اعلم أن النبوة ليست بمكتسبة ولا هي صفة النبي ﷺ وليست بجسم فيوضع على الطبق وأما تفسير النبوة فمعناها تعلق خطاب الله تعالى بشخص أن يقول له أنت رسول وقد بعثتك الى أمة كذا لتدعوهم الى كذا فحينئذ ثبتت رسالته ويجب على الخلق طاعته ولا يتعلق هذا بكسب بشر ولا يحصل بجهد آدمي ولو أنفق عمره في الرياضة وأذاب مهجته فيها فليت شعري ما عمل عيسى في المهد حين قال إني عبد الله وما فعل خليل الله في صباه حين قال إني وجهت وجهي وماذا كسب آدم ﷺ ببديع فطرته حين قال من تراب ثم اصطفاه واجتباه واخوة يوسف مع ما فعلوا مع يوسف خصوا بالنبوة وموسى ﷺ كان يرعى لشعيب الغنم فأعطاه الله النبوة هيهات هيهات لا كسب ولا رياضة ولا جهد ولا
[ ٣٧ ]
دراسة بل نبأ عناية ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء وقد ضل في هذا الباب عالم وهلك جماعة وغرق في بحار الفكر جميع الفلاسفة فقالوا النبوة مكتسبة يمكن كسبها بالرياضة فيقال لهم يا ضلال استحيوا من الله حق الحياء فان محمدا ﷺ كان في اجارة خديجة ﵂ يعمل لها وكان يرعى فأدرجت النبوة بين كتفيه ﷺ ثم منذ استأثر الله تعالى محمدا ﷺ ونقله الى جنته قد مضى زهاء خمسمائة سنة وأربعين سنة أما كان رجل من هذا العالم العظيم أن يصفي نفسه ويروض طبعه لينال النبوة ثم أنتم بعد تقشفكم وعزوبكم من طيبات الدنيا يسكن أحدكم حيا فارغا طول الدهر لا يأكل شيئا من الدنيا ومع ذلك لم يكن أحد فيكم ادعى النبوة لا كان ولا يكون الدهر الى يوم القيامة فأمسكوا عن هذيانكم واقصروا عن بهتانكم ومن قال ان الانسان برياضة القلب وبمجاهدته للنفس يصل الى العالم الروحاني فذاك زنديق يقرع باب الزندقة بل صفاء القلب من فضل الله وسواد القلب من خلق الله لا خالق الا الله لا علة ولا معلول ولا طبيعة ولا مصنوع بل الله صانع وما سواه مصنوع فكم رأينا من رجل جاهد وهاجر وراض نفسه بالمجاهدات الشاقة فما حصل الا على السوداء البحت والماليخوليا الصرف وكم رأينا من يتمرغ في النعيم يغدو بجفان ويروح بجفان وقد
[ ٣٨ ]
حصل له كرامات وولايات وليس باتفاق فحذوا حذركم فأي طاعة أكثر من طاعة ابليس وعاقبته اللعنة وأي معصية فوق معصية سحرة فرعون وخاتمتهم الرحمة قال الأستاذ أبو اسحق ان بعض الفلاسفة خدع بعض الناس وقال انكم تصلون بالرياضة وصفاء القلب الى عالم الروح ومن عالم الروح الى عالم الملكوت ومن عالم الملكوت الى عالم الغيب فالمساكين هجروا الديار والأوطان وأقبلوا على أكل الحشيش ومساكنة الجبال ومرافقة الوحوش فخف دماغهم وأخذتهم الماليخوليا فتعجلوا بالمعد السوداء وذهبت أعمالهم هباء ولم يحصلوا الا على سراب يحسبه الظمآن ماء (قاعدة مفيدة) خاصية النبي ﷺ شيئان اثنان احداهما أن لا يكون في نظره خطأ البتة فلا يعتريهم خطأ في دين الله تعالى والله تعالى يعصم نظرهم عن الخطأ والنسيان ويجوز الخطأ والنسيان على الأنبياء الا في موضع واحد وهو تبليغ الرسالة ففي هذا الموضع لا يجوز فتأمل في هذه النكتة والثاني ان الله قد شرفهم وأكرمهم بأخبار الغيب أو بواسطة ملك أو بنفسه أو بأن يخلق لهم علما يعرفون به أنه كلام الله أو غيب يظهره عليه عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا الا من ارتضى من رسول وما سوى ذلك فهو كسائر الآدميين.
[ ٣٩ ]