل الزمان أهله؛ فأعلم هذا الزمان جاهل غبي، وأكثرهم حزمًا ضعيف وحقير، لا خير عنده ولا غناء له.
وأكرمهم كلبٌ وأبصرهم عمٍ وأسهدهم فهدٌ وأشجعهم قرد
العمى: الذي عمي قلبه. ويضرب المثل في الكلب بالخسة، وفي كثرة النوم بالفهد وفي الجبن بالقرد لأنه لا ينام بالليل خوفًا على نفسه.
ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى عدوًا له ما من صداقته بد
يقول: من محن الدنيا على الحر، أن يرى عدوًا له، ويظهر من صداقته، بحيث لا يكون من إظهارها بد.
والأصل ما من إظهار صداقته بد، غير أنه حذف المضاف؛ لأن العدو لا يكون صديقًا.
وروى أن يرى بضم الياء، على ما لم يسم فاعله. أي يرى الدنيا. ومعناه: من لوم الدنيا أن الحر مجبول على حبها، وهي عدوٌ ولا يقدر أن يعرض عنها. وهذا من قول أبي نواس:
إذا امتحن الدنيا لبيبٌ تكشفت له عن عدوٍّ في ثياب صديق
بقلبي وإن لم أرو منها ملالةٌ وبي عن غوانيها، وإن وصلت صد
الهاء في منها وغوانيها: للدنيا.
يقول: إني وإن لم أرو من الدنيا، ولم أقض منها وطري، فإني قد مللت منها، لما عرفت من تقلب أحوالها، ولذلك أعرضت عن غواني هذه الدنيا؛ لما عرفت من غدرهن وقلة وفائهن، وإن واصلتني فلا أبالي لوصالي.
خليلاي دون الناس: حزنٌ وعبرةٌ على فقد من أحببت ما لهما فقد
ما لهما: أي للحزن، والعبرة.
يقول: لما فقدت حبيبي أعرضت عن الناس وانفردت بالبكاء والحزن، فهما خليلاي، وليس لهما فقد.
تلج دموعي بالجفون كأنما جفوني لعيني كل باكيةٍ خد
يقول: لا تخلو جفوني من الدموع، فكأن جفوني خد لعيني كل باكية في الدنيا، وكأن كل دمع يجري من كل عين يجري على جفوني.
وإني لتغنيني من الماء نغبةٌ وأصبر عنه مثل ما يصبر الربد
النغبة: الجرعة، الربد: النعام، وهو جمع أربد، ورابد. والأربد: الذي يعلو سواده غبرة.
يقول: يكفيني من الماء جرعة، فإذا نلتها أصبر عن الماء، كما صبر النعام. والنعامة لا ترد الماء وتكتفي بالهواء، وكذلك الضب والحية.
وروى: وإني لتغنيني عن الماء نعته: أي وصفه، وهو أبلغ: يعني إذا وصف الماء أو نعت ارتويت بوصفه.
وأمضي كما يمضي السنان لطيتي وأطوي كما تطوي المجلحة العقد
الطية: النية. وروى: أطوي. أي أجوع. والمجلحة: الحادة في طلبها، المصممة على أطوادها. وأراد بها الذئاب، وهي أدوم السباع كلها، وأحرصها على الصيد. والعقد: جمع أعقد، وهو الذي في ذنبه عقد، وهي أخبث الذئاب.
يقول: إذا عزمت على شيء مضيت فيه مضاء السنان، وإذا عدمت الزاد صبرت عنه، كما تصبر الذئاب. وهي توصف بالطوى، ويقال: أجوع من ذئب.
وأكبر نفسي عن جزاءٍ بغيبةٍ وكل اغتيابٍ جهد من ماله جهد
الجهد والجهد: الطاقة.
يقول: أجهد نفسي ألا أجازي أحدًا بغيبة إذا اغتابني؛ وإنما يفعل ذلك من لا يقدر على المكافأة بالفعل.
وأرحم أقوامًا من العي والغبا وأعذر في بغضي لأنهم ضد
العي: العجز عن الكلام. والغباء: الجهل.
يقول: أرحم من فيه الجهل والعي، وأعذرهم إذا بغضوني؛ لأنهم ضدي؛ إذ ليس في مثل ما فيهم من العي والجهل.
ويمنعني ممن سوى ابن محمدٍ أيادٍ له عندي يضيق بها عند
جعل عند اسمًا، وإن كان لا يستعمل إلا ظرفا؛ لأنه حمله على المعنى. كأنه قال: يضيق بها المكان، ولأن أصل الأسماء يجريها بوجوده الإعراب، فإذا اضطر الشاعر ردها إلى الأصل.
يقول: إن نعم ابن محمد كثيرة عندي، بحيث يضيق بها المكان من كثرتها، فلما أردت أن أمدح غيره منعتني تلك النعم أن أمدح أحدًا سواه؛ حياءً منه.
[ ١ / ١٧٠ ]
توالى بلا وعدٍ ولكن قبلها شمائله، من غير وعدٍ بها وعد
أصله: تتوالى، فحذف إحدى التاءين. والشمائل: الأخلاق.
يقول: أياديه تتابعث علي من غير وعد تقدمها، غير أن شمائله الكريمة وطلاقة وجهه تقوم مقام الوعد، وإن لم يكن هناك وعد على الحقيقة.
سرى السيف مما تطبع الهند صاحبي! إلى السيف مما يطبع الله لا الهند
صاحبي: بدل من السيف.
يقول: سريت بسيفي الذي طبعته الهند إلى السيف الذي طبعه الله تعالى. وهو الممدوح، شبهه بالسيف لمضائه.
فلما رآني مقبلًا هز نفسه إلي حسامٌ كل صفحٍ له حد
حسام: رفع؛ لأنه فاعل رأى. ويجوز أن يكون مرفوعًا بهز.
يقول: إنه لما رآني مقبلًا نحوه اهتز إلي وقام إلي، واستعمل فيه هز لأنه جعله سيفًا، ثم قال: كل صفح له حد أي كل جانب له، وكل جزء منه حد، بخلاف السيف فإنه كله صفحة، وهو وجهه. لا يكون له غيره.
فلم أر قبلي من مشى البحر نحوه ولا رجلًا قامت تعانقه الأسد
يقول: لم أر رجلًا قبلي مشى إليه البحر، وعانقته الأسد، شبهه بالبحر، لسخائه، وبالأسد؛ لشجاعته. وأراد بالرجل: نفسه.
