أراد المؤلف في هذا المعجم أن يفهرس الشعر الموجود في أهم كتب النحو واللغة وشروح الشواهد، فاختار أولًا ستة كتب، وهي: "خزانة الأدب" لعبد القادر البغدادي (ت ١٠٩٣)، و"المقاصد النحوية في شرح شواهد شروح الألفية" للعيني (ت ٨٥٥)، و"شرح شواهد المغني" للسيوطي (ت ٩١١)، و"أمالي ابن الشجري" (ت ٥٤٢)، و"الأشباه والنظائر" للسيوطي، و"كتاب سيبويه" (ت ١٨٠).
[ ٩ ]
ثم أضاف إليها: "الدرر اللوامع على همع الهوامع" لأحمد بن الأمين الشنقيطي (ت ١٣٣١)، و"مغني اللبيب" لابن هشام (ت ٧٦١)، و"معجم البلدان" لياقوت الحموي (ت ٦٢٦)، و"لسان العرب" لابن منظور (ت ٧١١). وكان قصده أن يصنع فهرسًا موحَّدًا لجميع ما ورد فيها من الشعر، إلّا أنه لم يستخرج من "الأشباه والنظائر" شيئًا، ولعله لم يفرغ له، ولم يُتِم فهرسة "معجم البلدان" و"لسان العرب"، فقد توقف في "معجم البلدان" عند رسم (بُسيان) وفي "لسان العرب" عند مادة (فيأ). ولعل السبب في انصرافه عن فهرسة "اللسان" ظهور فهرسٍ للشعر والشعراء فيه من صنع الأستاذ عبد القيوم بجامعة بنجاب بلاهور سنة ١٩٣٨ م.
وقد صنع الشيخ هذا الفهرس على مرحلتين، قام في المرحلة الأولى بجرد كلّ مصدر واستخراج ما فيه من القوافي مع ذكر البحر والقائل والمصدر. وفي المرحلة الثانية قام بدمْج جميع القوافي ووضعها في مكانها المناسب، مع ذكر الإحالات إلى جميع المصادر. وقد وصل إلينا دفتران برقم [٤٩١٦ و٤٩١٨] في مكتبة الحرم المكي، نعرف بهما منهجه في المرحلة الأولى. فالأوراق (١ - ٦) من الدفتر الثاني تبيِّن طريقة الشيخ في فهرسة "خزانة الأدب"، فقد ذكر أولًا في رأس كل صفحة حروفَ القافية (ت ث ج) (^١) إلى (ن هـ ي)، ثم في يمين الصفحة يذكر مثلًا (جَ) ثم يترك فراغ أسطر، ثم يذكر (جِ) (جُ) (جْ)، ويذكر أمام كل منها صفحات "الخزانة" بمجلداته الأربعة مع الإشارة إلى المجلد برقم أكبر، فهو بهذه الطريقة قسَّم جميع القوافي الواردة في "الخزانة" مع تقييد الصفحات، ولما أراد نقلها إلى المعجم في المرحلة الثانية سَهُل عليه مراجعة كل قافية ووضعها في مكانها. وقد علَّم الشيخ على أرقام الصفحات في هذا الدفتر بعلامة تُشبه القوس،
_________________
(١) الصفحات الأولى التي كانت تحتوي على قافيتي (أب) ضائعة.
[ ١٠ ]
ولعلها إشارةٌ إلى أنها نُقلت إلى مكانها من المعجم.
ويفيدنا الدفتر رقم [٤٩١٦] كيفية استخراج الشيخ أبيات بقية المصادر، ويقع هذا الدفتر في ١٦٣ صفحة، وقد خصص كل صفحة لقافية معينة، وقسَّمها قسمين بوضع خط عمودي في وسطها، يكتب في الجهة اليسرى قوافي "لسان العرب" مع ذكر البحر والقائل والمادة، وفي الجهة اليمنى قوافي كلٍّ من "كتاب سيبويه" و"أمالي ابن الشجري" و"الدرر اللوامع" و"معجم البلدان" لياقوت كذلك بالرموز، ولم أجد فيها الإحالات إلى كتاب العيني، ولعلها كانت في دفتر ثالث. ولم يستخدم الشيخ البطاقات، بل اعتمد في التقييد على الدفتر، لئلا يضيع شيء من الشعر بضياع البطاقات.
