كان سبب اختياره للكتب السابقة أنها تحتوي على جميع الشواهد النحوية، وما يتعلق بها من شرح وذكر المناسبة والقصائد والمقطوعات التي منها هذه الشواهد، وإعرابها وبيان وجه الاستشهاد بها، وتحقيق نسبتها إلى قائليها وذكر الخلاف فيها. فهذه الكتب تعتبر موسوعة للشعر العربي القديم ومدخلًا إلى دراسته.
و"كتاب سيبويه" هو الأصل للشواهد النحوية، وفيه أكثر من ألف شاهد شعري، ولم يعتن العلماء بكتاب آخر في النحو مثل اعتنائهم به. ثم كانت عنايتهم بكتاب "الجمل" للزجاجي (ت ٣٤٠) و"الإيضاح" لأبي علي الفارسي (ت ٣٧٧)، و"المفصل" للزمخشري (ت ٥٣٨). ويوجد في "الجمل" ١٦١ شاهدًا، وفي "الإيضاح" ٣٤٠ شاهدًا، وفي "المفصل" ٤٥٣ شاهدًا شعريًّا. وقد ألَّف العلماء كتبًا كثيرة في شرح هذه الكتب الأربعة وشرح شواهدها خاصة، لا أريد الخوض في تفصيلها، لأنه يخرج بنا عن المقصود.
_________________
(١) انظر مقاله في مجلة المجمع، المجلد ٤٩: ٤ ص ٨٨٢.
[ ١٥ ]
وفي القرن السابع ألَّف ابن الحاجب (ت ٦٤٦) "الكافية"، ونظم ابن مالك (ت ٦٧٢) "الألفية"، فانصرف الناس إليهما في بلاد الشرق والغرب. وشرح العيني شواهد أربعة شروح من شروح الألفية، لابن الناظم (ت ٦٨٦) وابن أم قاسم (ت ٧٤٩) وابن هشام (ت ٧٦١) وابن عقيل (ت ٧٦٩)، ونسب كلّ بيت إلى من ذكره في كتابه برمزٍ اختاره لكل واحد منهم، وهو: ظ= ابن الناظم، ق= ابن أم قاسم، هـ= ابن هشام، ع= ابن عقيل. وعدد الشواهد في كتاب العيني ١٢٩٤ شاهدًا.
وشرح عبد القادر البغدادي شواهد "شرح الرضي على الكافية" في كتابه "خزانة الأدب ولبّ لباب لسان العرب"، وفيه ٩٥٧ شاهدًا. وهو أوسع كتب شروح الشواهد وأهمها، وأكثرها استيعابًا للمباحث المتعلقة بالشعر والشعراء، ومسائل النحو واللغة، وتراجم الشعراء والأدباء، وأخبار العرب وأنسابها، وغيرها من المعارف العامة، لا يستغني عنه باحث في علوم اللغة العربية وآدابها.
وكتابا العيني والبغدادي يستوعبان جميع شواهد "الجمل" و"الإيضاح" و"المفصل"، ولم يَفُتْهما من شواهد سيبويه إلا القليل. ثم لما ألّف ابن هشام "مغني اللبيب عن كتب الأعاريب" تلقّاه العلماء بالقبول وشرحوه، وشرح شواهدَه كلٌّ من السيوطي وعبد القادر البغدادي. وعدد شواهد المغني ١٢٠٣ (مع التكرار) و٩٤٦ شاهدًا بدون تكرار، شرح منها السيوطي ٨٧٩ شاهدًا، وأسقط البقية لأن صاحبها ممن لا يحتج به لتأخر عصره كالمتنبي مثلًا، أو لداعية الاختصار. وكثير من شواهد المغني لم يحظ بالشرح والتحليل عند السيوطي، بل كان سردًا لا يتبعه بشرح أو تعليق. أما البغدادي في "شرح أبيات مغني اللبيب" فلا يكاد يُغفِل بيتًا مما ورد في "المغني"، سواء كان مما يحتج به أو مما أورده ابن هشام للاستئناس.
[ ١٦ ]
وآخر كتاب نحوي اهتمَّ العلماء بشرح شواهده هو "همع الهوامع شرح جمع الجوامع" للسيوطي، الذي يحتوي على ١٨٢١ شاهدًا (^١). وقد شرح هذه الشواهد العلامة أحمد بن الأمين الشنقيطي (ت ١٣٣١) في كتابه "الدرر اللوامع على همع الهوامع".
واطلعتُ أخيرًا على كتاب "جامع الشواهد" لمحمد باقر الشريف (من القرن الثالث عشر) الذي طبع لأول مرة في إيران سنة ١٢٧٥. ذكر المؤلف في مقدمته أنه ألّف أولًا كتابه "الشواهد الكبرى" الذي كان يحتوي على شواهد ستين كتابًا في علوم النحو والصرف والبلاغة، مع شرحها وذكر تمام قصائدها وأسماء شعرائها وبيان الشاهد فيها. ثم اختار منه شواهد خمسة عشر كتابًا من الكتب الدراسية المتداولة، وهي: "شرح الأمثلة"، و"شرح التصريف"، و"الشافية"، و"شرح النظام"، وشرحا "العوامل"، و"شرح القطر"، و"شرح الأنموذج"، و"الهداية"، و"الكافية"، و"شرح الجامي"، والسيوطي (لعل المقصود به شرحه على الألفية المسمى "البهجة المرضية")، و"المغني"، و"المختصر" و"المطول" شرحا التفتازاني على "التلخيص". وقد رتب المؤلف هذه الشواهد على أوائل الأبيات دون قوافيها، وأشار في أنصاف الأبيات وأعجازها إلى مراجعتها بعد البيت الفلاني أو في البيت الفلاني، وشرحَ معنى البيت بالفارسية وكذا وجه الاستشهاد به، لأن الغرض من تأليفه إمداد الطلّاب الفرس بشرح الأبيات التي تمرُّ بهم في المقررات الدراسية المتداولة.
يظهر لنا باستعراض الكتب السابقة أن ("الخزانة" والعيني والسيوطي و"الدرر اللوامع") قد استوعبت جميع الشواهد النحوية تقريبًا، ولذا وقع اختيار المعلمي
_________________
(١) ذكر الشنقيطي في خاتمة "الدرر اللوامع" أن الكتاب يحتوي على ألف وخمسمئة شاهد ونيف غير المكررات. وهو عدد غير دقيق.
[ ١٧ ]
عليها، وأضاف إليها "كتاب سيبويه" و"أمالي ابن الشجري"، لأن "الكتاب" هو الأصل، وينفرد بشواهد عديدة، وفي "الأمالي" أبيات مشكلة للمتنبي وغيره شرحها المؤلف وتكلم عليها، وأفاض في ذكر المسائل المتعلقة بها، وجمع أقوال كثير من النحاة واللغويين والأدباء، وقد أملاها في ٨٤ مجلسًا (^١).
وراجع المؤلف "المغني" واستخرج منه الأبيات التي لم يشرحها السيوطي، كما بدأ بفهرسة أشعار "معجم البلدان" و"لسان العرب" ولكنه لم يتمها. ولو تمَّ لكان مغنيًا عن غيره من الفهارس. وهو في الوضع الراهن يرشد الباحثين إلى مظان الشعر والكلام عليه في كتب شروح الشواهد والمصادر الأخرى المهمة.