كأن القسي العاصيات تطيعه هوىً أو بها في غير أنمله زهد
أراد بالعاصيات: الصعبة الشديدة.
يقول: إن القسي الصعبة تطيعه عند توتيرها ونزعها. إما حبًا له أو قلة رغبة في غير أصابعه، فلا تجذب لأحد دونه.
يكاد يصيب الشيء من قبل رميه وتمكنه في سهمه المرسل الرد
يقول: إذا رمى شيئًا أصابه قبل أن يرميه، وإذا أرسل سهمًا أمكنه رده قبل وصوله إلى الغرض، وقصد المبالغة.
وينفذه في العقد وهو مضيقٌ من الشعرة السوداء والليل مسود
يقول: لو عقد عاقدٌ عقدًا ضيقًا، على شعرة سوداء، وتركه في ليلة مظلمة، لأمكنه أن ينفذ سهمه فيه، في ظلمة الليل.
بنفسي الذي لا يزدهي بخديعةٍ وإن كثرت فيها الذرائع والقصد
لا يزدهي: أي لا يستخف به مخادعة، والهاء في فيها للخديعة.
يقول: أفدي بنفسي الفصيح الفطن، الذي لا يستخفه أحد بالخديعة والمكر، وإن كثرت الوسائل في الخديعة، والقصد إليها، لأنه يقف عليها ويفطن لها سريعًا، فلا يمكن أحد خديعته.
ومن بعده فقرٌ، ومن قربه غنىً ومن عرضه حرٌّ، ومن ماله عبد
يقول: إن الغنى في يديه فمن بعد عنه حرمه، ومن قرب منه أغناه، وإن عرضه: أي نفسه وحسبه، حرٌّ: أي مصون صيانة الحر، وماله: مهان إهانة العبد. وطابق في هذا البيت. البعد: بالقرب. والفقر: بالغنى. والحر: بالعبد. والعرض: بالمال.
ويصطنع المعروف مبتدئًا به ويمنعه من كل من ذمه حمد
يقول: إنه يصطنع معروفه في مستحقه، فإذا رأى دنيا كفورًا للنعمة حرمه؛ لأن ذمه حمد، فلا يبالي بذمه، من حيث إنه يتضمن حمده؛ لأن الجاهل إذا ذم العالم، واللئيم إذا ذم الكريم فقد مدحه، ودل بذمه على أنه ضد له، فصار ذمه حمدًا له من هذه الجملة.
وقيل: أراد أن حمده مثل ذمه، لأنه لخسته لا يكون لحمده أثر، فلا يبالي بحمده وذمه.
ويحتقر الحساد عن ذكره لهم كأنهم في الخلق ما خلقوا بعد
يقول: إنه يحتقر حساده، فلا يذكرهم حتى لا يشتهروا بذكره إياهم، فكأنهم لعدم ذكره لهم واحتقارهم. في العدم، ولم يخلقوا بعد، وليس لهم وجود.
ويأمنه الأعداء من غير ذلةٍ ولكن على قدر الذي يذنب الحقد
يقول: إن أعداءه آمنوا بالله تعالى من غير ذلة له. ولكن الحقد يكون على قدر المذنب. وأعداؤه صغار القدر، فهو لا يبالي بهم؛ لأنهم أقل من أن يحقد عليهم، فأمنوا لذلك.
وقيل: أراد أنه لا يجازي أحدًا إلا بما يستحقه؛ لاتصافه بذلك، فلا يخافه أحد إلا على قدر ذنبه.
فإن يك سيار بن مكرمٍ انقضى فإنك ماء الورد إن ذهب الورد
يقول: إن كان جدك قد انقضى ومات، فإنك تنوب عنه، كما أن ماء الورد ينوب عن الورد ويقوم مقامه إذا فقد الورد.
وفيه إشارة إلى تفضيله على جده، لأن ماء الورد أطيب من الورد وألطف وأكثر بقاء ونفعًا.
مضى وبنوه وانفردت بفضلهم وألفٌ إذا ما جمعت واحدٌ فرد
ذكر بنوه في مضى من غير توكيده بالمنفصل، وكان الوجه أن يقول: مضى هو وبنوه وذلك أيضًا جائز.
[ ١ / ١٧١ ]
يقول: مضى سيار بن مكرم ومضى بنوه، وهم أبوه وأعمامه، وانفردت أنت بفضلهم، أي جمعت فضائلهم، فكأنك جميعهم، كما أن الألف واحد؛ من حيث اللفظ وإن كان ألفًا في المعنى، وأعداد كثيرة ومنتهى الأعداد، فهي تجمع الأعداد مع أنه واحد.
لهم أوجهٌ غرٌّ، وأيدٍ كريمةٍ ومعرفةٌ عدٌّ، وألسنةٌ لد
لهم: أي لأجداده، أوجه بيض وأيد كريمة: أي سخية. وقيل: نعم خالصة من المن، ومعرفة عد: كثيرة، وألسنة لد: فصيحة شديدة الخصومة ماهرة بالجدال.
وأرديةٌ خضرٌ، وملكٌ مطاعةٌ ومركوزةٌ سمرٌ، ومقربةٌ جرد
وأردية خضر قيل: أراد نعمٌ سابغة وعطاي هنيةٌ. كما قال:
غمز الرداء إذا تبسم ضاحكًا البيت.
وقيل: أراد به الرداء، وخص الخضر؛ لأنها من ثياب الملوك في ديار العرب. وقيل: أراد بالخضر السود، أي اسودت موضع حمائلهم لكثرة تقلدهم بالسيوف. قوله: وملك مطاعة أنث الملك على معنى السلطان، وهو مؤنث ذهابًا بها إلى القدرة. وقيل: أراد بالتأنيث المملكة ومركوزة سمر: أي الرماح ركزت. أي غرزت في بيوتهم. وذلك عادة. ومقربة جرد: أراد به الخيل المقربة من البيوت، فهي لا ترسل لكرمها وخوفهم عليها وحبهم لها فتربط قريبًا من البيوت. والجرد: جمع أجرد، وهي القصار الشعور.
وما عشت ما ماتوا ولا أبواهم تميم بن مرٍّ وابن طابخةٍ أد
ما الأولى للوقت، والثانية للنفي.
يقول: ما دمت تعيش، فما مات أحد من آبائك، ولا مات تميم بن مر، وابن طابخة، الذين أنت وآباؤك من نسلها؛ لأن فضائلهم موجودة فيك. وأد: اسم ابن طابخة.