وفي المرحلة الثانية عند دَمْج جميع ما استخرج من القوافي اتخذ دفترًا صغيرًا مسطَّرًا، وجعل في كل صفحة منه عشرة جداول أو أعمدة بوضع خطوط فاصلة بينها، وكتب في أول صفحة منه في أعلاها: (^١) قافية بحر شاعر الخزانة العيني شواهد المغني أمالي ابن الشجري الأشباه والنظائر كتاب سيبويه
وقد ذكر كل معلومة وإحالة إلى المصدر بالجزء والصفحة بكل دقة، مع أنه لم يشر إلى عناوين هذه الجداول إلّا في الصفحة الأولى من الدفتر، ولم يكررها في كلّ صفحة. ونادرًا ما يخطئ في ذلك، وقد نبَّهت عليه بالرجوع إلى المصادر.
رتّب المؤلف هذا المعجم على القوافي بعدد الحروف من الألف إلى الياء، وقسَّم كل قافية إلى المقيدة بالسكون ثم المفتوحة ثم المكسورة ثم المضمومة،
_________________
(١) لم يكتب هنا شيئًا، وقد خصّص هذا العمود لذكر حرف الروي.
[ ١١ ]
وألحق بكلّ قسمٍ منها ما وُصِل بالهاء، ففي حرف اللام مثلًا: (لْ، لا، لَه، لَها، لِ، لِه، لِها، لُ، لُه، لُها).
كما قَسَّم قوافي كل حرف على البحور من الطويل إلى المتقارب (^١) ويبيّن إذا كان مجزوءًا أو مشطورًا أو منهوكًا، أو دخله أيّ نوع من الزحاف، فيذكر في بحر الكامل مثلًا: كامل، كامل أحذ مضمر، كامل مجزوء ، ثمَّ يجعل القوافي من بحر معيَّن في مجموعات حسب نظام القافية: المتواتر، المتدارك، المتكاوس أو المتراكب، المؤسَّسة، المردوفة بألف، المردوفة بواو أو ياء، مثل: (البقْل، يفعل، سُبُل، يحاول، خيال وأمثال، يطول وجميل).
وعند ذكر قافية البيت كثيرًا ما يكتب كلمة أو كلمتين أو أكثر قبلها للتمييز بين القوافي المتشابهة أو لتذكُّر الأبيات المعروفة. ويذكر عدة قوافٍ من قصيدةٍ واحدة للشاعر في موضع واحد، ويجمع بين مصادرها عند الإحالة دون التمييز بينها، وعند الإشارة إلى أبيات المعلقات والقصائد المشهورة يقتصر على ذكر قوافٍ قليلة منها، ويضع بعدها نقطًا () للدلالة على كثرة الاستشهاد بأبياتها، ثم يُحصي مواضع ورود جميع هذه الأبيات في المصادر إجمالًا.
وإذا وجد قوافي من قصيدة واحدة في بقية المصادر، أدخلها في المكان المناسب بخط صغير، ووضع خطًّا فاصلًا ممتدًّا من يمين الصفحة إلى يسارها للتمييز بين القوافي ومصادرها، ولئلا تختلط الإحالات إليها والمعلومات المتعلقة بها من ذكر البحر والقائل. وأحيانًا يذكر بعض القوافي في الهوامش إلى
_________________
(١) لا يوجد شيء من البحر المتدارك لعدم وجوده في الشعر القديم، ولذا لم يذكره الخليل، واستدركه الزجاج كما صرَّح بذلك القاضي أبو بكر ابن العربي في "أحكام القرآن" (٤/ ١٦١٠). ووهم من قال: استدركه الأخفش، فقد طبع كتابه وليس فيه ذكر المتدارك.
[ ١٢ ]
اليمين، وإذا ضاق المكان كتبها في أسفل الصفحة أو أعلاها. وقد نقلتُ هذه القوافي إلى مكانها المناسب اتباعًا لمنهج المؤلف.
وإذا كان هناك عدة قوافٍ من قصيدة لشاعر، وضع قبل بعض القوافي علامة × للدلالة على أنها من شواهد "كتاب سيبويه" دون غيرها، ولا يضع العلامة عندما تكون القافية أو جميع القوافي من شواهد سيبويه، فلا داعي هناك للتمييز.
وقد يشير إلى نقل قافية من مكان إلى مكان آخر بوضع قوسٍ في أولها، ثم إيصالها بخطّ إلى المكان المطلوب.