وقوله: تميم بن مر. بدل من قوله: ولا أبواهم. وابن طابخة معطوف عليه، وإن شئت جعلته عطف على سيار، وأبدل من ابن طابخة، أو عطف بيان، ويجوز أن يكون تميم بن مر: خبر ابتداء محذوف أي هما تميم بن مر وابن طابخةٍ أد، كأن قائلًا قال: من هما؟ قال: تميم بن مرو وابن طابخة، فيكون تفسيرًا لقوله: ولا أبواهم.
فبعض الذي يبدو الذي أنا ذاكرٌ وبعض الذي يخفى علي الذي يبدو
يقول: ما أذكر من أوصافك ومناقبك، بعض ما يظهر لي منها، والذي ظهر لي منها بعض ما خفي علي، فالذي خفي أكثر مما ظهر، وما ظهر لي أكثر مما ذكرت، لأن لفظي يقصر عنها.
وتقديره: وبعض الذي يبدو، مثل بعض الذي يخفى. فحذف المضاف.
ألوم به من لامني في وداده وحق لخير الخلق من خيره الود
الهاء في به للذكر، أو الوصف لفضله.
يقول من لامني في حبي إياه، ألومه بما وصفته من مفاخره، وأرد عليه بذكر محاسنه؛ لأن الممدوح خير الخلق، وأنا أيضًا كذلك، فحق لي أن أوده لأن الجنس يصبو إلى جنسه.
كذا فتنحوا عن عليٍِّ وطرقه بني اللوم حتى يعبر الملك الجعد
الجعد: السخي. وقيل: معناه أنه أبى الظلم منقبض عن الضيم، هذا إذا أطلق، فإذا قرن باليدين كان ما يعنون أنه بخيل وبني اللؤم نداء مضاف، وقيل نصب على الذم.
يقول: تنحوا أيها اللائمون طرق المكارم، حتى يعبرها الملك السخي الأبي الضيم من غير مشقة. ومثله لبشار:
سمعت بمكرمه ابن العلا ء فأنشأت تطلبها لست تم
فما في سجاياكم منازعة العلا ولا في طباع التربة المسك والند
يقول: ليس في طباعكم منافسة الكرام على المكارم، كما أن التراب ليس في طبعه أن يولد المسك والد وأراد أن يسافر فودعه صديقٌ له فارتجل وقال:
أما الفراق فإنه ما أعهد هو توأمي لو أن بينًا يولد
التوأم: الذي ولد معه آخر. وما بمعنى: الذي. أي الذي أعهد.
يقول: إني تعاهدت الفراق، وهو الذي أعهده منذ ولدت، ولو كان البين يولد لكنت أنا وهو توأمين. ومثله قول الآخر:
فأنت الندى وابن الندى وأخو الندى حليف الندى ما للندى عنك مذهب
ولقد علمنا أننا سنطيعه لما علمنا أننا لا ينلخد
يقول: لما علمنا أن الموت كتب علينا، وأننا لابد لنا من الفراق! علمنا أننا في طاعته والانقياد له.
وإذا الجياد أبا البهي نقلننا عنكم فأردأ ما يكون الأجود
وروى: فأردأ ما ركبت الأجود.
يقول: يا أبا البهي، إذا كانت الخيل سببًا لفراقنا، فأجودها وأسبقها أردؤها؛ لأن أجودها أسرع في إبعادنا، فلذكل صار ذمًا لها.
[ ١ / ١٧٢ ]
من خص بالذم الفراق فإنني من لا يرى في الدهر شيئًا يحمد
يقول: إن كان الناس يذمون الفراق خاصة، فأنا أذم جميع الدهر، ولا أرى في الدهر شيئًا يستحق الحمد والمدح.
وقال يمدح أبا بكر علي بن صالحٍ الروذباري الكاتب بدمشق:
كفرندي فرند سيفي الجراز لذة العين عدةٌ للبراز
الفرند، والإفرند: جوهر السيف، وهو خضرته التي تردد فيه والجراز: القاطع. والبراز: المبازة.
يقول: إن جوهر سيفي مثل مضاء حده، ومثل مضاء عزمي، وهو لذة العين حين تنظر إليه، وعدتي ليوم القتال، والحرب.
تحسب الماء خط في لهب النا ر أدق الخطوط في الأحراز
أدق: نصب على المصدر. وأراد: تحسب الماء في سيفي، فحذف للعلم به. والأحراز: جمع حرز، وهو التعويذة. شبه السيف بالنار، وفرنده بالماء.
يقول: إذا نظرت إليه حسبت أن الماء خط في لهيب النار! فهذا عجيب لأنهما لا يجتمعان، وإن ذلك الخط في الدقة أدق من خطوط الأحراز.
كلما رمت لونه منع النا ظر موجٌ كأنه منك هازي
أصله هازىء بالهمزة فقلبها ياء فصار مثل هازي.
يقول: إن ما يموج في صفحته، مرة تراه أصفر، وأخرى أخضر، وأخرى أزرق، ويجيء مرة ويذهب أخرى، فإذا نظرته لا يعطيك حقيقة لونه، فكأنه يهزأ منك.
ودقيقٌ قدى الهباء أنيقٌ متوالٍ في مستوٍ هزهاز
قوله: ودقيق أراد به: الغبرة التي تعلو متن السيف. وقيل أراد: جوهره الدقيق. والهباء: ما تراه في الشمس إذا دخلت البيت، من كوة. وقدى الهباء: بالفتاح والكسر أي مقداره. والأنيق: المعجب. والهزهاز: كثير الاهتزاز. وقيل هو الذي يجيء ماؤه ويذهب. قوله: في مستوٍ: أي متن مستوٍ. ومتوالٍ: أي غبار متوال.
يقول. عطفًا على ما تقدم: إن الناظر يمنعه غبار دقيق، أو جوهر دقيق كأنه الهباء وهو أنيق متتابع غير منقطع، في متنٍ مستوٍ يجيء ماؤه ويذهب لكثرة اهتزازه وجود صقاله.
ورد الماء فالجوانب قدرًا شربت والتي تليها جوازي
جوازي: أصله بالهمزة.
يقول: ورد الجوازىء، أي الإبل التي تجتزىء بالرطب عن ماء هذا السيف، فشربت شفرتاه منه قدر الحاجة، واجترىء متنه وصفحته بما فيها من الرونق والصفاء، ولم يشرب الماء كله؛ ليكون أثبت له فلا ينكسر.
حملته حمائل الدهر حتى هي محتاجةٌ إلى خراز
حمائل السيف، وحمالته، ونجاده، ومحله: بمعنى.
يقول: كانت حمائله الدهور، فأخلقها وأبلاها فهي محتاجة إلى خراز: يرمم مارث. يعني: أنه قديم عتيق قد أبلى الأعوام، ومرت عليه الدهور؛ والسيف إذا كان أعتق، كان أجود وأقطع.
وهو لا تلحق الدماء غراري هـ ولا عرض منتضيه المخازي
غراري السيف: حداه. والمخازي: جمع مخزاة، وهي المذلة. والمنتضى: المخرج له من الغمد.
يقول: لا تلحق الدماء غراريه؛ لسرعة مضائه، فيسبق الدم ويخرج الدم بعده! وقيل: أراد أنه جيد الصقل، ولا يقبل الدم لصقالته، وكما لا يلحق غراريه الدم، كذلك لا يلحق حامله الذي ينتضيه في الحرب؛ لفضله وشجاعته.
يا مزيل الظلام عني، وروضي يوم شربي ومعقلي في البراز
المعقل: الحصن. والبراز: الصحراء.
يقول مخاطبًا لسيفه: أنت تزيل عني ظلم الخطوب والشدائد، وأنت روضي يوم أشرب: أي نظري إليك، وإلى جوهرك، يقوم لي مقام الروض. وأنت معقلي: ألجأ إليك إذا التجأ غيري إلى الحصون.
وقيل: أراد به أن رونقه وصقاله يضيء له الظلام. وكذلك أراد أنه في خضرته يشبه الروض.
واليماني الذي لو اسطعت كانت مقلتي غمده م الإعزاز
اليماني: صفة للسيف، أي أنه منسوب إلى اليمن.
يقول: لو استطعت أن أجعل مقلتي غمدك لفعلت؛ صيانة لك وإعزازًا.
إن برقي إذا برقت فعالي وصليلي إذا صللت ارتجازي
الصليل: صوت وقع الحديد بعضه على بعض. والارتجاز: من الرجز.
يقول: إذا لمعت في الحرب بروقك برقت أنا بفعلي وظهرت به كما ظهرت بلمعك، وإذا صللت عند الضراب ارتجزت أنا بشعري، فرجزي يقوم مقام صليك.
ولم أحملك معلمًا هكذا إلا لضرب الرقاب والأجواز
المعلم: الذي يجعل من نفسه إشارة إلى الحال، وهو نصب على الحال.
يقول: لم أحملك يا سيف في حال ما أنا معلم، وهي حال الحروب، إلا لضرب رقاب الناس، وأوساطهم.
[ ١ / ١٧٣ ]
ولقطعي بك الحديد عليها فكلانا لجنسه اليو غاز
الهاء في عليها للرقاب والأجواز. الذي على الرقاب والأجواز، فتقطع أنت الحديد، وأقطع أنا الأبدان، فكل واحد منا يغزو جنسه. وموضع عليها نصب على الحال: أي لقطعي بك الحديد كائنًا عليها، والهاء في جنسه عائد إلى الضمير في كلانا.
سله الركض بعد وهنٍ بنجدٍ فتصدى للغيث أهل الحجاز
الركض: ضرب الراكب الدابة حثًا لها على السير. قيل: أراد به أهل الركض. وقيل: بل الركض نفسه. والوهن: قطعة من الليل.
يقول: سل هذا السيف أهل الركض بعد مضي صدرٍ من الليل.
وعلى الثاني: إن شدة الركض سلة: أي اندلق من الغمد لشدة الركض، فظهر عند السل لمعانه، فرآه أهل الحجاز فظنوا أنه برق، وتوقعوا الغيث. والتصدي: التطاول إليه عند لقائه.
حكى المتنبي قال: إنما خصصتهم؛ لأن فيهم طمعًا ليس لغيرهم! قال أبو الفتح: ولم أسمع هذا منه فإن لم يكن الأمر كذلك، فالذي أداه إلى ذلك هو القافية.
وقيل: إنما خصصهم لأن الغيث يقل فيهم، والقحط يكثر في أرضهم، فتصديهم له أكثر.
وتمنيت مثله فكأني طالبٌ لابن صالحٍ من يوازي
يقول: لا مثل لهذا السيف في السيوف، كما أن ابن صالح لا مثل له في الأنام!
ليس كل السراة بالروذبا ري ولا كل ما يطير بباز
السراة: جمع سرى أي شريف.
يقول: ليس كل رئيس له سؤدد، كما أن ليس كل طائر بازٍ، وإن شاركه في الطيران.
فارسيٌّ له من المجد تاجٌ كان من جوهرٍ على أبرواز
يقول: إنه من أهل بيت ملك قديم وشرف عظيم في الفرس.
وقيل: معناه إن التاج لأبرواز كان من جوهر، وتاجه من المجد والسؤدد، فهو أفضل منه.
نفسه فوق كل أصل شريفٍ ولواني له إلى الشمس عاز
يقول: هو أفضل من أصله الذي انتسب إليه، وإن كان ذلك الأصل شريفًا، ولو نسبته إلى الشمس لكان أعلا محلًا منها.
شغلت قلبه حسان المعالي عن حسان الوجوه والأعجاز
يقول: إن المعالي الحسان شغلت قلبه باكتسابها عن طلب النساء الحسان الوجوه والأعجاز.
وكأن الفريد والدر واليا قوت من لفظه، وسام الركاز
نصب سام لأنه معطوف على ما تقدم. والسام: عروق الذهب. والركاز: معادن سائر الكنوز. والفريد: الدر الكبير الذي لا يكون معه في الصدفة غيره.
يقول: كأن هذه الأشياء حصلت من لفظ الممدوح؛ لحسنه ورونقه وعذوبته.
تقضم الجمر والحديد الأعادي دونه قضم سكر الأهواز
يقول: إن أعداءه يقضمون على الجمر والحديد حنقًا وغيظًا دون بلوغ مرتبته! فكأنهم يقضمون سكر الأهواز؛ لأن الإنسان يحب الإكثار من ذلك.
بلغته البلاغة الجهد بالعف وونال الإسهاب بالإيجاز
يقول: إن البلاغة قد بلغته بالسهولة اجتهاد غيره، أي أن عفوه يزيد على اجتهاد غيره، وأدرك بالإيجاز إسهاب غيره: وهو الإطالة.