ولم يقتصر الشيخ على ذكر الشواهد النحوية فقط، بل قام بفهرسة جميع الأبيات الواردة في المصادر المختارة، ولكنه لم يذكر إلا قافية البيت الأول والأخير من المقطوعة أو القصيدة غالبًا، وقد يذكر غيرهما أيضًا. وأحيانًا يشير إلى مصدرٍ فيه بعض الأبيات من القصيدة، ولا يُثبت قوافيها استغناءً عنها بذكر أبيات منها في كتب شروح الشواهد، وغالبًا ما يفعل ذلك بأبيات "معجم البلدان" و"لسان العرب".
ويبدو أنه بدأ بذكر أبيات "الخزانة" أولًا بالاعتماد على الفهرس الأولي الذي أشرتُ إليه، ثم استعرض كتاب العيني و"شواهد المغني" مع "المغني" (للأبيات التي لا توجد في شرح شواهده) و"أمالي ابن الشجري" و"كتاب سيبويه"، وأضاف في أثناء القوافي المذكورة ما وجد من قوافٍ جديدة، ثم أضاف إليها قوافي أبيات "الدرر اللوامع" و"معجم البلدان" و"اللسان" نقلًا من الدفتر الذي استخرج فيه أبياتها. وقد أشار إلى مواد "اللسان" في الجدول الذي خصَّصه للأشباه والنظائر (الذي لم يستخرج شواهده)، كما أحال إلى "الدرر اللوامع" و"معجم البلدان" في الجدول الذي خصَّصه للعيني، فقد وَسِع للإحالات إلى هذه
[ ١٣ ]
المصادر الثلاثة. وإذا كثرت الإحالات إلى مصدر معين، وضاق المكان المخصص للإشارة إليها جميعًا، ذكر بعضها في أسفل الصفحة في التعليق، وقال: "وانظر ".
أما الجدول الخاص بذكر الشاعر فقد ذكر فيه اسمه، وإذا كان هناك اختلاف في نسبة البيت إلى أكثر من شاعر صرَّح بذلك. وأحيانًا يضع اسم الشاعر بين القوسين ()، ويذكر المصدر بجواره أو في التعليق، إشارةً إلى أن بقية المصادر لم تذكر اسم القائل. وفي مواضع كثيرة وضع رقم (٥٠) بين القوسين مكان اسم الشاعر، للدلالة على أنها من الأبيات الخمسين (في "كتاب سيبويه") التي لم يُعرف لها قائل، كما نُقل عن الجرمي: نظرتُ في كتاب سيبويه، فإذا فيه ألف وخمسون بيتًا، فأما الألف فقد عرفتُ أسماء قائليها فأثبتُّها، وأما الخمسون فلم أعرف أسماء قائليها. وقد روي هذا الكلام لأبي عثمان المازني أيضًا (^١).
والواقع أن جملة غير المنسوب في كتاب سيبويه تبلغ ٣٤٢ موضعًا، منها ٤٣ موضعًا سُمِّيت فيها قبيلة الشاعر ولم ينصّ على اسمه، ونسب الأعلم الشنتمري في شرحه لشواهد الكتاب المسمى "تحصيل عين الذهب " ٥٧ موضعًا. فما يبقى بعد ذلك غير منسوب ٢٤٢ موضعًا، نسب منها الأستاذ رمضان عبد التواب (^٢) ١٦٧ موضعًا، وسبقه إلى نسبة كثير منها ابن السيرافي في "شرح أبيات سيبويه"، إذ توصَّلَ إلى معرفة الشاعر في ١٢٩ موضعًا، وصحح النسبة عند
_________________
(١) انظر "خزانة الأدب" (١/ ٨) و"المقاصد النحوية" للعيني (٢/ ١٦٢) و"طبقات النحويين واللغويين" للزبيدي (ص ٧٥).
(٢) في بحثه "أسطورة الأبيات الخمسين في كتاب سيبويه" المنشور في مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق، المجلد ٤٩: ٢ (١٩٧٤ م) ص ٦١ وما بعدها.
[ ١٤ ]
سيبويه في ٣١ موضعًا. ونسب الأستاذ محمد علي سلطاني (محقّق كتاب ابن السيرافي) حوالي ٤٥ موضعًا منها (^١). وخلاصة القول أن غير المنسوب في كتاب سيبويه حتى الآن أكثر من خمسين موضعًا، فلا صحة لما نُسِب للجرمي والمازني بهذا الصدد. والشيخ المعلمي ﵀ جرى على ما كان سائدًا عند شرّاح الشواهد، وتابعهم عليه، وهو معذور في ذلك إن شاء الله. أما الآن فيجب التثبُّت في كل ما يقال إنه من الأبيات الخمسين، ويُحقّق نسبته إلى قائله.