حامل الحرب والديات عن القو م وثقل الديون والأعواز
أي: وثقل الأعواز. وروى الإعواز، وهو المصدر، من أعوزني الشيء: إذا لم تجده. وروى: الأعواز: وهو جمع العوز، وهو الاسم.
يقول: إذا خاف الناس حربًاُ دفعها عنهم، وإن أثقلتهم ديات وديون أداها من ماله، وإن قل مالهم أغناهم.
كيف لا يشتكي وكيف تشكوا؟ به لا بمن شكاها المرازي!
المرازي: المصائب، وأصله الهمز.
يقول: إن الناس يشكون إليه ما لزمهم من الأثقال والمؤن فيحملها عنهم، وهم يشكون المصائب والأثقال! مع أنه يحملها عنهم بالمرازي، فهي واقعة به في الحقيقة لا بهم، فكيف لا يشكوها؟ وهم يشكون! وهو أولى بأن يشكو.
أيها الواسع الفناء وما في هـ مبيتٌ لمالك المجتاز
الكاف في مالك للخطاب. وأضاف المال إلى الناس.
يقول: إن فناءك واسع ومع ذلك لا مبيت فيه لمالك؛ لأنك تفرقه في الوقت، فكأنه ليس له مبيت عندك.
بك أضحى شبا الأسنة عندي كشبا أسوق الجراد النوازي
شبا كل شيء: حده. والأسوق: جمع ساق، والنوازي: جمع النازية، من نزا ينزو، إذا وثب.
يقول: بك تعلمت الشجاعة، حتى حد الأسنة ونوائب الدهر لا تؤثر في! فكأنها أسوق الجراد النازية؛ في أنها لا تأثير لها في.
وانثنى عني الرديني حتى دار دور الحروف في هواز
[ ١ / ١٧٤ ]
يقول: إن الرمح إذا طعنت به انعطف عني مثل حروف هوز! وخص هذه الحروف؛ لأنها كلها: الهاء والواو والزاي. مستديرة منقطعة، والألف ليست فيها ولكنها زائدة. كما قالوا: أبو جاد وهواز وكلمون. وهي أبجد وهوز وكلمن.
وقيل أراد بذكر هواز جميع حروف المعجم، ومعناه أن الرماح لا تؤثر في ولا تخدشني كما لا تخدش هذه الحروف الأقلام ولا تؤثر فيها.
وبآبائك الكرام التأسي والتسلي عمن مضى والتعازي
يقول: إن آباءك الماضين الكرام، صاروا لنا أسوة عن كل هالكةٍ، فنحن نتسلى بهم عن مصائبنا؛ إذ لو بقي أحد لبقي آباؤك.
تركوا الأرض بعد ما ذللوها ومشت تحتهم بلا مهماز
المهماز: الحديدة يجعلها الفارس في نعله، يهمز بها الدابة.
يقول: إنهم مضوا بعد ما ملكوا الأرض، وذللوها وانقادت لهم أي أهلها، وأطاعوهم طوعًا، لحبهم إياهم من غير كراهة ولا إكراه.
وأطاعتهم الجيوش وهيبوا فكلام الورى لهم كالنحاز
النحاز: سعال يأخذ الإبل والغنم.
يقول: انقادت لهم العساكر وهابتهم! فكل من أراد أن يتكلم بين أيديهم تنحنح وسعل؛ كما يفعله الحصير إذا عيي بالكلام.
وقيل: أراد كأن لم يسمع من الناس إلا همسًا شبيهًا بالنحاز؛ لهيبتهم.
وقيل: أراد أنهم لم يبالوا بكلام أحد لهيبتهم ولانقياد الناس إليهم، ولم يفكروا، كما لا يفكر الإنسان في سعالٍ يأخذ الغنم والإبل.
وهجانٍ على هجانٍ تأتي ك عديد الحبوب في الأقواز
الهجان الأول: الكرام من الناس. والثاني: الكرام من الإبل. تأتيك: أي تقصدك. وروى تأتتك: أي قصدتك. والأقواز: جمع القوز، وهي القطعة المستديرة من الرمل. وعديد: نصب على الحال من الضمير في تأتيك، والإضافة في تقدير الانفصال.
يقول: رب قوم كرام قصدوك على إبل كرام في عدد حبات الرمل؛ لأنك كريم والكريم إذا مسه الضر، ماله إلا الكريم.
صفها السير في العراء فكانت فوق مثل الملاء مثل الطراز
العراء: الأرض الخالية. والهاء في صفها للإبل. شبه استواء الإبل في العراء بطراز على ملاءة! وذلك أن الإبل الكرام لا تتقدم إحداها على الأخرى بل تصف على استواءٍ واحد في المكان الواسع.
وحكى في اللحوم فعلك في الوف ر فأودى بالعنتريس الكناز
حكى: أي السير حكى في اللحوم فعلك. في الوفر: وهو المال الكثير. والعنتريس: الناقة القوية. والكناز: المكتنزة اللحم.
يقول: إن السير أذهب لحوم الإبل وأفناها، فأشبه فعله بها فعلك في مالك الذي تفرقه. وأودى: فاعله السير أي أهلكه.
كلما جادت الظنون بوعدٍ عنك جادت يداك بالإنجاز
يقول: كلما ظننا في أنفسنا عنك بوعد، وقدرنا أنك تعطينا بوعد، وعدنا ظنوننا كأن ذلك على قدرنا، فتنجز ما قدرنا وتحقق ما أملنا.
ملكٌ منشد القريض لديه يضع الثوب في يدي بزاز
يقول: إنه عالم بالشعر جيد الفكر فيه، فمنشد الشعر كأنه وضع ثوبًا في يدي بزاز؛ لأن البزار يكون عارفًا بالثوب.
ولنا القول وهو أدرى بفحوا هـ وأهدى فيه إلى الإعجاز
فحوى الكلام: معانيه، ومعاريضه.
يقول: إنه يقول الشعر، وهو أعلم بدقائق معانيه، ويقدر أن يقول ما يعجز عنه كل شاعرٍ فصيح.
ومن الناس من تجوز عليه شعراءٌ كأنها الخازباز
الخازباز: صوت الذباب، ونفس الذباب.
يقول: إنه عالم بجيد الشعر ورديئه وغيره يجوز عليه شعر شعراء كان شعرهم مثل طنين الذباب الذي لا معنى له.
ويرى أنه البصير بهذا وهو في العمى ضائع العكاز
يقول: إن من يجوز عليه مثل ذلك، هو يظن أنه عالم بالشعر، وهو كالأعمى بين العميان، إذا ضاع عكازه وعصاته التي يتوكأ عليها! قيل: إنه أراد بهذا رجلًا بعينه ضدٌّ للممدوح.
كل شعرٍ نظير قابله منك وعقل المجيز مثل المجاز
الكاف في منك للشاعر. والمجيز: المعطي، ويجوز أن يكون بمعنى المجوز القائل.
يقول: أيها الشاعر إن كل شعر يشبه من يقبله منك، فالرديء يجوز على الجاهل به، والجيد يعرفه العالم به، وعقل الممدوح الذي يعطي الجائزة على المدح ويقبل المديح ويجيزه، مثل عقل المادح المعطي، والذي قبله منه. فالأحمق يجيز الأحمق ويقبل منه. والعاقل يجيز العالم، وهو يقبل منه لأنه يرضى بشعره.
[ ١ / ١٧٥ ]
وقد قيل: نظير قائله ومعناه. موقع كل شعر منك أيها الممدوح كموقع قائله، فإن كان فاضلًا مقدمًا فشعره مثله، وإن كان رذلًا فشعره كذلك، وكذلك عقل من يجيز عليه أو يقبله مثل عقل الشاعر الذي يقبل الجائزة عليه.
وقال أيضًا: يهجو علويًا عباسيًا:
أماتكم من قبل موتكم الجهل وجركم من خفةٍ بكم النمل
يقول: إنكم من غلبة الجهل عليكم أموات وإن كنتم أحياء! ومن خفة أقداركم ومهانتكم يقدر أن يجركم النمل إلى حيث شاء.
وليد أبي الطيب الكلب مالكم فطنتم إلى الدعوى وما لكم عقل
وليد: تصغير ولد، ونصب على أنه منادى مضاف.
يقول: ليس لكم عقل، فكيف علمتم لؤم أصلكم، فرغبتم عنه وادعيتم إلى غير أبيكم!
ولو ضربتكم منجنيقي وأصلكم قوي لهدتكم فكيف ولا أصل؟!
المنجنيق: يذكر ويؤنث وقد أنث. والهد: الكسر.
يقول: لو كان لكم أصل قوي وتعرضت له لأفسدته وهديته، فكيف تثبتون لي وليس لكم أصل؟!
ولو كنتم ممن يدبر أمره لما كنتم نسل الذي ماله نسل
يقول: لو كان الأمر فيكم إلى أبيكم لم يرض أن تكونوا نسله؛ لأن من يكون نسله مثلكم فلا نسل له! غير أن الإنسان لا اختيار له في ولده.
وقيل: معناه لو كنتم ممن يحسن التدبير لما انتسبتم إلى من لا عقب له، بل كنتم تنتسبون إلى من كان له عقب.
وقال يمدح الحسين بن علي الهمذاني:
لقد حازني وجدٌ بمن حازه بعد فياليتني بعدٌ ويا ليته وجد
حازني: أي جمعني.
يقول: قد ملكني الوجد والحزن، بمن استولى عليه البعد، فيا ليتني البعد؛ لأكون معه، ويا ليته الوجد ليكون معي أبدًا.
أسر بتجديد الهوى ذكر ما مضى وإن كان لا يبقى له الحجر الصلد
ذكر نصب بتجديد الهوى وهو مصدر جدد، والصلد: الصلب اليابس.
يقول: أنا أسر إذا جدد لي الشوق ذكر الشدائد التي سرت على في الهوى، وإن كان مما لا يطيق الحجر الصلد احتماله.
نسب ذكر ما مضى إلى تجديد الهوى؛ إذ لولا الهوى. ما تجدد.
سهادٌ أتانا منك في العين عندنا رقادٌ، وقلامٌ رعى سربكم ورد
القلام: نبت خبيث الرائحة. والسرب: الإبل.
يقول: إني أستلذ الألم فيما ينالني من أجلك! وأستحسن القبيح في حبك، فالسهر في عيني ألذ من النوم، والقلام إذا رعت إبلكم أطيب عندي من الورد! ومثله:
أحب لحبها السودان حتى أحب لحبها سود الكلاب
ممثلةٌ حتى كأن لم تفارقي وحتى كأن اليأس من وصلك الوعد
يقول: أنت مصورة في قلبي، حتى كأنك لم تفارقيني، وإن بعدت عني حتى كأن يأسي منك وعدٌ بلقائك.
وحتى تكادي تمسحين مدامعي ويعبق في ثوبي من ريحك الند
يقول: من قوة تمثلك في قلبي، أظن أنك عندي تمسحين مدامعي وتعانقيني فأجد في ثوبي رائحة الند من ريح ثوبك.
إذا غدرت حسناء أوفت بعهدها ومن عهدها ألا يدوم لها عهد
يقول: إن الحسناء تفي بعهدها، وعهده ألا يكون لها عهد! أي لا يكون لها لقاء، فغدرها إذًا يكون وفاء بعهدها! وقيل: معناه إن الحسناء إذا غدرت، وفت هي بعهدها؛ لأنها مخالفة لسائر النساء.
وقيل: أراد أن المرأة إنما عهدت على الغدر وبه جرت عادتها، فقد فعلت هي إذا غدرت بما جرت به عادتها، فإذا أوفت بعهدها، غدرت ووفت بعهدها؛ لأن عهدها ألا يدوم لها عهد ولا ود.
ومثله لأبي تمام:
فلا تحسبن هندًا لها الغدر وحدها سجية نفس كل غانيةٍ هند
وإن عشقت كانت أشد صبابةً وإن فركت فاذهب فما فركها قصد
القصد: الاقتصاد.
يقول: إن المرأة إذا عشقت، أو أبغضت أفرطت في الحالين فعشقها بمن يعشقها أشد، وبغضها إذا أبغضت أشد، لا اقتصاد لها في ذلك. وقوله: فاذهب إشارة إلى أنه ليس يجب أن يعتمد عليهن في حال من الأحوال.
وإن حقدت لم يبق في قلبها رضًا وإن رضيت لم يبق في قلبها حقد
وهذا تأكيد لما مضى من نفي الاقتصاد أيضًا.
كذلك أخلاق النساء وربما يضل بها الهادي ويخفى بها الرشد
الهاء في بها وبها للنساء.
يقول: إن أخلاق النساء على ما وصفته لك، ولكن العاقل ربما ضل عقله بحبهن، وخفي عليه رشده، فيغلب هواهن رأيه.
ولكن حبًا خامر القلب في الصبا يزيد على مر الزمان ويشتد
[ ١ / ١٧٦ ]
يقول: إن الحب إذا خالط القلب في الصبا، لا يزال يزيد على مرور الأيام ويشتد. ومثله قول الآخر:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى فصادف قلبي فارغًا فتمكنا
سقى ابن عليٍّ كل مزنٍ سقتكم مكافأةً يغدو إليها كما تغدو
التأنيث لكل مزن؛ لأنه أراد جماعة المزن، ويغدو: فعل الممدوح.
يقول: دعاء للسحاب التي سقت ديار أحبائه، بأن يسقي الممدوح التي سقتكم أيها الأحباب؛ حتى يكون مجازاة السحاب على سقياها فيغدو هو إلى السحاب، كما يغدو السحاب إلى ديارهم.
لتروى كما تروى بلادًا سكنتها وينبت فيها فوقك الفخر والمجد
سكنتها، وفوقك: خطاب للمحبوبة.
المعنى: لتروي السحاب من صوب كرمه، كما أروت بلادًا سكنتها أيتها المحبوبة، وينبت السحاب فوقك الفخر والمجد، كما ينبت في ديار المحبوبة النور والعشب.
يعني أن سقياه للسحاب ليس مما ينبت العشب، وإنما سقيا كرم ينبت الفخر والمجد.
بمن تشخص الأبصار يوم ركوبه ويخرق من زحمٍ، على الرجل البرد
الباء: متعلقة بقوله: لتروى أي لتروى بمن تشخص الأبصار. وقيل: بالفخر. أي يثبت الفخر بمن تشخص الأبصار.
يقول: إذا ركب تتحير وتشخص إليه أبصار الناس، ويزدحم عليه الناس ينظرون إليه لحسنه، حتى يخرق بعضهم ثياب بعض من كثرة الازدحام!
وتلقى، وما تدري البنان سلاحها لكثرة إيماءٍ إليه إذا يبدو
البنان: فاعل تلقى وتدرى، والمفعول السلاح.
يقول: إذا بدا للناس بهرهم حسنه فيشير بعضهم إلى بعض بأصابعهم وقد سقط سلاحه من يده، وهو لا يعلم لحيرته. ومثله للمعري في النعاس:
حيث اليسار عن العنان ضعيفةٌ فالسوط تسقط من يمين الفارس
ضروبٌ لهام الضاربي الهام في الوغى خفيفٌ إذا ما أثقل الفرس اللبد
يقول: إنه يضرب في الحرب الشجعان الذين يضربون الرءوس، وإنه فارس خفيف على ظهر فرسه، إذا أثقله لبده. الذي تحت السرج.
بصيرٌ بأخذ الحمد من كل موضعٍ ولو خبأته بين أنيابها الأسد
يقول: إنه عالم بطريق المجد، وكيفية أخذه، فهو يتحمل فيه الموت حتى لو كان في أفواه الأسد لاستخرجه!
بتأميله يغنى الفتى قبل نيله وبالذعر من قبل المهند ينقد
التأميل: الأمل، وينقد: ينقطع.
يقول: كل من أمله حصل له الغنى بمجرد أمله، قبل أن يصل إليه نائله! ومن قصده محاربًا مات من خوفه قبل أن يقتله بسيفه!
وسيفي لأنت السيف لا ما تسله لضربٍ ومما السيف منه لك الغمد
وسيفي: قسم. ولأنت السيف: جوابه.
يقول: وحق سيفي، إنك السيف على الحقيقة. لا ما تسله: أي الذي تسله للضرب؛ لأنك أمضى منه، ولأنه لا يعمل إلا إذا ضربت به؛ فالقطع في الحقيقة لك لا له! وقوله: ومما السيف أي أن غمدك من الحديد الذي يطبع منه السيف. وهو الدروع والجواشن. وإذا لبستها كانت كالغمد لك. أي أت أفضل من السيف جوهرًا، وغمدك أفضل من غمده؛ لأن غمدك من الحديد الذي يعمل منه السيف.
وقيل معناه: إن من جنس الحديد غمدك؛ لأنك تدفع ضربًا بالسيف عن نفسك؛ فقد صار الحديد غمدًا يقيك كما يقي السيف غمده.
ورمحي، لأنت الرمح لا ما تبله نجيعًا، ولولا القدح لم يثقب الزند
يقول: وحق رمحي إنك أنت الرمح على الحقيقة، لا رمحك الذي تبله بالدم؛ لأن الرمح إنما يعمل إذا طعنت به، كما أن الزند لو لم يقدح لم تخرج منه النار.
من القاسمين الشكر بيني وبينهم لأنهم يسدى إليهم بأن يسدوا
يقول: هو من قوم قسموا الشكر بيني وبينهم، فأنا أشكرهم على إنعامهم، وهم يشكرونني على قبولي منهم برهم. وهذا معنى قوله: لأنهم يسدى إليهم بأن يسدوا أي أنهم يعدون نعمهم على غيرهم نعمة على أنفسهم، فيشكرون من قبل نعمهم ويثنون عليهم وهذا من قول التهامي:
ودعا لسائله وأعلن شكره حتى حسبنا السائل المسئولا
فشكري لهم شكران: شكرٌ على الندى وشكرٌ على الشكر الذي وهبوا بعد
يقول: إني أشكرهم من وجهين. أحدهما على نعمهم علي، والثاني على شكرهم لي في قبول نعمهم، وهذه نعمة مجددة.
وهذا البيت من بدائعه التي لم يسبق إليه.
صيامٌ بأبواب القباب جيادهم وأشخاصها في قلب خائفهم تعدوا
وروى: قيام.
[ ١ / ١٧٧ ]
يقول: إن خيلهم قيام على أبواب بيوتهم، وأعداءهم يخافون طلوعها عليهم فكأنها تعدوا في قلوبهم من خوفهم.
وأنفسهم مبذولةٌ لوفودهم وأموالهم في دار من لم يفد وفد
يقول: من قصدهم بذلوا له أنفسهم، ومن لم يقصدهم أنفذوا إليه صلاتهم وأنعموا عليه بأموالهم، فكأن أموالهم وفد.
ومثله لأبي تمام قوله:
فإن لم يفد يومًا إليهن طالبٌ وفدن إلى كل امرىءٍ غير وافد
كأن عطيات الحسين عساكرٌ ففيها العبدي والمطهمة الجرد
المطهمة: الخيل التامة الخلق، الكاملة الحسن.
يقول: إنه يهب العبيد والخيل والسلاح، فكأن ما يهبه عسكرًا لكثرته.
أرى القمر ابن الشمس قد لبس العلا رويدك حتى يلبس الشعر الخد
شبهه بالقمر، وآباءه بالشمس؛ لشرفهما وعلوهما، إشارة إلى أنه اكتسب شرفه من أبيه كما يكتسب القمر نوره من الشمس، ثم قال: رويدك أي أمهل حتى تبلغ مبلغ الرجال. وهذا قلب ما ذكره الحكمي في قوله:
وترى السادات مائلةً لسليل الشمس من قمره
وغال فضول الدرع من جنباتها على بدنٍ قد القناة له قد
غال الشيء: إذا أهلكه. والهاء في جنباتها للدروع.
يقول: إن الممدوح أذهب بالدروع وفضولها أي استوفاها بقده، فكأن طوله قد القناة؛ لاعتداله.
وباشر أبكار المكارم أمردًا وكان كذا آباؤه وهم مرد
أبكار المكارم: هي المبتدئات منها التي سبق الممدوح إليها.
يعني: أنه سئل وهو أمرد، وكذلك كان آباؤه، فهو يجري على عادتهم أيضًا وسننهم.
مدحت أباه قبله فشفى يدي من العدم من تشفي به الأعين الرمد
يقول: مدحت أباه قبل مدحه، فشفاني من الفقر وأغناني، من إذا نظرت إليه الأعين الرمد، شفاها! ومثله لابن الرومي:
يا أرمد العين قم قبالته فداو باللحظ نحوه رمدك
حباني بأثمان السوابق دونها مخافة سيري، إنها للنوى جند
مخافة: نصب لأنه مفعول له.
يقول: أعطاني أبوك الدراهم والدنانير دون الخيل؛ خوفًا من أن أخرج عليها من حضرته؛ لأن الخيل معينةٌ على البعد، وجند له..
وشهوة عودٍ، إن جود يمينه ثناءٌ ثناءٌ، والجواد بها فرد
شهوة: نصب عطفًا على مخافة، والهاء في بها للأثمان. والألف واللام في الجواد بمعنى الذي. أي الذي يجود.
يقول: أعطاني أثمانها دونها مخافة سيري بها، وشهوةً منه أن يعود إلى العطاء؛ لأن جوده لا يقتصر على مرة واحدة، بل هو مثنى مثنى، أي إن عادته أن يجود مرتين مرتين. والذي يجود به فرد: أي الممدوح فرد لا ثاني له في شرفه، كما لا نظير له في زمانه وأقرانه.
فلا زلت ألقى الحاسدين بمثلها وفي يدهم غيظٌ وفي يدي الرفد
بمثلها: أي بمثل العطايا. وهي الأثمان.
يقول: دام لي عطاؤه ورفده حتى أغيظ بهما حسادي، فيكون معهم غيظ ومعي عطاء! وهذا دعاء لنفسه وعلى الحاسدين له.
وعندي قباطي الهمام وماله وعندهم مما ظفرت به الجحد
القباطي: جمع القبيطة، وهي ثياب مصر. والقبيطة منسوب إلى القباط وهم نصارى. كالذين يسكنون ريف مصر ورساتيقها، بمنزلة سواد العرب.
يقول عطفًا على دعائه الأول: لا زلت أبدًا آخذ خلعه وأمواله وحسادي يجحدون ما ظفرت به لغيظهم فيقولون: لم يعطه شيئًا! ليطيبوا بذلك أنفسهم. وقيل: أراد أنهم يجحدون نعمه ويقولون: لم يعطه شيئًا، حتى يكون جحودهم سببًا لانقطاع صلاته عنهم.
يرومون شأوى في الكلام وإنما يحاكي الفتى فيما خلا المنطق، القرد
يقول: إن الحساد يحاولون بلوغ غايتي في الفصاحة والبيان، وهم قرود! والقرد يحاكي الإنسان في أفعاله، إلا في النطق فكيف يقدرون على ذلك؟!
فهم في جموعٍ لا يراها ابن دأيةٍ وهم في ضجيجٍ لا يحس به الخلد
ابن دأية: الغراب. ويوصف بحدة البصر والخلد: الفأرة العمياء، وتوصف بحدة السمع، وصدق الحس.
يقول: إنهم من قلتهم وخستهم لا يراهم الغراب مع حدة بصره، وإن كانوا كثيرين في العدد ولهم أصوات وضجيج، ومع ذلك فالخلد لا يحس بها مع صحة السمع.
ومني استفاد الناس كل غريبةٍ فجازوا بترك الذم إن لم يكن حمد
كل غريبة: أي كل لفظ غريب، أو معانٍ غريبة، أو خصلة.
وفي جازوا قولان:
[ ١ / ١٧٨ ]
أحدهما: ما قاله ابن جنى. أنه من قولهم: هذه الدراهم جائزة. أي تجوز على خبث.
كأنه يقول: إن الناس استفادوا مني الأخلاق الغريبة والمعاني البديعة. فتكلموا ما ليس في طباعهم فجازوا ونفقوا بترك الناس ذمهم، وإن لم يحمدوهم.
والثاني: أن جازوا أمر من المجازاة. وعدل عن معاتبه إلى الخطاب فيقول: أيها الناس إذا استفدتم مني هذه المعاني فجازوني بترك الذم إن لم تحمدوني.
وجدت عليًا وابنه خير قومه وهم خير قومٍ واستوى الحر والعبد
يقول: وجدت عليًا وابنه أفضل قومه، وقومه خير الناس. من بعدهم متساوي في الفضل، لا فضل في ذلك بين الحر والعبد.
وأصبح شعري منهما في مكانه وفي عنق الحسناء يستحسن العقد
روى: في عنق الحسناء. أي عنق المرأة الحسناء وروي: وفي العنق الحسناء؛ على أن يكون الحسناء صفة للعنق. والكناية في منهما للممدوح وأبيه، وفي مكانه للشعر.
يقول: أصبح شعري فيهما حين مدحتهما به في مكانه. أي في المكان الذي ينبغي أن يكون فيه، فزاد حسنه، كما أن العقد إذا كان في عنق الحسناء، أو في العنق الموصوف بالحسن كان أزيد حسنًا؛ لما كان ذلك مكانه.